إبراهيم محمود - شراهة السرد... قراءة في رواية سليم بركات: مباهج الانتحار الإحدى عشرة، وقياس المراوغات في أحوال جلال الدين الرومي



ربما بات في حكم البداهة ، القولُ، كما هو معتمَد لدى غالبية قرّاء سليم بركات نثراً وشعراً،لحظة ظهور أي عمل جديد له: هاهو شاعرنا أو روائينا في معجزة أدبية جديدة تحمل عنوان "...."، أو ما يرادف مثل هذا القول.. ولا أكثر من الصيغ التي تدور في فلك المديح الذي يثقِل على نصه، وما في ذلك من إظهار لبؤْس المردود، جرّاء قراءة لا تحاوره، بقدْر ما تفسِد مفهوم القراءة بالذات. فالقارىء الذي يباشر قراءة نص ما، من المفترض أن يرتقي إلى مستواه، أن يحيله إليه، من خلال طريقته المتمثلة، في قدرته على استنطاق خفيّه، أو نوعية السرد الذي يعرَف به .
لا أسهل هنا من أن أقول على جرْي العادة القرائية هذه: سليم بركات في تغريبته الجديدة، سليم بركات في رائعته الجديدة، سليم بركات في روايته ذات العجائب كسابقاتها " كذا "، وهكذا، لآتي على ذكر العنوان، وبطريقة الجذب، منبهراً بما أقرأً، منتشياً بالذي أقول، مسمّياً شخصيات روائية، مقتبساً أقوالاً على ألسنتها، مستعرضاً فقرات أو مقاطع منها، وما في ذلك من إظهار قابلية كاتبنا بركات على المتعة التي يقدّمها لنا في نصه التحفة، بخياله الخلاب، وعالمه الجذاب، في الوقت الذي يسقط فيه كل معنى وثيق الصلة بالنص، لحظة الحديث عن خياله ذاك، وعالمه هذا، دون سبْر محتواه، بمكوناته، ومكاشفة أدواته التعبيرية، وكيفية تجليها في " جسد " نصه الأدبي شعراً أو رواية، ونوعية السرد المزكّى في عملية الكتابة، واقتفاء أثر الدال في كل ذلك.
القول بأن سليم بركات كاتب مبدع في جنسيْه: شعراً ورواية، لا أظن أن هناك من يختلف عليه. المشكل هو في الإطناب القائم في المديح، الذي يعيق عمل القراءة نفسها: القراءة نفسها هي التي تظهِر باعتمادها أسلوبَ قراءة معيناً، أين يقف بركات في موقعه الكتابي: الإبداعي، واختلافه عما يعرَف به سابقاً، لحظة السؤال عن خاصية جديده، وربطه بسالفه،أي جهة الإضافة .
ولعل الممكن قوله، ومن خلال العنوان المفصَح عنه" شراهة السرد " هو أن نصوص بركات لا ترينا حدوداً قطعية، في كتاباتها، بقدْر ما تنبّهنا إلى أن الحدود غير مستقرة، وعلى قدْر مرونة الكاتب، وفراهة الخيال، تستجيب الحدود لنقلاتها وارتحالات معانيه، وثراء رؤيته للعالم، وفي لغة بركات عينها، في الرواية التي تشهد حضوراً لها كماً ونوعاً، تلاحَظ علامة الشراهة الفارقة هذه، أي قابلية بركات، وقد تجاوز السبعين عاماً، لأن يثبت أن التقدم في العمر هنا، بالنسبة له، لا يعني التراجع عن الكتابة، والتحليق بالخيال عالياً، واكتشاف عوالم مكتشفة، تحمل بصمته، في لعبة اللغة، ومرامها، وهندسة الكلمات التي تبني بها مجتمعها الروائي، وتحدي الزمن خلالها.
كما في روايته " مباهج الانتحار الإحدى عشرة وقياس المراوغات في أحوال جلال الدين الرومي " " 1 "
بم يفيدنا العنوان في عملية القراءة لروايته هذه؟

علامة توضيح
من اللافت أن بركات ينوع في عناوين أعماله الروائية، وفي أعماله الأخيرة، على صعيد اختيار العنوان ومقاسه، وحجم الرواية، وهذا يستدعي النظر في محاولة تبيّن محرّك هذه الذائقة.
رواياته تستند عموماً إلى اعتماد الجملة الاسمية، وتشهد حضوراً طولياً لها، وما للخبرة من دور في هذا الإجراء، وما لتحدي الذات من فعْل في طرح عوالم بمثل هذه الحمولة الكبيرة، ونظرة إلى عناوينه هذه، ترينا حقيقة ما تقدمنا به:
في مفردة واحدة:
الريش- ثادريميس
في مفردتين:
فقهاء الظلام-أرواح هندسية-معسكرات الأبد-الأختام والسديم-كهوف هايدراهوداهوس-موتى مبتدئون-السلالم الرملية-هياج الإوز-أقاليم الجن-سبايا سنجار.
في مفردات ثلاث:
أنقاض الأزل الثاني-حورية الماء وبناتها.
في مفردات أربع:
دلشاد( فراسخ الخلود المهجورة ) -السماء شاغرة فوق أورشليم- حوافر مهشمة في هايدراهوداهوس- سجناء جبل آيايانو الشرقي- -زئير الظلال في حدائق زنوبيا-ميدوسا لا تسرّح شعرها-هؤلاء الصغيرات وأكياسهن الورقية.
في مفردات خمس وأكثر:
الفلكيون في ثلثاء الموت: عبور البشروش+الكون+كبدملاؤس- لوعة الأليف اللاموصوف المحير في صوت سارماك-سيرة الوجود وموجز تاريخ القيامة- ماذا عن السيدة اليهودية راشيل-موسوعة الكمال بلا تحريف ( نشوء المعادن )- الثلوج أكثر خداعاً في غابات التنوب- مباهج الانتحار الإحدى عشرة وقياس المراوغات في أحوال جلال الدين الرومي- رؤوس وتواب( ميثاق اللهب في مطبخ الأمير السلجوقي ) ..
للجملة الاسمية أن تدلي بشهادتها، ما على القارىء إلا أن يتعقب فعلها الداخلي. ثمة لعبة على المحك بالنسبة لقارئها. لأن الجملة الاسمية تشير إلى الثبات، واستمراريته بالمقابل، كما لو أنها عالم مغلق لا يُرى من الخارج. نحن إزاء قلعة حصينة، ومن يريد معرفة نوعية الحركة، عليه بالدخول الحذر، ومعاينة تلك الحركة : نشأة، وتمثيلاً، والتباساً بالمقابل، لأن الرواية، وبوصفها رواية، تبقي سرَّها معها، وهو الذي لا يباح، مهما تنوعت قراءتها، واختلف عليها قراءها. وروايات بركات تنتمي إلى هذه " المعمورة " الكبرى من الروايات الشائكة ، خصوصاً في الأخيرة منها، وهي بعناوينها التي لا تخفي خاصيتها الاسمية والمكانية: سجناء جبل آيايانو الشرقي- زئير الظلال في حدائق زنوبيا- ميدوسا لا تسرّح شعرها- ماذا عن السيدة اليهودية راشيل- مباهج الانتحار الإحدى عشرة وقياس المراوغات في أحوال جلال الدين الرومي- رؤوس وتواب( ميثاق اللهب في مطبخ الأمير السلجوقي ) ..إنها أمكنة وأسماء أمكنة وشخصيات حية في التاريخ، أو تشهد بحضورها التاريخي والرمزي، وتستغرق جهات جغرافية، وأزمنة مشهود لها بالموسوعية بالمقابل، في تبايناتها التاريخية، ومجتمعاتها الفعلية والمتخيلة كذلك. ووراء هذه الضخامة النوعية في الحجم، ما يشي بشراهة السرد، والمقاومة الذاتية للزمن، وبركات حيث يعيش في عزلته المختارة، إزاء غابات سكوغوس الستوكهولمية، كما شهدته ذات يوم، حيث زرته قبل عقدين من الزمن ..
