"رأسي وعيناي وفمي كل شيء مشتعل في"
فاطمة البسريني
على الرغم من أن لكل نوع أدبي مقوماته الفنية والفكرية فإن أشكال الكتابة تختلف داخل كل جنس أدبي على حدة. وهذا التعدد قابل للتأطير بوجه عام نتيجة التراكم الكمي والنوعي في مجال الإبداع، واستنادا إلى التتبع النقدي المواكب لهذه التجارب، إلا أن هذا لا ينفي أن التعدد والاختلاف سمة مميزة للكتابة الأدبية المعاصرة الحداثية.فإذا كنا في مجال السرد مثلا عادة ما نميز بين أنواع متداولة حاليا هي الرواية والقصة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا فإن هذا التمييز لا ينفي التعدد داخل كل نمط، أي ضمن كل نوع قصصي، وفي عناصره الأساسية، مما يشكل تحديا قرائيا ونقديا، إذ بات تأطيرها صعبا وعسيرا لصعوبة التتبع الفعلي، وأمام التراكم المتزايد في كل نوع، ومع هامش الحرية التي أصبحت شعار كل الكتاب في هذا المجال.
وبناء عليه،فإن التصنيف القبلي لأي عملفني، وتجنيسه من طرف كاتبه، ضمن شكل أدبي ما لا يعني أنه ميثاق قطعي يربط بين العمل المقروء والقارئ الناقد، لأن القراءة الفعلية وحدها قادرة على أن تكشف وتقف عند ما يؤكد أو يفند هذا التصنيف. في ضوء هذه الملاحظات الأولية الافتراضية نقرأ المجموعة القصصية (أكتب داخل رأسي) لفاطمة البسريني. والملاحظ أنها تتشكل من نصوص سردية تستفز القارئ على عدة مستويات، وسنحاول مقاربتها بالوقوف عند مظاهر الحداثة الممثلة في التجريد والترميز والاحتمال التي تميزها من حيث علاقتها بمكونات القصة وشكل الخطاب السردي.
- الفكرة الحدث/ الاحتمال:
العنوان أول حدث وعتبة تستفز قارئ المجموعة القصصية، وقد جاء جملة فعلية تحدد عنصرين دلاليين أساسيين، الفعل أي (فعل الكتابة)، وفضاء الكتابة (داخل الرأس) والذي يخلق تنافرا دلاليا، (ويحيل العنوان على مفهوم الكتابة بدل الإحالة على مضامين النصوص، أو لنقل بأن هذه الإحالة هي الموضوع في حد ذاته). وبذلك ينفتح العنوان على دلالات تأويلية مختلفة؛ من قبيل أن الموضوع المقصود من الكتابة عند القاصة فاطمة البسريني الذات الكاتبة في حد ذاتها، فأكتب داخل رأسي أي أنكتب وأكتب لذاتي وعن ذاتي بكل ما تفكر فيه أو تعانيه أو تعايشه أو تحلم به. كما قد يحيل على قوة وقع فعل الكتابة بكل ما يحمله هذا الفعل من وثوقية ومسؤولية وأحقية.
والكتابة داخل الرأس قد تعني الخوفَ من الآخر كما قد تعني التحرر من هذه العقدة أي عقدة الآخر بالتعبير عن المواقف والمشاعر الثائرة، باعتبار الكتابة مظهرا من مظاهر التحرر، لأن فيها خلاص وتخلص من ثقل الكلمات ومن شدة وطأة الأحداث على النفس، وهي مغامرة نحو عالم آخر، عالم تتراءى فيه حقيقة الأشياء؛ تقول في نص يحمل نفس عنوان المجموعة "أكتب داخل رأسي، أخترع كلمات وجملا، لكي أعبر عن التحدي، لكي أقبض بين كفي على آلاف الأفكار الموجودة في دماغي، وكُلُّها أحجار صلدة مسننة، مربوطة إلى قدمي" . فالكتابة داخل الرأس تحد من تحديات القبض على الأفكار والتخلص من ثقلها على اعتبار أن الكتابة التزام بالأساس.
والملاحظ أن ثمة علاقة قوية تجمع بين نصوص المجموعة، إن على مستوى الشكل أو المضمون، ذلك أن ما يوحد بينها أكثر مما يفرق. إذ على الرغم من اختلاف العناوين فإن القصص الست وثلاثين متداخلة تداخلا يجعل أحداثها تراهن على محكي شبه مشترك. كما أن شخوصها رمزية في الغالب لا تحمل أسماء محددة باستثناء ثلاثة قصص، هي "الحب والخوف" و"مخلوقات الرياح" و"خالد يجب أن يموت". مما يدل على التركيز على السلوك الإنساني والمواقف التي تطبع شخوصها. شخوص مقنعة حائرة ومغتربة ومزيفة تارة ضائعة في عالم غامض يعج بالمتناقضات والمفارقات والخيبات، ومجتمع مختل يفتقد فيه الفرد جل شروط التوازن النفسي، وأدنى شروط العيش أوالموت. ولا يخضع لأي منطق عقلي ولا لأي ضوابط موضوعية وذاتية."هناك الكثير من الأسئلة التي لا أتجرأ أن أطرحها على نفسي"
والنص القصصي الذي يتصدر المجموعة يمكن أن يتخذ مدخلا لقراءة المجموعة، لأنه مؤشر على طبيعة المحكي الذي تراهن عليه الكاتبة، وهو سرد مفارق للواقع، ومكسر لطرق السرد التقليدية، تتخذ الحدث سندا أساسيا، وبؤرة سردية محورية، في حين أن ما يحفز على الحكي الدافع الفكري والعقلي بالأساس. "آه، أفكاري، عقلي، لا يجب أن أفقدهما في هذا العالم الغريب حولي" . ففي هذا النص إعلان عن بداية الرحلة وطبيعتها، رحلة الحياة والموت، توظفها الكاتبة في بعدها الرمزي، أساسها الكشف عن حقيقة الأنا والآخر، وفق محكي داخلي (مونولوغ) يتعالى عن الواقع ويمتزج مع الخيال. وهو دليل إشعار على أن الحكاية احتمال "إنني أحتفظ بكل تلك الحكاية داخلي، في خيالي، لأنه من الصعب والقاسي جدا أن أقوم بتنفيذها" . انسجاما مع هذا البعد، فإن نصوص المجموعة جميعها لا تقف عند الحكاية كاملة، والمؤطرة للقصة الكاملة المفترضة والمحتملة، بل تسكت عنها الكاتبة عن قصد لخلق التشويق، ولجعل المتلقي عنصرا فاعلا في ملء فراغات النص وبياضاته، مع المراهنة على الشكل القصصي العفوي، وأسلوب السرد المراوغ، والمنزاح عن واقع معقد، سرد ينبني على لغة تراهن على الصمت عن المسكوت عنه بدل التصريح والمباشرة.
