ابن هانئ الأندلسي
شاعر أندلسي لُقب بمتنبي الغرب.
ولد أبو القاسم محمد بن هانئ بن سعدون الذي يتصل نسبه بحاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، في إشبيلية. كان أبوه هانئ من قرية من قرى المهدية بإفريقية، ثم تركها وانتقل إلى الأندلس حيث ولد محمد في إشبيلية. نشأ ابن هانئ بإشبيلية، وتعلم بها الشعر والأدب، واتصل بحاكم إشبيلية وحظي عنده، ثم اتهمه أهلها بمذهب الفلاسفة وفي شعره نزعة إسماعيلية بارزة، فأساؤوا القول في ملكهم بسببه، فأشار عليه الحاكم بالغيبة. فترك إشبيلية وعمره 27 عامًا، فرحل إلى المغرب ومدح جوهر الصقلي، ثم ارتحل إلى الزاب إلى جعفر ويحيى ابني علي فأكرماه، ونمي خبره إلى المعز أبي تميم معدّ بن منصور الفاطمي فطلبه منهما، فلما انتهى إليه وأقام عنده في المنصورية بقرب القيروان، فبالغ ابن هانئ في مدحه. ولما رحل المعز إلى مصر، طلب منه مرافقته، فاستئذنه العودة إلى المغرب لأخذ عياله. وفي الطريق إلى مصر، قُتل ابن هانيء في برقة في 23 رجب 362 هـ، ولما وصل خبر وفاته للمعزّ وهو بمصر تأسف عليه وقال: «هذا الرجل، كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق، فلم يُقدّر علينا ذلك.»
ابن هانئ الأندلسي » أقول دمى وهي الحسان الرعابيب
أقول دمىً وهيَ الحسانُ الرّعابيبُ
ومن دونِ أستارِ القِبابِ محَاريبُ
نَوىً أبْعَدَتْ طائيّةً ومزارَها
ألا كلُّ طائيٍّ إلى القلْبِ محْبوب
سَلوا طَيِّءَ الأجبال أينَ خِيامُها
وما أجَأٌ إلاّ حِصانٌ ويعبوب
هُمُ جَنَبوا ذا القلبَ طَوعَ قيادهم
وقد يشهدُ الطِّرْفُ الوغى وهو مجنوب
وهم جاوزوا طلح الشواجن والغضا
تخبّ بهم جُرْدُ اللقاءِ السراحيب
قِبابٌ وأحبابٌ وجُلهَمَةُ العِدى
وخَيلٌ عِرابٌ فوقَهنّ أعاريب
إذا لم أذُدْ عن ذلك الماء وِردَهمْ
وإنْ حَنّ وُرّادٌ كما حنّتِ النِّيب
فلا حَمَلتْ بِيضَ السيوفِ قوائِمٌ
ولا صَحِبَتْ سُمْرَ الرماحِ أنابيب
وهل يَرِدُ الغَيْرانُ ماءً وَرَدْتُهُ
إذا وَرَدَ الضّرْغامُ لم يَلِغِ الذئب
وعهدي بهِ والعيشُ مثلُ جِمامهِ
نميرٌ بماءِ الوَردِ والمسكِ مقطوب
وما تفْتأُ الحسناءُ تُهدي خَيالَها
ومن دونِها إسْآد خمسٍ وتأويب
وما رَاعَني إلاّ ابنُ وَرقاءَ هاتِفٌ
بعينَيْهِ جَمرٌ من ضلوعيَ مشبوب
وقد أنكَرَ الدّوْحَ الذي يستظلّه
وسحّتْ له الأغصانُ وهي أهاضيب
وحَثَّ جَناحَيْهِ ليخْطَفَ قَلبَه
عِشاءً سذانيقُ الدجى وهو غِربيب
ألا أيّها الباكي على غيرِ أيْكهِ
كِلانا فريدٌ بالسماوَةِ مَغلوب
فُؤادُكَ خفّاقٌ ووكْرُكَ نازحٌ
وروضُكَ مطلولٌ وبانُكَ مهضوب
هَلُمّ على أنّي أقِيكَ بأضْلُعي
فأملِكُ دَمعي عنْك وَهْو شآبيب
تُكِنُّكَ لي مَوْشِيّةٌ عبقريّةٌ
كَريشِكَ إلاّ أنّهُنّ جَلابيب
فلا شَدْوَ إلاّ من رَنينِكَ شائِقٌ
ولا دَمعَ إلاّ من جفونيَ مسكوب
ولا مَدْحَ إلاّ للمعِزّ حقِيقَةً
يُفصَّلُ دُرّاً والمديحُ أساليب
نِجارٌ على البيتِ الإماميّ مُعْتَلٍ
وحكمٌ إلى العدلِ الربوبيّ منسوب
يصلّي عليه أصفر القدح صائب
وعوجاء مرنانٌ وجرداء سرحوب
وأسمرُ عَرّاصُ الكعوب مثقَّفٌ
وأبيضُ مشقوقُ العقيقة مخشوب
لأسيافهِ من بُدْنِه وعُصاته
نجيعان مُهراقٌ عَبيطٌ ومصبوب
فإنْ تكُ حرْبٌ فالمفارِقُ والطُّلى
وإن يكُ سِلمٌ فالشوى والعراقيب
أعِزّةُ مَن يُحْذَى النعالَ أذِلّةٌ
له ومُلوكُ العالَمينَ قراضيب
وما هو إلاّ أن يشيرَ بلَحْظِهِ
