دخلت عليّ اللغة قبل أن أدرك معانيها واشترطت عليّ أن أحفظ كلماتها عن ظاهر قلب ، دخلت على كياني فغيرت من أحواله ،فإذا به لا يدين إلا بما تدين ولا يؤمن إلا بما تؤمن ولا يتكلم إلا بلسانها .
فانهار السكون داخل نفسي انهيارا كاملا ، مثلما ينهار الجبل الشامخ بعد أن يجتاحه طوفان، كي يبعث فيّ صوت صغير متحدث باسمها ،يقول لي ما لم أقله لنفسي قط وقد بات ينظر للعالم من منظارها ويقسّم أجزاءه حسب مسمياتها ويقيّم ما يشهده من أفعال وأقوال ويشخّصها يكيّفها الى جميل وقبيح وعابر وطارئ وزائل ودائم ومستقر وممنوع وجائز ومحرم ومباح ومقبول ومرفوض وغيرها من الاوصاف .
كذلك، سكنتني اللغة فاستحوذت على فكري وأعادت تركيبته ، وأضحت تصدر الأحكام التقييمية على ما أفعل وما أقول إلى أن تحولت الى غشاء يغطي روحي فيحجب عني جميع ملامحها .
إنه احتلال اللغة للذات ، مسار لا مفر منه ولا استقلال بعده، غير لحظات قصيرة جدا من الصمت هي بمثابة الفواصل العابرة عبورا سريعا ، فالذات التي لم تسكنها أية لغة هي ذات معزولة عن العالم وعن الاخرين، لا يمكن لها التواصل مع أي كان ولا معرفة من تكون ،هي ذات نكرة لم يعرّفها حرف ولا قول ولم تزرها بقايا تجارب من سبقوها ولا حكاياتهم.
اللغة إذا هي مرآتي، أرى فيها مسميات الأشياء فأدركها وهي الإشارات التى تعرّف العالم من حولي وهي الزمن الذي تعيش على وتيرته ذاتي والتاريخ الذي منه تشكلت ذاكرتي الشخصية والجماعية .
فتقديس العالم أو تدنيسه نابع منها، وما كان منه وما حدث، إنها الجدار السميك الذي يحجب عنا الحقيقة كما هي، وفي الان نفسه العدسة التي تصور لنا ما أمكن لنا تصويره.
لم يبق لي إذا من منفذ، سوى أن أعيد النظر في استعمالها حتى لا تأسرني الى الأبد وأفتح لنفسي من خلالها ألف أفق وأفق، أن أدرك أن كل ما أشعر به أو أفكر فيه هو سابق لنشأة معانيها وأنها القادرة على بيانه والاحاطة به كي تصوغه على قياسها وتمنحه بنيان تراكيبها.
فلقاء الحروف بالمشاعر لقاء غريب عجيب، يصعب عليّ وصفه الوصف الدقيق، شبيه بلقاء البذرة بالريح والمطر بالأرض والشكل بالمضمون، لقاء مآله التلاقح بين ما هو قديم ومنشئ وما هو حديث لم يتشكل بعد، يبدأ بالصراع بينهما قبل أن يختلطا ويندمجا، صراع إما تكون الغلبة فيه للسابق أي المشاعر أو للاحق أي اللغة، فإن كانت الغلبة للأول نشأت الشعرية وإن كانت للثاني وقع الاجترار والتكرار لما هو مألوف وسائد.
إعادة ترتيب الكلمات وفق وتيرة المشاعر وتوهجها أو خمودها بأن تصبح النفس الذي يبعث الحياة ويدفعها للسريان بين شرايين النص، يتطلب التقابل والتنافر بينهما حتى يتحقق الاشتباك بين الشعور بالحزن والكلمة التي تصفه وبين الإحساس بالفرح والعبارة التي تناسبه خفة وانسيابا.
كأن تتحول اللغة الى الحبل الذي ألقي به داخل أعماقي لسبر الذات، فإذا بها تتحول الى المسافر، الباحث والغريب الذي يبحث له عن ملجأ أو مقر، بعد أن كانت ذلك الامبراطور الذي يفرض نواميسه وقوانينه بالقوة.
فالتمرد على اللغة أي عصيانها بعدم الخضوع لقوالبها، معناه أن تخترق جميع القوانين، القانون الذي به يمكن التواصل مع غيرك، وذاك الذي به تفهم نفسك، وكذلك الذي به تسمي العالم، فتدركه.
فإذا هاجرت لبلوغ أول الزمان أي الى الفترة السابقة لتعلم اللغة وشعرت ولو للمحة صغيرة جدا بنظارة ذاتك وبراءتها وخلوها من كل فكرة أو حكم أو معرفة وأن ذاتك خالية من كل دخيل، مكتفية بمن تكون، متقبلة لنقائصها وأحوالها، غير منفصلة عما يحيط بها، لأنها مستغنية عن كل تسمية .