وبالتالي فقد يصعب على القارئ الوقوف بدقة عند سيرورة الأحداث في كل قصة، وخاصة وضعية البداية والعقدة والحل، لعدة اعتبارات أهمها التداخل الحاصل بين هذه الوضعيات فيما بينها، ولغياب السرد المعني بالتفاصيل والجزئيات والسكوت عن بعض الأحداث والوقائع التي أدت إلى الفعل أو رد الفعل؛ تقول الكاتبة في (كائن فضائي) "كنت أكافح لكي أجعل أفكاري متسلسلة، لكنني في الفكرة الموالية يضيع مني الخيط وتشتبك بينها في دماغي كما كرة خيط تشتت على الأرض ولا سبيل إلى حل عُقدِ وتشابكِ الخيوط مع بعضها" .
- وضعية التلفظ/ التجريد:
وتنبني نصوص المجموعة على وضعية سردية تقوم على ثلاثة أبعاد أساسية تعكسها الضمائر الموظفة في نقل الأحداث وسرد الوقائع؛ (ضمير المتكلم، وضمير الغائب وضمير المخاطب) . ولا يستقل كل نص قصصي بضمير محدد بقدر ما يجمع بين ضمائر مختلفة. ومعلوم أن الضمير في النص السردي مؤشرٌ على نوع الرؤية السردية المعتمدة في الحكي. (الرؤية من الخلف والرؤية من الداخل والرؤية من الخارج) . كما يجسد كل ضمير على حدة وظيفته حسب سياقه ومقامه. ويحظى ضمير المتكلم بنصيب الأسد في المجموعة، إذ لا نكاد نجد نصا سرديا يغيب فيه، وهو ضمير مراوغ لا يحيل بالضرورة على الكاتب أو السارد، بقدر ما قد تسند الكاتبة الحكي إلى أناة أخرى، في إشارة إلى أن الذات الساردة هي المسرودة أو المتعالية على السرد أو العكس. قصد تكثيف البنية الداخلية للنص السردي وتجسيد معادلات فكرية واجتماعية ونفسية وثقافية."أكتب الكثير من الأشياء التي أخشى أن يراها أو يقرأها أحد" .
وضمير المخاطب يؤثث الوضعية السردية لكثير من قصص المجموعة بل يمكن اعتباره مؤشرا على طبيعة الرؤية التي تصدر عنها النصوص وتطبع المحكيات بخصوصيات فنية. ومن ثمة يؤدي هذا الضمير عدة وظائف نقف عند المشترك منها، مع العلم أن له وظائف محددة، تبعا للسياق الذي يستدعيه السرد في كل نص قصصي. وإذا كان المخاطب بمختلف تجلياته هو الآخر فإنه حاضر في النص باعتباره طرفا في المعادلة السردية وعاملا فاعلا في تشييد الخطاب وتطور الأحداث وسيرورة الوقائع التي تفجر المخبوء وتكشف المستور وتميط اللثام عن العوالم الخفية للقوة الفاعلة، ممثلة به في بعده الخاص والمطلق،والذي يقف وراء تطور الأحداث، بأدواره المضمرة والمقصودة، تبعا لأبعادها الدلالية والتأويلية.
