عنوان هذه المقالة هو الآية رقم 7 من سورة السجدة. إن هذه الآية تحمل في طياتها معاني كثيرة. والفعلان "أَحْسَنَ" و"بدأ" هما اللذان يجسِّدان هذه المعاني الكثيرة. وبعبارة أخرى، ما يُثير الاهتمامَ، في هذه الآية، هما الفعلان "أَحْسَنَ" و "بَدَأَ"، وكذلك، كلمة "شيء". فما هو المقصود من فعلي "أَحْسَنَ" و"بدأ"، وكذلك، من كلمة "شيء"؟
في هذه المقالة، سأتطرَّق للجزء الأول من الآية التي هي عنوان هذه المقالة، أي "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ". أما الجزء الثاني، أي "وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ"، سيكون، إن شاء الله، موضوعَ مقالةٍ أخرى.
أبدأُ بتوضيح كلمة "شيء" التي وَرَدَت وترِد في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم. و وُرُودُ كلمة "شيء" في هذه الآيات، وراءه حِكمتان بالغتا الأهمية. فما هما هاتان الحِكمتان البالغتا الأهمِّية؟
تتمثَّل الحكمة الأولى في كون الخَلق الألهي لا يتوقف. والدليل على ذلك، ما قاله، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 81 من سورة يس : "أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ".
في هذه الآية الكريمة، نلاحظ أن فعلَ "خلق" مُصاغٌ في الماضي وفي المضارع. والفعل المضارع يدل على شيءٍ يحدث في الحاضر وفي المستقبل. وإضافةً إلى ما جاء في هذه الآية، العلم الحديث، المختص في عالَم الأحياء، يكتشف تقريباً يوميا أنواعاً جديدةً من الكائنات الحية، النباتية والحيوانية. ناهيك عن ما استجدّ من أفكار ومواد في عالم الفيزياء والكيمياء والأدوية والعلوم، بصفة عامة، والعلوم الإنسانية، بصفة خاصة…، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى: "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ" (الحجر، 21).
"وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ" لا تعني أنه، سبحانه وتعالى، يتوفَّر على مخزونات الأشياء. بل يجب إدراكُه بمعنى القدرة الإلهية على الخلق، أي متى أراد أن يخلقَ وحيثما يريد. وأهم الأشياء التي يتوفَّر على خزائنها، سبحانه وتعالى، المعرفة والعلم اللذان لهما علاقة بأسرار الكون، أي لهما علاقة بالنَّواميس التي سنَّها، جلَّت قدرتُه، لاشتغال هذا الكون. وهذه المعرفة والعلم لم يُنزِّلهما، عزَّ وجلَّ، دفعةً واحدةً. بل كل فترة زمانية ومكانية تتميَّز بنصيبِها من هذين المعرفة والعِلم (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ). وهذا هو ما نلاحظه منذ أن ظهر الإنسان على وجه الأرض. كيف ذلك؟
التَّقدُّمُ الفكري، العلمي والتِّكنولوجي لم يحدث دفعةً واحدة. بل حدث، على امتداد تاريخ البشرية، على مراحل. وهذا شيءٌ لا جدالَ فيه. وأهم هذه المراحل، التَّطوُّر الذي عرفته البسريةُ ابتداءً من القرن الثامن عشر.
أما الحكمة الثانية، فتتمثَّل في كون الخلق مستمر على امتداد الوقت، أي أن وُرودَ كلمة "شَيْء" في آياتٍ كثيرةٍ، يجعل من هذه الآيات صالحة لكل زمان ومكان. بمعنى أن العلمَ الحديث، كلما توصَّل إلى معرفة جديدة أو مادة جديدة أو صنعٍ جديد أو اختراع أو اكتشاف جديدين، فكل هذه المستجدَّات يمكن إدراجُها تحت كلمة "شيء". ومن بين الآيات الصالحة لكل زمان ومكان، أذكر على سبيل المثال :
-"إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ" (آل عمران، 5).
-"قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران، 29).
"وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا" (النساء، 126).
هذه الآيات الثلاثة تُبيِّن أن علمَ الله وقدرتَه لا حدودَ لهما. بمعنى أن علمَ الله، سبحانه وتعالى، وقدرتَه تشملان كل الأشياء الموجودة في الكون ماضياً، حاضراً ومستقبلاً (يعني الغيب).
والموجودات الكونية يمكن أن تكون مادية، أي ملموسة بواسطة الحواس الخمس، أو بعبارة أخرى، لها كيانٌ مادي ملموس. كما يمكن لهذه الموجودات أن تكونَ معنوية، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (الذاريات، 49).