الشراهة، بصفتها السردية، تترجم حياة لا تكف عن التجوال، عن التوسع، وهو مستقر في المكان ذاك، كما هو حال جمله الاسمية عناوين لأعماله هذه، وما يجري بينه وبين نفسه، بين نفسه وخياله الوثاب، يفجّر أفعالاً، ويحيل كل اسم إلى أكثر من فعل، مأخوذاً باللامتناهي معنىً، كما لو أن كل كتابة مقرَّرة كهذه، إرجاء للموت، وقنصاً إضافياً لحياة مستجابة، وتفعيل أثر لا يُمحى .

عن هذا الاسم: الفعل المحوَّل
لبركات الشاعر الروائي الناقد على طريقته، رصيد وافر ومعزَّز من الكتابة، وشخصيتها المفهومية التي باتت تُعرَف بها، على مستويات ثلاثة: في شعره ورواياته، ومقالاته التي يلتقي فيها الانطباع الأدبي ذو التخييل الشاعري، والرؤية النقدية الحاذقة والساخرة، رصيد من المفارقات التي شكّلت مأثوراً بلاغياً ينعطف عليه، كما هو الموسوم بـ " الكتابة البركاتية ".
في روايته هذه، تمارس المفارقات الحاملة لبصمته ترجمة المركّب النفسي بتداخل عوالمه، لعبتها الفنية، في عنوان، هو ذاته سردية قائمكة بذاتها:
مباهج الانتحار الإحدى عشرة وقياس المراوغات في أحوال جلال الدين الرومي:
مباهج الانتحار
قياس المراوغات
أحوال جلال الدين الرومي.
وحين يكون الرومي " هذا الاسم الدال على المكان: رومياً( كثيرون لا يعرفون أن اسمه الحقيقي: بهاء ولد )، هو الحامل لكل ما قبله، يكون الدال أكثر حضوراً بالمعنى. كيف يكون الانتحار مرفقاً بالمباهج، ولماذا الرقم هذا " الإحدى عشرة " وهو بصيته التاريخي والميثولوجي، الباعث على الريبة، والمنغّص بمسمّاه ، والمراوغات وربطها بالقياس، وهي نوعية، وأكثر من كونها حسابية، حيث الإحالة المنبثقة من صيغتها اللافتة كعنوان، ترجع بنا إلى ما هو حكاياتي" لنتذكر بعضاً من حكايات ألف ليلة وليلة "، لكن السارد هنا حي، وله اسمه، وهو ذكر، أي بركات.
يوحي العنوان بمسطوره على الغلاف والذي يُعطى في أكثر من نصفه للوحة الفنان البولوني جيسلاف بيكسينسكي " 1925-2005 "، وليس بيكسينسي، كما أشيرَ إليه في الداخل، وفيه الكثير من الصفات المشتركة مع بركات سلوكاً وعلاقات اجتماعية، ونظرة إلى الذات والآخر، وفي شهرته كذلك، فلا يعود وضع اللوحة اعتباطاً، إنما ما يشكّل ترجمة لونية بصرية للسرد المسطور، مقابل السرد المنظور، واللوحة بلونها المأخوذ بالأزرق وتراتبياته الزرقاء ورهبته، كمجمل لوحاته، تضعنا في مواجهة المناخ الكابوسي، الغامض والمقلق وما لا يتناهى رؤية فيها.
ورأيت اللوحة هكذا، وليس كما هي موضوعة على غلاف الكتاب:



ولعل الذي أفصح عنه الفنان في إحدى مقابلاته بصدد أعماله الفنية، ينير هذه العلاقة: "لا أسأل نفسي أبدًا سؤال "ماذا يعني هذا؟" سواءً فيما يتعلق بلوحاتي أو لوحات الآخرين. المعنى بالنسبة لي لا معنى له على الإطلاق. إنه يساوي طعم الشوكولاتة في وصف أدبي (المعنى بالنسبة لي، ترجمة ز. تارانينكو، "الفن"، 1979، العدد 4، ص 34)" 2 ".
أشير هنا أيضاً، إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تجد لوحة الفنان البولوني مهبطاً لها على غلاف كتاب لبركات، فقد سبقتها اوحة أخرى، غلطت ثلاثة أرباع الغلاف الأمامي لروايته " سيرة الوجود وموجز تاريخ القيامة" في طبعتها الأولى " 2018 "، وجاءت كتاب اسم الفنان مختلفاً، أقرب إلى الصواب: جيسلاف بكسينسكي ".
هوذا تشاركٌ في الهم العابر للحدود إنسانياً، في توأمة فنية: كتابية ورسمية، لبركات نفسه انهمام بها، كما هو معروف في لوحات له تشارك نصوصاً شعرية في تمثيل المسطور تخيلياً، وخاصيتها المنماتية، في لغته المضطردة بمتواليات معانيها( مجموعته الشعرية: آلهة، مثلاً، وما يخص روايات له، كما في : أقاليم الجن، و: ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟..).
في حمّى هذا التلاقى المستحيل، وبهذا ايسر كتابة، ثمة ما يدفع بنا إلى مكاشفة الواقع، وكيفية النظر إليه، أبعد مما هو مرئي فيه، أو ظاهر به، وهي حيلة التخييل وتصيّده لخفي الجاري .
وفي هذا التخييل ، تأتي لعبة اللغة ضبطاً لمواقع، وزجها في أفانينها المنسوبة إلى بركات.
كما لو أنه ينبّه قارئه إلى لعبته، أعني المتاهة البركاتية التي تلتغم اللغة فيها وبها، في محاولته السردية الخاصة المتمثلة في الوصل بين حراكها الداخلي، وفعلها الخارجي، والصامت بينهما، وما في هذه البؤرة الذاتية من قابلية الشراهة، شراهة السرد في أن يفيض بما لا يتوقَّع فيه.
وما يمكن التذكير به، يشدّد على أهلية اللعبة هذه للتوسع والاستمرارية، مع السعي إلى توسيع فضاء السردية الخاصة به، مساحة وجهة جغرافية، وابتداع أمكنة، وفي نطاق أسماء تنتمي إلى أرومات مختلفة، في أزمنتها قديماً، متخيلة، وتاريخية، ومهجَّنة، من " دلشاد " مروراً، بـ" ثادريميس " و" كهوف هايدراهوداهوس " و" السماء شاغرة فوق أورشليم " و" زئير الظلال في حدائق زنوبيا "و" ميدوسا لا تسرّح شعرها " وليس انتهاء، كما يظهر بـ"- مباهج الانتحار الإحدى عشرة وقياس المراوغات في أحوال جلال الدين الرومي"و" رؤوس وتواب( ميثاق اللهب في مطبخ الأمير السلجوقي ) "...
لعل في ذلك ترجمة حياتية ذاتية، وما يعنيه هذا الانهمام الباطني بمكنونها المتخَم بعوالم معيشة ومتخيلة، وجبهات مفتوحة بصياغات شتىى وهو رحالتها، وحمّال " ألويتها " وحربها وسلمها، تمثيلاً لبنية الكتابة التي لا تعدو أن تكون نفياً للعارض أو العابر، إنما لتأبيد حياة من نوع آخر. لتكون الكتابة نفياً لعالم، أو تنحية له، وقد أشبَع تدقيقاً وإمعان نظر فيه، بمقاييسه الخاصة، في إقامته المستقرة سويدياً، ودائبة التحرك ماضياً وحاضراً، مشرقاً ومغرباً، بـ" بساط ريح " تخييله، متنفسه الحميم لديه، ألم يقل هو نفسه( أنا هو الكتابة. وجودي هو الكتابة. الكلمات أنفاسي. السطور عناية العافية بجسدي..لا أحد في حياتي سوى زوجتي ، وابني ، والكتابة. إن توقفت عن الكتابة أكنْ كمن أضاع ذاكرته، وأضاع الطريق إلى البيت .. أنا بغلاصم في الماء- الكتابة. إن خرجت اختنقتُ)"3 ".