ولعل عدم تسمية الغائب والاكتفاء بصفاته وسلوكاته وأفعاله وتصرفاته الطائشة واللامسؤولة، ونعته بالآخر في صيغته المطلقة، دليل كما أسلفنا على البعد الرمزي للمنعوت المدان، وتأكيدٌ على البعد الوظيفي الذي يجسده، وتأشير على خيبة القوى الفاعلة المعاكسة التي حالت وتحول دون تحقيق الموضوع، بمعناه الخاص (التوازن، الحرية، الاعتراف، الطمأنينة، السعادة،) أو معناه العام (الحب، السلم، التعايش، الأمن، الديمقراطية..).ويعكس هذا الضمير بعدا حجاجيا، من منظور سردي، وذلك بتوجيه اللوم إليه، باعتباره سببا في الوضع المتأزم، في معاناة الذات الساردة من عدة إكراهات، تختلف باختلاف القصص، لكنها تضع المخاطب في قفص الاتهام، وتدينه إدانة واضحة وصريحة ومباشرة، مما يفرض محاكمته ومعاقبته على جرائمه التي لا تحصى، بل القصاص منه بإخضاعه إلى عقوبة من طبيعة الجرم،ولا ضير في ذلك مادام هو السبب،"أرجوكم لم أكن أريد أن أصبح قاسية إلى هذا الحد يوما، ولكنه كان كل يوم يُعطيني دروسا في القسوة"
ويتعمق الاحساس بالاغتراب لدى الذات الساردة عندما تصور قصص المجموعة الآخر وقد فقد هويته. ففي قصة (عملية نسخ) غوص في عالم الآخر الذي سُلِبَ أعز ما يملك واستُلب إيديولوجيا ففقد إنسانيته وهويته وكينونته بعد أن خضع للنسخ والمسخ، فضاعت نسخته الأصليةوقامت عنها نسخه المشوهة المتعددة "لا شيء إني أبحث فقط عن النسخة الأصلية منك"
وعلى هذا الأساس تصور قصص المجموعة الذات السارة والمسرودة وهي تعيش معاناة مستمرة مع الآخر بمختلف تصرفاته الطائشة وسلوكاته المختلة ومشاعره الكاذبة وعواطفه المخادعة وأقنعته الماكرة وهو ما أثر ويؤثر سلبا عليها مما يجعلها في سعي مستمر للنيل منه والدفاع عن نفسها الأمارة بالحق والتواقة لاعتناق حريتها؛ وبالتالي فكل ردود الفعل الصادرة عنها تصريحا أوتلميحا في مختلف النصوص القصصية هي ردود مبررة بمنطقها ومنطوقها السردي. تقول في ملفوظات سردية تتخلل نصوص المجموعة؛أتعرفون أن الإنسان لم يكن يعرف القسوة في البداية إلا حينما أصيب من طرف الغير بالأذية"
ومن بين الأفعال الدالة على القسوة فعل القتل الذي لا تكاد تخلو أي قصة منه، لكن توظيفه يختلف من نص لآخر؛ كأن يعلن السارد عن موته، دون وعي منه، أو يطل علينا من العالم الآخر، ليكشف عن جدلية البداية والنهاية. من قبيل ما جاء على لسان السارد في نص (أحب ركوب الحافلة)."أنا ميت، كيف لم أعرف ذلك منالبداية" . أو يصب لعنته على الحياة التي لا تنتهي إلاّ بالموت. "أنا ملعون مثل الحياة، فهي دائما ما تتغير لتقتلنا في النهاية" . أو يغدو القتل مدعاة للفخر وإعادة الاعتبار إلى النفس. "وأصبحت حديث الجميع بعدما قتلتك" . وقد يعكس حدث القتل في معناه المجرد مفارقات عجيبة وغريبة، كأن يتأرجح بين اعتباره مثيرا للملل أو ضربا من السحر. تقول الكاتبة في (رحلة ملل)"ألا تشعرين بذلك الملل القاتل الذي جعلكِ تحسينه قبل أن تنهي حياته؟ " . وقولها في (المحترم المتهم)"من أين أتيت بكل هذا السحر الذي به تقتُلني"
ومن خلال هذه الملفوظات يتبين أن الموت فكرة مهيمنه على المتن وليست حدثا عابرا، وله وظائف سياقية كثيرة كاشفة عن حقيقة الحياة؛ فالموت هو الذي يعطي معنى للحياة. وهو وسيلة ناجعة لمواجهة الحياة بمتلف تحدياتها، بل إنه الوسيلة الأنْجَع والأقوى، تقول الكاتبة في ملفوظ سردي يعبر بعمق وحسرة عن هذا المعنى؛ "أظن أن الوسيلة الوحيدة لمواجهة الحياة هو الموت" . وإذا كان الهدف واحدا فلا ضير إن تعددت الدوافع والأسباب"القتل حبا وكرها وشغفا" .
وعلى الرغم من تعدد وضعيات السرد في قصص المجموعة إلا أنها متداخلة، فضمير المتكلم مثلا لا يعتمد إلا بحضور المخاطب والغائب، وكل ضمير يسكن الآخر ولا يستقل عنه، وما يؤكد هذا الأمر الجمع بين الضمائر في القصة الواحدة، ولكن هذا لا ينفي أن ضمير المتكلم يمثل ويجسد بؤرة السرد ومحوره الأساس، ويكشف هذا عن استراتيجية الحكي في المجموعة.
- أسلوب الحكي/ الترميز:
ولا يخفى على القارئ اعتماد جل النصوص القصصية على أسلوب مجازي في سرد الأحداث، باعتماد الإيحاء والترميز والإيجاز والتكثيف وغيرها. والشكل الطباعي للنص الذي يعتمد أسطرا سردية تطول وتقصر، تتخللها الفواصل أكثر من النقط. بدل اعتماد نظام الفقرات المميز لأشكال الكتابة النثرية، وهو ما يجعل الشعري ينازع السردي في قصص المجموعة كلها. ومن أمثلة ذلك قصة "كل الناس مزيفون" التي تراهن فيه الكاتبة على إيقاع أسلوب سردي داخلي ينتج عن تكرار ملفوظات لغوية بعينها (اسمع، اسمع) .
وهو ما يجعل التعبير بالرمز والإيحاء من أهم مظاهر الحداثة التي تسم الأسلوب السردي في المجموعة، كما أسلفنا القول، إذ قلما يتم نعت الأشياء بمسمياتها، فإذا كانت الضمائر المعتمدة في الحكي غير محددة، فإن عناصر كثيرة مشكلة للنص القصصي تظل متعالية عن كل تحديد مباشر في الغالب الأعم. ويمكن أن نبرر هذا الأمر من خلال ملفوظات سردية كثيرة من قبيل قول الكاتبة في نص (فبراير) "منطقيا، أظن أنه يجب أن نتوقف عن الظن أننا نتحمل مسؤولية على أي شيء وكل شيء" .وهو نص يعكس حضور اليومي كمادة حكائية، وكرافد من روافد مسرودات المجموعة، ويدل على امتداد فضاءات الصمت، وانحسار مسالك البوح، وجحيم الأسئلة التي تكتوي بها الذات. فالقصة من منظور الكاتبة فاطمة البسرينيشرنقة، تقول في نص يحمل نفس العنوان"أسميها شرنقة وحدتي" . وفي ذلك تعبير عن الوحدة والاغتراب من خلال الإحالة على أطوار حياة الفراشة، ومرحلة ظهورها من الشرنقة، بعد أن كانت هي نفسها كائناً حياً، كالإنسان في مختلف أطوار كينونته ووجوده.