فتَمخُر فُلكٌ أو تُغِذّ مقانيب
فلا قارعٌ إلاّ القنا السُّمرُ بالقنا
إذا قُرِعَتْ للحادثاتِ الظّنابيب
ولم أرَ زَوّاراً كسيفك للعِدى
فهل عند هام الرّومِ أهلٌ وترحيب
إذا ذكروا آثارَ سيفك فيهمُ
فلا القَطر معدودٌ ولا الرّمل محسوب
وفيما اصطلوا من حرّ بأسك واعظٌ
وفيما أُذيقوا من عذابكَ تأديب
ولكنْ لعلّ الجاثليقَ يَغُرُّه
على حَلَبٍ نَهْبٌ هنالكَ مَنهوب
وثغْرٌ بأطرافِ الشآمِ مضَيَّعٌ
وتفريقُ أهواءٍ مِراضٍ وتخريب
وما كلُّ ثغْرٍ ممكِنٌ فيه فرصَةٌ
ولا كلّ ماءٍ بالجدالةِ مَشروب
ومِن دون شِعْبٍ أنتَ حاميه معرَكٌ
وبيءٌ وتصْعيدٌ كَريهٌ وتصويب
وصَعْقٌ بُركْنِ الأفقِ وابنُ طهارة
يَذُبُّ عن الفرقانِ بالتاجِ معصوب
وجُرْدٌ عناجيجٌ وبِيضٌ صوارِمٌ
وصُيّابةٌ مُرْدٌ وكُرّامةٌ شِيب
وسُفْنٌ إذا ما خاضتِ اليمّ زاخراً
جلَتْ عن بياض النصر وهي غرابيب
تُشَبُّ لها حمراءُ قانٍ أُوارها
سَبوحٌ لها ذيلٌ على الماء مسحوب
لَقيتَ بني مروانَ جانبَ ثَغْرِهمْ
وحظُّهمُ من ذاك خُسرٌ وتتْبيب
وعارٌ بقومٍ أن أعدّوا سوابحاً
صُفُوناً بها عن نصرَةِ الدين تنكيب
وقد عجزوا في ثغرِهمْ عن عدوّهمْ
بحيث تجول المُقرَبات اليعابيب
وجيْشُكَ يعْتاد الهِرَقْلَ بسيفه
ومن دونهِ اليمُّ الغُطامطُ واللُّوب
يُخضْخِضُ هذا الموجَ حتى عُبابه
إذا التجّ من هام البطاريق مخضوب
فمأثور ذكرِ المجد فيها مُفَضَّضٌ
وفوقَ حديدِ الهندِ منهُنّ تذهيب
ومن عجبٍ أن تشجُرَ الرومُ بالقنا
فتوطَأ أغمارٌ وهضْبٌ شناخيب
ونَومُ بني العبّاس فوقَ جُنوبهم
ولا نَصْرَ إلاّ قيْنَةٌ وأكاويب
وأنتَ كَلوءُ الدهرِ لا الطرفُ هاجعٌ
ولا العزمُ مرْدوعٌ ولا الجأش منخوب
همُ أهلُ جرّاها وأنتَ ابنُ حربِها
ففي القرب تبعيدٌ وفي البعد تقريب
ولا عجَبٌ والثّغْرُ ثغرُك كلّه
وأنتَ وليُّ الثّأرِ والثّأرُ مطلوب
وأنتَ نِظامُ الدّينِ وابنُ نَبيّهِ
وذو الأمرِ مدعُوٌّ إليه فمَندوب
سيجلو دُجى الدين الحنيفِ سُرادقٌ
من الشمس فوق البّر والبحر مضروب
وعزْمٌ يُظِلُّ الخافقين كأنّه
على أُفُقِ الدّنْيا بِناءٌ وتطنيب
ويُسْلِمُ أرمِينِيّةً وذَواتِها
صَليبٌ لنُصْحِ الأرمنيّينَ منصوب
وحسْبيَ مما كانَ أو هو كائنٌ
دليلان عِلمٌ بالإله وتَجريب
ولم تخترِقْ سجْفَ الغيوبِ هواجسي
ولكنّه مَن حاربَ اللّهَ محروب
وأعلَمُ أنّ اللّهَ مُنجِزُ وعْدِهِ
فلا القولُ مأفوكٌ ولا الوعدُ مكذوب
وأنتَ مَعَدٌّ وارثُ الأرض كلّها
فقد حُمّ مقدورٌ وقد خُطّ مكتوب
وللّه عِلْمٌ ليس يُحجَب دونَكم
ولكنّه عن سائر الناس محجوب
ألا إنّما أسماؤكم حَقُّ مِثلِكم
وكلُّ الذي تُسمى البريّةُ تلقيب
إذا ما مَدحناكم تضَوّعَ بيننا
وبينَ القوافي من مَكارمكم طيب
فإن أكُ مَحسوداً على حُرّ مَدحكم
فغَيرُ نَكيرٍ في الزمان الأعاجيب
أراني إذا ما قلت بيتاً تنَكّرَتْ
وجوهٌ كما غَشّى الصّحائفَ تتريب
أفي كلّ عصرٍ قلتُ فيه قصيدةً
عليّ لأهلِ الجهلِ لوْمٌ وتَثريب
وما غاظ حُسّادي سوى الصدق وحده
وما من سَجايا مِثليَ الإفكُ والحُوب
وما قصدُ مثلي في القَصيد ضراعَةٌ
ولا من خِلالي فيه حِرْصٌ وترغيب
أرى أعيُناً خُزْراً إليّ وإنّما
دليلا نفوسِ الناس بِشرٌ وتقطيب
أبِنْ موضِعي فيهم ليفخرَ غالبٌ
يَبِينُ بسيماه ويُدْحَرَ مغلوب
وقد أكثروا فاحكُم حكومةَ فيصَلٍ
ليُعرَفَ رَبٌّ في القريض ومرْبوب
فمدحُك مفروضٌ وحكمُك مرتضىً