الكتابة امتحانه البيْني، شعوره المعقلن أنه باسمها، وبصريح عبارته، يكون قد انفتح على وجود كامل أو تاريخ كامل، على جغرافية كاملة، أو بيئات كاملة، استجابة لعطش نفسي داخلي مضطرد في كامل تكوينه الجسدي، وما يجعل منه أكثر من كونه " الأنا " وليس لديه سوى " أناه "، والعالم الذي يتمزق داخله، وهو لا يكف عن تمزيقه، سعياً إلى تأريخه بطريقته، وليس تلبية لنزوع " إرهابي " من نوع تخريبي، كما تقول نصوصه، والكتابة في أصلها رد على وجود اقتحامي، تحصين لذات في متاهته، وقلب للمتاهة عينها، طالما أنها تحمَّل اسماً وصفات وبنى.
والرواية المتعاظمة شأناً في عصرنا، تفصح عن هذا الداء المستفحل وجودياً" التمزق الخارجي والداخلي معاً، ليكون الارتحال إلى تواريخ مختلفة، شهادة أن الذي كان، كما هو الآن، مع فارق في التأريخ، لحظة مكاشفة العنف بأسبابه، وشهوة الانتقام، والنيل من الآخر، وهذا من نظيره، وفي لغة بركات ما يبقيه خارجاً، وإن كان متشبثاً بداخل بيته( لا أبدأ إلا من مأزق. وكل كتاب لي هو مأزوق أرمي بنفسي فيه ... الكتب تفترس الرضى عما كان، وما سيكون، في مطالعها وخواتيمها..) " 4 ".
ولا بد أن الذي يمكن تلمّسه في هذه الرواية " مباهج الانتحار .." يستدعي معايشة ماراتونية" فضائية " صوب الداخل، داخل تاريخ كان، وحياة تسمّي ما هو كائن، وبالاسم هذه المرة .
ماالذي أيقظ صاحب " المثنوي ": الرومي، ليكون سارد " الكردي " هنا ومسروده معاً ؟
ذلك يبقينا على وفي شرفة الرؤية لأفق متخيله البعيد والمنفتح على وجود يتقصف أمام ناظريه، فيكون في إحدى حالاته النفسية، و" لوعة موصوفه " الأكثر قابلية لأن يعزّز فكرته روائياً هنا.
ماالذي دفع بجلال الدين الرومي، ليكون بمثل هذه المواصفات ؟
ثمة الأمكنة والأزمنة، تميط اللثام عن وجهها، وتبحث عن المتشابهات، كما هو شغف بركات.
لحظة تجاهل التقنيات الحديثة راهناً، وتطبيقاتها وأفكارها، يظهر المسطور، وكأنه تغطية مباشرة لما يجري ملء السمع والبصر راهناً، مع فارق في الشكل، وتباين الأسماء. بين " 12070-1273 "، بين كونه " بلخياً " أفغانياً في المولد، و" قونياً " تركياً في الوفاة، والطرق والممرات الكثيرة التي عبرها وعاش مناخاتها، ثمة ما يغذّي الخيال بالأبعد منه. ولما شهده عنفاً ، حيث لا يعود السرد المنظور إليه واحداً متماسكاً خلاف ذلك، وهو في تشابك عوالمه المتشابكة بعمق.
هنا حط الجمال، أو بيت قصيد بركات والذي يثير فضوله، شراهة متخيله المتنامي.
عالم يفترس بعضه بعضاً، بشر يسعون إلى فناء أو استعباد بعضهم بعضاً، أديان ومذاهب تحيل أسماءها إلى تروس وتشغّل ذاكرتها المدماة والانقسامية على نفسها ضد بعضها بعضاً، ولكل واحد منها، ما يحيله افتئات المعنى، وتذرير الاسم، وتشظي الصورة " 5 " .
والرواية، بوصفها رواية، تجد بغيتها في أحوال ووقائع ضاغطة بدلالاتها من هذا النوع. إنها تقول ما لا يحق لغيرها أن تقوله، ليس لأن قوة في حوزتها، تخوّل لها ذلك، وإنما لأن تموضعها في خانة الاسم الذي تعرَف به، وتاريخها العملي، وصيرورتها، سجلّها الوجودي الذي أهّلها لأن يكون لها مثل هذا " المنصب " الذي يمنحها مثل هذا الانتشار القاعدي، والأفقي في آن ، وتبقى من هذا المنطلق في واجهة الفنون الكتابية أدبياً، في حيّز التحدي والاستجابة، أي : الشراهة .
ولا يعود سؤال: ماالذي دفع بكاتبه هنا، أو هناك، أو أي كاتب، وليس بركات، أن يتخذ من موضوع كهذا، كما الحال مع " الرومي " عجينة " يدخِل فيها خميرة خياله، ورهانه، إنما: كيف يحيل موضوعاً له خاصيته، تاريخاً، أو جغرافياً، علماً، أو فناً ما، إلى فضاء المطروح سردياً.
من جهة أخرى، ثمة رواية أقرب إلى الذاكرة من غيرها، تتمحور حول الرومي، إنما بلغة أخرى، ومن كاتبة روائية لها شهرتها، هي إليف شفق أو شافاق،سبقت رواية بركات، وبأسلوب مختلف، حيث إن الوارد في المقدمة، يضيء جوانب مختلفة من هذا المسوّغ روائياً:
( كان القرن الثالث عشر، المفعم بالصراعات الدينية، والنزاعات السياسية، والصراعات اللانهائية على السلطة، فترة مضطربة في منطقة الاناضول، ففي الغرب، احتل الصليبيون القسطنطينية. وعاثوا فيها فساداً وهم في طريقهم لاحتلال القدس. وفي الشرق انتشرت جيوش المغول بسرعة كبيرة بقيادة القائد العسكري العبقري جنكيزخان، وفي الوسط، كانت القبائل التركية المختلفة تتحارب في ما بينها، بينما كان البيزنطيون يحاولون استرجاع أرضهم وثروتهم وقوتهم التي فقدوها. كانت فترة من الفوضى لم يسبق لها مثيل، حيث كان المسيحيون يقاتلون المسيحيين، والمسيحيون يقاتلون المسلمين، والمسلمون يقاتلون المسلمين، فحيثما ولّى المرء وجهه، كان هناك اقتتال وألم وخوف شديد لما يمكن أن يحدث بعد ذلك. في هذه الفوضى، عاش عالِم إسلامي جليل، يعرف باسم جلال الدين الرومي، ويلقَّب " بمولانا " ، ويحيط به آلاف المريدين والمعجبين من المنطقة كلها وما وراءها، وكان يُعتبَر منارة للمسلمين جميعاً. وفي عام 1244 ميلادي، التقى الرومي بشمس- الدرويش الجوّال ذي التصرفات الغريبة والآراء الهرطقية. وقد غيَّر لقاؤهما هذا حياة كل منهما.. وكان هذا اللقاء بداية لصداقة فريدة متينة شبَّهها الصوفيون في القرون التالية باتحاد محيطين اثنين. وبعد لقاء الرومي بهذا الرفيق الاستثنائي، تحول من رجل دين عادي إلى شاعر يجيش بالعاطفة ، وصوفي ملتزم، وداعية إلى الحب، فابتدع رقصة الدراويش،وتحرَّر من جميع القيود والقواعد التقليدية. وفي عصر سادته روح التعصب والنزاعات الدينية، دعا إلى روحانية عالمية شاملة، مشرعاً أبوابه أمام جميع البشر من مختلف المشارب والخلفيات. وبدلاً من أن يدعو إلى الجهاد الخارجي، الذي يعرّف " بالحرب على الكفار" الذي دعا إليه الكثيرون في ذلك الزمان، كما يجري في يومنا هذا، دعا الرومي إلى الجهاد الداخلي..لكن أفكاره لم تلق ترحيباً من جميع الناس، ولم يفتحوا قلوبهم للمحبة، وأصبحت الرابطة الروحية القوية بين شمس التبريزي والرومي نهباً للشائعات والافتراءات والتهجمات، وأسيء فهمها، وأصبحا موضع حسد وذم، وحط الناس من قدْرهما، وخانهما أقرب المقربين إليهما. وبعد مضيّ ثلاث سنوات على لقائهما انفصلا على نحو مأساوي. لكن القضية لم تنته هناك. في واقع الحال لم تكن هناك نهاية. فبعد مضيّ زهاء ثمانمائة سنة، لا تزال روح شمس، وروح الرومي تنبضان بالحياة حتى يومنا هذا، تدوران في وسطنا في مكان ما.) " 6 ".