وتتخلل النصوص القصصية ملفوظات سردية كثيرة ترد ما بين قوسين وتؤدي بدورها عدة وظائف بحسب سياقها ونوعية المدلول السردي الذي تحمله، وتعضد فكرة كون النص القصصي عند الكاتبة فاطمة البسريني احتمال، كما أسلفنا القول؛ "بعضي يمزق بعضي" . وهو ما يجعل هذه العلامة الترقيمية- الدالةعلىفتح أقواس سرد ثم صدها - تؤشر على تمزق الذات الساردة؛ "أمشي وأنا أفكر في حياتي الماضية، والتي كانت دائما عبارة عن (ما بين قوسين)" .
والمعاناة في قصص المجموعة أعمق بكثير من كونها محصورة في دائر الذاتي إنما ترقى بها الكاتبة فاطمة البسريني إلى ما هو أسمى وأعمق إلى ما هو سرمدي وفلسفي ووجودي، معاناة سيزيفية (كما عبرت عن ذلك في إحدى القصص).وعلى هذا الأساس تنصهر الذات في الآخر المطلق بكل امتداداته، وتخضع بعض اختياراتها الذاتية إلى المساءلة والشك والقلق، تقول: "وألعن لحظة الهجرة الأبدية التي استوطنت نفسي إلى الحب والشعر والثورة والإنسان النقي وليس السوي" .
والكتابة عند فاطمة البسريني، أولا وأخيرا، تطهير للذات من المنظور السردي الذي تبناه نصوص المجموعة، لأنه متنفس به تتخلص مما علق بها من شرور وأدران، ليست تلك التي تقترن بالآخر بمختلف تجلياته، بل تشمل الذات نفسها. إن ثمة صراع داخلي بين تحاذبين مفارقين؛الرغبة في تحقيق التوازن المنشود؛ "أغتسل من كل أدران نفسي ومن أدران هذا المجتمع المجنون الذي أعيش فيه". وفي ضوء هذا الصراع تتساءل الذات الساردةوهي تكابد معاناة وجودية عميقة؛ "هل التوازن الذي أحاول أن أقيمه مع الحياة من أجلك يا نفسي خطأ" .
نخلص إلى القول إن الضمائر التي تؤثث النصوص السردية أضفت على المحكيات طابع التعدد في الأصوات الساردة والمسرودة، ويعكس هذا التعدد في جوهره حوارا ضمنيا منح للنص دينامية داخلية ملحوظة تشد انتباه القارئ وتدعوه إلى البحث عن مصدرها ووظيفتها، وهي خاصية سعت الكاتبة فاطمة البسريني إلى حبكها بإتقان لتمنح النص جمالية حسن التوليف بين المحكيات المنصهرة في بوثقة الذات الساردةوالمهيمنة على الحكي.وهكذا، فإن من مظاهر الجدة في المجموعة تداخل وضعيات الخطاطة السردية بالتركيز على الفكرة، دون الوقوف بدقة عند التفاصيل، البدايات والوسط والنهايات. ولعل استهداف عنصر الحبكة،الذي كان وما زال يزحف عبر استحداث نمط شاعري للقصة، والمزاوجة بين الحدث ومونولوج الكاتبة،مما يحجب باحترافية العنصر المفقود في الحكي.
إن القصة عند الكاتبة فاطمة البسريني غوص في عالم غريب، سفر في المجهول، رحلة بحث عن حقيقة الذات، رصد لمفارقات الواقع، انفصال تام عن كل شيء في صمت وهدوء، سباحة حرة في عالم من الحلم والخيال، انصهار عجيب في الزمان والمكان، الحكاية استرسال واستدعاء ومناجاة، اشتعال للحواس واشتغال للفكر"رأسي وعيناي وفمي كل شيء مشتعل في" . وتبين إذن، أن التجريد سمة مميزة للمحكي ولمختلف العناصر الفنية للقصة. والاحتمال رصد للواقع في بعده المتخيل وخطة إنجاز ممكنة تصدر عنها مختلف نصوص المجموعة. والإيحاء خاصية أسلوبية تطبع اللغة السردية بميسم جمالي وتجعل النص السردي متعال عن الواقع وقابل لتحقق قرائي متعدد. وكلها سمات تطبع الكتابة القصصية بالجدة والحداثة.
هوامش:
- قدمت هذه القراءة في حفل توقيع المجموعة القصصية، يومه السبت 5 أبريل 2025، بالمركب الثقافي والفني بسينما الريف لجمعية الإسماعيلية الكبرى، بمكناس، تحت إشراف جمعية عبق الخريف للثقافة والإبداع.
- أكتب داخل رأسي، فاطمة البسريني، مطبعة وراقة بلال، فاس، الطبعة الأولى، 2023، ص 18.
- قصة (أكتب داخل رأسي) ص 10.
- قصة(فبراير) ص 44.
-(أحب ركوب الحافلة) ص5.
- (حكاية في خيالي) ص57.
- (كائن فضائي) ص 92.
- (فبراير) ص 42.
- (كما تطفأ الأنوار) ص35.
- (عملية نسخ) ص30.
- (كما تطفأ الأنوار)، ص 35.
ـ (أحب ركوب الحافلة) ص5.
- (آخر الأحياء) ص 9.
- (الشرنقة) ص17.
- (حالة ملل قاتلة) ص23.
- (المحترم المتهم) ص53.
- (حوار صحفي) ص 59.
- (روحي على الرصيف) ص 71.
- (كل الناس مزيفون) ص71.
- (فبراير) ص 42.
- (الشرنقة) ص 15.
- (نوفمبر) ص38.
- (فبراير) ص 43.
- (بئر الخطأ) 56.
- (قهوتي سوداء) ص 85.
- (بئر الخطأ) ص 55.
