د. علي زين العابدين الحسيني - وهم العلو!

وقفتُ على منشورٍ لأحد المنتسبين إلى العلم، يمدح فيه رجلاً ذا تآليف في الإجازات وتحقيق الأثبات الحديثية، والعجيب أنه يخلع عليه من الأوصاف والألقاب ما لا يُطلق إلا على الراسخين في العلم، ممن رسخت أقدامهم في فقه النصوص، ومزجوا بين الدراية والرواية.

ولإثبات نبوغه ذكر أنه صاحب أسانيد عالية، وكأن العلو في السند قرين الرسوخ في الفهم! فمتى كان ميزان التفاضل في العلم مرهونًا بتحصيل الإجازات التي لا يُفرّق فيها بين الحاج والداج في زماننا، ولا بين من أمضى عمره في مدارسة العلم، ومن اقتصر على تزيين اسمه بأسانيد من غير دراية؟

ولا حرج عندي في أن يُوصَف الرجل بما هو أهله، أو بما هو أعلى منه إن استحق، ولكن ما يدعو إلى التأمل أن كثيرًا من هذه المدائح تُسكَب بدافع المصلحة، لا بداعي الإنصاف؛ إذ نراهم يسكتون عن أهل الرسوخ الحقيقي ممن شهد لهم القريب والبعيد، ثم يُطنبون في مدح من لا توازي جهوده ما يُنسب إليه من ألقاب. ولا تفسير لذلك إلا هوىً يعمي البصائر، ويطمس معالم التمييز بين العالم والمنتسب!

ومن هنا؛ تبقى تلك الألقاب بلا وزنٍ معتبر، ولا أثرٍ يُذكر؛ فإن العقول لا تنقاد إلا لمن قدّم للعلم ما يشفع له، وأسهم فيه إسهامًا حقيقيًا يُنتفع به. وأما من اكتفى بجمع الإجازات وتحصيل الأسانيد فذاك ميراث لا يُثمر، ومجد لا يُبنى عليه.

أليس قد قيل: "العلم ما نفع، لا ما حُفِظ ورُوي"؟! فكم من صاحب سندٍ لا فهم له، وكم من حامل لأختام العلماء لا نصيب له من علمهم؛ فالعبرة بالفعل لا باللفظ، وبالأثر لا بالشهرة، وشتان بين من يُزكّيه فعله، ومن تُجمّله الألقاب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...