إبراهيم محمود - استئناس المحتوى قراءة في كتاب" حاملو الهوى: الغزل والحب في الشّعر العربي القديم "

على المحكّ
ليس في العنوان ما يُمكن أن يُصان، إنما ما يمكن أن يُبان، وذلك من خلال سبْر محتواه، وعلام ينطوي إيحاءَ معنى، وإملاء دلالة. العنوان في الحالة هذه يسمّي مكانه، ويحدد موقعه، هذا المعني به أولاً، ويشير إلى زمان لا يمكن تجاهله، لأنه يشير إلى واقعة، أو حدث، مستنداً إلى علاقة بينية، إلى معايشة معينة، وانشغال معين، تلبية لوازع نفسي، اجتماعي، أو ثقافي من زاوية معينة.



في كتاب " حاملو الهوى: الغزل والحب في الشعر العربي القديم " " 1 " ثمة العنوان، بما يحرّره من حدّي الزمان والمكان المباشَريْن. هُم " حاملو الهوى " ليس من تصنيف، ليس من تعريف، لكنه في بنيته، يعرّف بنوعه وتمثيله الرمزي" حاملو الهوى " جمْع يقّرُّ بأهليه، هم هؤلاء الذين يكابدون حباً، ويعيشون لوعة، أو يمتلئون صبابة بالآخر، ثمة الحبيب والمحبوب، بمفهومه الجمعي، لكنه ينطوي على أفراد متباينين، هم هؤلاء الذين نسَّبهم إلأيه تعبير " حاملو الهوى "، ليأتي التخصيص الجغرافي- التاريخي، أو الزماني- المكاني، لمن لديه اطلاع على سيستام المعنى الدال ، تسمية وتأطير حدود" الغزل والحب في الشعر العربي القديم "، هوذا ما يتقدّم به العنوان الغفل من التسمية في مستهله، المفتوح في المؤتى منه بمفرده، وقد تحدد في عنصرين لهما حضور في التاريخ: الغزل والحب، ما يأتي تعبيراً بالقول، وما يربط القول بما هو عام وجدانياً وقيمياً: الحب، وفي شعر معلوم ببداية ونهاية مفترضتين طبعاً.
ماالذي يُستأنَس فيه، ماالذي استأنسه العنوان بجمعه هذا، وأي محتوى شكلَ أفق نظامه المعرفي، أو خطابه الثقافي في الصميم؟
كتاب ، استوقفني بعنوانه بالكامل، ومضى بي إلى داخلي، وهو حديث الظهور نشْراً، أي معاصرنا، لمكاشفة نوعية العلاقة بينه ومتضمناته، وبدءاً من التقديم له، وهو لم يخف جودته طباعة، وإخراجاً، وورقاً، وجهداً في اختيار النصوص المعبّرة عن تيمة العنوان، وفي نطاق قراءتي المختصرة هذه له.