- (ثقوب) ص18.
فاطمة البسريني
على الرغم من أن لكل نوع أدبي مقوماته الفنية والفكرية فإن أشكال الكتابة تختلف داخل كل جنس أدبي على حدة. وهذا التعدد قابل للتأطير بوجه عام نتيجة التراكم الكمي والنوعي في مجال الإبداع، واستنادا إلى التتبع النقدي المواكب لهذه التجارب، إلا أن هذا لا ينفي أن التعدد والاختلاف سمة مميزة للكتابة الأدبية المعاصرة الحداثية.فإذا كنا في مجال السرد مثلا عادة ما نميز بين أنواع متداولة حاليا هي الرواية والقصة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا فإن هذا التمييز لا ينفي التعدد داخل كل نمط، أي ضمن كل نوع قصصي، وفي عناصره الأساسية، مما يشكل تحديا قرائيا ونقديا، إذ بات تأطيرها صعبا وعسيرا لصعوبة التتبع الفعلي، وأمام التراكم المتزايد في كل نوع، ومع هامش الحرية التي أصبحت شعار كل الكتاب في هذا المجال.
وبناء عليه،فإن التصنيف القبلي لأي عملفني، وتجنيسه من طرف كاتبه، ضمن شكل أدبي ما لا يعني أنه ميثاق قطعي يربط بين العمل المقروء والقارئ الناقد، لأن القراءة الفعلية وحدها قادرة على أن تكشف وتقف عند ما يؤكد أو يفند هذا التصنيف. في ضوء هذه الملاحظات الأولية الافتراضية نقرأ المجموعة القصصية (أكتب داخل رأسي) لفاطمة البسريني. والملاحظ أنها تتشكل من نصوص سردية تستفز القارئ على عدة مستويات، وسنحاول مقاربتها بالوقوف عند مظاهر الحداثة الممثلة في التجريد والترميز والاحتمال التي تميزها من حيث علاقتها بمكونات القصة وشكل الخطاب السردي.
- الفكرة الحدث/ الاحتمال:
العنوان أول حدث وعتبة تستفز قارئ المجموعة القصصية، وقد جاء جملة فعلية تحدد عنصرين دلاليين أساسيين، الفعل أي (فعل الكتابة)، وفضاء الكتابة (داخل الرأس) والذي يخلق تنافرا دلاليا، (ويحيل العنوان على مفهوم الكتابة بدل الإحالة على مضامين النصوص، أو لنقل بأن هذه الإحالة هي الموضوع في حد ذاته). وبذلك ينفتح العنوان على دلالات تأويلية مختلفة؛ من قبيل أن الموضوع المقصود من الكتابة عند القاصة فاطمة البسريني الذات الكاتبة في حد ذاتها، فأكتب داخل رأسي أي أنكتب وأكتب لذاتي وعن ذاتي بكل ما تفكر فيه أو تعانيه أو تعايشه أو تحلم به. كما قد يحيل على قوة وقع فعل الكتابة بكل ما يحمله هذا الفعل من وثوقية ومسؤولية وأحقية.
والكتابة داخل الرأس قد تعني الخوفَ من الآخر كما قد تعني التحرر من هذه العقدة أي عقدة الآخر بالتعبير عن المواقف والمشاعر الثائرة، باعتبار الكتابة مظهرا من مظاهر التحرر، لأن فيها خلاص وتخلص من ثقل الكلمات ومن شدة وطأة الأحداث على النفس، وهي مغامرة نحو عالم آخر، عالم تتراءى فيه حقيقة الأشياء؛ تقول في نص يحمل نفس عنوان المجموعة "أكتب داخل رأسي، أخترع كلمات وجملا، لكي أعبر عن التحدي، لكي أقبض بين كفي على آلاف الأفكار الموجودة في دماغي، وكُلُّها أحجار صلدة مسننة، مربوطة إلى قدمي" . فالكتابة داخل الرأس تحد من تحديات القبض على الأفكار والتخلص من ثقلها على اعتبار أن الكتابة التزام بالأساس.
والملاحظ أن ثمة علاقة قوية تجمع بين نصوص المجموعة، إن على مستوى الشكل أو المضمون، ذلك أن ما يوحد بينها أكثر مما يفرق. إذ على الرغم من اختلاف العناوين فإن القصص الست وثلاثين متداخلة تداخلا يجعل أحداثها تراهن على محكي شبه مشترك. كما أن شخوصها رمزية في الغالب لا تحمل أسماء محددة باستثناء ثلاثة قصص، هي "الحب والخوف" و"مخلوقات الرياح" و"خالد يجب أن يموت". مما يدل على التركيز على السلوك الإنساني والمواقف التي تطبع شخوصها. شخوص مقنعة حائرة ومغتربة ومزيفة تارة ضائعة في عالم غامض يعج بالمتناقضات والمفارقات والخيبات، ومجتمع مختل يفتقد فيه الفرد جل شروط التوازن النفسي، وأدنى شروط العيش أوالموت. ولا يخضع لأي منطق عقلي ولا لأي ضوابط موضوعية وذاتية."هناك الكثير من الأسئلة التي لا أتجرأ أن أطرحها على نفسي"
والنص القصصي الذي يتصدر المجموعة يمكن أن يتخذ مدخلا لقراءة المجموعة، لأنه مؤشر على طبيعة المحكي الذي تراهن عليه الكاتبة، وهو سرد مفارق للواقع، ومكسر لطرق السرد التقليدية، تتخذ الحدث سندا أساسيا، وبؤرة سردية محورية، في حين أن ما يحفز على الحكي الدافع الفكري والعقلي بالأساس. "آه، أفكاري، عقلي، لا يجب أن أفقدهما في هذا العالم الغريب حولي" . ففي هذا النص إعلان عن بداية الرحلة وطبيعتها، رحلة الحياة والموت، توظفها الكاتبة في بعدها الرمزي، أساسها الكشف عن حقيقة الأنا والآخر، وفق محكي داخلي (مونولوغ) يتعالى عن الواقع ويمتزج مع الخيال. وهو دليل إشعار على أن الحكاية احتمال "إنني أحتفظ بكل تلك الحكاية داخلي، في خيالي، لأنه من الصعب والقاسي جدا أن أقوم بتنفيذها" . انسجاما مع هذا البعد، فإن نصوص المجموعة جميعها لا تقف عند الحكاية كاملة، والمؤطرة للقصة الكاملة المفترضة والمحتملة، بل تسكت عنها الكاتبة عن قصد لخلق التشويق، ولجعل المتلقي عنصرا فاعلا في ملء فراغات النص وبياضاته، مع المراهنة على الشكل القصصي العفوي، وأسلوب السرد المراوغ، والمنزاح عن واقع معقد، سرد ينبني على لغة تراهن على الصمت عن المسكوت عنه بدل التصريح والمباشرة.
