رسول عدنان - تفكيك التفكيكِ... بعدَ عشرين عامٍ على رحيلِ جاك دريدا

لم يشغلْ فيلسوفٌ غربيٌّ العالمَ كما شغلُه جاك دريدا, فيلسوفُ التفكيك و الأكثرُ أثارةً و جرأةً في فلسفة التقويضِ التي جاءتْ على أنقاضِ البنيويةِ، بل يعتبر الرجلُ مع صديقهِ رولان بارث أهمَ نقاد و فلاسفة ما بعد الحداثةِ على الأطلاق، بما اثاراه من جدلٍ واسعٍ في طروحاتِهما في الفلسفةِ و النقدِ حيثُ سلّم الأولُ بمسألتين هي تقويضُ النصوصِ و لا شيءَ خارجَ النصْ أمّا بارث فصاحب موت المؤلف و التقى كلاهما في الأحتكام الى النص و لا شيء خارجه، يعد دريدا أول من استخدم مفهوم التفكيك بمعناه الجديد في الفلسفة، وأول من وظّفه فلسفياً بهذا الشكل -بعد ان نحت المصطلح هايدجر -وهو ما جعله من أهم الفلاسفة في القرن العشرين يتمثل هدف دريدا الأساس في نقد منهج الفلسفة الأوربية التقليدية؛ من خلال آليات التفكيك الذي قام بتطبيقها إجرائيا؛
جاك دريدا (Jacques Derrida)1930-2004 ) )هو فيلسوف وناقد أدب فرنسي ولد في مدينة الأبيار الجزائرية يوم 15 في شهر يوليو عام 1930
وتوفي في باريس عام 2004
منذ عام 1967
أصدر دريدا ثلاثة كتب، صدرت دفعة واحــدة وهي:
1، في علم الكتابة أو الغراماتولوجي
De Grammatologie la
2، الكتابة و الأختلاف
3، الكلام و الظواهر
لعلّ مصطلحَ التفكيك الذي سلّم به دريدا يعني فيما يعني فكَّ الأرتباطِ بين لغويّة المفرداتِ و كلِ ما يؤّولُ خارجَها، و قد أثار كثيرا من الجدلِ خاصةً بعد أن قامَ على أسس مهاجمةِ البنيوية من جهة و من جهة أخرى الأقتراب من المفاهيم التي وقفت بالضدّ من الغيبيات او مفهوم الميتافيزيقيا، و يقوم التفكيك على تقويض البناء القديم و أقامة بناء جديد على أنقاضه، من خلال استغلال التناقضات او الثغرات داخل النصوص، و في هذا يقول دريدا،، اذا كان التفكيك مدمرا حقّا، فليدمر ما شاء من الابنية القديمة المشوهة، من اجلِ ان نعيدَ البناء من جديد،،
في التفكيك لا تستطيع ان تكوّن فكرةً جاهزةً للنص بما في ذلك النصوص البديهيّة والبسيطة لأنّ فلسفتَه تقوم على مبدأ أنّ النصوص تحتوي على ثغرات وتناقضات ولذا فإن مهمة التفكيك هي إيجاد و تحديد تلك الثغرات والتناقضات ومن خلال أيجاد و تحديد هذه الثغرات يتم توسيع دائرة فهمنا لتلك النصوص؛ أذن هي قراءة متقدمة و مجهريّة للنصوص
وإظهار المفارقات والتناقضات الخفية إلى العلن أو بعبارة أخرى اذا كانت بقية النظريات النقدية تقوم على قراءة السطور فأنّ التفكيكَ يقوم على قراءة ما بين السطور فهي ليست مجرد طريقة لقراءة الفلسفة اوالأدب بل تحديد و تشريح بنية العلاقة بين اللغة والفكر والأخلاق فالكلمة المكتوبة تُظهِر أموراً لا يمكن للكلمة المنطوقة أن تكشفها؛ يرتكز التفكيك على اختراق