وهذه الآية تعني أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو خالق الأشياء، مادية كانت أو معنوية. وعلى سبيل المثال، اللهُ، سبحانه وتعالى، خلق الهواءَ وضده الفراغ والبر وضده البحر النور وضده الظلام والحي وضده الجماد والحركة وضدها السكون الخير وضده الشر والباطل وضده الحق والعدل وضده الظلم والكذب وضده الصِّدق…
بعد هذه التَّوضيحات الضرورية لإدراك ما سأقوله في الفقرات الموالية، أنتقل، كما سبق الذكرُ، إلى الجزء الأول من الآية التي هي عنوان هذه المقالة، أي "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ".
فعل "أَحْسَنَ"، في هذا الحزء من الآية، لا يجب إدراكُه بالمعنى المتداول بين عامة الناس. بل يجب الذهاب إلى أبعد حدٍّ في المعنى الذي يتلاءم مع الخلق. لماذا؟
لأن الخلق الإلهي ليس عشوائيا، أي حدث أو يحدث بالصُّدفة. لهذا، ففعلُ "أَحْسَنَ" لا يعني، فقط، إتقانَ الصورة وجودةَ الصُّنع. بل يعني، كذلك، أن الشيءَ الذي تم إحسانُه (ليس بمعنى فعل الخير، بل بمعنى الانسجام) يجب أن ينسجمَ وجودُه، في مكانٍ ما، مع وجود الأشياء الأخرى، في نفس المكان. وهذا يعني أن وجودَ الشيء مع الأشياء الأخرى، في نفس المكان، ليس اعتباطيا أو وليدَ الصُّدفة. بل كلُّ شيءٍ من الأشياء التي خلقها الله، سبحانه وتعالى، حدَّد لها غايةً أو غاياتٍ. وإن شئنا، الشيءُ أ، وجودُه في مكانٍ معيَّن، هو جزءٌ من الكل ب في نفس المكان. والكل ب لا يكتمل إلا بوجود الشيء أ في نفس المكان. وهذا يعني أن الشيءَ أ والكل ب الذي هو عبارة عن مجموعة أشياء، ضروريان بعضهما للبعض الآخر.
وهنا، سأُعطي مثالا حيا لإدراك ما المقصود من فعل "أَحْسَنَ". الأكسجين l'oxygène عنصرٌ من عناصر الغلاف الجوي l'atmosphère. الأكسجين هو الشيءُ أ والغلاف الجوي هو الكل ب الذي هو مجموعة أشياء التي هي الغازات الطبيعية التي يتألف منها الغلاف الجوي الذي هو المكان الذي يضمٌ الشيءَ أ والكلَّ ب. والشيء أ والكل ب ضروريان بعضهما للبعض الآخر لتوازن الغلاف الجوي.
هذا هو المقصود من فعل "أَحْسَنَ"، أي أن الغازات الطبيعية توجد في الغلاف الجوي بنسبٍ معيَّنة. وهذه النِّسب هي التي تضمن توازنَ الغلاف الجوي l'équilibre de l'atmosphère. فهل هذا التَّوازن معرَّضٌ للاختلال؟
نعم وبكل تأكيد. يختلُّ توازنُ الغلاف الجوِّي عندما يُضافُ للغازات الجوِّية الطبيعية غازٌ أو غازات غير طبيعية. وهو ما يُعرف بالتلوُّث الجوي pollution atmosphérique. والغازات المُلوِّثة les gaz polluants ناتجة عن الأنشطة التي يُمارِسها الإنسانُ على سطح الأرض من زراعة ونقل وتنقُّل وصناعة…
ففعل "أحسن" يتمثَّل في وضع الأشياء في المكان الذي تكون فيه هذه الأشياء منسجمةً مع الأشياء الموجودة في نفس المكان. بل تكون مُكمِّلةً للأشياء الأخرى أو ضرورية لوجودها.
وهنا سأعود لمَثَل الأكسجين الموجود في الغلاف الجوي. ونسبة وجوده في هذا الغلاف تساوي 21% من الحجم الإجمالي للغازات الطبيعية. فإذا بلغت هذه النسبة، مثلاً، 24%، كل المواد العضوية القابلة للاحتراق les matières organiques combustibles قد تحترق. أما إذا نزلت نسبة الأكسجين تحت 21%، فسوف تتوقَّف عملية التنفس، ومعها تتوقف الحياة.
