أحياناً يكون أول الكلام احتواءً لما يليه، أو امتلاء به، أو عتبة رؤية له، أو مسلكاً يتحدد اعتبارياً في ضوئه، حال العنوان في الكتاب، وما يأتي طيّه توضيحاً أو توصيفاً.
بناءً عليه، سألتزم بهذا الجاري إظهاره عنواناً رئيساً، كما هو المألوف، وما يجري تنويره تعريفاً.
والكاتب والروائي العربي الكبير واسيني الأعرج في كتابهالمصنَّف سيرة ذاتية( عطر الرواية" هذا أنا، كما عرفتُني )، والصادر حديثاً نسبياً عن دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة،2023، في " 224 " صفحة من القطْع الوسط، يقدّم نفسه كاتباً عبر هذا المنحى الأدبي.
العنوان يتكلَم محتواه، إنه هوية مثقلة بالدلالة، بين صياغة توصيفية" عطر الرواية " أي ما يحفّز على النظر إلى الرواية، وكما يراها الكاتب، ذو الكم الوافر والذائع الصيت من الاعمال الروائية قبل كل شيء، وما ينيرها على صعيد المقاربات النقدية، والمتابعات الروائية، وورش الكتابة في جهات مختلفة، بوصفها جسماً ينفث رائحة، هي عطر، والعطر هنا درجات، العطر مورّثة لا يعرَّف عليها قيمة فنية وجمالية، إلا في نوعية المسطور بين دفتي هذه الرواية أو تلك من رواياته. والمحدَّد هنا هو جنس الرواية، وليس جنس الكتابة عموماً، كما يُعرَف بأعمال نقدية له :عربية وفرنسية،وعطر الرواية يتوقف في التسمية على مدى مهارة قارئها، وما كتِب عنها من قبل كاتبها طبعاً، ومن خلال اللافت في سَمت المكاشفة: هذا أنا، حيث الإشارة لا تمضي بعيداً إنما تتوجه نحوه، نحو أناه، كضمير متكلم، وما لهذا الضمير من تاريخ إشكالي: بين أن يكون " أنا " الاسم ، اسم العلم الشخصي، واسم الكاتب، ومن خلال المحدَّد به روائياً، وما هو منطوق من خلاله، في نطاق الرواية بالذات، وليس الأنا عموماً، وأي هيئة مفهومية متشكلة فنياً له، وما ييقي الإسناد ذاتياً، في " كما عرفتُني "، ولكن الكلام لا يتكلمه، وإنما هو خطابه إلى قارىء، وتنويه إلى أن الذي يتكلم هو أنا الذي عرِف به كتابة، وما على القارىء أن يكثّف رؤيته في ذلك .
واللافت، هو البعد الحسي" الشمّي "حيث " الشم " يعتمد على قوة حيوية ونفسية في إبراز نوعية المشموم، بوصفه عطراً. إنه روح المشموم، وكيف يكون ذلك، الشم يُسمي الأنف، والأنف بارز، في منتصف الوجه، وهو نشط، ويعمل في صمت، ولامرئي في عمله، حيث يتقصى الرائحة المندرجة عطراً، من محيطه، من حوله، ومن ةداخله تخيلياً، بسيطاً ومركَّباً، ويمارس تطعيماً، كما لو أن الأنف هو " المعدة " المحوَّلة لهضم " العصارات الشمية " وطرحها كلاماً مختلفاً هنا.
وهو ما يدفع بي إلى محاولة اقتفاء أثر هذه العلاقة بين المعتمَد عليه أنفياً، والمتشكل عطراً.
في صورة الغلاف الملونة بالأزرق ذي التدرجات، وهو يفيض على الصفحة بالذات عموماً، يسمح للناظر لأن يقرأ الكثير في القليل الذي يغشي الغلاف، وينتشر بمعانيه، ومن خلال الربط بالكتاب محتوىً.
يذكّر هذا الأزرق بالكاتب والشاعر الفرنسي الكبير جان موريس مولبوا، وفي كتابه الأثير ذي العلاقة بهعذا اللون المنتقى: تاريخ الأزرق UNE HISTOIRE DE BLEU، وما في جعبته المفتوحة من إيماءات واستطالات تعبيرية، وتحرّ لحقيقة مركَّبة، وكما يقول مؤلفه:
هذا اللون الأزرق الذي يكسو قلوبنا ينقذنا من حالة العرج. في ساعات الحزن ، ننشره مثل بلسم على نهايتنا.
الأزرق هو لون النظرة ، باطن الروح والفكر ، التوقع ، التخيل والنوم.
إنه لون السماء ، البحر ، لون الروح بعد أن جردت من جسدها. إنه "رنين خاص للهواء" ، "كومة من الوضوح ، هو لون ينشأ من الفراغ المضاف إلى الفراغ ، كما هو متغير وشفاف في رأس الإنسان كما في السماء.
اللون الأزرق يمثل لون الاختفاء أو الغياب أو اللاوجود...إلخ.
سلسلة من المتواليات الهندسية بمعطياتها الرمزية، واستشراف أعماق قريبة وبعيدة، تلهم الناظر لأن يكون مقتفي الحراك التموجي ومآلاته، وصمته المتوثب في آن.
لون متعدد النداءات،في شغف ما بما يصله برهانه، بالبعيد والقريب فيه، بالبحري الشفاف، والسماء الشفافة، بخاصة الانسكاب بمداده الرمزي، وفي صورتين للكاتب، الأقرب إلينا، في نصفيتها جلوساً، كما يبدو، وهي جانبية، ببلوزة، وكنزة صفراء ذات سحّاب، تعبيراً عن إنسان عملي، مع حركة اليد اليسرى، بأصابعها المشكّلة هيئة سَلّية، شبكية، ما يوحي بمتكلم، بوضعية تعبير، وعبر سيماء الوجه، ونظر ٍ إلى البعيد، وصورة أبعد تقع في الجانب الآخر من صفحة الغلاف، وظهْرية، ومن خلال اللون الأزرق الغامق، والقبعة الرأسية، كما لو أن ممثّل الصورة وهي تمشي في طريق، وفي طقس بارد، كما هو المعطف الدال، وفي شارع، أشبه بزقاق لا حركة فيه، يتوسط صفين عاليين نسبياً من البنايات، وفي النهاية واجهة بنايات أقصر طولاً، ما يمد بالنظر توقعاً، إلى سابر ماض معين، وفي الحالتين، يكون المتَاح التقريبي لقراءة بصرية، وامتلاء بشم صامت، ربما هي صورة مركَّبة من خلال اتفاق معين، وليس كما هي ترجمة " رسمية " لكتابة قائمة بين دفتي الكتاب..
يتكفل المفهوم العطري بالكثير مما شكّل عالَم كتابه، وهو ينشر أريجه، إنما وقبل كل شيء، وهو يعلِم ويعلّم بمؤثرات هذا " الكائن الشفاف " والحسي ، العطر، بشهادة الأنف وتبعاتها، وللأنف تاريخه في حساب قدرات الحواس، وما يمضي بالمعني إلى فِناء المرئي وجهياً فيه، إلى أنفاس أنفية، وواردها النفْسي، ومردودها النفسي، وفي تاريخ، معتبَر، وإن كان متقطعاً، يخص دور الأنف في التاريخ الحيوي والثقافي. أولم يقل نيتشه (كل عبقريتي موجودة في أنفي)، أوليس قيل في الشبكة البيولوجية للأنف وبرزخيته من حيث الموقع ظاهراً وباطناً، عبْر عملية الشمس، وما يُنتظر منه، وما يعرَف به جمالياً في الواجهة، يمنحه وجاهة استثنائية في الحالة هذه، كما جاء في تعريفه ( أنف الشخص البالغ، بما يحتويه من مائة مليون خلية شمية، لا يزال قادرًا على التمييز بين ألفين إلى أربعة آلاف رائحة. وكما أظهر مارسيل بروست، فإن الآثار التي تتركها الروائح في ذاكرتنا تشكل احتياطيات هائلة من المشاعر. لذا، كلما أمكنك، قم بـ"تتبيل" نصوصك، وسوف تقدر الذاكرة الشمية لقرائك ذلك..)...؟ ثمة صك تقدير مسجّل مؤرشَف تاريخياً!
السؤال: أي أنف كتابي مجازي، تكوّن لدى الأعرج في مسيرته الكتابية: الروائية، يا تُرى؟
وتأتي كلمة الإهداء، والغفل من تسمية " الإهداء " ربما تعزيزاً لهذا المشهد" الغلافي " والعنوان الدال، عنوان ربما هو نفسه أزرق عطريّ القوام والمقام، اعترافاً بجميل ما كان في وجوه من أحبها، وأحبته، وجوه نسائية في بيته، تأكيداً على تقديراً للمرأة ودورها الحياتيـ في سلسلة نسَب عمْرية: الجدة التي تُسمَّى في الكتاب" ص 12 " ويشار إليها بـ " معلمي الأول " وما في ذلك من تشديد مكانة" معلّمي وليس معلمتي ": في الحكاية، وأمه، وأخته، وهن اللواتي رحلن، وتأثير ذلك الملهمة والمؤلهم في روحه، وإخلاصاً لهذا الوفاء العائلي، ونفاذ فعل عطره، كما هو مقدر..
المقدمة بزاويتها المنفرجة
منذ العبارة الأولى، ومن خلال العنوان الفرعي" الرواية، الوطن البديل " بمعلوم دلالته اللغوية، وما يأتي في مستهله بصيغة خبرية توكيدية " الرواية، وطن بديل "، تكون الكتابة رصيدَه اللغوية، ورأسماله الأدائي في التعبير عن حياة سِيَرية تستحق التذكير بها، حيث تصبح شاهدة حال، الأكثر قدرة على إحداث النقلة النوعية من المعلوم الحسي، والمأخوذ بزمنيته، إلى المعطى منفتحاً على الآتي. وقد استحالت الذاكرة تاريخاً، والبوحي معبَراً إلى فضاء المقروء، والمشتكى منه محل عناية ورعاية، والمنجرح حياتياً مرسوم بالكلمة، وللاعتراف حضوره( ماذا يقول كاتب شاءت مصادفات الأقدار أن يكون هنا بالشكل الذي لم يحلم به، كاتباً، مع أن كل الظروف المحيطة به كانت تؤهله ليكون مهرّباً صغيراً قبل أن يصبح باروناً، في قرية حدودية مع المغرب، حيث الحياة كما العائلات متداخلة، والحدود مجرّد وهم وصناعة لا قيمة لها أمام الإرادة البشرية؟..ص9 ).
هوذا المنطلق إذاً، والخطوة الأولى التي ظهرت على عتبة الحياة وقد استساغها تقديراً لتحول، لما لم يكن يتوقعه، في " مصادفات الأقدار " وهي عبارة لا تعني تعليقاً للأحداث، وإخضاع تاريخ الشخص، أي شخص، والكاتب ضمناً، لمنطق اللامعلوم، لغَيْب ذي سطوة، إنما ما يكون مجهولة بنسبة معينة، ويتطلب الكثير لإضاءته، ودور الإرادة في تأليف أو تأهيل هذا المفهوم..
ما يلي ذلك يشكل تفعيلاً لهذه الشخصيتة التي نبتت رحمية، وظهرت لحمية، وترعرعت في وسط ذي رحم، وارتقت الحياة بقدرات عائلية وذاتية ومقاومات مثّلت مخاضات تجليها كتابياً( هكذا كانت الحدود على حواف الحدود في بساطتها وعفويتها .ص 9 ).
هناك حضور مكثف من المكابدات التي يصل فيها الاجتماعي بالسياسي وبالثقافي، وفي بلد عانى من السيطرة الاستعمارية الفرنسية كثيراً، أي الجزائر، وفي الوقت الذي أسهمت اللغة الفرنسية كثيراً في صقل موهبته، وإنمائها وإثمارها، إلى جانب العربية، وبلسان حال الكتابة.
ليكون اللوذ بالكتابة دخولاً في منعطف المنتظَر داخله: واسيني الأعرج ككاتب، له مكانته.