حتى إذا ما عدت من هجرتك لتقمص ما أملته عليك اللغة من صور وأفكار، ستسكنك آنذاك دون أدنى شك الرغبة في أن تحوّل اللغة الى كائن يتحدث حديثك ويروي قصتك، يكون قريبا منك بعيدا كل البعد عن العبارات المعهودة التي تعج بها النصوص القديم منها والحديث .
وطبعا، المسألة تتجاوز ما قد تناله من اعتراف من جهة ما أو مؤسسة معينة، تتجاوز ما قد يقال عن نصوصك من كونها مجددة ، هي أعمق من ذلك بكثير ، ما دامت تمنحك الإحساس بأنك أنت مبدع لغتك وباعثها وأنت مهندس براعتها ومؤسس معانيها بان جعلتها تتكلم بلسانك بعد أن كنت أنت المتحدث بلسانها والنتيجة الحتمية لمجهودك ذاك : هو أن يحمل النص أثرا منك، من تفردك ،من نبضك، من خيالك، من أحلامك، من أوهامك، من شكوكك، من آلامك، من أفراحك، من كيانك، ويكون لك بمثابة البصمة .
فيكون اختلافك أجمل ما تهديه للعالم، شبيه بنبرة صوتك المتميزة عن كل ما عداها من أصوات، تنتقل من شخص الى شخص، لتخبره عما كان منها وتترك لديه شيئا من شعاعها.
أن تتحول اللغة الى كيمياء تنصهر فيها بعض أحاسيسك ومشاعرك ثم تتحول الى نبض خالص تنطق به عباراتك وكلماتك لتنتشر كشعاع الشمس فتجعل العالم من حولك أقل وحشة وغربة.
فليس ما ترويه من قصص هو المهم، بل قد يكون أسلوبها، وليس الأسلوب هو المهم، بل قد يكون ما يخفيه من معنى، وليس المعنى هو المهم، بل قد تكون تركيبته، ليس تركيبة المعنى هي المهمة بل خصائصها.
فخصائص المعنى أو عناصره هي إحدى إشارات وجودك المتفرد، الذي لن يحدث إلا مرة واحدة في هذا الوجود الفسيح المتغير باستمرار في المكان والزمان.
فكن أنت من خلال لغتك ولو بالمقدار الممكن المتاح ولا تكن ما تريد اللغة منك أن تكون، لأنها ستغمرك وتفنيك في جبروت قوالبها وقواعدها وتراثها القديم.
كن أنت، لتبعث نفخا عابرا يحمل بين طياته المعنى المتصل به، تتحدث عنه لغتك، سليلة اللغة التي كنت قد تعلمتها.
كاهنة عباس .
فانهار السكون داخل نفسي انهيارا كاملا ، مثلما ينهار الجبل الشامخ بعد أن يجتاحه طوفان، كي يبعث فيّ صوت صغير متحدث باسمها ،يقول لي ما لم أقله لنفسي قط وقد بات ينظر للعالم من منظارها ويقسّم أجزاءه حسب مسمياتها ويقيّم ما يشهده من أفعال وأقوال ويشخّصها يكيّفها الى جميل وقبيح وعابر وطارئ وزائل ودائم ومستقر وممنوع وجائز ومحرم ومباح ومقبول ومرفوض وغيرها من الاوصاف .
كذلك، سكنتني اللغة فاستحوذت على فكري وأعادت تركيبته ، وأضحت تصدر الأحكام التقييمية على ما أفعل وما أقول إلى أن تحولت الى غشاء يغطي روحي فيحجب عني جميع ملامحها .
إنه احتلال اللغة للذات ، مسار لا مفر منه ولا استقلال بعده، غير لحظات قصيرة جدا من الصمت هي بمثابة الفواصل العابرة عبورا سريعا ، فالذات التي لم تسكنها أية لغة هي ذات معزولة عن العالم وعن الاخرين، لا يمكن لها التواصل مع أي كان ولا معرفة من تكون ،هي ذات نكرة لم يعرّفها حرف ولا قول ولم تزرها بقايا تجارب من سبقوها ولا حكاياتهم.
اللغة إذا هي مرآتي، أرى فيها مسميات الأشياء فأدركها وهي الإشارات التى تعرّف العالم من حولي وهي الزمن الذي تعيش على وتيرته ذاتي والتاريخ الذي منه تشكلت ذاكرتي الشخصية والجماعية .
فتقديس العالم أو تدنيسه نابع منها، وما كان منه وما حدث، إنها الجدار السميك الذي يحجب عنا الحقيقة كما هي، وفي الان نفسه العدسة التي تصور لنا ما أمكن لنا تصويره.
لم يبق لي إذا من منفذ، سوى أن أعيد النظر في استعمالها حتى لا تأسرني الى الأبد وأفتح لنفسي من خلالها ألف أفق وأفق، أن أدرك أن كل ما أشعر به أو أفكر فيه هو سابق لنشأة معانيها وأنها القادرة على بيانه والاحاطة به كي تصوغه على قياسها وتمنحه بنيان تراكيبها.