وهديُك مرغوبٌ وسخطُك مرهوب
وذِكرُكَ تَقديسٌ وأنتَ دلالَةٌ
وحُبُّك تصديقٌ وبُغضُك تكذيب
ألا إنّما الدّنيا رِضاكَ لعاقِلٍ
وإلاّ فإنّ العيشَ هَمٌّ وتَعذيب
وإنْ طالَ عمرٌ في نَعيمٍ وغِبطَةٍ
فما هوَ إلاّ من يَمينكَ موْهوب
========
ابن هانئ الأندلسي » كذب السلو العشق أيسر مركبا
كَذبَ السلوُّ العِشقُ أيَسرُ مركبا
ومنيّةُ العُشّاقِ أهْوَنُ مَطلبا
مَنْ راقَبَ المِقدارَ لم يرَ معْركاً
أشِباً ويوْماً بالسَّنَوَّرِ أكْهَبا
وكتائِباً تُرْدي غواربَها القَنا
وفوارساً تَغْدى صَوالجَها الظُّبى
لا يورِدونَ الماءَ سُنْبُكَ سابحٍ
أو يَكتسي بدم الفوارِسِ طُحلُبا
لا يركُضونَ فؤادَ صَبٍّ هائمٍ
إن لم يُسَمّوه الجَوادَ السَّلْهَبا
حتى إذا ملكوا أعنّتَنا هَوىً
صرَفوا إلى البُهَم العِتاق الشُّزَّبا
رَبِذاً فخَيْفاناً فيعبُوباً فذا
شِيَةٍ أغَرّ فمُنْعَلاً فمجنَّبا
قد أطفأُوا بالدُّهْمِ منها فجْرَهمْ
فتكوّرَتْ شمسُ النهار تغضُّبا
واستأنَفوا بشِياتِها فجْراً فلو
عقَدوا نواصِيَها أعادوا الغَيْهبا
في مَعْرَكٍ جَنَبوا به عُشّاقَهم
طَوعاً وكنتُ أنا الذلولَ المُصْحَبا
لبسوا الصِّقال على الخدود مفضَّضاً
والسابريَّ على المناكب مُذهَبا
وتضوّعَ الكافورُ من أرْدانهمْ
عَبقاً فظنّوه عَجاجاً أشهبا
حتى إذا نَبَذوا الصّوارِمَ بينَهُم
قِطَعاً وسُمْرَ الزّاغبيّةِ أكعُبا
قطرتْ غلائلُهم دماً وخُدودهُم
خَجَلاً فراحوا بالجمال مخضَّبا
قد صُرّ آذانُ الجيادِ توجّساً
وكتمْنَ إعلانَ الصّهيلِ تَهَيُّبا
وغدا الذي يَلقى ندامى ليلِه
متبسّماً في الدارِعينَ مُقطِّبا
ويكلّفُ الأرْماحَ لِينَ قوامِهِ
فيذمُّ ذا يَزَنٍ ويَظلِمُ قَعْضَبا
كِسرَى شَهِنشاه الذي حُدّثتَه
هذا فأين تَظُنُّ منه المَهْرَبا
مَن لا يَبيتُ عن الأحِبّةِ راضياً
حتى يكونَ على الفوارسِ مُغضَبا
مَنْ زِيُّه أنْ لا يجيءَ مُقَنَّعاً
حتى يَقُدّ مُتَوَّجاً ومَعُصَّبا
ما زال يعْلَقُ في مَنابتِ فارِسٍ
حتى ظننتُ النَّوبَهارَ له أبا
ولئِنْ سطا بسريرِ مُلْكٍ أعْجَمٍ
فلقد أمَدّتْه لِساناً مُعْرِبا
ولئِن تَعَرَّضَ للدِّماءِ يُسيلُها
فلقد يكونُ إلى النفوسِ مُحبَّباً
قُم فاخترِطْ لي من حواشي لحظِهِ
سَيْفاً يكون كما علمتَ مجرَّبا
وأعِرْ جَناني فتْكَةً مِنْ دَلّه
كيما أكونَ بها الشجاعَ المِحْرَبا
وأمِدّني بتَعلّةٍ مِنْ رِيقِهِ
حتى أُقَبّلَ منه ثَغْراً أشْنَبا
واجعَلْ مَحَلّي أن أراه فإنّني
سأفُضّ بين يديْهِ هذا المِقنَبا
أوَلم يكن ذا الخشْفُ يألفُ وَجرَةً
فاليوْمَ يألَفُ ذا القنا المتأشِّبا
عَهْدي به والشمس دايَةُ خِدرِهِ
تُوفي عليه كلَّ يوْمٍ مَرقَبا
ما إنْ تزالُ تَخِرُّ ساجِدَةً لَه
من حينِ مَطلعِها إلى أن تغربا
فعلى القلوب القاسياتِ مُغلَّباً
وإلى النفوس الفاركاتِ محبَّبا
حتى إذا سَرَقَ القوابلُ شَنْفَه
عوّضْنَه منه صَفيحاً مِقْضَبا
لمّا رأيْنَ شُدُونَه أبرَزْنَه
من حيث يألَفُ كِلّةً لا سَبْسَبا
وَسْنانَ من وَسَنِ المَلاحةِ طرفُه
وجفونُه سكرانَ من خمر الصّبا
قد واجه الأُسْدَ الضّواريَ في الوغى
غِرّاً وقارنَ في الكِناسِ الرّبرَبا
فإذا رأى الأبطالَ نَصّ إليهمُ
جِيداً وأتْلَعَ خائِفاً مُتَرَقِّبا
فأتى به رَكضُ السّوابحِ حُوَّلاً
وأتى به خَوْضُ الكرائه قُلَّبا
قد سِرْتُ في الميدان يوْم طِرادهم
فعجِبتُ حتى كِدتُ أن لا أعجَبا