وسُمكُ الغلاف الجوي قد يتجاوز 600 كيلومتر طولية linéaire. وكلما ابتعدنا عن سطح الأرض، كلما قلَّت نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي. ولهذا السبب، يكون التنفُّسُ البشري صعبا في قِمَم الجبال العالية، ويتطلَّب وقتا طويلا للتَّأقلم l'adaptation مع ندرة la rareté الأكسجين.
أما الهواء الذي نتنفَّسه، نحن البشر وباقي الحيوانات والنباتات، فهو بالضرورة، هواءٌ ملوَّثٌ un air pollué. وتلوُّث الهواء هو الذي قاد إلى ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون CO2 في الغلاف الجوي، التي، طبيعيا، لا تتجاوز نسبةَ 0,04% من الحجم الإجمالي للغازات الطبيعية المُشكِّلة لهذا الغلاف. وعندما ترتفع نسبةُ ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، يصبح هذا الأخير عبارة عن بيتٍ زجاجي ضخم une gigantesque serre يحتفظ بالحرارة بداخلِه، أي يحول دون تبدِيدِها أو تشتُّتها في أعلي الأجواء. وهو ما يُسمَّى بالاحتباس الحراري effet de serre. واحتفاظ الغلاف الجوي بالحرارة بداخله، أدَّى إلى ارتفاع معدل الحرارة على سطح الأرض، الشيءُ الذي أدَّى إلى تغيير مناخ الأرض changement climatique de la terre، الذي أدَّى، بدوره، إلى اختلال مواعد الفصول وإلى ما يُسمَّى ب"التَّطرُّفات المناخية" les extrêmes climatiques، التي تتسبَّب في حرائق الغابات وسرعة الرياح وغزارة الأمطار وما يترتَّب عنها من فيضانات inondations وطوفان déluge وانجراف التربات وجفاف وعواصف رعدية وموجات الحر canicules وموجات البرودة vagues de froid…
الله، سبحانه وتعالى، وضع لهذا الكون نظاما أو أنظمة يسير عليها اشتغالُها الطبيعي son fonctionnement naturel. وكل اختلال أدخله الإنسان على هذا النظام أو على هذه الأنظِمة، يكون سبباً في إدخال خللٍ على الإشتغال الطبيعي. وهذا هو المقصود من فعل "أحسن"، أي وضع الأشياء في المكان المناسب واستشراف كل التفاعلات أو التَّرابُطات les interrelalations التي قد تحدث بينها.
ورجوعاً إلى الغلاف الجوِّي، فاشتغالُه الطبيعي رهينٌ بتوازنه الطبيعي. وكل اختلال أضافه الأنسان بتصرُّفاته غير المتطابِقة مع النظام الذي أراد اللهُ، سبحانه وتعالى، أن يسيرَ عليه اشتغال هذا الغلاف الجوي، قد يكون كارثي ليس فقط على البشر، بل على وجود الحياة بالمعنى البيولوجي، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" (الشورى، 30).
في هذه الآية، كلام الله مُوجَّه للناس جميعا، محذِّراً إياهم بأن نوعيةَ افعالهم، وخصوصا، الأفعال المخالِفة لنظام الكون، هي التي تتسبَّب في وقوع المصائب les calamités. وتغيير المناخ مصيبة ناتِجة عن التَّصرُّفات غير العقلانية التي تسبَّب الإنسان في وقوعها، إما عمداً أو عن جهالة.
عمدا، لأن الإنسانَ يجري وراء المادة والربح السريع ولو كان هذا الجريُ على حساب بقائه sa survie. عن جهالة، لأن الإنسانَ، رغم ما قطعه من أشواطٍ هائلة في التَّقدُّم العلمي والتكنولوجي، لم يتمكَّن من معرفة كل أسرار الكون معرفةً دقيقة وشاملة. بل لم يتمكَّن من معرفة كيفية اشتغال المنظومات الطبيعية البيئية le mode de fonctionnement des écosystèmes environnementaux naturels، معرفةً معمَّقةً، أي كما سَنَّ لها، سبحانه وتعالى، من نواميس (قوانين)، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ" (الدخان، 38) أو مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" (الحجر، 85).