وبالتالي فقد يصعب على القارئ الوقوف بدقة عند سيرورة الأحداث في كل قصة، وخاصة وضعية البداية والعقدة والحل، لعدة اعتبارات أهمها التداخل الحاصل بين هذه الوضعيات فيما بينها، ولغياب السرد المعني بالتفاصيل والجزئيات والسكوت عن بعض الأحداث والوقائع التي أدت إلى الفعل أو رد الفعل؛ تقول الكاتبة في (كائن فضائي) "كنت أكافح لكي أجعل أفكاري متسلسلة، لكنني في الفكرة الموالية يضيع مني الخيط وتشتبك بينها في دماغي كما كرة خيط تشتت على الأرض ولا سبيل إلى حل عُقدِ وتشابكِ الخيوط مع بعضها" .
- وضعية التلفظ/ التجريد:
وتنبني نصوص المجموعة على وضعية سردية تقوم على ثلاثة أبعاد أساسية تعكسها الضمائر الموظفة في نقل الأحداث وسرد الوقائع؛ (ضمير المتكلم، وضمير الغائب وضمير المخاطب) . ولا يستقل كل نص قصصي بضمير محدد بقدر ما يجمع بين ضمائر مختلفة. ومعلوم أن الضمير في النص السردي مؤشرٌ على نوع الرؤية السردية المعتمدة في الحكي. (الرؤية من الخلف والرؤية من الداخل والرؤية من الخارج) . كما يجسد كل ضمير على حدة وظيفته حسب سياقه ومقامه. ويحظى ضمير المتكلم بنصيب الأسد في المجموعة، إذ لا نكاد نجد نصا سرديا يغيب فيه، وهو ضمير مراوغ لا يحيل بالضرورة على الكاتب أو السارد، بقدر ما قد تسند الكاتبة الحكي إلى أناة أخرى، في إشارة إلى أن الذات الساردة هي المسرودة أو المتعالية على السرد أو العكس. قصد تكثيف البنية الداخلية للنص السردي وتجسيد معادلات فكرية واجتماعية ونفسية وثقافية."أكتب الكثير من الأشياء التي أخشى أن يراها أو يقرأها أحد" .
وضمير المخاطب يؤثث الوضعية السردية لكثير من قصص المجموعة بل يمكن اعتباره مؤشرا على طبيعة الرؤية التي تصدر عنها النصوص وتطبع المحكيات بخصوصيات فنية. ومن ثمة يؤدي هذا الضمير عدة وظائف نقف عند المشترك منها، مع العلم أن له وظائف محددة، تبعا للسياق الذي يستدعيه السرد في كل نص قصصي. وإذا كان المخاطب بمختلف تجلياته هو الآخر فإنه حاضر في النص باعتباره طرفا في المعادلة السردية وعاملا فاعلا في تشييد الخطاب وتطور الأحداث وسيرورة الوقائع التي تفجر المخبوء وتكشف المستور وتميط اللثام عن العوالم الخفية للقوة الفاعلة، ممثلة به في بعده الخاص والمطلق،والذي يقف وراء تطور الأحداث، بأدواره المضمرة والمقصودة، تبعا لأبعادها الدلالية والتأويلية.