الكتابة نفسها تلوّح بخاصيتها العطرية وهي تسمّي عناصرها من جهات شتى( الكتابة جاءت من هنا، ولم تأت من فراغ، عندما نخسر كل شيء تنهض الرواية أمامنا بقوة جسراً رابطاً بيننا وبين كل ما يحيط بنا...ص12). الرواية صنعة كتابة، والكتابة تجد حظوتها كثيراً في الرواية التي، ربما لو نظِر في أمرها، لأعطِيَت أكثر من درجة تمييز، بمعْلمها العطري، تنوع المصادر. بحثاً عن المفقود والمفتقَد، والفاقد حضوره الفعلي، وتنحية الغياب جانباً( نريد ان نكون سعدا في هذا الوطن اللغوي، أن نجعل من الحياة والجمال رهاناتنا..ص12)، هذا كشف لوجع تاريخي. وفي حياة لها مباغتاتها، لها أفنانين حضورها وغيابها في وجوه متباينة، ومشهديات ضاربة بمكوناتها. والكتابة تتكفل بمثل هذا التحري الخاص، ةومن لدن كاتبها بإرادة تعبير ومكاشفة روائحية معينة( في الكتابة، كما في بقية الفنون الأخرى، تساؤلات لا تفضي دوماً إلى أجوبة مقنعة، وسحر خاص، لا ندرك مصدره بدقة إلا مع الزمن..ص 13)، وفي حياة مفتوحة، بحرية، برية، خليط منهما وأبعد تخيلياً، وفي اسم استثنائي أكثر من كونه جغرافيا محايدة( طبعاً للوطن العام مكانة حية ومهمة في وجدان الكاتب، لكن مع الزمن والخبرة يغتني الوطن المادي، بوطن آخر، هو وطن الكتابة الذي تحدثت عنه، الوطن الأوسع والأكثر شمولاً. ص15).
من المؤكد أن وطن الكتابة معالجة نفسية خاصة في مخبر الكاتب، ذاكرته، وتاريخ قراءاته، وموقعه الاجتماعي والثقافي، وصِلاته بالآخرين، وتجاربه الحية وتحفظاته جهة تحولاتها. ومن المؤكد أن وطن الكتابة في محتواه الاعتباري، يظهِر البون الواسع بين وطن على الأرض، وفي الخريطة السياسة، واللغة القائمة، وووطن مأمول، وطن يُرتقى به في سريرة الكاتب.
بتعبير استر فوشييه ( الكتابة لعبة بناء. نستطيع بناء الملاجئ، ونكتب القصص، ونبني الهجرات.)، وفي كل جملة ما يزيد في معرفة مفهوم الكتابة، وقدراتها هنا. ما ينتشر روائحياً خارج متنها، على هامشها، ما يحفّز على بث أو نشر المزيد على وقْع هذا الامتلاء بالحياة .
التعبير المقلق
يأتي عنوان الفصل الأول مسهِماً في تصعيد لحظة الكتابة هذه وانعطافها القيمي" في دوامة الحياة "، وهو التعبير المائي السابر لقوى الإنسان، ومختبرها المحمول نفسياً، والمحك في الدوامة واقعاً. وما للدوامة من تاريخ ملموس، وما يترتب عليها استعارة من تكوين ثقافي للشخص.
يأتي الحديث عن الاسم، وتحت عنوان فرعي" بلاغة الاسم " اسم الكتاب، ذا علاقة بفضول المحيطين به( الكثيرون يظنون أن اسم: واسيني هو اسم استعاري كما يفعل بعض الكتاب والفنانين. الغريب الاسم الذي كنت أكرهه لتفرده لأنه لا يشبه الأسماء البسيطة الأخرى..ص21)، ولذلك تنبيه إلى طبيعة التفكير لدى الناس في مجتمع تقليدي، للظاهري مكانته وسوقه النشطة بعلاقات بينية .
هناك طقوس معتمدة في مجتمع مأهول بعادات وتقاليد تخص كل ولادة، وبالنسبة للمولود الذكر، وللجد موقعه( قال : آتوني بالأضحية، سأسمّيه على بركة الله: العيد، العيد، تبعاَ لتقليد المنطقة. من يولد في شهر رمضان يسمّ " يُسمى. التصويب من الكاتب" رمضان، من يولد في يوم العيد فهو عيد، ما بين العيدين فهو بلعيد، ومن ولد في فصل الربيع فهو ربيع..) وكان هناك رؤيا جهة الأم، تخص ولياً" سيدي امحمد الواسيني"، ليأتي قول الجد ذي الاعتبار في مجتمع تقليدي( سنسمّيه على بركة الله الواسيني، وذبح الأضحية. ص25).
الأضحية ترجمة حية ومقرَّرة، تمثّل ثمناً مقدماً سلفاً، ضريبة مدفزعة، تأميناً على حياة شخص قادم، حيث يجري " سفك " الدم خارجاً من الأضحية، ليجري حفظ الدم داخلاً للمولود.
الكتابة تسمّي مؤثراتها، خميرتها وهي عجينة الكاتب، في الحديث عمَّن كانوا معنيين به في الصميم، في " هؤلاء ، ماتوا كلهم، لكنهم هنا؟.ص26)، يمثلون كبار العائلة( الذين نحبهم فوق الموت، بل في منأى عنه، ولا ندرك حجم الفداحة إلا عندما ينسحبون من مشهد الحياة. ص 27).
ولوالده تاريخ نضالي ضد المستعمر الفرنسي، وموته كان في هذا السياق دالاً على ذلك، كما هو الوصف اللافت( كان الربيع نيروزياً2-4-1959، عندما استشهد والدي تحت التعذيب بقسوة، هو ورفيق غربته لكحل بوزيان، في ثكنة السواني( تلمسان) على الساعة الحادية عشرة ليلاً، وخمس عشرة دقيقة، بحسب ما تم تثبيته في الدفتر العائلي، على الرغم من أن سلطات السجن الاستعماري لم تعترف بجريمتها.ص36).
صفة " نيروزياً " الدالة على الربيع قلما يجري استخدامها، وهي لغة خارج العربية، إيرانية، كردية، وذات دلالة" اليوم الجديد، معنىً"، والتوقيت لافت في الإضبارة" اليوم، الشهر، السنة، وحتى الدقيقة، ومغزى ذلك، وما إذا كان هكذا بالفعل واقعاً..
لتاريخ الموتى من الأٌقرباء المباشرين وجع مستدام( يوم توفي شعرت بأني فقدت حائطاً كبيراً، وفقدت أمي بقايا حلم ظلت تراهن عليه حتى آخر لحظة..)، وتالياً أخته( زوليخا أختي وصديقتي، لم تتحمل وفاة الوفاة تحت التعذيب. ماتت في الخريف الموالي 1960، بشكل غامض، انفجر قلبها الصغير... كانت زوليخا نوارة القرية، بعينين واسعتين صافيتين، تميلان نحو خضرة غابية، وشفتين بنعومة حبات الكرز، لا تغادرهما الابتسامة...ص40)، والوصف تعميق لأثر الاسم.
لاحقاً، يأتي التاريخ، بالنسبة لرحيل الوالد مع بعض اختلاف( أبي اغتيل في سجن السواني تحت التعذيب في 4 أبريل 1959)، الفارق في اليوم، وهذا يضع ما هو تاريخي بدقته موضع مساءلة. حيث الكاتب يعتمد على مرتجل الذاكرة، وهو من مواليد" 8-8-1954 ".
وترحل الجدة " معلمه الأول تالياً( 1973، ص 45)،لا يخفي الكاتب عظمة شخصيتها، وهي التي حرصت على أن يكون متعلماً وذا شخصية، ومحافظاً على شجرة الأجداد( هي من ظلت تصر على أن ثقافتي وتاريخي العائلي وأجدادي الأندلسيين لن تكتمل إلأا بربطها بثقافة الأجداد، أي اللغة الغربية. هي من أدخلني الكُتاب لتأسس في ذلك المكان علاقتي الأولى والأبدية باللغة العربية. ص 45).
ثمة سؤال يُطرح هنا، حفّزني على نقله إلى الفضاء الورقي بصدد عبارة" اللغة الغربية" والواردة في النص، ما إذا كانت خطأ ورد سهواً، أم كلا، حيث محتوى النص لا يقول بذلك، حيث الانتماء الأندلسي " الموريسكي" مسلمي الأندلس " يفصح عن أصل آخر..
وفي الحديث عن الأم، رغم التركيز على مكانتها، لا يشار إلى تاريخ موتها " ص46"، وما يذكّر به جهة النسَب الفعلي( كان اسمها ( امزار) أي إلهة المطر، في اللغة الأمازيغية القديمة. ص50). هل أصول الكاتب أمازيغية؟ ليس من إشارة مباشرة لذلك!
ويتسلسل أبطاله بأسمائهم على الورق، وهم هامشيون وخلافهم، أهلية وخلافها، وفي الجمع بينهم، يتشكل مجتمع هو الذي أسهم في بلورة شخصيته كثيراً، وبشهادة روايات له، كان لهم حضور وتنوع أدوار فيها " ص 57".
أي زخم عطر في هذه الانتقالات من حياة إلى أخرى، كرمة حياة شخصية، يتناوب فيها السّيري اليومي والمختصر، والمدفوع الأجر رمزياً، لحياة تنتظر لحظتها، ولادة كاتب فعلي؟
ما أكثر ما قيل عمّا هو روائحي، عما يكون في مقدور الروائح القيام به، تلويناً لهيئات، أو رسماً لدوائر حياتية، وإشهاراً لعلاقات مختلفة في مساراتها الاجتماعية، وكل ذلك ذكَّرني ببعض من مآثرها" الروائح " أو ما يكون عطراً في مستخلصاته، أو مستقطراته التخيلية( "هل نتذكر الروائح التي أحاطت بنا عند الولادة؟"؛ "هل للسماء المرصعة بالنجوم رائحة؟" »; "هل للظل رائحة؟" "ما هي رائحة الصفحة التي سنفتحها الآن؟" »; هل للحب رائحة؟ ما هي؟ » ؛ «هل نستطيع أن نكتب وصية عطرية؟ "، إلخ. هذه الأسئلة، التي من الواضح أنه لا يمكن أن تبقى دون إجابة، تفتح المجال الشمّي لآخرين، بعيدين عنه، ولكنهم معتادون في محاولات الأدب "لتمثيله": الباطنية، والعواطف، والذاكرة، والفن...).
والأعرج يلتزم التحرك بتلك الخطوط التي تمضي به إلى نفسه الحية، الكتابية، فما كان له في عمر الرضاعة المعلوم بزمنه، حل عمر آخر، عمر الرضاعة الذي لا يتوقف، لا فطام في الحالة هذه، بالعكس، ثمة نهم، إقبال، طلب مضطرد، وحتى شراهة مشرعنة، تلبية لحاجات الذات التي تزداد وعياً بنفسها، وواقعها، ويكون للكتابين اللذين يأتي على ذكرها مقام النطفة الرئيسة في إظهار " نبتته " الرمزية( ألف ليلة وليلة ، ودون كيخوتي دي لامانث: نصان يشكلان اليوم نموذجاً للسردية العالمية. ص 58).
ثمة وجه نسوي له أثره في بناء شخصيته، متداخل مع الجامع" لالة مريم" متداخل مع عملية القراءة لألف ليلة وليلة، والكتاب المسروق( قيل لنا أنها جاءت من جبالة، هربها أهلها خوفاً عليها من اغتصاب الحركى والعسكر.. نجدها متكئة بظهرها على الحائط تقرأ القرآن.... كم كنت أتمنى أن أسألها فقط لأسمع صوتها. شيء غامض يسكنني هو بين اللذة والرهبة..ص65).
هذا المزج المؤثر بين الديني" الجامع- القرآن " والدنيوي" جسد المرأة " جمرة الحب الأولى، كل ذلك من مقومات الذات التي تعيش امتحان الانبناء، وقدة المأمول كتابة لاحقاً. وهو مزيج يضاف إلى مزيج آخر، مقروء في الكتاب، ومتنقل في الذاكرة الجماعية، جهة أحداث شهدتها الأندلس، وهي بصراعاتها ونتائجها، وما كان لسرفانتس من دور في عملية الكتابة، شهادة كاتب عالمي برؤيته الإنسانية، عن مجتمع مستبد به( استوعبت هذا العالم في كتاباتي لأنه يعنيني بعمق، كنت أرى جدّي في كل المحن التي عانى منها سيرفانتس" تارة يأتي سرفانتس، أحياناً.ص.75، التالية مثلاً، وقبلها" . من رحلته البحرية مروراً بأسره في الجزائر ثم تحريره مقابل فدية.. الجزائر لم تفتح فقط الافاق الواسعة لمعرفة عالم آخر أمام سرفانتس، ولكنها كانت، بعد ليبانت، الأساس الذي خط مصير سرفانتس الشخصي وإلى الأبد.ص74)..