أوردتُ هذا المشهد السردي الطويل النسبي، لأنه يشكّل من وجهة نظري، خلاصة تاريخية، وليس تعبيراً أدبياً من صنع الخيال، بالعكس، يمكن القول، أن ليس للخيال هنا، أي حضور، والمغزى منه، هو محاولة النظر في بنية النص الروائي، وكيف يمارس لعبته، داخل التاريخ، وهو أكثر من كونه تاريخاً، لأن فيه من الاجتماعي، الكثير، ومن الديني، بأساليب تجليه اليومية، وتعابيره الكثير، ومن السياسي في الصميم، ما لا يخفى على واعية مدرِك " ألف باء " السياسة، ومن الذاتي- النفسي ما يستحيل تجاهله في تلوين المواقف، ورؤية العالم بالمقابل.
ولا أدري ما إذا كان بركات قد قرأ هذه الرواية أم لا، إنما تبقى رواية الكاتبة التركية ذات مكانة، وقد نالت شهرة في القراءة والانتشار والتعليقات بالمقابل. هو لا خفي اهتمامه بالقراءات المختلفة، لكنه لا يشير إلى تأثر من النوع الذي يفصح عن تأثر من النوع السلبي، أي التقليد( لا ترفعاً، ولا تخفّضاً، ولا تواضعاً، ولا تعالياً: لم أتأثر بأحد. لكن لدي قائمة قد تبدأ من هوميروس ولا تنتهي عند كافكا، وفيرجينيا وولف، وهوثورن، وهـ ج. ويلز، وويتمان، وكازانتزاكي، وكتّاب الكشكول، وكتب الاسطرلاب، والطب القديم على عديدها، ودوستويفسكي، وهنري ميلر، وسافو الإباحية، وتنسي وليامز المسرحي، وهرمان ملفل.الخ الخ الخ ) " 7 " .
ثمة ما يفعّل هذا التوقع، حيث إن الذي يمثّله الرومي، في شخصه نسباً اجتماعياً ومكانياً وتفكيراً، يقرّبهما من بعضهما بعضاً، مع فارق في نوعية التخييل والمتوخى منه طبعاً وراهناً أكثر، كما لو أن الذي كان، لم ينصرم بعد، إنما يمارس حضوره، فيكون النظر إلى التاريخ مختلفاً هنا.
أكثر من ذلك، ما يهم الكاتبة التركية، وكما ورد في المقدمة، لا يخفي حيوية الرهان، ومحك اختبار لقارئها كذلك، في مفهوم " كونية " الفكرة الصوفية التي تمثّلها الرومي، وكأنها من خلالها تطرح مشروع عقد مجتمعي على صعيد عالمي، وفي الوقت نفسه، ما يشكل خطراً على العالم، من هذا العالم نفسه، وهو يتصدى لأي محاولة لمثل هذا الإجراء، كما يجري راهناً، وهو ما يمكن التذكير به بالنسبة إلى كاتبنا الكردي، وربما أكثر من الكاتبة التركية، لأنها تشير إلى رمز تصوفي، أقام ردحاً من الزمن في " بلادها " وتوفي ودفن هناك، ليكون محل اعتبار تركياً أيضاً، ومن جهة بركات، يشكل رؤية أدبية لا تخفي نزوعها الفكري الساعي إلى معايشة علاقة كهذه.
لا شك أن كلاً منهما، مهاجر" شافاق وبركات "، وبركات أكثر، ولهما في الرومي ما هو مؤثر في التكوين النفسي والروحي، حيث شهدنا في الرومي تنقلات، وتشديداً على ما هو روحي، وربما كان ضحية ما آمن به بعمق، وشهيد ما دافع عنه في صمت، إلى جانب شمس الرحالة، ليكون أحدهما سارداً وسرداً للآخر، وبركات المتنقل بين أمصار من مدينته، إلى دمشق، إلى بيروت، فقبرص، وستوكهولم السويدية حتى الآن، مأثرة أمكنة متغيرة لها بصمتها.
كان الرومي لامنتمي مجتمعه، بأكثر من معنى، في سلوكه ونظرته إلى العالم وتفكيره وكتابته، أوليس بركات إنسان سلوك وتفكير من هذا القبيل: لامنتمي مجتمع، أولم يقل في توضيح له حول نقطة كهذه( التزمن بحزبية إنسانيتي حرة في اختيار ما يليق بالإنسان غير مهان. أنا " حزب " ذاتي بلا قائد، أو نظّار، بلا تشريع إلا نقد العسْف ) " 8 " .
كتاباته شهود له وعليه في آن، وفي الذي سطَّره شعراً ونثراً محاولة اعتماد " منطق الطير " في كيفية التحليق هنا وهناك، لا تهمه نوعية الجغرافيا إنما الجغرافيا نفسها دون حدود والتاريخ في تنوع ألسنته وأقوامه، أي القاسم الإنساني المشترك، ودور " العسف " في تسخينه وتلوينه .
وفي خياله ما يشدنا ويمضي بنا إلى خاصية متاهته، متاهة إنسانه الذي ينظر إليه بعين خياله، أي ما أفصح عنه كاتب بارع، بـ" ميل الكاتب "إلى ما هو تخيلي، ما يمضي بالواقع إلى ما يطويه ليكون النظر في الجاري عميقاً فيه، وليس في مقدور أي معايشةً في الصميم، وسبر الأعماق اللجية مراراً وتكراراً( ما هو منشأ هذا الاستعداد المبكّر لاختلاق كائنات وحكايات، والذي يشكل نقطة الانطلاق في " ميل " الكاتب؟ . أظن أن الجواب هو: التمرد. فأنا مقتنع بأن من يستسلم لنسج حيوات من الخيال، مختلفة عن تلك التي يعيشها في الواقع، يعلن بهذه الطريقة غير المباشرة، عن رفضه وانتقاده للحياة، كما هي عليه، أي للعالم الواقعي، ويعرب عن رغبته في استبدالها بتلك الحياة التي يصطنعها بمخيلته ورغباته ) " 9 ".
في ضوء ذلك، هوذا بركات الرحالة، والذي يجيز لخياله ما يمكّنه من التعبير عن نفسه كتابة، وما يبقيه في الواجهة، شاداً قارئه إليه، أو ضاغطاً عليه، لأن يكون قارئه، في مستوى ما يثير ويُسمي من معالم وأحداث وأسماء وخلفياتها الاجتماعية، وإلا فليدع نصه وشأنه .

رياح الرواية
بركات وصّاف بارع، إلى درجة أنه حين يباشر الكتابة شعراً أو نثراً في موضوع ما، يكون للجاري وصفاً سهم ملحوظ فيه، هذا الشغف يترجم رهانه، تصوره المقدّر أن الذي يأتي وصفاً ليس مجرد وصف، استهواء أو انتشاء متخيل، إنما أداء مهمة رمزية، إنه دور فعلي، وقلب لما هو موجود كذلك، لأن الوصف لا يقتصر على مجرد تتالي صور حسية، إنما علاقات مكانية، وتخريجات نفسية وذهنية في آن، وإقرار بخطورة المؤتى منه. ولهذا كانت " رياح الرواية " جهة الحركة الكامنة في العنوان الفرعي هذا، ما ياتي حركةَ، وما يتحرك من خلالها، وما يتشكل حدثاً، أو واقعة تخيلية، استناداً إليها، وعلى قدْر المساحة المعطاة وأبعادها الجمالية.