في الآية الأولى، "لَاعِبِينَ" تعني أن خلقَ السماوات والأرض وما بينهما ليس عشوائياً. بل تمَّ حسب ترابطات معيَّنة des interrelalations déterminées. بينما في الآية الثانية، "إِلَّا بِالْحَقِّ" تعني ليس بكيفية عشوائية ولكن حسب نظام معيَّنٍ. وهذا هو المعنى العميق لفعل "أحسن"، أي وضع الأشياء في المكان المناسب مع استشراف، كما سبق الذكر، التفاعلات أو الترابطات التي تحدث بينها.
في هذه المقالة، سأتطرَّق للجزء الأول من الآية التي هي عنوان هذه المقالة، أي "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ". أما الجزء الثاني، أي "وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ"، سيكون، إن شاء الله، موضوعَ مقالةٍ أخرى.
أبدأُ بتوضيح كلمة "شيء" التي وَرَدَت وترِد في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم. و وُرُودُ كلمة "شيء" في هذه الآيات، وراءه حِكمتان بالغتا الأهمية. فما هما هاتان الحِكمتان البالغتا الأهمِّية؟
تتمثَّل الحكمة الأولى في كون الخَلق الألهي لا يتوقف. والدليل على ذلك، ما قاله، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 81 من سورة يس : "أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ".
في هذه الآية الكريمة، نلاحظ أن فعلَ "خلق" مُصاغٌ في الماضي وفي المضارع. والفعل المضارع يدل على شيءٍ يحدث في الحاضر وفي المستقبل. وإضافةً إلى ما جاء في هذه الآية، العلم الحديث، المختص في عالَم الأحياء، يكتشف تقريباً يوميا أنواعاً جديدةً من الكائنات الحية، النباتية والحيوانية. ناهيك عن ما استجدّ من أفكار ومواد في عالم الفيزياء والكيمياء والأدوية والعلوم، بصفة عامة، والعلوم الإنسانية، بصفة خاصة…، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى: "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ" (الحجر، 21).
"وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ" لا تعني أنه، سبحانه وتعالى، يتوفَّر على مخزونات الأشياء. بل يجب إدراكُه بمعنى القدرة الإلهية على الخلق، أي متى أراد أن يخلقَ وحيثما يريد. وأهم الأشياء التي يتوفَّر على خزائنها، سبحانه وتعالى، المعرفة والعلم اللذان لهما علاقة بأسرار الكون، أي لهما علاقة بالنَّواميس التي سنَّها، جلَّت قدرتُه، لاشتغال هذا الكون. وهذه المعرفة والعلم لم يُنزِّلهما، عزَّ وجلَّ، دفعةً واحدةً. بل كل فترة زمانية ومكانية تتميَّز بنصيبِها من هذين المعرفة والعِلم (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ). وهذا هو ما نلاحظه منذ أن ظهر الإنسان على وجه الأرض. كيف ذلك؟
التَّقدُّمُ الفكري، العلمي والتِّكنولوجي لم يحدث دفعةً واحدة. بل حدث، على امتداد تاريخ البشرية، على مراحل. وهذا شيءٌ لا جدالَ فيه. وأهم هذه المراحل، التَّطوُّر الذي عرفته البسريةُ ابتداءً من القرن الثامن عشر.
أما الحكمة الثانية، فتتمثَّل في كون الخلق مستمر على امتداد الوقت، أي أن وُرودَ كلمة "شَيْء" في آياتٍ كثيرةٍ، يجعل من هذه الآيات صالحة لكل زمان ومكان. بمعنى أن العلمَ الحديث، كلما توصَّل إلى معرفة جديدة أو مادة جديدة أو صنعٍ جديد أو اختراع أو اكتشاف جديدين، فكل هذه المستجدَّات يمكن إدراجُها تحت كلمة "شيء". ومن بين الآيات الصالحة لكل زمان ومكان، أذكر على سبيل المثال :
-"إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ" (آل عمران، 5).
-"قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران، 29).
"وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا" (النساء، 126).
هذه الآيات الثلاثة تُبيِّن أن علمَ الله وقدرتَه لا حدودَ لهما. بمعنى أن علمَ الله، سبحانه وتعالى، وقدرتَه تشملان كل الأشياء الموجودة في الكون ماضياً، حاضراً ومستقبلاً (يعني الغيب).
والموجودات الكونية يمكن أن تكون مادية، أي ملموسة بواسطة الحواس الخمس، أو بعبارة أخرى، لها كيانٌ مادي ملموس. كما يمكن لهذه الموجودات أن تكونَ معنوية، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (الذاريات، 49).
