د. أحمد الحطاب - المجتمعات، في عصرنا الحاضر، مُتعدِّدة الاتِّجاهات الفكرية

المقصود من عنوان هذه المقالة، هو أنه لا يوجد مجتمعٌ أعضاءّه لهم نفس الجنسية ونفس الأصل الإثني ونفس اللغة ونفس العقيدة أو الدين ونفس نوعية اللباس ونفس الموروث الثقافي ونفس التقاليد ونفس الاتِّجاه السياسي ونفس التَّمثلات للواقع المعاش ونفس النَّظرة لأشياء هذا الواقع، مادية كانت أو معنوية ونفس نمط التَّفكير والعيش… لماذا؟

لأنه، وبحٌكم التَّطوُّر الذي عرفته البشرية، وخصوصا، في القرون الثلاثة الماضية، تعدَّدت وتنوَّعت وسائل النقل والتَّنقُّل براًّ، بحراً وجواًّ. كما تعدَّدت وتنوًّعت وسائل الاتِّصال بين الناس، وبالتالي، لم يعد لا بُعد المسافات ولا الحدود الجغرافية عائقاً أو حاجزاً للتبادلات les échanges بين الشعوب، وبالأخص، التبادلات ذات الطابع الاجتماعي والثقافي.

وهذا يعني أن هذا التَّطوُّر فتَحَ البابَ على مصراعيه لتمازج الثقافات le brassage des cultures. ولا أحدَ يُنكِر أن الثقافةَ هي ركيزة من الركائز التي تقوم عليها المجتمعات، بمعنى أن كلَّ مجتمع يختلف عن المجتمعات الأخرى بنوعية ثقافته. والعناصر التي تتشكَّل منها الثقافة هي أنماط العيش وأنظِمة القيم والأعراف والتقاليد والمعتقدات والآداب والفنون واللغة واللهجات… وكل ما يُفرِزه التعايشً داخلَ المجتمعات والتَّلاقح بينها.

والإنسان نفسُه، فكرياً وسلوكياً، هو إفرازُ شكَّله المجتمع. بمعنى أن هذا الإنسانَ عبارة عن كائن حي عاقل اجتماعي-تاريخي un être vivant conscient socio-historique، أي يجر وراءَه تاريخاً (تجربة اجتماعية) اكتسبه، من خلال التعايش والتَّساكن مع الآخرين. وهذا التاريخ هو الثقافة التي أشرتُ لعناصرِها أعلاه. وكل مُتساكِنٍ أو مُتعايش في المجتمعات، رغم اقتِسامِه الثقافةَ مع الآخرين، فإن نظرتَه للواقع والعالم، ينفرد بها، أو إن شئنا، خاصة به. وهذا الاختلاف في النظرة والرُّؤية للواقع والعالم، هو الذي تستفيد منه البشريةُ عندما تتلاقَح وتتمازج الثقافات. ولهذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة، إن "المجتمعات، في عصرنا الحاضر، مُتعدِّدة الاتِّجاهات الفكرية".

بالفعل، هذا هو ما نُلاحظه عندما نقوم بتفكيكٍٍ فكري لأي مجتمعٍ حالي. نجد فيه كل الأطياف الدينية، على الخصوص، الأديان المنزَّلة والوضعية. كما نجد فيه مزيجا من التبارات الفكرية، السياسية، الاقتصادية، الفلسفية، العقائدية. كما نجد فيه المُتديِّنين وغير المُتديِّنين من ملحدين athées ولاأدريين agnostiques ومجوس(ديانة فارسية قبل مجيء الإسلام) وبوديين bouddhistes. كما نجد أن نفس الدين تم تفكيكُه إلى عدَّة مذاهب وطوائف وفرق… كل مذهب، كل طائفة وكل فرقة يمارسون الطقوسَ الدينية حسب إدراكهم للدين…

ورغم هذا الاختلاف، فغالبِيَة المجتمعات يعيش أعضاءُها في أمنٍ وأمانٍ وكرامة عيشٍ واضحةِ المعالم إلا في عالَمِنا العربي والإسلامي والبلدان التي يعتمد نظامُ حكمِها على الطغيان والاستبداد. لماذا؟

حسب رأيي الشخصي، بالنسبة لغالبية المجتمعات التي تنعم بالأمن والأمان وكرامة العيش، هناك عاملٌ يلعب دوراً حاسما في توفير هذه الثلاثية. ويتمثَّل هذا العامل في كون الأنسان، في حد ذاته، يُعتبَر قيمة عالية يجب الاعتناء بها وبناءُها بِناءً يتلاءم مع هذه القيمة. ولهذا، فجميع أعضاءِ هذه المجتمعات، كيفما كانت توجُّهاتُهم الفكرية، هم مُتساوون من حيث ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات. وهذه المساواة تضمنها المواطنة، أي الإحساس بالانتماء للوطن والإخلاص له، والذي لا شيءَ يعلو عليه. بل إن الشعورَ بالانتماء للوطن يمحو كلِّ أنواعِ الاختلاف مهما كانت فكرية، عقائدية، سياسية… والمواطنة، إن لم تكن قيمةً مشتركةً بين جميع أعضاء المجتمعات، فالاختلاف هو الذي سيسود، بل سيكون مَدعاةً للفتنة والتفرقة.