في عالم مشهود له بالتخييل الفائق، بمسمى " رياح إيلانتس " المملكة المتخيلة، بأسماء أهليها يشيرون إليها تاريخاً تخيلياً، ومكاناً تخيلياً، بعيداً عنا وقريباً منا، المملكة ذات الصيت، وقد أصيبت بلعنة بدءاً من أسها الملكي، في العائلة الملكية، على خلفية من علاقة " شائنة "جنسياً، تباشر الرواية مسيرتها في لعبة الانفتاح على الطبيعة،وفي صفحات عدة" عشر صفحات " لا يستهان بها مساحة وإباحة قول من العيار الثقيل، تدشيناً لعالم يتكلم بمشاربه، وإضاءة لمأساة واقعة وجارية، وهي تفعّل أثرها في الذين ينشغلون بها، لأنهم لا يستطيعون منها فكاكاً. ثمة الكثير في الوصف الناطق بصرياً( بأفواه واسعة من الماء، وأنياب ومخالب من الزبد، توالى الموج المسعور على نهش الصخور من غير أن يصدّعها. طوَّقها بألسنته الكثر يخنقها. نوحٌ خافت جرى في صخبه الهائج من لَعِب الريح بمقادير هبوبها دفعاً حاقداً، بليغ الصّدام، عاصف العزيف يُنشِد من حنجرة المياة نشيدَ انفجار الكون في أشعار النشوة الأولى- الأشعار المعتمة على لسان الذهول الخالق. ص 7)،( "غبار صحراويٌّ. لكن من أية صحراء؟"، تساء المشككون في مزاعم من نسبوا الغبار إلى الصحراء..ص8)،( عمر الجزيرة طاعن في مجهوله...البركان الخامد مطل بجزئيه الغربي والجنوبي على البحر، عال، واسع القاعدة، بسفوح سهلة الارتقاء، غير مسرفة في انحدارها..ص 9)،( الملك إيثيك بنى مدينة إيلانتس في القرن الرابع قبل الميلاد، على قاعدة البركان الخامد. بنى حولها سورها المنيع مبالغة منه في تحصينها مُذ لا ممر إليها سوى المعبر الصخري الذي يمكن إغلاقه صداً لأي غزو .. إيثيك قتل أخاه بُوردون بعد توطيد الإقامة لشعبه هناك. تنخذ ريناد زوجة أخيه القتيل حظيَّة له ثم زوجة، فأنجبها إبنة وإبناً. كبرت الإبنة على جمال خلاب. فتن بها أبوها. امتلكها عشيقة مُعلنة في مخدعه، وقرَّبها إلى عرشه في البلاط لا تفارقه إن دخل أو غادر.
ريناد لم تغفر له إهانتها في المخدع مع ابنتها، وفي البلاط إن حضرت. ساءها إنقاص قدْرها الذي يليق بزوجة ملك أن يُستوفى من الإحلال والتكريم. قتلت ابنتها- عشيقة أبيها. هربت بابنها وليّ العهد من أرض إيلانتس .
تسع سنين وزَّع الملك إيثيك رجالاً قيّافين، حذَّقاً في رصد الآثار على أنحاء الأرض خارج شبه الجزيرة البركانية، فلم يعد إليه أحد بخبر عن زوجته ريناد، وابنه أكيروس.
تسع سنين لم ينم الملك إيثيك ممزَّق القلب لوعةً على إبنته- عشيقته، وحقداً على زوجته ريناد. بات عاصف الغضب، جريحاً، شديد الوساوس، ضيّ الذرع بمن حوله...جمع أعيان مملكته من غير أن يخبرهم بما هو عازم عليه. صعد بهم، وبجَوْق من العازفين على النايات إلى فوهة البركان، الذي تعوَّد أن يقدّم له كل عام قرباناً من زيت الحوت يرميه ملء برميل إلى أعماقه. أمر بإلقاء برميل الزيت مستخلصاً من شحم آخر حوت تصيَّده ملّاحو قواربه من بحر أريكانيس.. رُمي برميل الزيت الضخم إلى الجوف العميق المعتم- الرحم القديمة لمولد الأرض اليابسة تراباً وماء من نفسها الأرض اللهب ِ حِمَماً تتلظى. رمى الملك إيثيك بنفسه من وراء البرميل منتحراً.
صُعق موكب الملك من أعيان، وجوق للعزف، وحرس، وكهنة وكاهنات. صعق تاريخ المملكة بعد انتحار الملك بما غلب عليه من تناحر على العرش الفارغ..ص 11 ) .
صخب الموج في عويله، وعوائه، وأنينه، متكسراً على الصخور أسفل الشاطىء المنحدر، لم يكن باعث إصغاء الرجل الثلاثيني الطويل، بل شيء ما في أعماقه المنصرفة بخططها إلى تشييد عمارة لروحه المتشردة في عراء الأرواح. ص 16) .
وجدت أن لا بد من إيراد فقرات من الفصل الأول، ولعلّي على يقين ما أو شبهه، على أن الذي تصدَّرت به الرواية " المأخوذة بلعنة الموت الزؤام، والعار المستفحل، والحياة البغيضة تالياً، وفي معمعان المضطرم المضطرب مجتمعاً وطبيعة، كما هو المذكور أعلاه، يكاد يوجز " مبتدأ الرواية وخبرها، مغزى الرواية القائم على كارثة لها ماض، ولها تمضي إلى حاضرنا وآتينا.
وأنوّه إلى أنني ركَّزت كثيراً على هذه الصفحات الأولى، بدلالاتها، نظراً لأهميتها، من خلال صنافة الأوصاف الواردة فيها، وما في هذه الصنافة من زحام تصورات واستقصاءات !
الطبيعة ليست هناك، إنها داخلنا، وداخلنا ليس الطبيعة، إنما ما يصلنا بها، وفي المذكور فنياً، تكاد المسافة تنتفي، تعبيراً عن هذا التسريد العنيد وروحنته طبيعة، أو منح كل ما هو منتم إلى الطبيعة لساناً وذاكرة، حساً ونباهة( لم يعد من الممكن تقليص المشهد إلى إطار خارجي للموضوع؛ فهو يشكل بطريقة ما امتدادًا للموضوع: امتدادًا لجسده ووعيه. من خلال التركيز على ما يبدو أنه خارجي جذري، يستعيد منشئ المناظر الطبيعية الفعل ذاته للعقل الذي يخترق العالم.) " 10 " .
التاريخ يرتد بنا إلى ما وراء الميلاد، وللتأريخ هذا من عراقة ومن " فواق " تاريخ لافت، وهو يلفت نظرنا إليه، عالم مقرَّب من مناخات الميثولوجيا اليونانية، وطقوسها المسرحية" اليوربيدسية، في الواجهة " في عنف مردودها، وهول الصادم فيها، مآس ٍ تمثُل أمامنا كثيراً. وليكون التالي بعد جملة المشاهد التي انطلقت مما هو مائي" بحري " كما هي جغرافية اليونان( هل يمكن تجاهل مدينة إيثاكا اليونانية القديمة، بسردياتها الأسطورية" على الأقل، لحظة التذكير بيوليسيس المنتمي إليها، بحكم الأسطورة ؟) ، ومحيطها الجغرافي،دون تناسي موقع البركان وثورانه، حيث لا البحر هادىء، ولا البر كذلك: الأول بشهادة أمواجه التي تهدد من يفكّر بالإبحار، والأرض الإيلانتسية، لا تضمن سلاماً أو وقاية من خطر مباغت، لمن يبحث عن إقامة فيها، بوجود البركان وكيفية التعامل معه. حصر يشد حصاراً، وحصاران توأم يشد تاريخاً قادماً، ويُسمي أكثر من قرين له، بما عرِفا به، أي تعرية للواقع الذي تتالت شخصياته رجالاً ونساء، وعبر شخصية الرومي بما هو مقلق .
ليس في الواقع كما نعيشه، ما يستحق النظر فيه، بمعيار بركات الروائي، إنما ما يوهَب حيلة، كذبة مبتكرة، لها سريان فعل نافذ، تحلّق بالخيال، وتستولد شخصياتها الورقية وتجابهنا بها، ولخيال بركات حِرفية لا يُشك فيها على صعيد المعطيات الرمزية وفضاءاتها.
الميثولوجيا من جهتها لا تعود المقروءة في متخيل شب عن طوق الواقع، إنما وهب الواقع القدرة على التأثير في من يقيم فيه، ومن يريد أن يتعلم من خلاله، بالذي يتحرك داخله، كما لو أن هناك لعبة معترَف بها ضمناً، بالنسبة إلى سياسة الكتابة ودبلوماسية السرد: ألَا يفتَح باب الواقع، من هذا القبيل، إلا بمفتاح تخييلي، غريب عن الواقع، ومرحَّب به، إذ يُسمّي فيه عمقاً، وهي اللعبة التي تشكل تاريخاً طويلاً، ولو متقطعاً من مآثر السرد الروائية غالباً( فحين نخترع، اعتماداً على الأسطورة، نجد الواقع.) " 11 " .