ولعل عدم تسمية الغائب والاكتفاء بصفاته وسلوكاته وأفعاله وتصرفاته الطائشة واللامسؤولة، ونعته بالآخر في صيغته المطلقة، دليل كما أسلفنا على البعد الرمزي للمنعوت المدان، وتأكيدٌ على البعد الوظيفي الذي يجسده، وتأشير على خيبة القوى الفاعلة المعاكسة التي حالت وتحول دون تحقيق الموضوع، بمعناه الخاص (التوازن، الحرية، الاعتراف، الطمأنينة، السعادة،) أو معناه العام (الحب، السلم، التعايش، الأمن، الديمقراطية..).ويعكس هذا الضمير بعدا حجاجيا، من منظور سردي، وذلك بتوجيه اللوم إليه، باعتباره سببا في الوضع المتأزم، في معاناة الذات الساردة من عدة إكراهات، تختلف باختلاف القصص، لكنها تضع المخاطب في قفص الاتهام، وتدينه إدانة واضحة وصريحة ومباشرة، مما يفرض محاكمته ومعاقبته على جرائمه التي لا تحصى، بل القصاص منه بإخضاعه إلى عقوبة من طبيعة الجرم،ولا ضير في ذلك مادام هو السبب،"أرجوكم لم أكن أريد أن أصبح قاسية إلى هذا الحد يوما، ولكنه كان كل يوم يُعطيني دروسا في القسوة"
ويتعمق الاحساس بالاغتراب لدى الذات الساردة عندما تصور قصص المجموعة الآخر وقد فقد هويته. ففي قصة (عملية نسخ) غوص في عالم الآخر الذي سُلِبَ أعز ما يملك واستُلب إيديولوجيا ففقد إنسانيته وهويته وكينونته بعد أن خضع للنسخ والمسخ، فضاعت نسخته الأصليةوقامت عنها نسخه المشوهة المتعددة "لا شيء إني أبحث فقط عن النسخة الأصلية منك"
وعلى هذا الأساس تصور قصص المجموعة الذات السارة والمسرودة وهي تعيش معاناة مستمرة مع الآخر بمختلف تصرفاته الطائشة وسلوكاته المختلة ومشاعره الكاذبة وعواطفه المخادعة وأقنعته الماكرة وهو ما أثر ويؤثر سلبا عليها مما يجعلها في سعي مستمر للنيل منه والدفاع عن نفسها الأمارة بالحق والتواقة لاعتناق حريتها؛ وبالتالي فكل ردود الفعل الصادرة عنها تصريحا أوتلميحا في مختلف النصوص القصصية هي ردود مبررة بمنطقها ومنطوقها السردي. تقول في ملفوظات سردية تتخلل نصوص المجموعة؛أتعرفون أن الإنسان لم يكن يعرف القسوة في البداية إلا حينما أصيب من طرف الغير بالأذية"
ومن بين الأفعال الدالة على القسوة فعل القتل الذي لا تكاد تخلو أي قصة منه، لكن توظيفه يختلف من نص لآخر؛ كأن يعلن السارد عن موته، دون وعي منه، أو يطل علينا من العالم الآخر، ليكشف عن جدلية البداية والنهاية. من قبيل ما جاء على لسان السارد في نص (أحب ركوب الحافلة)."أنا ميت، كيف لم أعرف ذلك منالبداية" . أو يصب لعنته على الحياة التي لا تنتهي إلاّ بالموت. "أنا ملعون مثل الحياة، فهي دائما ما تتغير لتقتلنا في النهاية" . أو يغدو القتل مدعاة للفخر وإعادة الاعتبار إلى النفس. "وأصبحت حديث الجميع بعدما قتلتك" . وقد يعكس حدث القتل في معناه المجرد مفارقات عجيبة وغريبة، كأن يتأرجح بين اعتباره مثيرا للملل أو ضربا من السحر. تقول الكاتبة في (رحلة ملل)"ألا تشعرين بذلك الملل القاتل الذي جعلكِ تحسينه قبل أن تنهي حياته؟ " . وقولها في (المحترم المتهم)"من أين أتيت بكل هذا السحر الذي به تقتُلني"
ومن خلال هذه الملفوظات يتبين أن الموت فكرة مهيمنه على المتن وليست حدثا عابرا، وله وظائف سياقية كثيرة كاشفة عن حقيقة الحياة؛ فالموت هو الذي يعطي معنى للحياة. وهو وسيلة ناجعة لمواجهة الحياة بمتلف تحدياتها، بل إنه الوسيلة الأنْجَع والأقوى، تقول الكاتبة في ملفوظ سردي يعبر بعمق وحسرة عن هذا المعنى؛ "أظن أن الوسيلة الوحيدة لمواجهة الحياة هو الموت" . وإذا كان الهدف واحدا فلا ضير إن تعددت الدوافع والأسباب"القتل حبا وكرها وشغفا" .
وعلى الرغم من تعدد وضعيات السرد في قصص المجموعة إلا أنها متداخلة، فضمير المتكلم مثلا لا يعتمد إلا بحضور المخاطب والغائب، وكل ضمير يسكن الآخر ولا يستقل عنه، وما يؤكد هذا الأمر الجمع بين الضمائر في القصة الواحدة، ولكن هذا لا ينفي أن ضمير المتكلم يمثل ويجسد بؤرة السرد ومحوره الأساس، ويكشف هذا عن استراتيجية الحكي في المجموعة.
- أسلوب الحكي/ الترميز:
ولا يخفى على القارئ اعتماد جل النصوص القصصية على أسلوب مجازي في سرد الأحداث، باعتماد الإيحاء والترميز والإيجاز والتكثيف وغيرها. والشكل الطباعي للنص الذي يعتمد أسطرا سردية تطول وتقصر، تتخللها الفواصل أكثر من النقط. بدل اعتماد نظام الفقرات المميز لأشكال الكتابة النثرية، وهو ما يجعل الشعري ينازع السردي في قصص المجموعة كلها. ومن أمثلة ذلك قصة "كل الناس مزيفون" التي تراهن فيه الكاتبة على إيقاع أسلوب سردي داخلي ينتج عن تكرار ملفوظات لغوية بعينها (اسمع، اسمع) .
وهو ما يجعل التعبير بالرمز والإيحاء من أهم مظاهر الحداثة التي تسم الأسلوب السردي في المجموعة، كما أسلفنا القول، إذ قلما يتم نعت الأشياء بمسمياتها، فإذا كانت الضمائر المعتمدة في الحكي غير محددة، فإن عناصر كثيرة مشكلة للنص القصصي تظل متعالية عن كل تحديد مباشر في الغالب الأعم. ويمكن أن نبرر هذا الأمر من خلال ملفوظات سردية كثيرة من قبيل قول الكاتبة في نص (فبراير) "منطقيا، أظن أنه يجب أن نتوقف عن الظن أننا نتحمل مسؤولية على أي شيء وكل شيء" .وهو نص يعكس حضور اليومي كمادة حكائية، وكرافد من روافد مسرودات المجموعة، ويدل على امتداد فضاءات الصمت، وانحسار مسالك البوح، وجحيم الأسئلة التي تكتوي بها الذات. فالقصة من منظور الكاتبة فاطمة البسرينيشرنقة، تقول في نص يحمل نفس العنوان"أسميها شرنقة وحدتي" . وفي ذلك تعبير عن الوحدة والاغتراب من خلال الإحالة على أطوار حياة الفراشة، ومرحلة ظهورها من الشرنقة، بعد أن كانت هي نفسها كائناً حياً، كالإنسان في مختلف أطوار كينونته ووجوده.