قَمَرٌ لهم قدْ قَلّدُوه صارماً
لو أنْصَفوه قلّدوه كوكَبا
صَبغوه لَوْناً بالشّقيقِ وبالرّحي
قِ وبالبنفسج والأقاحي مُشرَبا
وكأنّما طَبعوا له من لَحظِهِ
سَيفاً رَقِيقَ الشفرتينِ مُشَطَّبا
قد ماجَ حتى كاد يَسقُطُ نِصْفُه
وأُلينَ حتى كاد أن يتسَرّبا
خالَستُه نَظَراً وكانَ مُوَرَّداً
فاحمرّ حتى كاد أن يتلَهّبا
هذا طرازٌ ما العيون كتبنَه
لكنّه قبلَ العُيونِ تكتّبا
انظُرْ إليه كأنّه مُتَنَصِّلٌ
بجفونهِ ولقد يكون المُذنبا
وكأنّ صفحةَ خَدّهِ وعذارَه
تُفّاحةٌ رُمِيَتْ لتَقْتُلَ عَقربا
نُخبَتْ قَوافي الشعرِ فيك فما لها
لم تأتِ من مدحِ الملوكِ الأوجَبا
من آلِ ساسانٍ مَنارٌ للصِّبا
قد بِتُّ أسأل عنه أنفاسَ الصَّبا
أجني حديثاً كانَ ألطَفَ مَوقعاً
عندي من الراحِ الشَّمول وأعذَبا
رُدْني له حتى أردّ سَلامَه
عَبقاً برَيحانِ السلامِ مُطَيَّبا
هلاّ أنا البادي ولكن شيمتي
مَن ذا يردُّ عن الخَفاء المُغْرِبا
لمْ أُمْطَرِ الوَسمِيَّ إلاّ بعدَما
سبَقَ الولِيُّ له وقد غَمَرَ الرُّبَى
وتلَقّتِ الرُّكْبانَ سَمْعي بالذي
سَمِعَ الزّمانَ أقلَّه فتعجّبَا
ودنَتْ إليه الشمسُ حتى زُوحِمتْ
واخضَرّ منه الأفْقُ حتى أعشبا
في كلّ يوْمٍ لا تَزالُ تحيّةٌ
كرَمٌ يَخُبُّ بها رسولٌ مُجتَبى
فتكادُ تُبلِغُني إليه تَشَوُّقاً
وتكادُ تَحمِلُني إليه تَطَرُّبا
هي أيقظتْ بالي وقد رَقدَ الورى
واستنهضت شكري وقد عُقد الحُبى
إن يَكرُمِ السيْفُ الذي قلّدتني
من غيرها فلقد تَخيّرَ مَنكبِا
لستُ الخطيبَ المسهَبَ الأعلى إذا
ما لم أكنْ فيكَ الخَطيبَ المُسهبا
لو كنتَ حيثُ تَرى لساني ناطقاً
لرأيتَ شِقْشِقةً وقَرماً مُصْعَبا
إنّا وبكراً في الوغى لبنو أبٍ
وإن اختلَفْنا حينَ تَنسِبُنا أبَا
قومٌ يعمُّ سَراةَ قومي فخرُهم
ويخُصُّ أقربَ وائلٍ فالأقربا
أحلافُنا حتى كأنّ ربيعةً
من قبل يعرُبَ كان عاقدَ يَشجُبا
ذَرْني أُجدّدْ ذلك العهدَ الذي
أعيا على الأيامِ أن يَتَقَشّبا
فلَقَد عَلمتُ بأنّ سيفي منهمُ
بيديّ أمضى من لساني مضربا
المانعينَ حِماهم وحِمى النّدى
وحِمى بني قحطانَ أن يُتَنَهّبا
هم قطّعوا بأكفّهمْ أرحامَهُمْ
غَضباً لجارِ بُيوتِهم أن يغضَبا
ووفَوْا فلم يدَعوا الوفاءَ لجارهم
حتى تشتّتَ شملُهُمْ وتخرّبا
لولا الوفاءُ بعَهدهمْ لم يفتِكوا
بكُليبِ تغلِبَ بين أيدي تغلِبا
يومَ اشتكى حرَّ الغليل فقيلَ قد
جاوزتَ في وادي الأحصّ المشربا
وكفاكَ أن أطرَيتَهم ومَدَحْتَهم
جهْدَ المديح فما وجدتَ مكذِّبا
الواهبينَ حِمىً وشَولاً رُتَّعاً
وأباطِحاً حُوّاً وروضاً مُعشِبا
والخائضينَ إلى الكرائه مثلَها
والواردينَ لُمىً لُمىً وثبىً ثبى
لو شَيّدوا الخيماتِ تشييدَ العُلى
أمِنَتْ ديارُ ربيعةٍ أن تَخْرَبا
فهُمُ كواكبُ عصرِهم لكنّهم
منه بحيثُ تَرى العيونُ الكوكبا
مَن ذا الذي يُثني عليكَ بقدْر ما
تولي ولو جازَ المقالَ وأطنَبا
أم مَن يُعَمَّرُ في الزّمانِ مخلَّداً
حتى يعدّ له الحصَى والأثلبَا
مَن كان أولُ نُطقه في مَهده
أهلاً وسهلاً للعُفاة ومَرحبا
عَذلوهُ في بَذْلِ التِّلادِ وإنّما
عَذلوه أن يُدعى الغمامَ الصَّيّبا
لا تعذلوه فلَن يُحوّل عاذلٌ
ما كان طبعاً في النفوس مركَّبا
نفسٌ تَرِقُّ تأدّباً وحِجًى يضي
ءُ تلهّباً ويدٌ تذوبُ تسرُّبا
فيَزيدُها دَرُّ السّماحِ تخرّقاً
ويَزيدُها بَسْطُ البنانِ ترحُّبا
شاعر أندلسي لُقب بمتنبي الغرب.