أما فيما يخصُ البلدان التي يعتمد نظام حُكمِها على الطغيان والاستبداد، فلا مجالَ فيها للاختلاف! رأي الحاكم أو الطُّغمة الحاكمة، هو الصحيح. وكل مَن يخالف هذا الرأيَ، مآلُه القهر والتَّرهيب والتَّضييق والوعيد… إن لم نقل التَّصفية الجسدية.

أما بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، هناك عوامل تنفي المواطنة والمساواة ليس، فقط، بين المواطنين الذكور، بل بين الرجل والمرأة. من بين هذه العوامل، أخصُّ بالذكرِ ما يلي :

أولا، علماء وفقهاء الدين في العالم العربي والإسلامي، أبدعوا ديناً مُوازياً لذلك الذي نصَّ عليه القرآن الكريم وأنزله، سبحانه وتعالى، من خلال الوحي، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). دينٌ، عوض أن يتوحَّدَ الناس حوله، فرَّقت بينهم المذاهب والطوائف والفِرق. وما يزيد الطِّينَ بلَّةً أن كل مذهب أو طائفة أو فرقة تظن أن طريقةَ تديُّنِها هي الصحيحة.

ثانياً، عوض أن يكون هذا الدين فردياً (عمودياً) تدور أطوارُه بين خالقٍ ومخلوق، جعل منه هؤلاء العلماء والفقهاء ديناً جماعِياً (اجتماعيا) une religion collective، وبالتالي، يجب أن يُفرَضَ على جميع الناس. بل كلُّ مَن يرفض هذا الدين، فهو في نظر علماء وفقهاء الدين، كافرٌ. بينما الدين المنصوص عليه في القرآن الكريم، دينٌ اختياري، أي أن الاختيارَ، بعد التوعية والتَّنبيه والتَّمييز بين الخير والشر، متروكٌ للناس ليؤمنوا به أم لا.

ثالثاً، الدين جاء ليزرعَ الوحدةَ بين الناس ويُعطيَ للإنسانية، بمعناها الوِجداني، ما تستحقُّه من اهتمامٍ وعنايةٍ. لماذا؟ لأن الإنسان كان موجودا قبل الرسالات السماوية. و وجود الإنسان لا يستقيم بدون أخلاق، وخصوصا، عندما أصبح يعيش في مجتمعات منظَّمة. وآخر الرسل والأنبياء محمد (ص) قال : "إنما بُعِثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاق"، أي ما هو حسنٌ ومحمودٌ في هذه الأخلاق. وهذا دليلٌ على أن الأخلاق الحميدة كانت موجودةً قبل مجيء الإسلام كدينٍ.

رابعاً، ما كان يسمى، في الماضي، "الأمة الإسلامية" أصبح اليوم عبارة عن أوطان لها حدود جغرافية وسياسية. وهذه الأوطان لها دساتير وقوانين، أغلبِيتُها الساحقة مستمدة من ما يفرضه الواقع، أي دساتير وقوانين وضعية تتلاءم، جُملةً وتفصيلاً، مع ما نصَّ عليه التصريح العالمي لحقوق الإنسان وليست، إلا النزر القليل، مستمدة من الشريعة. دساتير وقوانين أصبحت تُعطي الأولوية للانتماء الوطني أو المواطنة وليس للانتماء الديني، كما كان الشأنُ في الماضي.

خامسا، الواقع، بمَحاسِنه ومساوئه، يصنعه الناس ويفرض نفسَه عليهم. والواقع فيه الطيب والخبيث وفيه الحق والباطل وفيه العدل والظلم وفيه الصلاح والفساد… ورغم وجود، في نفس المجتمع، ما للناس فيه خيرٌ وما قد يتسبَّب لهم في الشر، فالمواطنة الحقة أو الانتماء للوطن المترسِّخ في وِجدان الناس، هي التي من المفروض، أن تقضيَ على كل ما يسيء للمجتمعات وتفتح البابَ على مصراعيه للتَّساكن والتعايش البنَّائين…

ولهذا، فعلماء وفقهاء الدين، الحاليون، مُطالبون بأن يجعلوا من موضوع "المواطنة" همّاً يشغل بالَهم ويحثُّهم على جعلِه من أولويات دراساتِهم واجتهادهم. وهذا يعني أنهم مطالبون بإصدار نظرية حول المواطنة تجعل من الإسلام دينا كونيا، كما نص على ذلك القرآن الكريم. وهذه النظرية يجب أن تتناولَ موضوع "المواطنة" بجميع روافده الإنسانية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، العلمية، التِّكنولوجية، العقائدية، السياسية، الأخلاقية، الحضارية… وهذا يعني أنه، عِوض اجترار وتكرار ماقاله الأولون بدون تجديد، سيساهم هؤلاء العلماء والفقهاء في ملائمة الإسلام مع روح العصر ومع ما يتطلَّبه تطوُّر البشرية، عقليةً وسلوكاً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...