من الطبيعي في الحالة هذه، أن يعيش ألوان مكابدات، وهو في طور الانبناء الروحي كاتباً، وأن هذا العطر الذي يوجز عملية الكتابة الإبداعية روائياً بالذات، عطر من لون الدم، نجيعه، الكبدى الحرى، والقلب الذي ينبض عملياً على وقْع المقروء، وما يأتي مسطوراً حصاد دورات زمان.
لأذكّر بمؤثر استقطابي جهة الرائحة، ذات الأدوار المختلفة:
( إن الرائحة هي أعظم ما تم نسيانه من الأوصاف الأدبية، ومع ذلك فهي حاسة بدائية تشكل جزءًا من حياتنا اليومية. فهو يساعدنا على فهم العالم من حولنا، ولكنه أيضًا ناقل قوي للعاطفة والذاكرة.
إن إعطاء رائحة لشخصية ما هي طريقة جيدة لوصفها.).
تذكير ليس المقصد به تثبيت شهادة، وإنما تفعيل أثر الخطاب الذي يتشكل ثقافياً في مقول قوله.
وهكذا تكون السينما وفعْل أثرها في بناء شخصيته، بألوانها، بصورها، بأصدائها الجامعة بين اللون والصوت، بين الجسد المنمذج ذكرياً وأنثوياً، ونداء الرغبة المتصاعد عمْرياً، وجانب التنفيس الرغبي في ذلك، وخاصية التاريخ المسرود( نحن في الحقبة الاستعمارية. كنت صغيراً عندما فتحت عيني على السينما الحائطية، وهي ذات منحى تربوي تتعلق بالنظافة ..ص76).
الحديث عن هذه الفترة لا يخفي مدته الزمنية، بالنسبة لطفل كان في مستهل النصف الثاني من عمره، حين نالت الجزائر استقلالها " سنة 1962"، أي كان بعمر " الثماني سنوات " حينها، وهو عمر طفلي تماماً، والذاكرة ذات بنيان تخيلي، مؤثر، ومتداخل مع وقائع حية كذلك. الكتابة، كما يظهر، وكونها متعدية الحدود، تقوم بما هي قادرة عليها، وفي الرواية الأكثر تزكية لأن تقوم بعملية ترميم لوقائع، واصطفاءات، واستلافات تواريخ ووجوه، وحيوات قائمة، على طريقتها، كما هو فعل العطر المحصّل، تقطيراً أو ارتشافاً، تمضي الكتابة بالروح إلى روحها الأخرى، حيث ( لا يمكن إخراج الكتابة عن كل هذه المدارات، هذه التفاصيل هي ما يجعل التجربة الأدبية تتميز عن غيرها. السينما ليست فقط مشاهد وصوراً كثيرة مخزنة في الذهن، ولكنها تفاصيل حياة، حتى لو كانت افتراضية ترسخت في الذهن بقوة، وصنعت مخيالاً، لن يكون بتلك الصفة لولا السينما.ص85).
هذا يهبُ الكتابة قوة وحضوراً، أبعاداً تضاف إلى أخرى في نشأتها ومغزاها، وسريان فعلها الناري والماسي في جبلّة المقروء والمحول منه، تخيلياً إلى المكتوب، إرثاً لا يحوّل باسم آخر.
بالطريقة هذه، وكما تعبّر الكاتبة ليلى سليمان، بصدد مهمة الأدب( الأدب لا يهدف إلى استعادة الواقع، بل إلى ملء الفراغات والثغرات. نحن نستخرج وفي نفس الوقت نخلق واقعًا آخر. نحن لا نخترع، بل نتخيل، ونعطي مادة لرؤية، ونبنيها من البداية إلى النهاية، بقطع من الذكريات والهواجس الأبدية.)، تأتي الكتابة بذخيرتها العطرية مفصحة عن مضاء رائحتها في أنف معتبَر.
الكتابة الورشية
صار للورشة، ورشة عمل الكتابة، بطابعها المخبري المفتوح، بذلك المجتمع المصغر، والذي عماده جملة من الذين يريدون الإقامة في حياة تتوقف عليهم، وهم باذلو جهد في جعْلها حقيقة لها أبعادها الثلاثية مجتمعاً وثقافة وتاريخاً وخطة مستتقبلية، وروح المسئولية المقتدرة تجاوباً مع تلك المستجدات التي تمثّل تحديات راهنة وموجهة إلى المستقبل. الورشة صنعة كائن يستشرف منعطفات تواريخ ومجتمعات، وفردانيات أعطيت قيمة استشرافية، وخطورة أداء في المعنى، جرّاء المأمول منها، وتحديداً بالنسبة لمجتمع يعاني من فقْد الهوية التشاركية.
وعربياً، ثمة محدودية لهذا المفهوم، جهة الرصيد الاعتباري ومتطلباته، لتكون ورشة حقاً.
الأعرج لا يخفي تقديره لهذا العالم الموجز والمؤثر، أي " ورشة الرواية " موضوع الفصل الثاني من الكتاب، ثمة بحث عن ولادة نموذجبة، عن نشدان الأفضل بناء على إرادة واعية هنا.
أحيل بداية في هذا الجانب إلى مقام الرائحة، رائحة الكتابة، عطرها المكثف، رائحة مميّزة بكائنها، حقيقة عضوية أم ثقافية، مفرزة لقيا جماليات متداخلة ومتفاعلة، حيث لكل من المشاركين في ورشة معدَّة ومتَّفق عليها صوته ولونه وهيئته ونبرته، إلى مرجعية روائحية تنير ما نحن بصدده ( إن الرائحة هي أعظم ما تم نسيانه من الأوصاف الأدبية، ومع ذلك فهي حاسة بدائية تشكل جزءًا من حياتنا اليومية. فهو يساعدنا على فهم العالم من حولنا، ولكنه أيضًا ناقل قوي للعاطفة والذاكرة.إن إعطاء رائحة لشخصية ما هي طريقة جيدة لوصفها...).
ما يفتتح به الكاتب فصَله هذا، هو الذي يفصّل ولو بإمضاءات معبّرة، في حقيقة الرهان على الرواية، في سردياتها المثلى، والمتباينة في أصواتها، في مساءلة الحقيقة مكاشفة( قناعتي المتجذرة التي اكتسبتها من رحلتي الإبداعية في الحياة، والروائية تحديداً، هي أن كل عمل روائي هو ورشة عمل تفتتح لكيلا تغلق إلا بعد الانتهاء. جهد مستمر ، وتفكير لا يتوقف حتى إسدال الستار على المشروع الذي يبدأ بخربشات وتخطيطات، وينتهي بعمران مركب اسمه الرواية. ص 89).
عمل لا يتوقف على مدار الساعة. وساعة الأدب، وكتابة الروايات، كما يبدو، لا تدق أبداً، إنما حريصة على دورانها الزمني الخاص، وكل دقة محوَّلة إلى تقدير من لدن الكاتب نفسه. ذلك مبدأ حيوي واستراتيجي للكتابة، والرواية بطابعها الملحمي المفتوح، تصادق على معايشة تشارك فيها كل قوى النفس وكوامنها بخيالاتها المهمازية، تأكيداً على فرادتها، لهذا يقول ( يبدأ موضوع الرواية بانشغال داخلي يباغتني في كل ثانية، وفي كل الأمكنة، فتلح علي الفكرة، وتبدأ بالانكشاف شيئاً فشيئاً، إلى أن تتحول إلى ما يمكن أن نسمّيه ( اللحظة الروائية). ص92).
في الكتابة المنطلقة من مضمار مفتوح كهذا، ثمة ما هو كوكبي، كوني، استئثاري وفاعل، ما يستدعي الإنساني بإجماع، لأن محرك الرواية جرح التاريخ في مجتمعه، وصرخة المجتمع في تاريخه، وتقابل الاثنين في فضاء رواية يلتقي فيها الحسي بالماورائي. الرواية هي الآخر المفقود، هي الصوت المطارَد في برية مستباحة كثيراً، إنها في واقع حقيقتها، ومن خلال تاريخها النازف آلاماً بشرية، ومآس بشرية، ومخاوف بشرية، إعادة بحث عن الزمن المفقود، بوصفه الزمن القابل للحضور، القابل لأن يكون زمناً منفتحاً، يجري نصْبه والاحتفاء به، ليُسكن فيه، دون ذلك ما الذي يبرر كل هذه " التضحيات " في شخصيات أكثر من كونها ورقية، أو عابرة، وهي تستنطق نظائرها بقيم تترى داخلنا، لهعذا، فإن اقتباس الكاتب من جيرار جينيت، يعزز ذلك( إن البشرية لم تكتب إلا نصاً واحداً. ص94)، وهو اقتباس يواجهنا بضيقنا وهو واسع أصلاً. وكلما برز المنشود مقابِلاً للواقع المتصدع، أو المنخرط في لعبة تدميرية، بإقرار ذوي النفوذ، كلما وجدت الرواية نفسها في تحد لاسمها، وآتيها، ومصيرها، حيث ( الأفكار الروائية عالم متحرك، زئبقي، نحتاج إلى قوة جذب كبيرة حتى نتملكها. ص95) .
أترانا قادرين على امتلاكها، كما نريد ولحظة نريد وكيفما نريد؟ والزمن لا يتوقف، والمكان نفسه لا يتوقف، وليس من فراغ فعلي، لنهدأ ونلتقط أنفاساً، إن استشرنا روح المسئولية، وكل ملء بصمة دوامة، وكل فراغ أكثر من وصل بين ملء وملء، بوصفه سيرورة مشاعر قائمة عميقاً.
الكاتب يرحّل أفكار مع خياله إلى عالم هو نفسه ورشة، ورشة محلقة، في التذكير بأمثلة لها واقعها، ولكن واقع الرواية مختلف في فعل النمذجة( إن الشخصيات هي انعكاس أمين للواقع، فهي أكبر من ذلك بكثير، ويمكن الحديث عنها باعتبارها كيانات مستقلة وحية بخصوصية تجعلها مقنعة..ص100).
في ورشة العمل الكتابية ما يعلّم دائماً، ما يبعث على اليقظة باستمرار، ويغذي اللاروح بتلك الطاقة التي تتطلبها الكتابة النوعية، كما تلمست ذلك في أكثر من موضوع، كما هو الوارد في هذه الشهادة: الإفادة، لإحدى المعنيات بورشة الكتابة بالذات:
( من الصعب دائمًا بالنسبة لي أن أصف ما هي ورش العمل الكتابية. إنها جميعًا مختلفة، جميعها مميزة، جميعها فريدة. لكن، بالنسبة للجميع، رغبتي، أمنيتي، أمنيتي وطموحي هو خلق هذه اللحظات حيث يكشف كل شخص عن نفسه كمؤلف مع هذا الشعور المكثف بالرضا في بعض الأحيان، أيا كان نوع الكتابة التي قد تكون كتبت بشكل عفوي. لذا اقترحت على المشاركين في الورشة أن يكتبوا لها: الكتابة. وهنا النصوص، التي أرسلت لي. كاثرين مارك..).
بناء عليه، وكما يظهر، إذا كان الواقع الذي تنشغل به الرواية بفكرة هي إكسيرها المتوخى، يتهدد كاتبها، أو يقلقه بتوتراته، ومستقبله، واقع فاسد" ديستوبي " فإن الرواية حالة تطهير، وسعي إلى إقامة واقع يراد منه وله أن يكون مدينة الغد " يوتوبياه تحديداً. الرواية لسان حال حرية معذبة( ما يؤسس لنجاح الرواية هو طريقة التعبير عنها، وقدرتها على الحرية، والتحرر من الضوابط الاجتماعية الضيقة التي تدفع بالكاتب، في أحسن الأحوال، إلى إعادة إنتاج من هو متسيد ومهين...ص 106 ) .