رواية جائحة الاخلاقية المستطيرة التي تضاء من خلال مكانها وزمانها، وتتعدى حدودهما، لأنها تقدّم نفسها عبر رموز، أسماء هي رموز، أصوات هي رموز، عوالم، هي رموز، وفي تشديد الكاتب على ما هو طبيعي" ثمة الكثير والفائض من أوصاف الطبيعة بحريها وبرّيها في الصفحات الأولى، لا تخلو من مرادفات، سعياً إلى إحداث الأثر، كما هو المتوقَع في سرد كهذا، وهو بمثل هذا الحضور الذي يتجاوز أفق المنظور. مملكة تنهي نفسها بنفسها، كما هو المردود على أن فساد السمكة في رأسها، كذلك في مجتمع كهذا" إيلانتسي "، وأس الأخلاق وانحلالها يبدأ بما هو أسري، وبيت الملك ليس مجرد بيت عادي، إنه نموذج. لكأن الملك بانتحاره حكَّم تاريخاً أخلاقياً، اعترافاً ضمنياً لا يقهَر، جرى البوح به، من المقدمة إلى النتيجة.
ليس في الرواية ما يحفّز على الارتحال إلى عالمها سياحياً، إنما ربما زيارة خاطفة، استناداً إلى هذا العصف المأكول في جنباتها، لا أمل يُرتجى على خلفية من هذا الحدث الأكثر من كونه مأساوياً، لأن المأساة تصلنا بحداد منتظَر، سوى أن حدث إيلانتس، فضائحي بالمقابل، وكأن الحداد خرْق للسائد، وارتكاب لمعصية تستدعي عقاباً، كما هو المتمثل في سلوك الملك إيثيك .
إيثيك نفسه، ومنذ البداية يعلِم قارىء مبتدعه، بلعنة منتظرة، أو بعقاب داخل في الطبيعة، في السلوك الذي تميّز به، في مدينة تحدى بها، كما يظهر قانون فنائه الشخصي، بخصوص المدينة الحصينة التي بناها ، واعتبرها حاميته الأبدية( يذكّرنا هذا المشهد، بحكاية سردها بورخيس على طريقته، عن ذلك الإمبراطور الصيني الذي بنى سور الصين العظيم، سعياً إلى المنعة، واستحالة دخول الخطر أو الأعداء إلى بلده، وما في ذلك من وهم. الخطر دائماً يأتي متسللاً، عبر ثغور لا يُنتبَه إليها في بنية المخطط الموضوع" ثمة البوابة " والمتواطئون مع الخارج..إلخ ) .
ذلك يظهِر لنا إلى أي مدى، يظهر بركات مولعاً بالتاريخ وأساطيره وأوهامه، وهو يمثل أمامنا صحبة تلك النصوص التي انبنت على أسس أخيولات ذات امتدادات تاريخية وجغرافية، وما يحيل التاريخ نفسه إلى كينونة قابلة للنظر فيها، ومعرَّضة للتعديل أو استعارة ما يضمن بناء نص روائي، وكأن تاريخاً لم يكن في حسبان الكاتب هنا، ولحظة التدقيق في حركية المتخيل .
ولعل مضيّ بركات في نسج سرده وتوسيع رقعته، كما هي لعبة الدمى الروسية" دمية ضمن دمية، ضمن ثالثة، وهكذا "، ما يجعل السرد لامنتناهياً، في استمرارية التخييل المفتوح، دون حدود، وكأن المنسوج لا صلة له إطلاقاً بما هو تاريخي أو واقعي في سرد لا يحاط بحدوده.

الرومي منتظراً مسبقاً
أن يكون الرومي حامل الرواية، محتواها، يعني ذلك، كما هو منطق القول في نصها، أن كل ما قيل ويقال، في مشاهد حوارية، أو تكون نسيج السارد الحاضر والغائب، والمقرب من الروائي نفسه كثيراً، دون أن يعنيه قوالبياً، لإبراز ما يفوَّت كثيراً، ما يجري تجاهله، أو التعتيم عليه: الرومي هو الشاهد على مجتمع كهذا، قام ولم يستقم، وجلس ولم يقتعد كما يجب، لخطأ قاتل. الرومي يضيء كما يشكل تعرية كاملة لإيثيك ومجتمعه، بما عاشه وتكوَّن به مجتمعه قيمياً. أو حتى إمكان عكس التاريخ: ما عرِف به الرومي وحيث تنقَّل، وحيث استقر ورحل أبدياً مثقَلاً بالكروب طبعاً، يحثنا على النظر محيطياً: ماذا جرى، ليصبح هكذا، أي في الذي يسوس مجتمعاً.
لتأتي جملة المشاهد الحوارية في الفصول الأحد عشر للكتاب: الرواية، تعميقاُ للفكرة أساساً، أو ما يجعل الفكرة بمثل هذا الحضور الكارثي عميقاً،وما يكون للخيال من إسهام في بناء نص قائم بذاته، ويكون في الوقت عينه، مكاشفة رمزية لما كان ولما سيكون كذلك . بركات يمثّل تخيلياً، ويشغلنا بطريقته في عملية التمثيل من داخل النص الذي عرِف به، تاريخياً، حيث إن (إن التركيز، كما نحدده هنا، لا يتعلق بالنطق بل بالتمثيل السردي. يشير مفهوم التمثيل إلى العلاقة التي تنشأ بين النص السردي وما يسمى عادة بالخيال أو الحكاية أو التاريخ. إن هذه العلاقة أساسية، لأن التاريخ، إذا أخذناه في حد ذاته، هو تجريد: أي أن الفعل والشخصيات والكون المكاني الزمني التي تشكل جوهر القصص لا تقدم نفسها بشكل عفوي إلى وعينا؛ يجب أن يتم توصيل كل هذه العناصر إلينا من خلال وسيلة ملموسة، من خلال التمثيل. ) " 12 "
لا يعود إيثيك مستقلاً، مهيمناً باسمه ومأساته التي تدينه أخلاقياً، وانتحاره الذي يعرّي حقيقته، ولا يمكن تناوله كحدث قابل للتفسير دون ربطه بالرومي. وربما كان في ذلك حيلة بركاتية، كما هو المعهود فيه، أو مكره في لعبة السرد، حين منحه هذا الحضور اللافت بداية، لكنه أودعه الأرشيف الفضائحي للتاريخ، ومن خلال طريقته الروائية، وفي صفحات عدة، لتكون أكثرية الصفحات وبما لايقاس لصالح الرومي، وإن كان" الرومي طبعاً" لا يتضح، أو يمكن التعرف عليه، في الصفحات الخمسمائة تقريباً، إلا بالإحالة إلى أقوال، أو اقتباسات مقتضبة، تنتشر في المساحة الروائية كاملة، قصاصات تتطلب حرتقة، وترميماً، ووصلاً بين فراغات، وبترو وحذر في الوقت نفسه، وما يعنيه هذا المطلب المتصوَّر، من توجيه النظر إلى مكانة الصوفي، صاحب مأثرته " المثنوي " ومجتمع " المثنوي " وعظمتها، وأكثر من ذلك: إجهاد القارىء، كما يستحق الرومي، وتعبيراً عن أن الرومي لا يفهَم بسهولة، والدليل ما تعرض له من اتهامات وغيرها، ودعوى التاريخ مفتوحة، أكثر من الملك إيثيك، فوضوح حدثه، هو وضوح طغيانه واستبداده، وهنا تكون القاعدة العريضة والمتينة والعميقة بجذورها للتصوف، وبالنسبة إلى رمز كبير فيه: الرومي، وكيف آخى بين المفكّر به وجدياً، باطنياً، ووالمعبّر به عنه نهرياً في الدوران النهري: رقصة المولوية، ومعْلمها الكوكبي، أو وصْلها بين الأرض والسمائي بامتياز .
