محمد بشكار - مرض الشاعر..!

كلما زارتني قصيدة جديدة أشعر كأنما يزورني مرض قديم عصي الفهم ملتحفا بالوهم، لا أعرف من أي الثنيات في جسدي ينبري ليخبرني أنه ما زال مقيما و أنني السبب في تأجيج بركانه الذي يكفي أن تعبر بجواره بسرعة الريح أو حتى النسيم ليستيقظ بأوهن جمرة.. !
مرضي لا يحب العنف و يتوسلني أن أبقى هادئا خفيف الروح ما استطعت نحيلا؛ يريدني ببساطة أن أتجنب كل ما يهز الاستقرار النفسي للشاعر الذي عاشر طويلا الورق حتى اكتسب من رهافتها أرهف النفوس..!
لا أحد في بلدي يهتم بنفسية الشاعر لأنها تبدو من المسافات البعيدة عن المعرفة، لا تطاق؛ فهو في صمته يبدو صارخا في وجه الجميع، و في عزلته أعمق الأعضاء انخراطا في جسم المجتمع، حتى ليغار من إيقاع نبضه القلب؛ هذا المرض في كراهيته ليس للبشر إنما للظروف التي صنعته على غير طبيعته الإنسانية، يبدو محبا لكل البشر، لأنه يدرك أننا جميعا ضعفاء لا نملك حيلة إلا لنطوق بأحابيلها من هم أضعف منا عسى نشعر ببعض خيلاء القوة..!
تراه حقا مرض الشاعر؛ كل ما يراه يريده هو الذي تعود على تلمظ سيجارة مع قهوة سوداء، يغبط رجلا يمر ممشوقا بكامل زينته الرياضية، و يتمنى أن ينتفض بجسده ليفرغ كل كؤوس القهوة التي شربته عسى يعود للونه الطبيعي من بعد سواد.. !
و حين فكر أن ينفث كل الدخان الذي عبه منذ نعومة أعقاب السجائر بين أصابعه، انتابه ذلك الحب للكون، و خشي أن يعم السحاب عالمنا و يُتَّهمَ عدوا للبيئة.. !
مرض الشاعر عضال و لا يمكن تنقية أجوائه الذاتية بشرب كأس برتقال كل صباح، إنه عقدة تنغرز بأفكارها السوداء في الرأس، و تفكيكها قد يجعل إعادة التركيب مستحيلة، ليبقى الشاعر في نظر الناس كائنا شتاتا لا يملك عقلا؛ هل من دواء يعيد للشاعر عافيته كي يشبه الطبيعة التي توحدنا قطيعا، و يكف عن كل الانزياحات التي لا تخطر على دهشة، ليأتي إلى الناس من باب الصواب.. ؟
ترى ما هذا المرض الذي تتصدع له سائر الذات بحمى الشعر؛ إنه الخيال الذي يجمح بتفكير الشاعر إلى ما لا يُحمد من وسواس، حين يطيش الخيال الذي وهو يبحث للفكرة عن صورتها التي لا تشبه وجها في المرآة، يشل الأطرف و يشْخُص بالأبصار حتى لتكاد تخرج مع القصيدة روح الشاعر ليس من الحلقوم طبعا و لكن من القلم؛ من يتمنى لنفسه هذا المرض العُضال؛ من يريد أن يكون شاعرا و يحفر مع كل سطر أقصر درب يفضي إلى القبر؟
لو قُيِّض لي أن أدلي بمطلب نقابي لأجل مصلحة الشعراء، لطالبت بتأسيس مستشفى خاص للعلاج من داء الشعر الذي أودى بأرواح كثيرين أدمنوا الحياة في القصيدة ففقدوها ليعيشوا إلى الأبد سطورًا على الورق الأقوى في زمننا من ذاكرة الناس؛ أجل مستشفى ليس طبا عاما مفتوحا للجميع، بل فقط لمن عشق الانزياح في الكتابة حتى صار هامشا في الواقع، و من بكل ما أوتي من استعارات صنع عالما آخر وحين أراد أن يعيشه كأنما يطير في الهواء، اصطدم بالسقف الأدنى للأجور فأصيب بالفُصام.. !
و مع ذلك أجزم بطريقة المجنون حين يفتح حائط بؤسنا نافذة للأمل، إن مرض الشاعر هو الذي يملي على الشاعر القصائد، لذلك تولد أجمل القصائد من واقع طريح السرير..!

( افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 8 شتنبر 2016)




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...