من المؤكد أن المحتوى المطلوب هو هكذا، حيث القدرة على الحرية، تعني كيفية تجاوز ما يحول دون تحقيقها، ما يحررها من الضوابط آنفة الذكر. بذلك يكون المكان شاهد حال جغرافياً وتاريخياً طبعاً( للمكان في كتابة الرواية حضور مهم..ص107).
إنما ما يمنح الجسد الروائي جلده وعظمه ولحمه، مساماته وأنسجته، أي روحه الحية، هو كيفية بناء المكان مجتمعياً، عبر ثقافة قارئة ومقروءة، كما هي تجربة الكاتب في رواياته، كما في روايته " البيت الأندلسي " والمناخ العاصف في الرواية، حيث ( القراءة المفتوحة للرواية تحولها طبعاً إلى استعارة وطنية وعربية تتعلق بانهيار تاريخ بكامله..ص115)، وما يكون للخيال من دور نافذ، فهو محرر التاريخ من نمطيته، وجموده وصلابته تفكيكاً وإعادة صوغ، وكذلك البيئة، فلا غرابة في قول الكاتب( أعيش الخيال، ويعيشني، أكاد أؤمن أن الفارق هو مجرد نقطة نزلت لشكل خطأ، الخيال من الخيل، أي ما لا يخضع للعقل ولا لمنطق محسوس، ويحرر التفكير كلياً، ويدفع بن نحو الأقاصي، حيث لا حدود أبداً. ص 125).
ذلك يعزز المقولة المركَّبة من توأم الخيال والصورة أو بالعكس، الخيال يحلق بالصورة حية نابضة بحياة ممثّلة في الجاري بثه داخلاً، والصورة تحرّك الخيال، وتفسح له في المجال الضامن لتلك الاستطاعة العزيزة والمثمنة في أصثل الرواية ودعواها، وعملاً بما ورد في هذا الاقتباس المركَّب( الصور هي الحياة الثانية، وهذه الحياة الثانية، أو بالأحرى هذه المساحة الثانية، ليست هامشية بأي حال من الأحوال فيما يتصل بالحياة الإيجابية والحقيقية؛ بل على العكس من ذلك، فهو يتخللها، ويطاردها بالكامل. إنه يقف داخلها مثل البعد الذي يضاعفها، الأكثر حميمية والأكثر مراوغة في نفس الوقت، حيث تتجسد شخصيات الرغبات والأحلام والذكريات... والخيالي يكمن في الغموض التكويني للصورة، والذي يجعلنا نميل من خلال غير الواقعي نحو واقع لا وجود له إلا بقدر ما يجعل نفسه بعيد المنال...)، يمكننا تبين الدور الحاضر دائماً في الرواية حقيقةً.
والأعرج يعزز مقولته هذه أو تلك في مجال الحديث عن الرواية تجربة قراءة وكتابة، بتلك النصوص المصاحبة للفعل المركَّب قراءة وكتابة، كما هو مثال رواية إميل زولا" جرمينال" بقوله( إن رواية زولا هي مادة تييلية، إذ لا وجود مادي تاريخي لها إلا فيها..ص129). وما يضيء سجل الكاتب" زولا " مبدئياً( خلافاً لهذه الرواية تحضر رسالة زولا ( إني أتهم) التي وجهها إلى رئيس الجمهورية مديناً المؤسسة السياسية والعسكرية، مدافعاً عن الضابط دريفوس الذي اتهم بالخيانة العظمى، والتخابر مع الألمان والنمساويين..ص130).
أي ما يصل بين القول والفعل في ممارسة الكتابة ومتطلباتها، ومتى يكون الكاتب كاتباً فعلاً.
ليكون هنك اعتبار للحديث عن كيفية كتابة الرواية، وما يستجيب لفضول القارىء" بداية الرواية ونهايتها " ورهبة الموقف( ربما كانت البداية من أصعب اللحظات في عملية الكتابة، والرواية على وجه الخصوص. ص 135). والأشكال كثيرة، على وقْع تجاربها طبعاً" ص 139". وليست النهاية بمتنحاة من هذا التقدير النوعي، إذ ( ما من شك أن النهاية تشكّل مصدر قلق كبير للروائيين، لأن لا أحداً منهم يريد إنهاء قصة رائعة بنهاية ضعيفة تخيب آمال قرائه به.ص141).
وما يعطي لصلات وصل كهذه من التذكير بحقيقة الشخصيات في الرواية، وربطها بالواقع، ودون ذلك تفقد الرواية حقيقتها( عندما أتحدث عن شخصياتي الروائية فأنا أتحدث عن كائنات ورقية، ولكنها حية، تؤثث حياتي وحياة الكثير من قرائي. ص 147). وذلك لا يتم إلا عبر مكوّن ثقافي يكون المؤثر في جعل الشخصية الروائية متنفذة بدورها ورمزيتها" ص 155"، وما يجب تجنبه، جهة مزلق الإيديولوجيا إن أراد الكاتب حياة سوية ومنمذجة لعمله" ص158"، بذلك تكون الشخصياتـ وهي مخلوقات متخيل الكاتب، ومأمورة به، أو تابعة له، مؤثرة في مصيره نفسه، من خلال طريقة " نفخ " الروح التخيلية فيها، وما يأتي فيها تنوعاً في الأوصاف والأدوار، حيث الكاتب يكون خلاف المعني الفعلي بها، وإن كان للحبل " المشيمي " الوجودي حضور معين، لتينك العلاقة بين أي شخصية والكاتب في حياته اليومية، وبمفهومها الواسع، وليس بوصف الشخصيات عموماً، وكما أفصح الكاتب( صورة متعددة .. له.ص161).
هوذا أنفه الذي أفصح عن طاقته الاستيعابية اللافتة في شم الروائح، في العطر الذي يمكن " شمه " من خلال مسطوره، وإحالات المسطور هذا إلى ما هو مكتوب باسمه روائياً، قبل كل شيء.
ذاكرة الكاتب تشد الانتباه إلى حالات كتابية، إلى عطر الرواية من خلال حياة هي جمع انصهاري لتلك الحالات، وبالطريقة التي رآها الأكثر موثوقية في الطرح، وفي الذاكرة ما يبعث على التفكير في مهامها الكثيرة، ما يذكَّر بالمتردد باسمها ، وكما ( قال بودلير إن العطر لديه القدرة على "إرسال الذكريات إلى الهواء". إنه يستحضر الذكريات، ولكن بشكل متناقض يقدم وعودًا أيضًا! ويذكرنا بأن الخطاب الذي تحمله الروائح "لا يتأثر كثيراً بما تقدمه لنا، بل بما تجعلنا نتوقعه" (ج ج روسو)...).
هذا يعيدنا دائماً إلى الوراء، حيث البداية المفترضة للحديث عن الكتابة، والدفع بنا إلى الأمام، لممارسة مسح ميداني ببعده الثالث: العمق، وتبيّن أي عطر ممهور برائحة معينة أو أكثر .
بين القراءة والكتابة
في فصل الكتاب الثالث والأخير، والذي يتقدم بمطالعات الكاتب وقوله في الأعمال الروائية التي قرأها، ودالتها اللغوية ، الجنسية، الثقافية، ومركَبها الاجتماعي والفردي، ثمة تنوير آخر لاسمه باعتباره كاتباً، وهو يقتفي أثر الأكثر حضوراً وحتى دلالاً نفسياً لديه . إنها كتب: روايات عربية وأجنبية، وما للمكتبة من تأثير في ذلك( العلاقة بالمكتبة شيء كبير واستثنائي، مكتبة يمحي فيها الموت والحياة، أصلاً لا يوجد موت، كلهم خالدون، ويتجاوز فيها الميت مع الحي..ص165).
والروايات المقدَّمة بقراءات خاصة به، عيّنات لمن يرغب فيها، كما هو مكتوب عنها، إنها من بين الكتب التي تركت بصمته في نفسها( شكلت لي حالة وجدانية كبيرة يصعب علي تخطيها..ص 167)، بتعبيره .
مجموع الروايات المذكورة، بأسمائها وأسماء كتابها، وإضاءات لها بذائقة الكاتب" 31 " رواية "، أربع عشرة منها عربية، وسبع عشرة منها أجنبية، طبعاً لثقافته المعلومة دور في ذلك، وهو يتقن القراءة والكتابة بالفرنسية والعربية معاً، ولعلاقاته مع الآخرين أيضاً دور هنا .
عربياً تبدأ بـ" أولاد حارتنا " لنجيب محفوظ، وتستمر مع " النخلة والجيران " لغائب طعمة فرمان، و" موسم الهجرة إلى الشمال " للطيب صالح، و" ما تبقّى لكم " لغسان كنفاني، و" بيروت 75" لغادة السمان، وتنتهي بـ " حكاية زهرة " لحنان الشيخ، وأجنبياً، تبدأ بـ" الجريمة والعقاب " لدوستويفسكمي، وتستمر مع" زوربا " لكزانتزاكي، و" العجوز والبحر " لهمنغواي، و" مئة عام من العزلة " لماركيز، و" اسم الوردة " لإيكو، وتنتهي بـ " الخيميائي " لكويلهو..ما يستدعي النظر في هذه القائمة، ليس نوعيتها، إنما تصنيفها جهة كتّابها، وما يترتب على ذلك من سؤال، ربما يستحق طرحاً، وهو أنه من بين " 31 " روائياً " ليس هناك سوى اسمين لكاتبتين، هما " غادة السمان، وحنان الشيخ " ولا وجود لأي اسم لكاتبة أجنبية. أليس في ذلك مبعث استغراب، ومن جهة كاتب أظهر مدى تأثره بنساء العائلة: الجدة، الأم، والأخت وغيرهن؟ أما كان هناك إمكان لأن يأتي على اسم أو أكثر لكاتبات أجنبيات؟ أيعقل أنه لم يتأثر بنتاج واحدة من هؤلاء الأجنبيات، وفي اللغة التي عرِف بها كثيراً هناك في فرنسا ؟
متابعة خارج الكتابة
العطر متنوع، فولكلوري، يُسمي روائحه وأصنافها، نوعياتها وجدواها .والرواية مدللة عطر، كما هو مقدَّر، بناء على الحمولة الرمزية لها. لاائحة لا تتوقف عن لفت " حاسة الشم " وصحبتها الحواس الأخرى، دوراناً أو جهة، أو تطلعاً.
والكاتب الأعرج، قدَّم لقارئه رصيداً لا يخفي صنافة عطره، وجدارته في أن يُشتمَّ، أن يتنفس بعمق جرّاء هذا الأداء اللغوي والمأثور الإبداعي.
دون نسيان ملاحظة، تخص موقفه من المرأة التي أبرز مكانتها في حياته، ومنذ تربيته الأولى، كما رأينا. المرأة التي، بدا لي، أنها غابت عن حساباته الفكرية، وفي مقام سِيري كهذا، في فصل أو شبيه فصل عنها، لما للمرأة من دور في الحياة، وللكاتب على وجه التحديد، كما لو أن تجاهل ذلك، وما لذلك من " صدع " في بنية الكاتب، كماشة تشير إلى مسمار ملتو في خشبة النص، ىوما إذا تعبير " هذا أنا " في مستوى المنثور في الكتاب، ما إذا لتعبير تال وتوضيحي بعد الفاصلة " كما عرفتُني " كما عرف هو نفسه في نفسه، وليس ما يعرَف بها لقارئه، لأن الذي عرِف به كتابياً، وروائياً، يقيّمه فنياً، وتقويماً لحقيقة ما يشير إلى شخصه وصلاته ذات المعنى بالنساء، بالمرأة طبعاً، وأي رائحة شُمَّت وضُمَّت هنا، ومكانة ذلك في مفهوم العطر: إثراء وإنماء وجلاء موقع، ولمن يطالع سجله الحياتي في نهاية الكتاب، في حيّز الغفل اسماً، كما تقدَّم ..!
أقول ذلك، وأنا أورد مقولة حية، موحية لمارغريت دوراس (أكتب لأعرف ماذا سأكتب لو كتبت ). تُرى، ماذا عرف الكاتب، وفي ضوء" أنا " هذا الكتاب، وقد كتب؟ أي عطر بثَّته كتابته، استناداً إلى هذا الذي حفل به كتابه المعتبَر سيرياً، مع مراعاة الملاحَظ في المتن؟؟!!