وبدءاً من أهم شخصيتين في الرواية، زوج وزوجة، وفي الزوج يكون القول الفصل كثيراً، ( سيكين، الشاب ذو الأربعة والثلاثين عاماً- الواقف تحت السقيفة الخلفية لداره مرتدياً منامته الرمادية الرقيقة وفي يده اليمنى حزامان من أحزمة البناطيل- شخص لا يقرأ الكتب. زوجته، الغائبة عن الدار إلى أشغالها، هي التي تقرأ كتباً فتستوحيها إلهاماً لما تكتبه من كلمات الأغاني لفرقة صاخبة الآلات والأصوات في المدينة، عنيفة الخيال بما تقدّمه من أغان صادمة الكلمات، غريبة المعاني، نزقة، غاضبة، تعوَّد جمهورها ذلك منها في شبه جزيرة إيلانتس، حتى الحدود الأبعد من محيط الدولة المترامية ..ص 17 ).
مفارقات تسبقها كما تليها مفارقات، شاهدة على وضع غير آمن، من قبل من قيض لهم أن يكونوا شخصيات معذّبة بأدوارها، بعلاقاتها، بأوضاعها، في سادية لا تخفى تمارَس من جهة السارد الرئيس، من جهة الروائي، مركَّزة عليها، وهي تتساوى، في طريقة تناولها للأحداث، والإيغال في تخيلات، والاسترسال في أوصاف تعقبها أوصاف، وما في ذلك من سخف العالم، ولعلها العلامة الفارقة في عموم رواياته، وهنا بالذات، أي على صعيد البلاغة في التعبير، مكابدة بينية وداخلية: سيكين العامل في الدهان، دي، زوجته، المهووسة بتأليف أغان مقلقة، سيرانا، أختها، بائعة ثياب مستعملة، كامين، إبنة سيرانا، عاملة في مشغل للوشوم، ماكرايان، مساعد جرّاح تجميل، آدير ، صاحبة متجر لبيع الزهور والورود، وشيناب، زوجها، مفتش صحة في شئون المطاعم...إلخ، كل مهنة تشهد بمفارقات، ويسلسل بركات عبر صنوف سروده القياد لشخصياته لأن تعيش هوس البحث عن المختلف، عن منعطفات لا تخطر على بال، في منطق اللامنطق، نفياً لمنطق مخوَّل بجدارة الاعتماد عليه واقعاً، كما يظهر، وما في ذلك من سخرية مرة هنا.
في مشهد حواري بين سيكين ودي، نقرأ:
لماذا لا تكتبين، يا دي، كلمات أغنية عن أحزمة بناطيل الرجال ؟
ليسترسل في خياله، مثلاً:
ماذا لو كتبت، يا دي: فليأكل كل رجل حزام بنطاله من طرفه إلى طرفه، وليبتلع إبزيمه الحديد؟
تالياً، بعد سطور عدة
ضحك سيكين، وجد حلاً:
يُدهن الإبزيم بزيت قبل ابتلاعه..ص26 .
سيكين هذا مستقطب الآخرين، في إقباله المستمر على الانتحار دون أن ينتحر " أي يموت " وما يعنيه ذلك من، قابلية لاستمرارية السرد، ليكون الحديث عن الحياة والموت، كما في ( اختفى سيكين يومين بعد انتحاره. معتادٌ أن يختفي يومين لا يتذكر قط أين كان فيهما. لكنه يرجع إلى الدار بالثياب ذاتها الأخيرة ارتداها حين انتحر. ص37 ) .
هل من مفتاح معين، لطرق باب ترميز كهذا، وهو يستغرق الرواية؟ أيجدي التأويل، والمفتوح منه بالذات نفعاً، لمقاربته دلالياً؟ أي فكرة تعرشت في واعية بركات إزاء تمثيل سردي كهذا؟
هل حقاً، أن الذي يصوغه تخيلياً، يمكن قياسه، أو فك شيفرته، إن جاز التعبير، ويلقى صدى ما لدى الروائي، أو عدم اعتراض، من نوع: هي ذي قراءتكم ولا شأن لي بها؟ وماذا لو جاءت القراءة صادمة له، بمعنى، أنها تفصح عما لم يتنبه إليه في صوغه التخيلي هذا؟
تحضرني شهادة كاتبة في هذا المقام، وهي تتحدث عن الشخصية بقولها:
( تقدم الشخصية نفسها كمتحدث مباشر أو غير مباشر عن تصاميم خالقها. يقول كونديرا: "شخصيات روايتي هي إمكانياتي غير المُحققة. هذا ما يجعلني أحبها جميعًا وأُخيفها جميعًا على حد سواء. لقد تجاوزت جميعًا حدودًا لم أكن أتجاوزها إلا.» تلعب الشخصيات دور "الأنا الخيالية". بالنسبة لكونديرا، تتيح الرواية "تأملًا في الوجود من خلال شخصيات خيالية". »
أما بالنسبة لي، ففي الختام، فأنا أتفق مع أطروحة سيلفي جيرمان، وهي روائية معاصرة، تقول: "كل الشخصيات هي نائمون سريون تغذيهم أحلامنا وأفكارنا، وهم أنفسهم يعجنون في طمي الأساطير والخرافات..." نحن نخلق شخصية مع أنفسنا، بالتأكيد، ولكننا نخلقها أيضًا كثيرًا مع الكتب ومع الأساطير الأسلافية للإنسانية التي هي فينا، في اللاوعي لدينا، منذ الأزل.) " 13 ".
إنما إلى أي درجة يمكن أن يستجيب الروائي لذائقة قارئه، بوصفه منتجاً مشاركاً لنصه، وأن نصه هذا يستحيل أن يكون نصاً، إن لم يعرَض للقراءة بالذات ؟
الانتحار الذي يشغل الرواية لا يبقي قارئها حيادياً، أي دون السؤال عن هذا الحامل الكبير للرواية والمسخّن لأحداثها، يصبح حديث الانتحار شاغلاً لشخصيات الرواية كاملة، ما يشير إلى عبثية الوجود القائم، ما يفصح عن مأساة تستبد بالجميع كذلك.
كامين تسأل سيكين عن خلفية انتحار لديه( لماذا تنتحر؟ "
يأتيها الجواب:
أصحح خطأ المكان . ص 51 .
إيثيك ظل ثقيل مخيّم على الجميع، و" خطأ المكان " يتلبس الجميع، وسيكين هو المفصح عنه، كما لو أنه يعرفه عن قرب، كما في قوله ( تعال يا خطأ المكان. ص 398 )، إنما أي نصْب لمثل هذا النوع من الانتحار، ليضاء فضاء الرواية معنى؟ كأن الرواية تصادر نفسها بنفسها هنا ! لكأن الانتحار محرّك رئيس للرواية، وحيث توجد وكالة لافتة بوظيفتها" وكالة الانتحار" وفي ذلك مضي باللغز إلى الأبعد منه، كما لو أن المدينة الملعونة، يستحيل عليها فك عقدتها إلا بزوالها.
باسم الرومي، واستناداً إليه، تأخذ الرواية كامل أبعادها في رسم المعاني في المباني، ويُعطى السرد الاعتبارَ الذي ينتقل به من مشهد إلى آخر، وصوب اللامسمى أو اللامتوقع، كما مألوف بركات في معيشة كهذه( كل كشف عجيب يتحول في أ{ض الإنسان إلى استثمار في الأرباح من الإغراءات . ص 252)، وما يصل القارىء بالمفارقات، بالمسافات وتداخلها، كما في حديث شيناب الاستفساري عن النحل( أيجمع الرحيقَ من بساتين الإشراقات، والانجاذابات، والنجليات الإلهية كصديقنا الرومي؟ ص 259)، وما يصل الزجاج، وقد أصبح محور حديث مستفيض، بالتصوف، وبابن الرومي، نشأة وتركيباً، كقول داديل الباحث في العبارات المجهولة( نحن الآنية الزجاج الشفافة، نمنح الشراب في كلمات الرومي لوناً ..ص 296)،و( داديل محاصَر بمراوغات الرومي..ص 365)،وما يصل الهدهد بالتصوف، وبلسان دي( إنه طائر متصوف إذاً. أهل الكشوف يتشابهون بشراً وطيوراً..ص 417 ) .
