في كتابه "التّعكير" Impureté (1985)، يحدّد غي سكاربيطا Guy Scarpetta هذا الأخير كما يأتي : "هو ضرب من مقابلة فنون لبعضها البعض، من إزالة للحواجزفيما بينها، من عدوى إحداها لأخرى". يتعلّق الأمر حقيقة بخلق نص هجين لا ينتصر لأيّ نوع على وجه التّخصيص. يظلّ التّعكير، لسبب قويّ، هو نقيض كلّ إيديولوجيا تعبد الأنواع، إنّها نقيض النّقاء بما هي تتحدّد كلَحْم الأنواع بغرض تأزيم وحدتها / أو خصوصيتها. يرى غي سكاربيطا، ضمن هذا المنظور، أنّ الأدب اليوم له ميل إلى صياغة نوع "هجين"، بمعنى نوع ينبني أساسا على تشابك الفنون، نوع يخترق التعارض بين الأنواع للوصول إلى شكل "غير نقيّ، هجين يمكن لأنواع أخرى أن تجد حيّزها فيه". يشتغل التّعكير على الأصداء، على الآثار التي تحتويها ذاكرة النّصوص. لا يمكن لنص، تبعا لهذا المنطق، أن يكون له معنى إلاّ في علاقته بنصوص أخرى. من السّرد إلى الفكر، من الأوتوبيوغرافيا إلى الفلسفة، يبدو التّعكير يحوك شبكة عنكبوت مجمّعا أصواتا شتّى، تجارب عدّة من داخل التجربة الفنية الإنسانية. إنّ التّعكير وُلد، في الواقع، في سياق متميّز، في سياق أنطولوجيا، تراجيدي : ضياع الإنسان. يحاول التّعكير أن يستجيب فعلا لهذا اللاّاستقرار النّفسي والوجودي الذي يعيشه الإنسان في عالم من دون مُعلّم ولا مَعْلَم. التّعكير يفتح أكثر فأكثر حقل التّفكير لوضع أسئلة أخرى أكثر صعوبة وخطورة: ما هي الهوية؟ ما هي الغيرية؟ إذا كان سياق تعكير النص لا يمكن أن تتحدّد إلاّ انطلاقا من صلتها بنصوص أخرى، بأنواع أخرى، بأنفاس أخرى، فهذا يجري على الإنسان الذي، لكي يوجد، في حاجة أن يكون، أن يفكّر بالموازاة مع الآخر. لا يعكس التّعكير ترحال النّصوص فحسب، بل ترحال البشر.
في البحث عن لقاءات مُنقذة، يرحل النص / الإنسان بعيدا عن هوية معيّنة، عن نوع محدّد. إنّهما يدخلان في علاقة مع هويّات / أنواع أخرى حتى يغنيا أصواتهما، أسرارهما، مواجعهما، اخفاقاتهما، مطامحهما. يجرّب النص/الإنسان تجربة العيش معا متقبّلين الاختلاف في صلب ما هو متماثل. ترحال النص/ الإنسان يشي أنّهما، صميميا، عابران للثقافات، يقدّمان وجودهما من خلال العلاقة بالآخر، من خلال التعايش. إذا كان بديهيا أنّ تقاطع الثقافات يحدّد الحوار، التّبادل والتغيّرات التي تعرفها النصوص في تجاورها الدّائم، فلا يبقى دون جلاء أنّها تحدّد أيضا الحالة المركّبة للإنسان كذات متشعّبة، متشابكة ومتنافرة. كما النص، يحتاج الإنسان أن يرتحل. وحدها الهجرة تسمح بالعيش في غبطة التقلّب واللاّاستقرار. النص/ الإنسان هما في صيرورة، يغذّي التّعكير ترحالهما، يحميهما من مهاوي التعفّن ويعلّمهما منافع التنقّل. زيادة على هذا القول، فإنّ التّعكير يمثّل اسنتطيقا تندرج ضمن إطار ما بعد الحداثة، راسما مسارا آخر في الفكر الإنساني. عديدة هي الأصوات الأدبية المنادية بالتّعكير كاستطيقا على المستويين النظري والعملي. لنذكرْ كأمثلة : ميلان كونديرا "خفّة الكائن الذي لا تحتمل"، روبرت موزيل "رجل بلا مزايا"، هرمان بروخ "المسرنمون"... الدّرس الذي يلقّنه التّعكير لإنسان العصور الحديثة، إذا كان هناك من درس يعطيه، يظهر على صعيد الإبداع توغّلاّ في استكشاف آفاق أخرى متعلّقة بالتجربة الفنية الإنسانية؛ على صعيد الهوية إيثارا للغيرية، للحقّ في الاختلاف كدواء لا مناص منه لأضرار النقاء الهويّاتي. انفصال الأنواع الأدبية يقتل النص. الانكفاء على الهوية يقتل الإنسان. التّعكير لَحْم الفنون، لَحْم الهويات لبلوغ الجوهر : الكونية."
Libération, Jeudi 1 Juillet 2010
في البحث عن لقاءات مُنقذة، يرحل النص / الإنسان بعيدا عن هوية معيّنة، عن نوع محدّد. إنّهما يدخلان في علاقة مع هويّات / أنواع أخرى حتى يغنيا أصواتهما، أسرارهما، مواجعهما، اخفاقاتهما، مطامحهما. يجرّب النص/الإنسان تجربة العيش معا متقبّلين الاختلاف في صلب ما هو متماثل. ترحال النص/ الإنسان يشي أنّهما، صميميا، عابران للثقافات، يقدّمان وجودهما من خلال العلاقة بالآخر، من خلال التعايش. إذا كان بديهيا أنّ تقاطع الثقافات يحدّد الحوار، التّبادل والتغيّرات التي تعرفها النصوص في تجاورها الدّائم، فلا يبقى دون جلاء أنّها تحدّد أيضا الحالة المركّبة للإنسان كذات متشعّبة، متشابكة ومتنافرة. كما النص، يحتاج الإنسان أن يرتحل. وحدها الهجرة تسمح بالعيش في غبطة التقلّب واللاّاستقرار. النص/ الإنسان هما في صيرورة، يغذّي التّعكير ترحالهما، يحميهما من مهاوي التعفّن ويعلّمهما منافع التنقّل. زيادة على هذا القول، فإنّ التّعكير يمثّل اسنتطيقا تندرج ضمن إطار ما بعد الحداثة، راسما مسارا آخر في الفكر الإنساني. عديدة هي الأصوات الأدبية المنادية بالتّعكير كاستطيقا على المستويين النظري والعملي. لنذكرْ كأمثلة : ميلان كونديرا "خفّة الكائن الذي لا تحتمل"، روبرت موزيل "رجل بلا مزايا"، هرمان بروخ "المسرنمون"... الدّرس الذي يلقّنه التّعكير لإنسان العصور الحديثة، إذا كان هناك من درس يعطيه، يظهر على صعيد الإبداع توغّلاّ في استكشاف آفاق أخرى متعلّقة بالتجربة الفنية الإنسانية؛ على صعيد الهوية إيثارا للغيرية، للحقّ في الاختلاف كدواء لا مناص منه لأضرار النقاء الهويّاتي. انفصال الأنواع الأدبية يقتل النص. الانكفاء على الهوية يقتل الإنسان. التّعكير لَحْم الفنون، لَحْم الهويات لبلوغ الجوهر : الكونية."
Libération, Jeudi 1 Juillet 2010