بناءً عليه، سألتزم بهذا الجاري إظهاره عنواناً رئيساً، كما هو المألوف، وما يجري تنويره تعريفاً.
والكاتب والروائي العربي الكبير واسيني الأعرج في كتابهالمصنَّف سيرة ذاتية( عطر الرواية" هذا أنا، كما عرفتُني )، والصادر حديثاً نسبياً عن دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة،2023، في " 224 " صفحة من القطْع الوسط، يقدّم نفسه كاتباً عبر هذا المنحى الأدبي.
العنوان يتكلَم محتواه، إنه هوية مثقلة بالدلالة، بين صياغة توصيفية" عطر الرواية " أي ما يحفّز على النظر إلى الرواية، وكما يراها الكاتب، ذو الكم الوافر والذائع الصيت من الاعمال الروائية قبل كل شيء، وما ينيرها على صعيد المقاربات النقدية، والمتابعات الروائية، وورش الكتابة في جهات مختلفة، بوصفها جسماً ينفث رائحة، هي عطر، والعطر هنا درجات، العطر مورّثة لا يعرَّف عليها قيمة فنية وجمالية، إلا في نوعية المسطور بين دفتي هذه الرواية أو تلك من رواياته. والمحدَّد هنا هو جنس الرواية، وليس جنس الكتابة عموماً، كما يُعرَف بأعمال نقدية له :عربية وفرنسية،وعطر الرواية يتوقف في التسمية على مدى مهارة قارئها، وما كتِب عنها من قبل كاتبها طبعاً، ومن خلال اللافت في سَمت المكاشفة: هذا أنا، حيث الإشارة لا تمضي بعيداً إنما تتوجه نحوه، نحو أناه، كضمير متكلم، وما لهذا الضمير من تاريخ إشكالي: بين أن يكون " أنا " الاسم ، اسم العلم الشخصي، واسم الكاتب، ومن خلال المحدَّد به روائياً، وما هو منطوق من خلاله، في نطاق الرواية بالذات، وليس الأنا عموماً، وأي هيئة مفهومية متشكلة فنياً له، وما ييقي الإسناد ذاتياً، في " كما عرفتُني "، ولكن الكلام لا يتكلمه، وإنما هو خطابه إلى قارىء، وتنويه إلى أن الذي يتكلم هو أنا الذي عرِف به كتابة، وما على القارىء أن يكثّف رؤيته في ذلك .
واللافت، هو البعد الحسي" الشمّي "حيث " الشم " يعتمد على قوة حيوية ونفسية في إبراز نوعية المشموم، بوصفه عطراً. إنه روح المشموم، وكيف يكون ذلك، الشم يُسمي الأنف، والأنف بارز، في منتصف الوجه، وهو نشط، ويعمل في صمت، ولامرئي في عمله، حيث يتقصى الرائحة المندرجة عطراً، من محيطه، من حوله، ومن ةداخله تخيلياً، بسيطاً ومركَّباً، ويمارس تطعيماً، كما لو أن الأنف هو " المعدة " المحوَّلة لهضم " العصارات الشمية " وطرحها كلاماً مختلفاً هنا.
وهو ما يدفع بي إلى محاولة اقتفاء أثر هذه العلاقة بين المعتمَد عليه أنفياً، والمتشكل عطراً.
في صورة الغلاف الملونة بالأزرق ذي التدرجات، وهو يفيض على الصفحة بالذات عموماً، يسمح للناظر لأن يقرأ الكثير في القليل الذي يغشي الغلاف، وينتشر بمعانيه، ومن خلال الربط بالكتاب محتوىً.
يذكّر هذا الأزرق بالكاتب والشاعر الفرنسي الكبير جان موريس مولبوا، وفي كتابه الأثير ذي العلاقة بهعذا اللون المنتقى: تاريخ الأزرق UNE HISTOIRE DE BLEU، وما في جعبته المفتوحة من إيماءات واستطالات تعبيرية، وتحرّ لحقيقة مركَّبة، وكما يقول مؤلفه:
هذا اللون الأزرق الذي يكسو قلوبنا ينقذنا من حالة العرج. في ساعات الحزن ، ننشره مثل بلسم على نهايتنا.
الأزرق هو لون النظرة ، باطن الروح والفكر ، التوقع ، التخيل والنوم.
إنه لون السماء ، البحر ، لون الروح بعد أن جردت من جسدها. إنه "رنين خاص للهواء" ، "كومة من الوضوح ، هو لون ينشأ من الفراغ المضاف إلى الفراغ ، كما هو متغير وشفاف في رأس الإنسان كما في السماء.
اللون الأزرق يمثل لون الاختفاء أو الغياب أو اللاوجود...إلخ.
سلسلة من المتواليات الهندسية بمعطياتها الرمزية، واستشراف أعماق قريبة وبعيدة، تلهم الناظر لأن يكون مقتفي الحراك التموجي ومآلاته، وصمته المتوثب في آن.
لون متعدد النداءات،في شغف ما بما يصله برهانه، بالبعيد والقريب فيه، بالبحري الشفاف، والسماء الشفافة، بخاصة الانسكاب بمداده الرمزي، وفي صورتين للكاتب، الأقرب إلينا، في نصفيتها جلوساً، كما يبدو، وهي جانبية، ببلوزة، وكنزة صفراء ذات سحّاب، تعبيراً عن إنسان عملي، مع حركة اليد اليسرى، بأصابعها المشكّلة هيئة سَلّية، شبكية، ما يوحي بمتكلم، بوضعية تعبير، وعبر سيماء الوجه، ونظر ٍ إلى البعيد، وصورة أبعد تقع في الجانب الآخر من صفحة الغلاف، وظهْرية، ومن خلال اللون الأزرق الغامق، والقبعة الرأسية، كما لو أن ممثّل الصورة وهي تمشي في طريق، وفي طقس بارد، كما هو المعطف الدال، وفي شارع، أشبه بزقاق لا حركة فيه، يتوسط صفين عاليين نسبياً من البنايات، وفي النهاية واجهة بنايات أقصر طولاً، ما يمد بالنظر توقعاً، إلى سابر ماض معين، وفي الحالتين، يكون المتَاح التقريبي لقراءة بصرية، وامتلاء بشم صامت، ربما هي صورة مركَّبة من خلال اتفاق معين، وليس كما هي ترجمة " رسمية " لكتابة قائمة بين دفتي الكتاب..
يتكفل المفهوم العطري بالكثير مما شكّل عالَم كتابه، وهو ينشر أريجه، إنما وقبل كل شيء، وهو يعلِم ويعلّم بمؤثرات هذا " الكائن الشفاف " والحسي ، العطر، بشهادة الأنف وتبعاتها، وللأنف تاريخه في حساب قدرات الحواس، وما يمضي بالمعني إلى فِناء المرئي وجهياً فيه، إلى أنفاس أنفية، وواردها النفْسي، ومردودها النفسي، وفي تاريخ، معتبَر، وإن كان متقطعاً، يخص دور الأنف في التاريخ الحيوي والثقافي. أولم يقل نيتشه (كل عبقريتي موجودة في أنفي)، أوليس قيل في الشبكة البيولوجية للأنف وبرزخيته من حيث الموقع ظاهراً وباطناً، عبْر عملية الشمس، وما يُنتظر منه، وما يعرَف به جمالياً في الواجهة، يمنحه وجاهة استثنائية في الحالة هذه، كما جاء في تعريفه ( أنف الشخص البالغ، بما يحتويه من مائة مليون خلية شمية، لا يزال قادرًا على التمييز بين ألفين إلى أربعة آلاف رائحة. وكما أظهر مارسيل بروست، فإن الآثار التي تتركها الروائح في ذاكرتنا تشكل احتياطيات هائلة من المشاعر. لذا، كلما أمكنك، قم بـ"تتبيل" نصوصك، وسوف تقدر الذاكرة الشمية لقرائك ذلك..)...؟ ثمة صك تقدير مسجّل مؤرشَف تاريخياً!
السؤال: أي أنف كتابي مجازي، تكوّن لدى الأعرج في مسيرته الكتابية: الروائية، يا تُرى؟
وتأتي كلمة الإهداء، والغفل من تسمية " الإهداء " ربما تعزيزاً لهذا المشهد" الغلافي " والعنوان الدال، عنوان ربما هو نفسه أزرق عطريّ القوام والمقام، اعترافاً بجميل ما كان في وجوه من أحبها، وأحبته، وجوه نسائية في بيته، تأكيداً على تقديراً للمرأة ودورها الحياتيـ في سلسلة نسَب عمْرية: الجدة التي تُسمَّى في الكتاب" ص 12 " ويشار إليها بـ " معلمي الأول " وما في ذلك من تشديد مكانة" معلّمي وليس معلمتي ": في الحكاية، وأمه، وأخته، وهن اللواتي رحلن، وتأثير ذلك الملهمة والمؤلهم في روحه، وإخلاصاً لهذا الوفاء العائلي، ونفاذ فعل عطره، كما هو مقدر..
المقدمة بزاويتها المنفرجة
منذ العبارة الأولى، ومن خلال العنوان الفرعي" الرواية، الوطن البديل " بمعلوم دلالته اللغوية، وما يأتي في مستهله بصيغة خبرية توكيدية " الرواية، وطن بديل "، تكون الكتابة رصيدَه اللغوية، ورأسماله الأدائي في التعبير عن حياة سِيَرية تستحق التذكير بها، حيث تصبح شاهدة حال، الأكثر قدرة على إحداث النقلة النوعية من المعلوم الحسي، والمأخوذ بزمنيته، إلى المعطى منفتحاً على الآتي. وقد استحالت الذاكرة تاريخاً، والبوحي معبَراً إلى فضاء المقروء، والمشتكى منه محل عناية ورعاية، والمنجرح حياتياً مرسوم بالكلمة، وللاعتراف حضوره( ماذا يقول كاتب شاءت مصادفات الأقدار أن يكون هنا بالشكل الذي لم يحلم به، كاتباً، مع أن كل الظروف المحيطة به كانت تؤهله ليكون مهرّباً صغيراً قبل أن يصبح باروناً، في قرية حدودية مع المغرب، حيث الحياة كما العائلات متداخلة، والحدود مجرّد وهم وصناعة لا قيمة لها أمام الإرادة البشرية؟..ص9 ).
هوذا المنطلق إذاً، والخطوة الأولى التي ظهرت على عتبة الحياة وقد استساغها تقديراً لتحول، لما لم يكن يتوقعه، في " مصادفات الأقدار " وهي عبارة لا تعني تعليقاً للأحداث، وإخضاع تاريخ الشخص، أي شخص، والكاتب ضمناً، لمنطق اللامعلوم، لغَيْب ذي سطوة، إنما ما يكون مجهولة بنسبة معينة، ويتطلب الكثير لإضاءته، ودور الإرادة في تأليف أو تأهيل هذا المفهوم..
ما يلي ذلك يشكل تفعيلاً لهذه الشخصيتة التي نبتت رحمية، وظهرت لحمية، وترعرعت في وسط ذي رحم، وارتقت الحياة بقدرات عائلية وذاتية ومقاومات مثّلت مخاضات تجليها كتابياً( هكذا كانت الحدود على حواف الحدود في بساطتها وعفويتها .ص 9 ).
هناك حضور مكثف من المكابدات التي يصل فيها الاجتماعي بالسياسي وبالثقافي، وفي بلد عانى من السيطرة الاستعمارية الفرنسية كثيراً، أي الجزائر، وفي الوقت الذي أسهمت اللغة الفرنسية كثيراً في صقل موهبته، وإنمائها وإثمارها، إلى جانب العربية، وبلسان حال الكتابة.
ليكون اللوذ بالكتابة دخولاً في منعطف المنتظَر داخله: واسيني الأعرج ككاتب، له مكانته.