فلقاء الحروف بالمشاعر لقاء غريب عجيب، يصعب عليّ وصفه الوصف الدقيق، شبيه بلقاء البذرة بالريح والمطر بالأرض والشكل بالمضمون، لقاء مآله التلاقح بين ما هو قديم ومنشئ وما هو حديث لم يتشكل بعد، يبدأ بالصراع بينهما قبل أن يختلطا ويندمجا، صراع إما تكون الغلبة فيه للسابق أي المشاعر أو للاحق أي اللغة، فإن كانت الغلبة للأول نشأت الشعرية وإن كانت للثاني وقع الاجترار والتكرار لما هو مألوف وسائد.
إعادة ترتيب الكلمات وفق وتيرة المشاعر وتوهجها أو خمودها بأن تصبح النفس الذي يبعث الحياة ويدفعها للسريان بين شرايين النص، يتطلب التقابل والتنافر بينهما حتى يتحقق الاشتباك بين الشعور بالحزن والكلمة التي تصفه وبين الإحساس بالفرح والعبارة التي تناسبه خفة وانسيابا.
كأن تتحول اللغة الى الحبل الذي ألقي به داخل أعماقي لسبر الذات، فإذا بها تتحول الى المسافر، الباحث والغريب الذي يبحث له عن ملجأ أو مقر، بعد أن كانت ذلك الامبراطور الذي يفرض نواميسه وقوانينه بالقوة.
فالتمرد على اللغة أي عصيانها بعدم الخضوع لقوالبها، معناه أن تخترق جميع القوانين، القانون الذي به يمكن التواصل مع غيرك، وذاك الذي به تفهم نفسك، وكذلك الذي به تسمي العالم، فتدركه.
فإذا هاجرت لبلوغ أول الزمان أي الى الفترة السابقة لتعلم اللغة وشعرت ولو للمحة صغيرة جدا بنظارة ذاتك وبراءتها وخلوها من كل فكرة أو حكم أو معرفة وأن ذاتك خالية من كل دخيل، مكتفية بمن تكون، متقبلة لنقائصها وأحوالها، غير منفصلة عما يحيط بها، لأنها مستغنية عن كل تسمية .
حتى إذا ما عدت من هجرتك لتقمص ما أملته عليك اللغة من صور وأفكار، ستسكنك آنذاك دون أدنى شك الرغبة في أن تحوّل اللغة الى كائن يتحدث حديثك ويروي قصتك، يكون قريبا منك بعيدا كل البعد عن العبارات المعهودة التي تعج بها النصوص القديم منها والحديث .
وطبعا، المسألة تتجاوز ما قد تناله من اعتراف من جهة ما أو مؤسسة معينة، تتجاوز ما قد يقال عن نصوصك من كونها مجددة ، هي أعمق من ذلك بكثير ، ما دامت تمنحك الإحساس بأنك أنت مبدع لغتك وباعثها وأنت مهندس براعتها ومؤسس معانيها بان جعلتها تتكلم بلسانك بعد أن كنت أنت المتحدث بلسانها والنتيجة الحتمية لمجهودك ذاك : هو أن يحمل النص أثرا منك، من تفردك ،من نبضك، من خيالك، من أحلامك، من أوهامك، من شكوكك، من آلامك، من أفراحك، من كيانك، ويكون لك بمثابة البصمة .
فيكون اختلافك أجمل ما تهديه للعالم، شبيه بنبرة صوتك المتميزة عن كل ما عداها من أصوات، تنتقل من شخص الى شخص، لتخبره عما كان منها وتترك لديه شيئا من شعاعها.
أن تتحول اللغة الى كيمياء تنصهر فيها بعض أحاسيسك ومشاعرك ثم تتحول الى نبض خالص تنطق به عباراتك وكلماتك لتنتشر كشعاع الشمس فتجعل العالم من حولك أقل وحشة وغربة.
فليس ما ترويه من قصص هو المهم، بل قد يكون أسلوبها، وليس الأسلوب هو المهم، بل قد يكون ما يخفيه من معنى، وليس المعنى هو المهم، بل قد تكون تركيبته، ليس تركيبة المعنى هي المهمة بل خصائصها.
فخصائص المعنى أو عناصره هي إحدى إشارات وجودك المتفرد، الذي لن يحدث إلا مرة واحدة في هذا الوجود الفسيح المتغير باستمرار في المكان والزمان.
فكن أنت من خلال لغتك ولو بالمقدار الممكن المتاح ولا تكن ما تريد اللغة منك أن تكون، لأنها ستغمرك وتفنيك في جبروت قوالبها وقواعدها وتراثها القديم.
كن أنت، لتبعث نفخا عابرا يحمل بين طياته المعنى المتصل به، تتحدث عنه لغتك، سليلة اللغة التي كنت قد تعلمتها.
كاهنة عباس .