وهذه الآية تعني أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو خالق الأشياء، مادية كانت أو معنوية. وعلى سبيل المثال، اللهُ، سبحانه وتعالى، خلق الهواءَ وضده الفراغ والبر وضده البحر النور وضده الظلام والحي وضده الجماد والحركة وضدها السكون الخير وضده الشر والباطل وضده الحق والعدل وضده الظلم والكذب وضده الصِّدق…
بعد هذه التَّوضيحات الضرورية لإدراك ما سأقوله في الفقرات الموالية، أنتقل، كما سبق الذكرُ، إلى الجزء الأول من الآية التي هي عنوان هذه المقالة، أي "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ".
فعل "أَحْسَنَ"، في هذا الحزء من الآية، لا يجب إدراكُه بالمعنى المتداول بين عامة الناس. بل يجب الذهاب إلى أبعد حدٍّ في المعنى الذي يتلاءم مع الخلق. لماذا؟
لأن الخلق الإلهي ليس عشوائيا، أي حدث أو يحدث بالصُّدفة. لهذا، ففعلُ "أَحْسَنَ" لا يعني، فقط، إتقانَ الصورة وجودةَ الصُّنع. بل يعني، كذلك، أن الشيءَ الذي تم إحسانُه (ليس بمعنى فعل الخير، بل بمعنى الانسجام) يجب أن ينسجمَ وجودُه، في مكانٍ ما، مع وجود الأشياء الأخرى، في نفس المكان. وهذا يعني أن وجودَ الشيء مع الأشياء الأخرى، في نفس المكان، ليس اعتباطيا أو وليدَ الصُّدفة. بل كلُّ شيءٍ من الأشياء التي خلقها الله، سبحانه وتعالى، حدَّد لها غايةً أو غاياتٍ. وإن شئنا، الشيءُ أ، وجودُه في مكانٍ معيَّن، هو جزءٌ من الكل ب في نفس المكان. والكل ب لا يكتمل إلا بوجود الشيء أ في نفس المكان. وهذا يعني أن الشيءَ أ والكل ب الذي هو عبارة عن مجموعة أشياء، ضروريان بعضهما للبعض الآخر.
وهنا، سأُعطي مثالا حيا لإدراك ما المقصود من فعل "أَحْسَنَ". الأكسجين l'oxygène عنصرٌ من عناصر الغلاف الجوي l'atmosphère. الأكسجين هو الشيءُ أ والغلاف الجوي هو الكل ب الذي هو مجموعة أشياء التي هي الغازات الطبيعية التي يتألف منها الغلاف الجوي الذي هو المكان الذي يضمٌ الشيءَ أ والكلَّ ب. والشيء أ والكل ب ضروريان بعضهما للبعض الآخر لتوازن الغلاف الجوي.
هذا هو المقصود من فعل "أَحْسَنَ"، أي أن الغازات الطبيعية توجد في الغلاف الجوي بنسبٍ معيَّنة. وهذه النِّسب هي التي تضمن توازنَ الغلاف الجوي l'équilibre de l'atmosphère. فهل هذا التَّوازن معرَّضٌ للاختلال؟
نعم وبكل تأكيد. يختلُّ توازنُ الغلاف الجوِّي عندما يُضافُ للغازات الجوِّية الطبيعية غازٌ أو غازات غير طبيعية. وهو ما يُعرف بالتلوُّث الجوي pollution atmosphérique. والغازات المُلوِّثة les gaz polluants ناتجة عن الأنشطة التي يُمارِسها الإنسانُ على سطح الأرض من زراعة ونقل وتنقُّل وصناعة…
ففعل "أحسن" يتمثَّل في وضع الأشياء في المكان الذي تكون فيه هذه الأشياء منسجمةً مع الأشياء الموجودة في نفس المكان. بل تكون مُكمِّلةً للأشياء الأخرى أو ضرورية لوجودها.
وهنا سأعود لمَثَل الأكسجين الموجود في الغلاف الجوي. ونسبة وجوده في هذا الغلاف تساوي 21% من الحجم الإجمالي للغازات الطبيعية. فإذا بلغت هذه النسبة، مثلاً، 24%، كل المواد العضوية القابلة للاحتراق les matières organiques combustibles قد تحترق. أما إذا نزلت نسبة الأكسجين تحت 21%، فسوف تتوقَّف عملية التنفس، ومعها تتوقف الحياة.
وسُمكُ الغلاف الجوي قد يتجاوز 600 كيلومتر طولية linéaire. وكلما ابتعدنا عن سطح الأرض، كلما قلَّت نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي. ولهذا السبب، يكون التنفُّسُ البشري صعبا في قِمَم الجبال العالية، ويتطلَّب وقتا طويلا للتَّأقلم l'adaptation مع ندرة la rareté الأكسجين.