المجهول من خلال الولوج إلى خفايا النص باعتباره أداة نقدية أو فضاءً فكريًا مستجدًّا مختلفًا في الأسلوب والرؤية الموجودة في النص المقروء و هذا يحيلنا الى اللجوء فقط الى النص وحده فأيُّ أشكالٍ او تفسيراو لبس يعترضنا يجب العودة به الى النص وحده لتفسير هذا اللبس و ليس الى صاحب النص و بذلك نتخلصُ من صاحبِ النصِ و من شرحهِ وأعذارهِ و ظروفهِ والتي سوف يقوم النصُ وحده بشرحِها لنا دونَ صاحبِهِ بمعنى أكثرَ دقةٍ نبدأ بملاحظةِ التناقضاتِ والطرقِ المسدودة في النص دون مساعدة خارجية - - يجب ان نبتعد عن القراءة التقليدية والتأريخية وما تتضمنه من تقسيم للعصور لأنّها تبحثُ في مؤثراتٍ غير لغويّةٍ ممّا يؤدي الى أبعاد الباحث عن الاختلافات اللغوية في النصوص؛ حسب هذه الرؤيا أنّ كل شيء يوجد في المغايرة والتأجيل وسلسلة الاختلافات أي أنّ النصَ يخلقُ واقعَه ويفرضُ نفسه ويُكوِّن مجاله و عوالمه و صوره و جمالياته من خلال اللغة المكتوبة؛ و بالتالي نقوم بتفكيك آلياتهِ من داخلهِ عبر وسيلة واحدة هي اللغة المكتوبة فقط غير مسندة الى المؤلف او الظروف الخارجيُة التي أحاطتْ بالنصِ، كلُّ هذا ممكن تعويضه و الأستغناء عنه من خلال طاقة اللغة المضمنة في النص، القراءة التفكيكية ليست ما يُفهم بشكل بسيط من النص بل هي أشياء لم تُذكر في ألفاظ النص المكتوبة وهذا يعني إنّ النصّ يحتوي على فراغات فالنص في حقيقته مكّونٌ من متاهات وهذا ما يُبنى عليه الغياب والنسيان وبذلك فالتفكيك يعطي السلطة للقارئ وليس للمؤلف ويركز بشكل أساسي على الكتابة بمنح القارئ سلطة القراءة و الأستنباط ليكون أكثر قدرة على فك شيفرات النص وتركيبه وفقاً لما يريده ولما يمنحه إياه النصُّ من اشارات و عوالم يتمّ فكّ رموزها، من هنا فقد فتحت هذه المقاربات على النص آفاقاً كبيرة ومعانيا ودلالات لا تتعامل مع النص كونه نص استهلاكي فقط؛ يعتمد التفكيك على أربعة عناصر اساسية :
1 أقصاء المؤلف و الأحتكام الى النص
2 الدخول الى النص عبر اللغة المكتوبة من خلال الثغرات والتناقضات
3 تعدد زوايا النظر للنص وأشراك القارئ في أنتاجها
4 هدم البناء القديم للنص و أنشاء بناء جديد بأستخدام ألفاظ و صور النص الأصلي
من رسالته الشهيرة الى صديق ياباني عام 1983 أورد دريدا مفاهيم أضفت بعضَ التعقيد حول مصطلح التفكيك و هو قولًه في هذه الرسالة ( مالذي ليس تفكيكياً؟ كلّ شئ بالطبع! ما التفكيك؟ لا شئ بالطبع! ) هذه الجملة التي أعتراها الكثير من اللغط و عدم المعرفة في كنهِ محتواها الحقيقي لسببين الأول هو عدم الأستفاضة في توضحيها من قبل جاك دريدا و ثانيا عدم دقّة الترجمة لها، هذان السببان قادا الى فهم غير دقيق لمضمون هذه الجزئية من النص؛ و انّما حقيقة ما أراد جاك دريدا قوله هو : انّ كلَ شئٍ قابل للتفكيك و ما يتوصل اليه التفكيك من نتائج أيضا قابلة للتفكيك؛ بمعنى لا تفكيك نهائي، لكنّ صياغة جملتِه أعتراها غموضٌ كبيرٌ و زاد الأمرَ تعقيداً عدم وعي المترجم في فهمِ قصديّة دريدا، قاد الى كلِّ هذا اللبس و الغموض؛ و سوف أضرب هذا المثل كمقاربة للمفهوم؛ عندما سلّم العلماء انّ الذرّةَ آخرُ شئ في المادة، لكنّهم قد تراجعوا فيما بعد عن هذا و قالوا انّ الذرّةَ ممكنٌ انْ تتشظى الى ذرّاتٍ و جزيئيات أخرى؛ بمعنى انّ الذرّةَ ليست آخر المطاف و ليس آخر شئ في المادة؛ وما ينطبقُ عن الذرّة ينطبقُ على التفكيك و هذا ما كان يدور في قصديّة دريدا في نصّه هذا، بمعنى عندما قال مالتفكيك ؟ لا شئ بالطبع!! يعني لا يوجد تفكيك نهائي بل حتى نتيجة التفكيك ممكن تفكيكها!! بمعنى هو تفكيك التفكيك و هي مقاربة ذاتُ توريةٍ بعيدةٍ مثلَ ما ذهبَ اليه عبدُ القاهر الجرجاني في دلائل الأعجاز معنى المعنى او ما يسمى بنظريّة الأنزياح الأسلوبي، فما أراد دريدا أيصالَه هو مفهومٌ متقاربٌ لمفهوم الجرجاني لا يوجد معنى نهائيا بل معنى يتولّد من معنى و لا يوجد تفكيكٌ نهائي بل تفكيكاتٌ تتوالد من التفكيكِ الأصل، لذلك أصرّ الرجل على عدم تأطير ما جاء به بأُطر نظريّة بل تركها لتكون أستراتيجية قابلة للتجديد مع الزمن و كل من ما يطرأ عليها من مستجدات مستقبلية؛ هذه تماما هي رسالة التفكيك التي أراد جاك دريدا أيصالها؛ لذلك أنني أدعو في هذا المقال الى مبدأ تفكيك التفكيك وعدم الركون الى نتيجة نهائية للنصوص بل لترك التأويلاتِ مفتوحة ًعلى قراءاتٍ أُخر قد تقودُ الى مفاهيمَ أكثرَ أثارةً و الى متعةٍ قد نجهلُها في كنّه هذه النصوص؛ فالملاحظ على دريدا أنّه كلمّا توصل الى معنى يسارع الى نقضه و لا يثبت على معنى بعينه ، ولا يقف او يصل الى مركز او مسار إلا ليبعده عن مكانه وينأى بعيدا به عن خطه و يحوّله من دائرة الى أخرى، و كأنّه في أنهماك دائم عن النأي عن معنى ما ، وترك الأشياء بعيدة عن ذواتها متشظية بلا هوية حتى تتحوّل تدريجيا الى تراكمات من التحولات و لا حدود نهائية، و كأنّه ترجم عمليا مفهومه للتفكيك بهدم الأبنية القديمة و أقامة أبنية جديدة فوقها عبر مفهومه المثير للجدل و الغموض ب منهجية «قوة تخريبية» و الذي يعمل على نسف البناء القديم و أنشاء بناء جديد باستخدام ذات المواد القديمة للوصول الى معاني جديدة تتوالد غير قابلة للتوقف عند معنى بعينه؛ بعد وفاة جاك دريدا واصل مجموعة من النقاد رسالته في التفكيك و خاصة في النقد الأدبي و منهم ج.هيليس ميلر وبول دي مان وجيفري هارتمن وهارولد بلوم) هؤلاء يعتبرون بحقّ رواد التفكيك على الصعيدين النظري والتطبيقي؛

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...