ولد أبو القاسم محمد بن هانئ بن سعدون الذي يتصل نسبه بحاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، في إشبيلية. كان أبوه هانئ من قرية من قرى المهدية بإفريقية، ثم تركها وانتقل إلى الأندلس حيث ولد محمد في إشبيلية. نشأ ابن هانئ بإشبيلية، وتعلم بها الشعر والأدب، واتصل بحاكم إشبيلية وحظي عنده، ثم اتهمه أهلها بمذهب الفلاسفة وفي شعره نزعة إسماعيلية بارزة، فأساؤوا القول في ملكهم بسببه، فأشار عليه الحاكم بالغيبة. فترك إشبيلية وعمره 27 عامًا، فرحل إلى المغرب ومدح جوهر الصقلي، ثم ارتحل إلى الزاب إلى جعفر ويحيى ابني علي فأكرماه، ونمي خبره إلى المعز أبي تميم معدّ بن منصور الفاطمي فطلبه منهما، فلما انتهى إليه وأقام عنده في المنصورية بقرب القيروان، فبالغ ابن هانئ في مدحه. ولما رحل المعز إلى مصر، طلب منه مرافقته، فاستئذنه العودة إلى المغرب لأخذ عياله. وفي الطريق إلى مصر، قُتل ابن هانيء في برقة في 23 رجب 362 هـ، ولما وصل خبر وفاته للمعزّ وهو بمصر تأسف عليه وقال: «هذا الرجل، كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق، فلم يُقدّر علينا ذلك.»
ابن هانئ الأندلسي » أقول دمى وهي الحسان الرعابيب
أقول دمىً وهيَ الحسانُ الرّعابيبُ
ومن دونِ أستارِ القِبابِ محَاريبُ
نَوىً أبْعَدَتْ طائيّةً ومزارَها
ألا كلُّ طائيٍّ إلى القلْبِ محْبوب
سَلوا طَيِّءَ الأجبال أينَ خِيامُها
وما أجَأٌ إلاّ حِصانٌ ويعبوب
هُمُ جَنَبوا ذا القلبَ طَوعَ قيادهم
وقد يشهدُ الطِّرْفُ الوغى وهو مجنوب
وهم جاوزوا طلح الشواجن والغضا
تخبّ بهم جُرْدُ اللقاءِ السراحيب
قِبابٌ وأحبابٌ وجُلهَمَةُ العِدى
وخَيلٌ عِرابٌ فوقَهنّ أعاريب
إذا لم أذُدْ عن ذلك الماء وِردَهمْ
وإنْ حَنّ وُرّادٌ كما حنّتِ النِّيب
فلا حَمَلتْ بِيضَ السيوفِ قوائِمٌ
ولا صَحِبَتْ سُمْرَ الرماحِ أنابيب
وهل يَرِدُ الغَيْرانُ ماءً وَرَدْتُهُ
إذا وَرَدَ الضّرْغامُ لم يَلِغِ الذئب
وعهدي بهِ والعيشُ مثلُ جِمامهِ
نميرٌ بماءِ الوَردِ والمسكِ مقطوب
وما تفْتأُ الحسناءُ تُهدي خَيالَها
ومن دونِها إسْآد خمسٍ وتأويب
وما رَاعَني إلاّ ابنُ وَرقاءَ هاتِفٌ
بعينَيْهِ جَمرٌ من ضلوعيَ مشبوب
وقد أنكَرَ الدّوْحَ الذي يستظلّه
وسحّتْ له الأغصانُ وهي أهاضيب
وحَثَّ جَناحَيْهِ ليخْطَفَ قَلبَه
عِشاءً سذانيقُ الدجى وهو غِربيب
ألا أيّها الباكي على غيرِ أيْكهِ
كِلانا فريدٌ بالسماوَةِ مَغلوب
فُؤادُكَ خفّاقٌ ووكْرُكَ نازحٌ
وروضُكَ مطلولٌ وبانُكَ مهضوب
هَلُمّ على أنّي أقِيكَ بأضْلُعي
فأملِكُ دَمعي عنْك وَهْو شآبيب
تُكِنُّكَ لي مَوْشِيّةٌ عبقريّةٌ
كَريشِكَ إلاّ أنّهُنّ جَلابيب
فلا شَدْوَ إلاّ من رَنينِكَ شائِقٌ
ولا دَمعَ إلاّ من جفونيَ مسكوب
ولا مَدْحَ إلاّ للمعِزّ حقِيقَةً
يُفصَّلُ دُرّاً والمديحُ أساليب
نِجارٌ على البيتِ الإماميّ مُعْتَلٍ
وحكمٌ إلى العدلِ الربوبيّ منسوب
يصلّي عليه أصفر القدح صائب
وعوجاء مرنانٌ وجرداء سرحوب
وأسمرُ عَرّاصُ الكعوب مثقَّفٌ
وأبيضُ مشقوقُ العقيقة مخشوب
لأسيافهِ من بُدْنِه وعُصاته
نجيعان مُهراقٌ عَبيطٌ ومصبوب
فإنْ تكُ حرْبٌ فالمفارِقُ والطُّلى
وإن يكُ سِلمٌ فالشوى والعراقيب
أعِزّةُ مَن يُحْذَى النعالَ أذِلّةٌ
له ومُلوكُ العالَمينَ قراضيب
وما هو إلاّ أن يشيرَ بلَحْظِهِ
فتَمخُر فُلكٌ أو تُغِذّ مقانيب