التصوفي يمنح متخيل الرومي، المستدعى بركاتياً، ما يبحث عنه أو يريد نثره على الورق، مثلاً ، لحظة الحديث عن الأجبان، فرصة متاحة لبركات، ليشد قارئه إلى مجهول يستظهره، كما في:
( الأجبان لغز حقاً في صناعتها، رفاهية في التجاريب لاستيلاد الأنواع الفرائد على موائد المتذوقين. مغامرات من الاختبار والتجاريب رافقت ابتكار الأجبان.. .. أجبان من حليب الماعز مستطابة الحمض.. أجبان من حليب الضأن، فيه ما اُختزن من كسل النعاج.. أجبان من حليب الجِمال لا يبارحها، في المضغ بين الأسنان، مذاق الخلاء الوحشي تؤثث الرمال فيه ليلاً مساكن للكثبان مكشوفة، وتهدمها في النهار..ص 146 ).
وما للإسترسال في ركاب التصوف من دلالات متفجرة:
صوفي في مذهبه أثر خياط .
صوفي في مذهبه الكثير من حرفة الحلاق.
صوفي ذو نص فيه أثر من حرفة الجزّار.
...
صوفي في مذهبه أثر من حرفة المرابي
صوفي في مذهبه أثر من حرفة الحداد
...
صوفي في مذهبه أثر من حرفة الطحان
صوفي في مذهبه أثر من مهنة النجّاد..ص 462.
وتلك القائمة الطويلة، والتي يعرَف بها بركات، في التنسيبات، كما في الفن، في قرابة صفحات أربع:
فن البكاء- فن الحقد-فن الغضب- فن الأرق- فن الفقر-فن الأنين- فن الطهو بالأنفاس- فن الشهيق- فن صقل اللهاث- فن السكتة القلبية.. ص 425 .
أهو استهواء بركاتي، ووقع في مصيدة الذات المأخوذة بغواية خيالها يا تُرى؟ أي شراهة تضفي على السرد متعة المتابعة، ولذة المكاشفة، حيث يوحي كل ذلك بلا لا يتناهى استرسالاً؟
ربما بالطريقة هذه، يحصل تناوب في التمثيل السردي بين الرومي خميرة الرواية، وهو بمراوغاته المرسومة، وكما يريده بركات، وبركات نفسه، حيث يتوارى بين طيف الرومي، ويطلق لسارده العنان، هو وليس هو، حيث الحاضر بركات والغائب يكون الرومي، لحظة الشعور الواعي، أن هناك ما يقال، إنما ما ينزع عن القول قوامه الفني، ليكون عائقاً أمام الاتصال جهة التفكير في المسرود، ومسرود المسرود، وما يقطع في " سلسلة " السرد\ بالذات .
هناك ما يبعث عن القلق مجدداً، جهة الموقف من القارىء، وهو ليس أي قارىء، عندما يفصح الروائي عن موقفه هذا، بطريقة تلغي القارىء كلياً، حيث يكتب، وكأنه في حكم المعدَم، كما في هذا القول( أنا لا أفكر في الجمهور على الإطلاق، وإلا فإن الأمر يصبح مربكًا ويمنعني من الكتابة. أكتب من تجربتي ومشاعري وإدراكاتي. بالنسبة للروائي، من المهم الحفاظ على هذه الحرية والثقة في عدد قليل من القراء والمقربين منه، وإلا فإن ذلك يخاطر بشل الكتابة بشكل كبير...) " 14 "

دفْن الرومي مراراً وتكراراً
تعلِمنا الرواية، بطريقتها، في قراءة شاملة، أن الرومي مات ولم يمت، كما هي شهادة عصره، والعصور التي تلته، أنه بالذي جسّده في سلوكه قولاً وفعلاً مطارد في عصور التاريخ المختلفة.
تعلمنا رواية بركات المتخمة بالفانتازيا بأن ليس من أمل يمكن الرهان عليه في وضع كهذا، مع شخصيات من النوع الذي شهدناه في الرواية، وأن في الدفع بسيكين إلى الانتحار، من قبل كل من زوجته دي، وأختها سيرانا، وابنة هذه كامين، ما يفصح عن حكم بالكارثي في قادم الأيام:
( هوى سيكين من علياء الشاطىء المنحدر عنيفاً كجدار. تلقفته الصخور الناتئة برؤوسها المطلية دِهاناً لا يُعرَف منشأ الصبغ فيه . ص 485).
وكما برزت الطبيعة البحرية في البداية، هكذا تواجهنا في الختام، حيث تظهر جثة سيكين في صدع واسع في الصخر( منحشراً من دفع الموج، تحيط به عظام نوارس، وأقمشة متهرئة من بقايا أشرعة، وعلب معدنية ، صدئة، تجمدت على حفافها خيوط من الدهان..ص 489).
هوذا، كما هو الممكن قوله هنا، عنف الطقوس المسرحية اليونانية، عنف الباخوسيات في القتل، والتعبير الدلالي للقتل، في شرعة وجود لا يطيق موجوده، شرعة الطبيعة التي تطهِر روحها.
وفي الوقت نفسه، فإن روح الرومي، في ضوء هذا المختتم الصادم بمشهده، ومحتوياته، لا تبعث على الطمأنينة، على انتقام تشاركت فيه نسوة لهن مقام اعتباري، مع الطبيعة، لها مكانة معلومة، لا بل وبليغة في بنية اللعبة التخييلية، إنما تتابع معاناتها، وهي معفاة، كما يظهر، من ضريبة الألم المباشرة، ألم مقاضاة تاريخ، لا يعنيها، إنما يعني جرْماً مرتكباً، ويعاد إنتاجه، في الذين يظهرون قريبين روحاً من الرومي هنا وهناك، ويحاصَرون حيثما كانوا، في مجتمع غافل عما يجري، جاهل في الذي يتمثله، متعام عن آتيه المهدد بفنائه الكلي. الطبيعة تتدخل إذاً !


مصادر وإشارات
1-سليم بركات: مباهج الانتحار الإحدى عشرة وقياس المراوغات في أحوال جلال الدين الرومي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2023، في قرابة " 500 " صفحة ( 496 صفحة تحديداً )، من القطع الوسط، والإحالات المرجعية تخص هذه الطبعة.
-2 Beksinski, WITHOUT TITLE, 1971
بيكسينسكي بدون عنوان
3-سليم بركات: لوعة كالرياضيات وحنين كالهندسة، حاوره: وليد هرمز، المؤسسة العربية، بيروت، ط1، 2020، ص19-20.
4-المصدر نفسه، ص 84 .
5-ينظَر حول ذلك، مقدمة الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا، للمثنوي، مولانا جلال الدين الرومي، مع ترجمته وشرحه، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 1996، الكتاب الأول، صص 7-30 .
6-إليف شافاق: قواعد العشق الأربعو( رواية عن جحلال الدين الرومي)، ترجمة: خالد الجبيلي، منشورات الجمل، بغداد، ط1، 2012، ص 32.
7-سليم بركات : لوعة كالرياضيات...، ص64.
8-المصدر نفسه، ص 92 .
9-ماريو بارغاس يوسا: رسائل إلى روائي شاب، ترجمة: صالح علماني، دار المدى، دمشق، ط1، 2005، ص 9.
-10 Gérard Peylet: « Paysagesromantiques » : un état de l’âme et un état d’art
جيرار بيليه: "المناظر الطبيعية الرومانسية": حالة ذهنية وحالة فنية
11- روجيه غرينيه: قصر الكتب، ترجمة: زياد خاشوق، دار المدى، بغداد، ط1، 2018، ص 17 .
-12Gérard Gengembre: Le roman historique : mensongehistoriqueouomaneomanesque ?
جيرار جينجيمبري: الرواية التاريخية: كذبة تاريخية أم حقيقة خيالية؟
-13 RégineDetamel: Les personnages de roman
ريجين ديتاميل: شخصيات الرواية
-14 Yannick Haenel : “La littératureest le langage des libertés”
يانيك هاينيل: "الأدب هو لغة الحرية"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...