أما الهواء الذي نتنفَّسه، نحن البشر وباقي الحيوانات والنباتات، فهو بالضرورة، هواءٌ ملوَّثٌ un air pollué. وتلوُّث الهواء هو الذي قاد إلى ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون CO2 في الغلاف الجوي، التي، طبيعيا، لا تتجاوز نسبةَ 0,04% من الحجم الإجمالي للغازات الطبيعية المُشكِّلة لهذا الغلاف. وعندما ترتفع نسبةُ ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، يصبح هذا الأخير عبارة عن بيتٍ زجاجي ضخم une gigantesque serre يحتفظ بالحرارة بداخلِه، أي يحول دون تبدِيدِها أو تشتُّتها في أعلي الأجواء. وهو ما يُسمَّى بالاحتباس الحراري effet de serre. واحتفاظ الغلاف الجوي بالحرارة بداخله، أدَّى إلى ارتفاع معدل الحرارة على سطح الأرض، الشيءُ الذي أدَّى إلى تغيير مناخ الأرض changement climatique de la terre، الذي أدَّى، بدوره، إلى اختلال مواعد الفصول وإلى ما يُسمَّى ب"التَّطرُّفات المناخية" les extrêmes climatiques، التي تتسبَّب في حرائق الغابات وسرعة الرياح وغزارة الأمطار وما يترتَّب عنها من فيضانات inondations وطوفان déluge وانجراف التربات وجفاف وعواصف رعدية وموجات الحر canicules وموجات البرودة vagues de froid…
الله، سبحانه وتعالى، وضع لهذا الكون نظاما أو أنظمة يسير عليها اشتغالُها الطبيعي son fonctionnement naturel. وكل اختلال أدخله الإنسان على هذا النظام أو على هذه الأنظِمة، يكون سبباً في إدخال خللٍ على الإشتغال الطبيعي. وهذا هو المقصود من فعل "أحسن"، أي وضع الأشياء في المكان المناسب واستشراف كل التفاعلات أو التَّرابُطات les interrelalations التي قد تحدث بينها.
ورجوعاً إلى الغلاف الجوِّي، فاشتغالُه الطبيعي رهينٌ بتوازنه الطبيعي. وكل اختلال أضافه الأنسان بتصرُّفاته غير المتطابِقة مع النظام الذي أراد اللهُ، سبحانه وتعالى، أن يسيرَ عليه اشتغال هذا الغلاف الجوي، قد يكون كارثي ليس فقط على البشر، بل على وجود الحياة بالمعنى البيولوجي، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" (الشورى، 30).
في هذه الآية، كلام الله مُوجَّه للناس جميعا، محذِّراً إياهم بأن نوعيةَ افعالهم، وخصوصا، الأفعال المخالِفة لنظام الكون، هي التي تتسبَّب في وقوع المصائب les calamités. وتغيير المناخ مصيبة ناتِجة عن التَّصرُّفات غير العقلانية التي تسبَّب الإنسان في وقوعها، إما عمداً أو عن جهالة.
عمدا، لأن الإنسانَ يجري وراء المادة والربح السريع ولو كان هذا الجريُ على حساب بقائه sa survie. عن جهالة، لأن الإنسانَ، رغم ما قطعه من أشواطٍ هائلة في التَّقدُّم العلمي والتكنولوجي، لم يتمكَّن من معرفة كل أسرار الكون معرفةً دقيقة وشاملة. بل لم يتمكَّن من معرفة كيفية اشتغال المنظومات الطبيعية البيئية le mode de fonctionnement des écosystèmes environnementaux naturels، معرفةً معمَّقةً، أي كما سَنَّ لها، سبحانه وتعالى، من نواميس (قوانين)، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ" (الدخان، 38) أو مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" (الحجر، 85).
في الآية الأولى، "لَاعِبِينَ" تعني أن خلقَ السماوات والأرض وما بينهما ليس عشوائياً. بل تمَّ حسب ترابطات معيَّنة des interrelalations déterminées. بينما في الآية الثانية، "إِلَّا بِالْحَقِّ" تعني ليس بكيفية عشوائية ولكن حسب نظام معيَّنٍ. وهذا هو المعنى العميق لفعل "أحسن"، أي وضع الأشياء في المكان المناسب مع استشراف، كما سبق الذكر، التفاعلات أو الترابطات التي تحدث بينها.