فلا قارعٌ إلاّ القنا السُّمرُ بالقنا
إذا قُرِعَتْ للحادثاتِ الظّنابيب
ولم أرَ زَوّاراً كسيفك للعِدى
فهل عند هام الرّومِ أهلٌ وترحيب
إذا ذكروا آثارَ سيفك فيهمُ
فلا القَطر معدودٌ ولا الرّمل محسوب
وفيما اصطلوا من حرّ بأسك واعظٌ
وفيما أُذيقوا من عذابكَ تأديب
ولكنْ لعلّ الجاثليقَ يَغُرُّه
على حَلَبٍ نَهْبٌ هنالكَ مَنهوب
وثغْرٌ بأطرافِ الشآمِ مضَيَّعٌ
وتفريقُ أهواءٍ مِراضٍ وتخريب
وما كلُّ ثغْرٍ ممكِنٌ فيه فرصَةٌ
ولا كلّ ماءٍ بالجدالةِ مَشروب
ومِن دون شِعْبٍ أنتَ حاميه معرَكٌ
وبيءٌ وتصْعيدٌ كَريهٌ وتصويب
وصَعْقٌ بُركْنِ الأفقِ وابنُ طهارة
يَذُبُّ عن الفرقانِ بالتاجِ معصوب
وجُرْدٌ عناجيجٌ وبِيضٌ صوارِمٌ
وصُيّابةٌ مُرْدٌ وكُرّامةٌ شِيب
وسُفْنٌ إذا ما خاضتِ اليمّ زاخراً
جلَتْ عن بياض النصر وهي غرابيب
تُشَبُّ لها حمراءُ قانٍ أُوارها
سَبوحٌ لها ذيلٌ على الماء مسحوب
لَقيتَ بني مروانَ جانبَ ثَغْرِهمْ
وحظُّهمُ من ذاك خُسرٌ وتتْبيب
وعارٌ بقومٍ أن أعدّوا سوابحاً
صُفُوناً بها عن نصرَةِ الدين تنكيب
وقد عجزوا في ثغرِهمْ عن عدوّهمْ
بحيث تجول المُقرَبات اليعابيب
وجيْشُكَ يعْتاد الهِرَقْلَ بسيفه
ومن دونهِ اليمُّ الغُطامطُ واللُّوب
يُخضْخِضُ هذا الموجَ حتى عُبابه
إذا التجّ من هام البطاريق مخضوب
فمأثور ذكرِ المجد فيها مُفَضَّضٌ
وفوقَ حديدِ الهندِ منهُنّ تذهيب
ومن عجبٍ أن تشجُرَ الرومُ بالقنا
فتوطَأ أغمارٌ وهضْبٌ شناخيب
ونَومُ بني العبّاس فوقَ جُنوبهم
ولا نَصْرَ إلاّ قيْنَةٌ وأكاويب
وأنتَ كَلوءُ الدهرِ لا الطرفُ هاجعٌ
ولا العزمُ مرْدوعٌ ولا الجأش منخوب
همُ أهلُ جرّاها وأنتَ ابنُ حربِها
ففي القرب تبعيدٌ وفي البعد تقريب
ولا عجَبٌ والثّغْرُ ثغرُك كلّه
وأنتَ وليُّ الثّأرِ والثّأرُ مطلوب
وأنتَ نِظامُ الدّينِ وابنُ نَبيّهِ
وذو الأمرِ مدعُوٌّ إليه فمَندوب
سيجلو دُجى الدين الحنيفِ سُرادقٌ
من الشمس فوق البّر والبحر مضروب
وعزْمٌ يُظِلُّ الخافقين كأنّه
على أُفُقِ الدّنْيا بِناءٌ وتطنيب
ويُسْلِمُ أرمِينِيّةً وذَواتِها
صَليبٌ لنُصْحِ الأرمنيّينَ منصوب
وحسْبيَ مما كانَ أو هو كائنٌ
دليلان عِلمٌ بالإله وتَجريب
ولم تخترِقْ سجْفَ الغيوبِ هواجسي
ولكنّه مَن حاربَ اللّهَ محروب
وأعلَمُ أنّ اللّهَ مُنجِزُ وعْدِهِ
فلا القولُ مأفوكٌ ولا الوعدُ مكذوب
وأنتَ مَعَدٌّ وارثُ الأرض كلّها
فقد حُمّ مقدورٌ وقد خُطّ مكتوب
وللّه عِلْمٌ ليس يُحجَب دونَكم
ولكنّه عن سائر الناس محجوب
ألا إنّما أسماؤكم حَقُّ مِثلِكم
وكلُّ الذي تُسمى البريّةُ تلقيب
إذا ما مَدحناكم تضَوّعَ بيننا
وبينَ القوافي من مَكارمكم طيب
فإن أكُ مَحسوداً على حُرّ مَدحكم
فغَيرُ نَكيرٍ في الزمان الأعاجيب
أراني إذا ما قلت بيتاً تنَكّرَتْ
وجوهٌ كما غَشّى الصّحائفَ تتريب
أفي كلّ عصرٍ قلتُ فيه قصيدةً
عليّ لأهلِ الجهلِ لوْمٌ وتَثريب
وما غاظ حُسّادي سوى الصدق وحده
وما من سَجايا مِثليَ الإفكُ والحُوب
وما قصدُ مثلي في القَصيد ضراعَةٌ
ولا من خِلالي فيه حِرْصٌ وترغيب
أرى أعيُناً خُزْراً إليّ وإنّما
دليلا نفوسِ الناس بِشرٌ وتقطيب
أبِنْ موضِعي فيهم ليفخرَ غالبٌ
يَبِينُ بسيماه ويُدْحَرَ مغلوب
وقد أكثروا فاحكُم حكومةَ فيصَلٍ
ليُعرَفَ رَبٌّ في القريض ومرْبوب
فمدحُك مفروضٌ وحكمُك مرتضىً