وتتخلل النصوص القصصية ملفوظات سردية كثيرة ترد ما بين قوسين وتؤدي بدورها عدة وظائف بحسب سياقها ونوعية المدلول السردي الذي تحمله، وتعضد فكرة كون النص القصصي عند الكاتبة فاطمة البسريني احتمال، كما أسلفنا القول؛ "بعضي يمزق بعضي" . وهو ما يجعل هذه العلامة الترقيمية- الدالةعلىفتح أقواس سرد ثم صدها - تؤشر على تمزق الذات الساردة؛ "أمشي وأنا أفكر في حياتي الماضية، والتي كانت دائما عبارة عن (ما بين قوسين)" .
والمعاناة في قصص المجموعة أعمق بكثير من كونها محصورة في دائر الذاتي إنما ترقى بها الكاتبة فاطمة البسريني إلى ما هو أسمى وأعمق إلى ما هو سرمدي وفلسفي ووجودي، معاناة سيزيفية (كما عبرت عن ذلك في إحدى القصص).وعلى هذا الأساس تنصهر الذات في الآخر المطلق بكل امتداداته، وتخضع بعض اختياراتها الذاتية إلى المساءلة والشك والقلق، تقول: "وألعن لحظة الهجرة الأبدية التي استوطنت نفسي إلى الحب والشعر والثورة والإنسان النقي وليس السوي" .
والكتابة عند فاطمة البسريني، أولا وأخيرا، تطهير للذات من المنظور السردي الذي تبناه نصوص المجموعة، لأنه متنفس به تتخلص مما علق بها من شرور وأدران، ليست تلك التي تقترن بالآخر بمختلف تجلياته، بل تشمل الذات نفسها. إن ثمة صراع داخلي بين تحاذبين مفارقين؛الرغبة في تحقيق التوازن المنشود؛ "أغتسل من كل أدران نفسي ومن أدران هذا المجتمع المجنون الذي أعيش فيه". وفي ضوء هذا الصراع تتساءل الذات الساردةوهي تكابد معاناة وجودية عميقة؛ "هل التوازن الذي أحاول أن أقيمه مع الحياة من أجلك يا نفسي خطأ" .
نخلص إلى القول إن الضمائر التي تؤثث النصوص السردية أضفت على المحكيات طابع التعدد في الأصوات الساردة والمسرودة، ويعكس هذا التعدد في جوهره حوارا ضمنيا منح للنص دينامية داخلية ملحوظة تشد انتباه القارئ وتدعوه إلى البحث عن مصدرها ووظيفتها، وهي خاصية سعت الكاتبة فاطمة البسريني إلى حبكها بإتقان لتمنح النص جمالية حسن التوليف بين المحكيات المنصهرة في بوثقة الذات الساردةوالمهيمنة على الحكي.وهكذا، فإن من مظاهر الجدة في المجموعة تداخل وضعيات الخطاطة السردية بالتركيز على الفكرة، دون الوقوف بدقة عند التفاصيل، البدايات والوسط والنهايات. ولعل استهداف عنصر الحبكة،الذي كان وما زال يزحف عبر استحداث نمط شاعري للقصة، والمزاوجة بين الحدث ومونولوج الكاتبة،مما يحجب باحترافية العنصر المفقود في الحكي.
إن القصة عند الكاتبة فاطمة البسريني غوص في عالم غريب، سفر في المجهول، رحلة بحث عن حقيقة الذات، رصد لمفارقات الواقع، انفصال تام عن كل شيء في صمت وهدوء، سباحة حرة في عالم من الحلم والخيال، انصهار عجيب في الزمان والمكان، الحكاية استرسال واستدعاء ومناجاة، اشتعال للحواس واشتغال للفكر"رأسي وعيناي وفمي كل شيء مشتعل في" . وتبين إذن، أن التجريد سمة مميزة للمحكي ولمختلف العناصر الفنية للقصة. والاحتمال رصد للواقع في بعده المتخيل وخطة إنجاز ممكنة تصدر عنها مختلف نصوص المجموعة. والإيحاء خاصية أسلوبية تطبع اللغة السردية بميسم جمالي وتجعل النص السردي متعال عن الواقع وقابل لتحقق قرائي متعدد. وكلها سمات تطبع الكتابة القصصية بالجدة والحداثة.
هوامش:
- قدمت هذه القراءة في حفل توقيع المجموعة القصصية، يومه السبت 5 أبريل 2025، بالمركب الثقافي والفني بسينما الريف لجمعية الإسماعيلية الكبرى، بمكناس، تحت إشراف جمعية عبق الخريف للثقافة والإبداع.
- أكتب داخل رأسي، فاطمة البسريني، مطبعة وراقة بلال، فاس، الطبعة الأولى، 2023، ص 18.
- قصة (أكتب داخل رأسي) ص 10.
- قصة(فبراير) ص 44.
-(أحب ركوب الحافلة) ص5.
- (حكاية في خيالي) ص57.
- (كائن فضائي) ص 92.
- (فبراير) ص 42.
- (كما تطفأ الأنوار) ص35.
- (عملية نسخ) ص30.
- (كما تطفأ الأنوار)، ص 35.
ـ (أحب ركوب الحافلة) ص5.
- (آخر الأحياء) ص 9.
- (الشرنقة) ص17.
- (حالة ملل قاتلة) ص23.
- (المحترم المتهم) ص53.
- (حوار صحفي) ص 59.
- (روحي على الرصيف) ص 71.
- (كل الناس مزيفون) ص71.
- (فبراير) ص 42.
- (الشرنقة) ص 15.
- (نوفمبر) ص38.
- (فبراير) ص 43.
- (بئر الخطأ) 56.
- (قهوتي سوداء) ص 85.
- (بئر الخطأ) ص 55.
- (ثقوب) ص18.