الكتابة نفسها تلوّح بخاصيتها العطرية وهي تسمّي عناصرها من جهات شتى( الكتابة جاءت من هنا، ولم تأت من فراغ، عندما نخسر كل شيء تنهض الرواية أمامنا بقوة جسراً رابطاً بيننا وبين كل ما يحيط بنا...ص12). الرواية صنعة كتابة، والكتابة تجد حظوتها كثيراً في الرواية التي، ربما لو نظِر في أمرها، لأعطِيَت أكثر من درجة تمييز، بمعْلمها العطري، تنوع المصادر. بحثاً عن المفقود والمفتقَد، والفاقد حضوره الفعلي، وتنحية الغياب جانباً( نريد ان نكون سعدا في هذا الوطن اللغوي، أن نجعل من الحياة والجمال رهاناتنا..ص12)، هذا كشف لوجع تاريخي. وفي حياة لها مباغتاتها، لها أفنانين حضورها وغيابها في وجوه متباينة، ومشهديات ضاربة بمكوناتها. والكتابة تتكفل بمثل هذا التحري الخاص، ةومن لدن كاتبها بإرادة تعبير ومكاشفة روائحية معينة( في الكتابة، كما في بقية الفنون الأخرى، تساؤلات لا تفضي دوماً إلى أجوبة مقنعة، وسحر خاص، لا ندرك مصدره بدقة إلا مع الزمن..ص 13)، وفي حياة مفتوحة، بحرية، برية، خليط منهما وأبعد تخيلياً، وفي اسم استثنائي أكثر من كونه جغرافيا محايدة( طبعاً للوطن العام مكانة حية ومهمة في وجدان الكاتب، لكن مع الزمن والخبرة يغتني الوطن المادي، بوطن آخر، هو وطن الكتابة الذي تحدثت عنه، الوطن الأوسع والأكثر شمولاً. ص15).
من المؤكد أن وطن الكتابة معالجة نفسية خاصة في مخبر الكاتب، ذاكرته، وتاريخ قراءاته، وموقعه الاجتماعي والثقافي، وصِلاته بالآخرين، وتجاربه الحية وتحفظاته جهة تحولاتها. ومن المؤكد أن وطن الكتابة في محتواه الاعتباري، يظهِر البون الواسع بين وطن على الأرض، وفي الخريطة السياسة، واللغة القائمة، وووطن مأمول، وطن يُرتقى به في سريرة الكاتب.
بتعبير استر فوشييه ( الكتابة لعبة بناء. نستطيع بناء الملاجئ، ونكتب القصص، ونبني الهجرات.)، وفي كل جملة ما يزيد في معرفة مفهوم الكتابة، وقدراتها هنا. ما ينتشر روائحياً خارج متنها، على هامشها، ما يحفّز على بث أو نشر المزيد على وقْع هذا الامتلاء بالحياة .
التعبير المقلق
يأتي عنوان الفصل الأول مسهِماً في تصعيد لحظة الكتابة هذه وانعطافها القيمي" في دوامة الحياة "، وهو التعبير المائي السابر لقوى الإنسان، ومختبرها المحمول نفسياً، والمحك في الدوامة واقعاً. وما للدوامة من تاريخ ملموس، وما يترتب عليها استعارة من تكوين ثقافي للشخص.
يأتي الحديث عن الاسم، وتحت عنوان فرعي" بلاغة الاسم " اسم الكتاب، ذا علاقة بفضول المحيطين به( الكثيرون يظنون أن اسم: واسيني هو اسم استعاري كما يفعل بعض الكتاب والفنانين. الغريب الاسم الذي كنت أكرهه لتفرده لأنه لا يشبه الأسماء البسيطة الأخرى..ص21)، ولذلك تنبيه إلى طبيعة التفكير لدى الناس في مجتمع تقليدي، للظاهري مكانته وسوقه النشطة بعلاقات بينية .
هناك طقوس معتمدة في مجتمع مأهول بعادات وتقاليد تخص كل ولادة، وبالنسبة للمولود الذكر، وللجد موقعه( قال : آتوني بالأضحية، سأسمّيه على بركة الله: العيد، العيد، تبعاَ لتقليد المنطقة. من يولد في شهر رمضان يسمّ " يُسمى. التصويب من الكاتب" رمضان، من يولد في يوم العيد فهو عيد، ما بين العيدين فهو بلعيد، ومن ولد في فصل الربيع فهو ربيع..) وكان هناك رؤيا جهة الأم، تخص ولياً" سيدي امحمد الواسيني"، ليأتي قول الجد ذي الاعتبار في مجتمع تقليدي( سنسمّيه على بركة الله الواسيني، وذبح الأضحية. ص25).
الأضحية ترجمة حية ومقرَّرة، تمثّل ثمناً مقدماً سلفاً، ضريبة مدفزعة، تأميناً على حياة شخص قادم، حيث يجري " سفك " الدم خارجاً من الأضحية، ليجري حفظ الدم داخلاً للمولود.
الكتابة تسمّي مؤثراتها، خميرتها وهي عجينة الكاتب، في الحديث عمَّن كانوا معنيين به في الصميم، في " هؤلاء ، ماتوا كلهم، لكنهم هنا؟.ص26)، يمثلون كبار العائلة( الذين نحبهم فوق الموت، بل في منأى عنه، ولا ندرك حجم الفداحة إلا عندما ينسحبون من مشهد الحياة. ص 27).
ولوالده تاريخ نضالي ضد المستعمر الفرنسي، وموته كان في هذا السياق دالاً على ذلك، كما هو الوصف اللافت( كان الربيع نيروزياً2-4-1959، عندما استشهد والدي تحت التعذيب بقسوة، هو ورفيق غربته لكحل بوزيان، في ثكنة السواني( تلمسان) على الساعة الحادية عشرة ليلاً، وخمس عشرة دقيقة، بحسب ما تم تثبيته في الدفتر العائلي، على الرغم من أن سلطات السجن الاستعماري لم تعترف بجريمتها.ص36).
صفة " نيروزياً " الدالة على الربيع قلما يجري استخدامها، وهي لغة خارج العربية، إيرانية، كردية، وذات دلالة" اليوم الجديد، معنىً"، والتوقيت لافت في الإضبارة" اليوم، الشهر، السنة، وحتى الدقيقة، ومغزى ذلك، وما إذا كان هكذا بالفعل واقعاً..
لتاريخ الموتى من الأٌقرباء المباشرين وجع مستدام( يوم توفي شعرت بأني فقدت حائطاً كبيراً، وفقدت أمي بقايا حلم ظلت تراهن عليه حتى آخر لحظة..)، وتالياً أخته( زوليخا أختي وصديقتي، لم تتحمل وفاة الوفاة تحت التعذيب. ماتت في الخريف الموالي 1960، بشكل غامض، انفجر قلبها الصغير... كانت زوليخا نوارة القرية، بعينين واسعتين صافيتين، تميلان نحو خضرة غابية، وشفتين بنعومة حبات الكرز، لا تغادرهما الابتسامة...ص40)، والوصف تعميق لأثر الاسم.
لاحقاً، يأتي التاريخ، بالنسبة لرحيل الوالد مع بعض اختلاف( أبي اغتيل في سجن السواني تحت التعذيب في 4 أبريل 1959)، الفارق في اليوم، وهذا يضع ما هو تاريخي بدقته موضع مساءلة. حيث الكاتب يعتمد على مرتجل الذاكرة، وهو من مواليد" 8-8-1954 ".
وترحل الجدة " معلمه الأول تالياً( 1973، ص 45)،لا يخفي الكاتب عظمة شخصيتها، وهي التي حرصت على أن يكون متعلماً وذا شخصية، ومحافظاً على شجرة الأجداد( هي من ظلت تصر على أن ثقافتي وتاريخي العائلي وأجدادي الأندلسيين لن تكتمل إلأا بربطها بثقافة الأجداد، أي اللغة الغربية. هي من أدخلني الكُتاب لتأسس في ذلك المكان علاقتي الأولى والأبدية باللغة العربية. ص 45).
ثمة سؤال يُطرح هنا، حفّزني على نقله إلى الفضاء الورقي بصدد عبارة" اللغة الغربية" والواردة في النص، ما إذا كانت خطأ ورد سهواً، أم كلا، حيث محتوى النص لا يقول بذلك، حيث الانتماء الأندلسي " الموريسكي" مسلمي الأندلس " يفصح عن أصل آخر..
وفي الحديث عن الأم، رغم التركيز على مكانتها، لا يشار إلى تاريخ موتها " ص46"، وما يذكّر به جهة النسَب الفعلي( كان اسمها ( امزار) أي إلهة المطر، في اللغة الأمازيغية القديمة. ص50). هل أصول الكاتب أمازيغية؟ ليس من إشارة مباشرة لذلك!
ويتسلسل أبطاله بأسمائهم على الورق، وهم هامشيون وخلافهم، أهلية وخلافها، وفي الجمع بينهم، يتشكل مجتمع هو الذي أسهم في بلورة شخصيته كثيراً، وبشهادة روايات له، كان لهم حضور وتنوع أدوار فيها " ص 57".
أي زخم عطر في هذه الانتقالات من حياة إلى أخرى، كرمة حياة شخصية، يتناوب فيها السّيري اليومي والمختصر، والمدفوع الأجر رمزياً، لحياة تنتظر لحظتها، ولادة كاتب فعلي؟
ما أكثر ما قيل عمّا هو روائحي، عما يكون في مقدور الروائح القيام به، تلويناً لهيئات، أو رسماً لدوائر حياتية، وإشهاراً لعلاقات مختلفة في مساراتها الاجتماعية، وكل ذلك ذكَّرني ببعض من مآثرها" الروائح " أو ما يكون عطراً في مستخلصاته، أو مستقطراته التخيلية( "هل نتذكر الروائح التي أحاطت بنا عند الولادة؟"؛ "هل للسماء المرصعة بالنجوم رائحة؟" »; "هل للظل رائحة؟" "ما هي رائحة الصفحة التي سنفتحها الآن؟" »; هل للحب رائحة؟ ما هي؟ » ؛ «هل نستطيع أن نكتب وصية عطرية؟ "، إلخ. هذه الأسئلة، التي من الواضح أنه لا يمكن أن تبقى دون إجابة، تفتح المجال الشمّي لآخرين، بعيدين عنه، ولكنهم معتادون في محاولات الأدب "لتمثيله": الباطنية، والعواطف، والذاكرة، والفن...).
والأعرج يلتزم التحرك بتلك الخطوط التي تمضي به إلى نفسه الحية، الكتابية، فما كان له في عمر الرضاعة المعلوم بزمنه، حل عمر آخر، عمر الرضاعة الذي لا يتوقف، لا فطام في الحالة هذه، بالعكس، ثمة نهم، إقبال، طلب مضطرد، وحتى شراهة مشرعنة، تلبية لحاجات الذات التي تزداد وعياً بنفسها، وواقعها، ويكون للكتابين اللذين يأتي على ذكرها مقام النطفة الرئيسة في إظهار " نبتته " الرمزية( ألف ليلة وليلة ، ودون كيخوتي دي لامانث: نصان يشكلان اليوم نموذجاً للسردية العالمية. ص 58).
ثمة وجه نسوي له أثره في بناء شخصيته، متداخل مع الجامع" لالة مريم" متداخل مع عملية القراءة لألف ليلة وليلة، والكتاب المسروق( قيل لنا أنها جاءت من جبالة، هربها أهلها خوفاً عليها من اغتصاب الحركى والعسكر.. نجدها متكئة بظهرها على الحائط تقرأ القرآن.... كم كنت أتمنى أن أسألها فقط لأسمع صوتها. شيء غامض يسكنني هو بين اللذة والرهبة..ص65).
هذا المزج المؤثر بين الديني" الجامع- القرآن " والدنيوي" جسد المرأة " جمرة الحب الأولى، كل ذلك من مقومات الذات التي تعيش امتحان الانبناء، وقدة المأمول كتابة لاحقاً. وهو مزيج يضاف إلى مزيج آخر، مقروء في الكتاب، ومتنقل في الذاكرة الجماعية، جهة أحداث شهدتها الأندلس، وهي بصراعاتها ونتائجها، وما كان لسرفانتس من دور في عملية الكتابة، شهادة كاتب عالمي برؤيته الإنسانية، عن مجتمع مستبد به( استوعبت هذا العالم في كتاباتي لأنه يعنيني بعمق، كنت أرى جدّي في كل المحن التي عانى منها سيرفانتس" تارة يأتي سرفانتس، أحياناً.ص.75، التالية مثلاً، وقبلها" . من رحلته البحرية مروراً بأسره في الجزائر ثم تحريره مقابل فدية.. الجزائر لم تفتح فقط الافاق الواسعة لمعرفة عالم آخر أمام سرفانتس، ولكنها كانت، بعد ليبانت، الأساس الذي خط مصير سرفانتس الشخصي وإلى الأبد.ص74)..
