سهام ذهنى - يوم التآمر على المسيح (الجمعة الحزينة)

"كان اليوم يوم جمعة، لكنه لم يكن كغيره من الأيام".


بهذه الجملة الدافعة إلى الترقب بدأ الراحل "د محمد كامل حسين" روايته التي تحمل عنوان "قرية ظالمة" التي يعتبرها البعض واحدة من أجمل الأعمال التي صدرت حول الأيام الأخيرة للمسيح عليه السلام.

فالرواية تنطلق من وقائع ذلك اليوم الرهيب لتنسج بين سطورها تأملات عظيمة بإسلوب شديد البهاء.

لذلك لم يكن غريبا أن يتم ترجمتها إلى العديد من اللغات وأن يحصل عنها المؤلف على جائزة الدولة في الأدب عام 1957 .

نعم هذه الرواية عمرها أكثر من نصف قرن وكتبها د. محمد كامل حسين رائد طب العظام في مصر، وأعادت "دار الشروق" طباعتها مؤخرا ضمن سلسلة "نصوص متميزة" التي تهتم بالأعمال الهامة في مسيرة الأدب العربي.

إنه اليوم الذي أجمع فيه بنو إسرائيل أمرهم على صلب المسيح.

يا الله، أكتب الكلمة بينما يدي ترتعش من مجرد تسجيل هذا على الورق فما بالنا بمن عاشوا تلك الجمعة الحزينة.

قالوا أنهم أرادوا بقتله أن يقضوا على دعوته، إنما منذ متى كان قتل أصحاب الدعوات طريقا لقتل الدعوة.

وكما يقول المؤلف: "ما كانت دعوة المسيح إلا أن يحتكم الناس إلى ضميرهم في كل ما يعملون، فلما عزموا أن يصلبوه لم يكن عزمهم إلا أن يقتلوا الضمير الإنساني ويطفئوا نوره".

ثم يعقب المؤلف في تقديمه للكتاب بجملة رائعة هي مغزى تناول ما جرى قائلا بأسلوب فاخر: "وليست أحداث ذلك اليوم من أنباء القرون الأولى، بل هي نكبات تتجدد كل يوم، في حياة كل فرد، فالناس أبدا معرضون لما وقع فيه أهل أورشليم حينذاك من إثم وضلال، وسيظلون كذلك حتى يجمعوا أمرهم ألا يتخطوا حدود الضمير".

يتناول الكتاب ذلك اليوم العصيب بعد تقسيم شهوده إلى ثلاث أقسام أو مجموعات: بنو إسرائيل، الحواريون، الرومان. فنتابع الرأي والرأي الآخر عند كل مجموعة. ومن خلال وقائع ما جرى من كل منهم نقرأ ملامح لصراع بين القوة والبطش والعنف من ناحية، وبين الضمير والتسامح من ناحية أخرى.

الكتاب ملئ بالعبارات الجديرة باقتباسها، أختار منها ما ذكره جندي روماني حول أنهم قد تعلموا أن يكون قصاصهم ممن يقاومهم بالغا حدا من العنف والقسوة يملؤهم رعبا.

وسبب توقفي أمام هذا القول هو أنه المنطق نفسه الذي تفعله اليوم إسرائيل في غزة، ظنا منها بأن هذا سيملأهم ويملأ غيرهم بالرعب، وهو المنطق نفسه الذي تمارسه السلطات الإستبدادية حتى اليوم، حيث الرد بعنف شديد جدا على من يقاوم ولو مقاومة رمزية وذلك من أجل إسكات كل من يفكر في أن يرفع رأسه.

لكن عند الوصول إلى الفصل الأخير نجد الرد على هذه الفكرة حيث نقرأ هذه الجملة العميقة: "إرهاب النظام للناس أو قمعهم يؤخر ثورتهم، لكن يجعلها أمرا محتوما".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...