وهديُك مرغوبٌ وسخطُك مرهوب
وذِكرُكَ تَقديسٌ وأنتَ دلالَةٌ
وحُبُّك تصديقٌ وبُغضُك تكذيب
ألا إنّما الدّنيا رِضاكَ لعاقِلٍ
وإلاّ فإنّ العيشَ هَمٌّ وتَعذيب
وإنْ طالَ عمرٌ في نَعيمٍ وغِبطَةٍ
فما هوَ إلاّ من يَمينكَ موْهوب
========
ابن هانئ الأندلسي » كذب السلو العشق أيسر مركبا
كَذبَ السلوُّ العِشقُ أيَسرُ مركبا
ومنيّةُ العُشّاقِ أهْوَنُ مَطلبا
مَنْ راقَبَ المِقدارَ لم يرَ معْركاً
أشِباً ويوْماً بالسَّنَوَّرِ أكْهَبا
وكتائِباً تُرْدي غواربَها القَنا
وفوارساً تَغْدى صَوالجَها الظُّبى
لا يورِدونَ الماءَ سُنْبُكَ سابحٍ
أو يَكتسي بدم الفوارِسِ طُحلُبا
لا يركُضونَ فؤادَ صَبٍّ هائمٍ
إن لم يُسَمّوه الجَوادَ السَّلْهَبا
حتى إذا ملكوا أعنّتَنا هَوىً
صرَفوا إلى البُهَم العِتاق الشُّزَّبا
رَبِذاً فخَيْفاناً فيعبُوباً فذا
شِيَةٍ أغَرّ فمُنْعَلاً فمجنَّبا
قد أطفأُوا بالدُّهْمِ منها فجْرَهمْ
فتكوّرَتْ شمسُ النهار تغضُّبا
واستأنَفوا بشِياتِها فجْراً فلو
عقَدوا نواصِيَها أعادوا الغَيْهبا
في مَعْرَكٍ جَنَبوا به عُشّاقَهم
طَوعاً وكنتُ أنا الذلولَ المُصْحَبا
لبسوا الصِّقال على الخدود مفضَّضاً
والسابريَّ على المناكب مُذهَبا
وتضوّعَ الكافورُ من أرْدانهمْ
عَبقاً فظنّوه عَجاجاً أشهبا
حتى إذا نَبَذوا الصّوارِمَ بينَهُم
قِطَعاً وسُمْرَ الزّاغبيّةِ أكعُبا
قطرتْ غلائلُهم دماً وخُدودهُم
خَجَلاً فراحوا بالجمال مخضَّبا
قد صُرّ آذانُ الجيادِ توجّساً
وكتمْنَ إعلانَ الصّهيلِ تَهَيُّبا
وغدا الذي يَلقى ندامى ليلِه
متبسّماً في الدارِعينَ مُقطِّبا
ويكلّفُ الأرْماحَ لِينَ قوامِهِ
فيذمُّ ذا يَزَنٍ ويَظلِمُ قَعْضَبا
كِسرَى شَهِنشاه الذي حُدّثتَه
هذا فأين تَظُنُّ منه المَهْرَبا
مَن لا يَبيتُ عن الأحِبّةِ راضياً
حتى يكونَ على الفوارسِ مُغضَبا
مَنْ زِيُّه أنْ لا يجيءَ مُقَنَّعاً
حتى يَقُدّ مُتَوَّجاً ومَعُصَّبا
ما زال يعْلَقُ في مَنابتِ فارِسٍ
حتى ظننتُ النَّوبَهارَ له أبا
ولئِنْ سطا بسريرِ مُلْكٍ أعْجَمٍ
فلقد أمَدّتْه لِساناً مُعْرِبا
ولئِن تَعَرَّضَ للدِّماءِ يُسيلُها
فلقد يكونُ إلى النفوسِ مُحبَّباً
قُم فاخترِطْ لي من حواشي لحظِهِ
سَيْفاً يكون كما علمتَ مجرَّبا
وأعِرْ جَناني فتْكَةً مِنْ دَلّه
كيما أكونَ بها الشجاعَ المِحْرَبا
وأمِدّني بتَعلّةٍ مِنْ رِيقِهِ
حتى أُقَبّلَ منه ثَغْراً أشْنَبا
واجعَلْ مَحَلّي أن أراه فإنّني
سأفُضّ بين يديْهِ هذا المِقنَبا
أوَلم يكن ذا الخشْفُ يألفُ وَجرَةً
فاليوْمَ يألَفُ ذا القنا المتأشِّبا
عَهْدي به والشمس دايَةُ خِدرِهِ
تُوفي عليه كلَّ يوْمٍ مَرقَبا
ما إنْ تزالُ تَخِرُّ ساجِدَةً لَه
من حينِ مَطلعِها إلى أن تغربا
فعلى القلوب القاسياتِ مُغلَّباً
وإلى النفوس الفاركاتِ محبَّبا
حتى إذا سَرَقَ القوابلُ شَنْفَه
عوّضْنَه منه صَفيحاً مِقْضَبا
لمّا رأيْنَ شُدُونَه أبرَزْنَه
من حيث يألَفُ كِلّةً لا سَبْسَبا
وَسْنانَ من وَسَنِ المَلاحةِ طرفُه
وجفونُه سكرانَ من خمر الصّبا
قد واجه الأُسْدَ الضّواريَ في الوغى
غِرّاً وقارنَ في الكِناسِ الرّبرَبا
فإذا رأى الأبطالَ نَصّ إليهمُ
جِيداً وأتْلَعَ خائِفاً مُتَرَقِّبا
فأتى به رَكضُ السّوابحِ حُوَّلاً
وأتى به خَوْضُ الكرائه قُلَّبا
قد سِرْتُ في الميدان يوْم طِرادهم
فعجِبتُ حتى كِدتُ أن لا أعجَبا