من الطبيعي في الحالة هذه، أن يعيش ألوان مكابدات، وهو في طور الانبناء الروحي كاتباً، وأن هذا العطر الذي يوجز عملية الكتابة الإبداعية روائياً بالذات، عطر من لون الدم، نجيعه، الكبدى الحرى، والقلب الذي ينبض عملياً على وقْع المقروء، وما يأتي مسطوراً حصاد دورات زمان.
لأذكّر بمؤثر استقطابي جهة الرائحة، ذات الأدوار المختلفة:
( إن الرائحة هي أعظم ما تم نسيانه من الأوصاف الأدبية، ومع ذلك فهي حاسة بدائية تشكل جزءًا من حياتنا اليومية. فهو يساعدنا على فهم العالم من حولنا، ولكنه أيضًا ناقل قوي للعاطفة والذاكرة.
إن إعطاء رائحة لشخصية ما هي طريقة جيدة لوصفها.).
تذكير ليس المقصد به تثبيت شهادة، وإنما تفعيل أثر الخطاب الذي يتشكل ثقافياً في مقول قوله.
وهكذا تكون السينما وفعْل أثرها في بناء شخصيته، بألوانها، بصورها، بأصدائها الجامعة بين اللون والصوت، بين الجسد المنمذج ذكرياً وأنثوياً، ونداء الرغبة المتصاعد عمْرياً، وجانب التنفيس الرغبي في ذلك، وخاصية التاريخ المسرود( نحن في الحقبة الاستعمارية. كنت صغيراً عندما فتحت عيني على السينما الحائطية، وهي ذات منحى تربوي تتعلق بالنظافة ..ص76).
الحديث عن هذه الفترة لا يخفي مدته الزمنية، بالنسبة لطفل كان في مستهل النصف الثاني من عمره، حين نالت الجزائر استقلالها " سنة 1962"، أي كان بعمر " الثماني سنوات " حينها، وهو عمر طفلي تماماً، والذاكرة ذات بنيان تخيلي، مؤثر، ومتداخل مع وقائع حية كذلك. الكتابة، كما يظهر، وكونها متعدية الحدود، تقوم بما هي قادرة عليها، وفي الرواية الأكثر تزكية لأن تقوم بعملية ترميم لوقائع، واصطفاءات، واستلافات تواريخ ووجوه، وحيوات قائمة، على طريقتها، كما هو فعل العطر المحصّل، تقطيراً أو ارتشافاً، تمضي الكتابة بالروح إلى روحها الأخرى، حيث ( لا يمكن إخراج الكتابة عن كل هذه المدارات، هذه التفاصيل هي ما يجعل التجربة الأدبية تتميز عن غيرها. السينما ليست فقط مشاهد وصوراً كثيرة مخزنة في الذهن، ولكنها تفاصيل حياة، حتى لو كانت افتراضية ترسخت في الذهن بقوة، وصنعت مخيالاً، لن يكون بتلك الصفة لولا السينما.ص85).
هذا يهبُ الكتابة قوة وحضوراً، أبعاداً تضاف إلى أخرى في نشأتها ومغزاها، وسريان فعلها الناري والماسي في جبلّة المقروء والمحول منه، تخيلياً إلى المكتوب، إرثاً لا يحوّل باسم آخر.
بالطريقة هذه، وكما تعبّر الكاتبة ليلى سليمان، بصدد مهمة الأدب( الأدب لا يهدف إلى استعادة الواقع، بل إلى ملء الفراغات والثغرات. نحن نستخرج وفي نفس الوقت نخلق واقعًا آخر. نحن لا نخترع، بل نتخيل، ونعطي مادة لرؤية، ونبنيها من البداية إلى النهاية، بقطع من الذكريات والهواجس الأبدية.)، تأتي الكتابة بذخيرتها العطرية مفصحة عن مضاء رائحتها في أنف معتبَر.
الكتابة الورشية
صار للورشة، ورشة عمل الكتابة، بطابعها المخبري المفتوح، بذلك المجتمع المصغر، والذي عماده جملة من الذين يريدون الإقامة في حياة تتوقف عليهم، وهم باذلو جهد في جعْلها حقيقة لها أبعادها الثلاثية مجتمعاً وثقافة وتاريخاً وخطة مستتقبلية، وروح المسئولية المقتدرة تجاوباً مع تلك المستجدات التي تمثّل تحديات راهنة وموجهة إلى المستقبل. الورشة صنعة كائن يستشرف منعطفات تواريخ ومجتمعات، وفردانيات أعطيت قيمة استشرافية، وخطورة أداء في المعنى، جرّاء المأمول منها، وتحديداً بالنسبة لمجتمع يعاني من فقْد الهوية التشاركية.
وعربياً، ثمة محدودية لهذا المفهوم، جهة الرصيد الاعتباري ومتطلباته، لتكون ورشة حقاً.
الأعرج لا يخفي تقديره لهذا العالم الموجز والمؤثر، أي " ورشة الرواية " موضوع الفصل الثاني من الكتاب، ثمة بحث عن ولادة نموذجبة، عن نشدان الأفضل بناء على إرادة واعية هنا.
أحيل بداية في هذا الجانب إلى مقام الرائحة، رائحة الكتابة، عطرها المكثف، رائحة مميّزة بكائنها، حقيقة عضوية أم ثقافية، مفرزة لقيا جماليات متداخلة ومتفاعلة، حيث لكل من المشاركين في ورشة معدَّة ومتَّفق عليها صوته ولونه وهيئته ونبرته، إلى مرجعية روائحية تنير ما نحن بصدده ( إن الرائحة هي أعظم ما تم نسيانه من الأوصاف الأدبية، ومع ذلك فهي حاسة بدائية تشكل جزءًا من حياتنا اليومية. فهو يساعدنا على فهم العالم من حولنا، ولكنه أيضًا ناقل قوي للعاطفة والذاكرة.إن إعطاء رائحة لشخصية ما هي طريقة جيدة لوصفها...).
ما يفتتح به الكاتب فصَله هذا، هو الذي يفصّل ولو بإمضاءات معبّرة، في حقيقة الرهان على الرواية، في سردياتها المثلى، والمتباينة في أصواتها، في مساءلة الحقيقة مكاشفة( قناعتي المتجذرة التي اكتسبتها من رحلتي الإبداعية في الحياة، والروائية تحديداً، هي أن كل عمل روائي هو ورشة عمل تفتتح لكيلا تغلق إلا بعد الانتهاء. جهد مستمر ، وتفكير لا يتوقف حتى إسدال الستار على المشروع الذي يبدأ بخربشات وتخطيطات، وينتهي بعمران مركب اسمه الرواية. ص 89).
عمل لا يتوقف على مدار الساعة. وساعة الأدب، وكتابة الروايات، كما يبدو، لا تدق أبداً، إنما حريصة على دورانها الزمني الخاص، وكل دقة محوَّلة إلى تقدير من لدن الكاتب نفسه. ذلك مبدأ حيوي واستراتيجي للكتابة، والرواية بطابعها الملحمي المفتوح، تصادق على معايشة تشارك فيها كل قوى النفس وكوامنها بخيالاتها المهمازية، تأكيداً على فرادتها، لهذا يقول ( يبدأ موضوع الرواية بانشغال داخلي يباغتني في كل ثانية، وفي كل الأمكنة، فتلح علي الفكرة، وتبدأ بالانكشاف شيئاً فشيئاً، إلى أن تتحول إلى ما يمكن أن نسمّيه ( اللحظة الروائية). ص92).
في الكتابة المنطلقة من مضمار مفتوح كهذا، ثمة ما هو كوكبي، كوني، استئثاري وفاعل، ما يستدعي الإنساني بإجماع، لأن محرك الرواية جرح التاريخ في مجتمعه، وصرخة المجتمع في تاريخه، وتقابل الاثنين في فضاء رواية يلتقي فيها الحسي بالماورائي. الرواية هي الآخر المفقود، هي الصوت المطارَد في برية مستباحة كثيراً، إنها في واقع حقيقتها، ومن خلال تاريخها النازف آلاماً بشرية، ومآس بشرية، ومخاوف بشرية، إعادة بحث عن الزمن المفقود، بوصفه الزمن القابل للحضور، القابل لأن يكون زمناً منفتحاً، يجري نصْبه والاحتفاء به، ليُسكن فيه، دون ذلك ما الذي يبرر كل هذه " التضحيات " في شخصيات أكثر من كونها ورقية، أو عابرة، وهي تستنطق نظائرها بقيم تترى داخلنا، لهعذا، فإن اقتباس الكاتب من جيرار جينيت، يعزز ذلك( إن البشرية لم تكتب إلا نصاً واحداً. ص94)، وهو اقتباس يواجهنا بضيقنا وهو واسع أصلاً. وكلما برز المنشود مقابِلاً للواقع المتصدع، أو المنخرط في لعبة تدميرية، بإقرار ذوي النفوذ، كلما وجدت الرواية نفسها في تحد لاسمها، وآتيها، ومصيرها، حيث ( الأفكار الروائية عالم متحرك، زئبقي، نحتاج إلى قوة جذب كبيرة حتى نتملكها. ص95) .
أترانا قادرين على امتلاكها، كما نريد ولحظة نريد وكيفما نريد؟ والزمن لا يتوقف، والمكان نفسه لا يتوقف، وليس من فراغ فعلي، لنهدأ ونلتقط أنفاساً، إن استشرنا روح المسئولية، وكل ملء بصمة دوامة، وكل فراغ أكثر من وصل بين ملء وملء، بوصفه سيرورة مشاعر قائمة عميقاً.
الكاتب يرحّل أفكار مع خياله إلى عالم هو نفسه ورشة، ورشة محلقة، في التذكير بأمثلة لها واقعها، ولكن واقع الرواية مختلف في فعل النمذجة( إن الشخصيات هي انعكاس أمين للواقع، فهي أكبر من ذلك بكثير، ويمكن الحديث عنها باعتبارها كيانات مستقلة وحية بخصوصية تجعلها مقنعة..ص100).
في ورشة العمل الكتابية ما يعلّم دائماً، ما يبعث على اليقظة باستمرار، ويغذي اللاروح بتلك الطاقة التي تتطلبها الكتابة النوعية، كما تلمست ذلك في أكثر من موضوع، كما هو الوارد في هذه الشهادة: الإفادة، لإحدى المعنيات بورشة الكتابة بالذات:
( من الصعب دائمًا بالنسبة لي أن أصف ما هي ورش العمل الكتابية. إنها جميعًا مختلفة، جميعها مميزة، جميعها فريدة. لكن، بالنسبة للجميع، رغبتي، أمنيتي، أمنيتي وطموحي هو خلق هذه اللحظات حيث يكشف كل شخص عن نفسه كمؤلف مع هذا الشعور المكثف بالرضا في بعض الأحيان، أيا كان نوع الكتابة التي قد تكون كتبت بشكل عفوي. لذا اقترحت على المشاركين في الورشة أن يكتبوا لها: الكتابة. وهنا النصوص، التي أرسلت لي. كاثرين مارك..).
بناء عليه، وكما يظهر، إذا كان الواقع الذي تنشغل به الرواية بفكرة هي إكسيرها المتوخى، يتهدد كاتبها، أو يقلقه بتوتراته، ومستقبله، واقع فاسد" ديستوبي " فإن الرواية حالة تطهير، وسعي إلى إقامة واقع يراد منه وله أن يكون مدينة الغد " يوتوبياه تحديداً. الرواية لسان حال حرية معذبة( ما يؤسس لنجاح الرواية هو طريقة التعبير عنها، وقدرتها على الحرية، والتحرر من الضوابط الاجتماعية الضيقة التي تدفع بالكاتب، في أحسن الأحوال، إلى إعادة إنتاج من هو متسيد ومهين...ص 106 ) .
من المؤكد أن المحتوى المطلوب هو هكذا، حيث القدرة على الحرية، تعني كيفية تجاوز ما يحول دون تحقيقها، ما يحررها من الضوابط آنفة الذكر. بذلك يكون المكان شاهد حال جغرافياً وتاريخياً طبعاً( للمكان في كتابة الرواية حضور مهم..ص107).
إنما ما يمنح الجسد الروائي جلده وعظمه ولحمه، مساماته وأنسجته، أي روحه الحية، هو كيفية بناء المكان مجتمعياً، عبر ثقافة قارئة ومقروءة، كما هي تجربة الكاتب في رواياته، كما في روايته " البيت الأندلسي " والمناخ العاصف في الرواية، حيث ( القراءة المفتوحة للرواية تحولها طبعاً إلى استعارة وطنية وعربية تتعلق بانهيار تاريخ بكامله..ص115)، وما يكون للخيال من دور نافذ، فهو محرر التاريخ من نمطيته، وجموده وصلابته تفكيكاً وإعادة صوغ، وكذلك البيئة، فلا غرابة في قول الكاتب( أعيش الخيال، ويعيشني، أكاد أؤمن أن الفارق هو مجرد نقطة نزلت لشكل خطأ، الخيال من الخيل، أي ما لا يخضع للعقل ولا لمنطق محسوس، ويحرر التفكير كلياً، ويدفع بن نحو الأقاصي، حيث لا حدود أبداً. ص 125).
ذلك يعزز المقولة المركَّبة من توأم الخيال والصورة أو بالعكس، الخيال يحلق بالصورة حية نابضة بحياة ممثّلة في الجاري بثه داخلاً، والصورة تحرّك الخيال، وتفسح له في المجال الضامن لتلك الاستطاعة العزيزة والمثمنة في أصثل الرواية ودعواها، وعملاً بما ورد في هذا الاقتباس المركَّب( الصور هي الحياة الثانية، وهذه الحياة الثانية، أو بالأحرى هذه المساحة الثانية، ليست هامشية بأي حال من الأحوال فيما يتصل بالحياة الإيجابية والحقيقية؛ بل على العكس من ذلك، فهو يتخللها، ويطاردها بالكامل. إنه يقف داخلها مثل البعد الذي يضاعفها، الأكثر حميمية والأكثر مراوغة في نفس الوقت، حيث تتجسد شخصيات الرغبات والأحلام والذكريات... والخيالي يكمن في الغموض التكويني للصورة، والذي يجعلنا نميل من خلال غير الواقعي نحو واقع لا وجود له إلا بقدر ما يجعل نفسه بعيد المنال...)، يمكننا تبين الدور الحاضر دائماً في الرواية حقيقةً.
والأعرج يعزز مقولته هذه أو تلك في مجال الحديث عن الرواية تجربة قراءة وكتابة، بتلك النصوص المصاحبة للفعل المركَّب قراءة وكتابة، كما هو مثال رواية إميل زولا" جرمينال" بقوله( إن رواية زولا هي مادة تييلية، إذ لا وجود مادي تاريخي لها إلا فيها..ص129). وما يضيء سجل الكاتب" زولا " مبدئياً( خلافاً لهذه الرواية تحضر رسالة زولا ( إني أتهم) التي وجهها إلى رئيس الجمهورية مديناً المؤسسة السياسية والعسكرية، مدافعاً عن الضابط دريفوس الذي اتهم بالخيانة العظمى، والتخابر مع الألمان والنمساويين..ص130).
أي ما يصل بين القول والفعل في ممارسة الكتابة ومتطلباتها، ومتى يكون الكاتب كاتباً فعلاً.
ليكون هنك اعتبار للحديث عن كيفية كتابة الرواية، وما يستجيب لفضول القارىء" بداية الرواية ونهايتها " ورهبة الموقف( ربما كانت البداية من أصعب اللحظات في عملية الكتابة، والرواية على وجه الخصوص. ص 135). والأشكال كثيرة، على وقْع تجاربها طبعاً" ص 139". وليست النهاية بمتنحاة من هذا التقدير النوعي، إذ ( ما من شك أن النهاية تشكّل مصدر قلق كبير للروائيين، لأن لا أحداً منهم يريد إنهاء قصة رائعة بنهاية ضعيفة تخيب آمال قرائه به.ص141).
وما يعطي لصلات وصل كهذه من التذكير بحقيقة الشخصيات في الرواية، وربطها بالواقع، ودون ذلك تفقد الرواية حقيقتها( عندما أتحدث عن شخصياتي الروائية فأنا أتحدث عن كائنات ورقية، ولكنها حية، تؤثث حياتي وحياة الكثير من قرائي. ص 147). وذلك لا يتم إلا عبر مكوّن ثقافي يكون المؤثر في جعل الشخصية الروائية متنفذة بدورها ورمزيتها" ص 155"، وما يجب تجنبه، جهة مزلق الإيديولوجيا إن أراد الكاتب حياة سوية ومنمذجة لعمله" ص158"، بذلك تكون الشخصياتـ وهي مخلوقات متخيل الكاتب، ومأمورة به، أو تابعة له، مؤثرة في مصيره نفسه، من خلال طريقة " نفخ " الروح التخيلية فيها، وما يأتي فيها تنوعاً في الأوصاف والأدوار، حيث الكاتب يكون خلاف المعني الفعلي بها، وإن كان للحبل " المشيمي " الوجودي حضور معين، لتينك العلاقة بين أي شخصية والكاتب في حياته اليومية، وبمفهومها الواسع، وليس بوصف الشخصيات عموماً، وكما أفصح الكاتب( صورة متعددة .. له.ص161).
هوذا أنفه الذي أفصح عن طاقته الاستيعابية اللافتة في شم الروائح، في العطر الذي يمكن " شمه " من خلال مسطوره، وإحالات المسطور هذا إلى ما هو مكتوب باسمه روائياً، قبل كل شيء.
ذاكرة الكاتب تشد الانتباه إلى حالات كتابية، إلى عطر الرواية من خلال حياة هي جمع انصهاري لتلك الحالات، وبالطريقة التي رآها الأكثر موثوقية في الطرح، وفي الذاكرة ما يبعث على التفكير في مهامها الكثيرة، ما يذكَّر بالمتردد باسمها ، وكما ( قال بودلير إن العطر لديه القدرة على "إرسال الذكريات إلى الهواء". إنه يستحضر الذكريات، ولكن بشكل متناقض يقدم وعودًا أيضًا! ويذكرنا بأن الخطاب الذي تحمله الروائح "لا يتأثر كثيراً بما تقدمه لنا، بل بما تجعلنا نتوقعه" (ج ج روسو)...).
هذا يعيدنا دائماً إلى الوراء، حيث البداية المفترضة للحديث عن الكتابة، والدفع بنا إلى الأمام، لممارسة مسح ميداني ببعده الثالث: العمق، وتبيّن أي عطر ممهور برائحة معينة أو أكثر .
بين القراءة والكتابة
في فصل الكتاب الثالث والأخير، والذي يتقدم بمطالعات الكاتب وقوله في الأعمال الروائية التي قرأها، ودالتها اللغوية ، الجنسية، الثقافية، ومركَبها الاجتماعي والفردي، ثمة تنوير آخر لاسمه باعتباره كاتباً، وهو يقتفي أثر الأكثر حضوراً وحتى دلالاً نفسياً لديه . إنها كتب: روايات عربية وأجنبية، وما للمكتبة من تأثير في ذلك( العلاقة بالمكتبة شيء كبير واستثنائي، مكتبة يمحي فيها الموت والحياة، أصلاً لا يوجد موت، كلهم خالدون، ويتجاوز فيها الميت مع الحي..ص165).
والروايات المقدَّمة بقراءات خاصة به، عيّنات لمن يرغب فيها، كما هو مكتوب عنها، إنها من بين الكتب التي تركت بصمته في نفسها( شكلت لي حالة وجدانية كبيرة يصعب علي تخطيها..ص 167)، بتعبيره .
مجموع الروايات المذكورة، بأسمائها وأسماء كتابها، وإضاءات لها بذائقة الكاتب" 31 " رواية "، أربع عشرة منها عربية، وسبع عشرة منها أجنبية، طبعاً لثقافته المعلومة دور في ذلك، وهو يتقن القراءة والكتابة بالفرنسية والعربية معاً، ولعلاقاته مع الآخرين أيضاً دور هنا .
عربياً تبدأ بـ" أولاد حارتنا " لنجيب محفوظ، وتستمر مع " النخلة والجيران " لغائب طعمة فرمان، و" موسم الهجرة إلى الشمال " للطيب صالح، و" ما تبقّى لكم " لغسان كنفاني، و" بيروت 75" لغادة السمان، وتنتهي بـ " حكاية زهرة " لحنان الشيخ، وأجنبياً، تبدأ بـ" الجريمة والعقاب " لدوستويفسكمي، وتستمر مع" زوربا " لكزانتزاكي، و" العجوز والبحر " لهمنغواي، و" مئة عام من العزلة " لماركيز، و" اسم الوردة " لإيكو، وتنتهي بـ " الخيميائي " لكويلهو..ما يستدعي النظر في هذه القائمة، ليس نوعيتها، إنما تصنيفها جهة كتّابها، وما يترتب على ذلك من سؤال، ربما يستحق طرحاً، وهو أنه من بين " 31 " روائياً " ليس هناك سوى اسمين لكاتبتين، هما " غادة السمان، وحنان الشيخ " ولا وجود لأي اسم لكاتبة أجنبية. أليس في ذلك مبعث استغراب، ومن جهة كاتب أظهر مدى تأثره بنساء العائلة: الجدة، الأم، والأخت وغيرهن؟ أما كان هناك إمكان لأن يأتي على اسم أو أكثر لكاتبات أجنبيات؟ أيعقل أنه لم يتأثر بنتاج واحدة من هؤلاء الأجنبيات، وفي اللغة التي عرِف بها كثيراً هناك في فرنسا ؟
متابعة خارج الكتابة
العطر متنوع، فولكلوري، يُسمي روائحه وأصنافها، نوعياتها وجدواها .والرواية مدللة عطر، كما هو مقدَّر، بناء على الحمولة الرمزية لها. لاائحة لا تتوقف عن لفت " حاسة الشم " وصحبتها الحواس الأخرى، دوراناً أو جهة، أو تطلعاً.
والكاتب الأعرج، قدَّم لقارئه رصيداً لا يخفي صنافة عطره، وجدارته في أن يُشتمَّ، أن يتنفس بعمق جرّاء هذا الأداء اللغوي والمأثور الإبداعي.
دون نسيان ملاحظة، تخص موقفه من المرأة التي أبرز مكانتها في حياته، ومنذ تربيته الأولى، كما رأينا. المرأة التي، بدا لي، أنها غابت عن حساباته الفكرية، وفي مقام سِيري كهذا، في فصل أو شبيه فصل عنها، لما للمرأة من دور في الحياة، وللكاتب على وجه التحديد، كما لو أن تجاهل ذلك، وما لذلك من " صدع " في بنية الكاتب، كماشة تشير إلى مسمار ملتو في خشبة النص، ىوما إذا تعبير " هذا أنا " في مستوى المنثور في الكتاب، ما إذا لتعبير تال وتوضيحي بعد الفاصلة " كما عرفتُني " كما عرف هو نفسه في نفسه، وليس ما يعرَف بها لقارئه، لأن الذي عرِف به كتابياً، وروائياً، يقيّمه فنياً، وتقويماً لحقيقة ما يشير إلى شخصه وصلاته ذات المعنى بالنساء، بالمرأة طبعاً، وأي رائحة شُمَّت وضُمَّت هنا، ومكانة ذلك في مفهوم العطر: إثراء وإنماء وجلاء موقع، ولمن يطالع سجله الحياتي في نهاية الكتاب، في حيّز الغفل اسماً، كما تقدَّم ..!
أقول ذلك، وأنا أورد مقولة حية، موحية لمارغريت دوراس (أكتب لأعرف ماذا سأكتب لو كتبت ). تُرى، ماذا عرف الكاتب، وفي ضوء" أنا " هذا الكتاب، وقد كتب؟ أي عطر بثَّته كتابته، استناداً إلى هذا الذي حفل به كتابه المعتبَر سيرياً، مع مراعاة الملاحَظ في المتن؟؟!!