قَمَرٌ لهم قدْ قَلّدُوه صارماً
لو أنْصَفوه قلّدوه كوكَبا
صَبغوه لَوْناً بالشّقيقِ وبالرّحي
قِ وبالبنفسج والأقاحي مُشرَبا
وكأنّما طَبعوا له من لَحظِهِ
سَيفاً رَقِيقَ الشفرتينِ مُشَطَّبا
قد ماجَ حتى كاد يَسقُطُ نِصْفُه
وأُلينَ حتى كاد أن يتسَرّبا
خالَستُه نَظَراً وكانَ مُوَرَّداً
فاحمرّ حتى كاد أن يتلَهّبا
هذا طرازٌ ما العيون كتبنَه
لكنّه قبلَ العُيونِ تكتّبا
انظُرْ إليه كأنّه مُتَنَصِّلٌ
بجفونهِ ولقد يكون المُذنبا
وكأنّ صفحةَ خَدّهِ وعذارَه
تُفّاحةٌ رُمِيَتْ لتَقْتُلَ عَقربا
نُخبَتْ قَوافي الشعرِ فيك فما لها
لم تأتِ من مدحِ الملوكِ الأوجَبا
من آلِ ساسانٍ مَنارٌ للصِّبا
قد بِتُّ أسأل عنه أنفاسَ الصَّبا
أجني حديثاً كانَ ألطَفَ مَوقعاً
عندي من الراحِ الشَّمول وأعذَبا
رُدْني له حتى أردّ سَلامَه
عَبقاً برَيحانِ السلامِ مُطَيَّبا
هلاّ أنا البادي ولكن شيمتي
مَن ذا يردُّ عن الخَفاء المُغْرِبا
لمْ أُمْطَرِ الوَسمِيَّ إلاّ بعدَما
سبَقَ الولِيُّ له وقد غَمَرَ الرُّبَى
وتلَقّتِ الرُّكْبانَ سَمْعي بالذي
سَمِعَ الزّمانَ أقلَّه فتعجّبَا
ودنَتْ إليه الشمسُ حتى زُوحِمتْ
واخضَرّ منه الأفْقُ حتى أعشبا
في كلّ يوْمٍ لا تَزالُ تحيّةٌ
كرَمٌ يَخُبُّ بها رسولٌ مُجتَبى
فتكادُ تُبلِغُني إليه تَشَوُّقاً
وتكادُ تَحمِلُني إليه تَطَرُّبا
هي أيقظتْ بالي وقد رَقدَ الورى
واستنهضت شكري وقد عُقد الحُبى
إن يَكرُمِ السيْفُ الذي قلّدتني
من غيرها فلقد تَخيّرَ مَنكبِا
لستُ الخطيبَ المسهَبَ الأعلى إذا
ما لم أكنْ فيكَ الخَطيبَ المُسهبا
لو كنتَ حيثُ تَرى لساني ناطقاً
لرأيتَ شِقْشِقةً وقَرماً مُصْعَبا
إنّا وبكراً في الوغى لبنو أبٍ
وإن اختلَفْنا حينَ تَنسِبُنا أبَا
قومٌ يعمُّ سَراةَ قومي فخرُهم
ويخُصُّ أقربَ وائلٍ فالأقربا
أحلافُنا حتى كأنّ ربيعةً
من قبل يعرُبَ كان عاقدَ يَشجُبا
ذَرْني أُجدّدْ ذلك العهدَ الذي
أعيا على الأيامِ أن يَتَقَشّبا
فلَقَد عَلمتُ بأنّ سيفي منهمُ
بيديّ أمضى من لساني مضربا
المانعينَ حِماهم وحِمى النّدى
وحِمى بني قحطانَ أن يُتَنَهّبا
هم قطّعوا بأكفّهمْ أرحامَهُمْ
غَضباً لجارِ بُيوتِهم أن يغضَبا
ووفَوْا فلم يدَعوا الوفاءَ لجارهم
حتى تشتّتَ شملُهُمْ وتخرّبا
لولا الوفاءُ بعَهدهمْ لم يفتِكوا
بكُليبِ تغلِبَ بين أيدي تغلِبا
يومَ اشتكى حرَّ الغليل فقيلَ قد
جاوزتَ في وادي الأحصّ المشربا
وكفاكَ أن أطرَيتَهم ومَدَحْتَهم
جهْدَ المديح فما وجدتَ مكذِّبا
الواهبينَ حِمىً وشَولاً رُتَّعاً
وأباطِحاً حُوّاً وروضاً مُعشِبا
والخائضينَ إلى الكرائه مثلَها
والواردينَ لُمىً لُمىً وثبىً ثبى
لو شَيّدوا الخيماتِ تشييدَ العُلى
أمِنَتْ ديارُ ربيعةٍ أن تَخْرَبا
فهُمُ كواكبُ عصرِهم لكنّهم
منه بحيثُ تَرى العيونُ الكوكبا
مَن ذا الذي يُثني عليكَ بقدْر ما
تولي ولو جازَ المقالَ وأطنَبا
أم مَن يُعَمَّرُ في الزّمانِ مخلَّداً
حتى يعدّ له الحصَى والأثلبَا
مَن كان أولُ نُطقه في مَهده
أهلاً وسهلاً للعُفاة ومَرحبا
عَذلوهُ في بَذْلِ التِّلادِ وإنّما
عَذلوه أن يُدعى الغمامَ الصَّيّبا
لا تعذلوه فلَن يُحوّل عاذلٌ
ما كان طبعاً في النفوس مركَّبا
نفسٌ تَرِقُّ تأدّباً وحِجًى يضي
ءُ تلهّباً ويدٌ تذوبُ تسرُّبا
فيَزيدُها دَرُّ السّماحِ تخرّقاً
ويَزيدُها بَسْطُ البنانِ ترحُّبا