من هُم حاملو الهوى؟
هوذا العنوان وقد أصبح سؤالاً، وهو ينفتح على جهاته، وربما يستشرف داخله. ثمة إشعار في المتن، إيصال معنى، صورة حسّية لهؤلاء الذين شكلوا " مجتمع العنوان " أو دائرته، أو مجلسه بامتداد تاريخهم العريض. إنما، وكما بات معروفاً في بنية الدراسات الحديثة، والسيميائية في المقدمة، لم يعد العنوان يسجَّل أو يُعتَمد من قبل كاتبه عفوياً، بقدر ما يخضع لخيارات ومكاشفات، فهو من العتبات الكبرى للنص، للكتاب، إن تجاوبنا مع جيرار جينيت، أي بوجود سياسة اعتماد لها دلالتها النفسية والثقافية. لكن الكتاب ليس من وضع شخص محدد، كما يعلِمنا محتواه، أو ينبّهنا إليه، وهو يرتد بنا إلى عصور خلَت، وهذا يعني أن وضْع العنوان مختبَر، ويقدَّر بوصفه خياراً من خيارات عدة، في ضوء مضمون الكتاب بالذات" نماذجه الشعرية "، ربما أكثر من الذين أعدّوه، كما وردت أسماؤهم ، كما جاء ذلك في مقدمة الباحث ورئيس التحرير في دار النشر: عبدالواحد علواني، بوصفه معبّراً، مأخوذاً من شطر شعري لأبي نواس" حامل الهوى تعب " ( للدلالة على لوعة المحبين وبراعة الشعراء في الوصف والتلميح والتحبب والتغزل..ص11) .
يتضح خفَيّ العنوان بجلاء كشّاف، ثمة مداولات وتقويمات، على أثرها جرى تعديل العبارة الشعرية، بصيغة الجمع، ودون إيرد الخبر المباشر، هكذا ( حاملو الهوى )، أي ليس كما في مفردها ( حامل الهوى تعب ). من المؤكد أن اقتباس العنوان من شاعر له حضوره الإيروسي في الشعر العربي " العباسي " يؤخَذ في الحسبان " الثقافي وحتى النقدي، فهو يمنحنا، بموقعه المستحدث، قابلية لأن نوسّع دائرة الرؤية لطريقة اختيار النماذج الشعرية، كما هو مستجد الراهن، دون ذلك لا قيمة لهذا المعَدّ كتاباً.
إنما هناك ما يستوقف محمّلي الكتاب بغائبيه من الشعراء، للنظر في مقصوده المفصَح عنه" حاملو الهوى "، إنهم جمْع ذكور، وليس من حضور للإناث، ليس هناك " حاملات الهوى " وهو ما يلفت النظر حين يُقرَأ الكتاب، وهو عنوان يستجيب للذائقة الإيروسية لأبي نواس بامتياز، والذي يعرَف بذكوريته اللماحة وبليغة أثراً في كم وافر من أشعاره. فهل راعى معدّو الكتاب هذا الجانب في سياقه؟
ما أعنيه، في الحالة هذه على وجه التحديد، هو أن ليس من أثر لشاعرات في أصل العنوان. أما كان هناك إمكان لوضع عنوان يستجيب للحالتين ؟
بالتوازي مع هذه الملاحظة، جاءت لوحة الغلاف الفنية معبّرة تماماً عن العنوان، إنها إشعارية بقسمات وجوهها. كلهم ذكور، وما في ذلك من إبلاغ للقارىء، أو المخاطَب. ألا يترجم هذا الخيار التقني وهو ليس تقنياً، نزوعاً ذكورياً في عملية وضع اللوحة هذه؟
اللافت، وهو ما يعمّق صدع القول هنا،أن اللوحات الفنية الداخلية،وفنانها الدقر، تمثّل، المرأة، في عمومها، والأكثر إيلاماً جهة الدلالة، ومأساة التعبير في بنية الكتاب داخلياً، هو أن المرأة، وهي مفردة في أغلبيتها، تظهر بقالب تراثي، وزخرفي، وأكثر أكثر من ذلك: مغمضة العينين، كما لو أنها على وقْع ترتيب كهذا، تكون المرأة نزيلة عالمها الداخلي المغلق، مسكونة بالآخر: الذكر، في الخارج، إنما تمثيل لوعته وبدعته، بدعة تمثيله لها، وتقويلها بما يريده منها قولاً وفعلاً، وهي مثقَلة بالخطوط وتقاطعاتها، بينما يُلاحَظ في وجوه الرجال ذلك الوضوح، وتلك الثقة في الانفتاح، ومن خلال كتاب، ودلالة الكتاب المفتوح، كتاب الرجل الذكر إجمالاً.
من هذا المنطلق، يمكن القول أن العنوان نفسه يتطلب ضبطاً للمعنى، وهو موزع بين حقب استغرقت قروناً، وما يستوقفنا مع السطور الأولى للباحث علواني( قيل: الشعر ديوان العرب، وإن كان هذا القول صحيحاً فهو يصح على كثير من الشعوب، فالشعر روح الأمم، ونبض الحضارات، وذاكرة مكثفة للتحولات الاجتماعية والثقافية على مر العصور..ص9).
هوذا صحيح، إنما في حدود معينة، بناء على شهادة التاريخ، فما وجد العرب أنفسهم فيه وبه في " الشعر ديوان العرب " الشعرإنما يرجعهم إلى ما كانوا يعرَفون بالشعر، وحيث كان الشاعر الجاهلي، شاعر القبيلة الواحدة محل اعتبار وتقدير، ويحتفى به، كونه لسان حالها، وهم يودعونه قيمهم، ثقافتهم، أو طقوسهم وشعائرهم...إلخ، ومع الزمن لم يعد بمثل هذا المقام، بعد ظهور الإسلام، وبروز مكانة النثر، وفي العصر العباسي خاصة .
في مختتم المقدمة ، ثمة ثناء على جهود من أعدّوا الكتاب، وثمة الأفضل، وكان المبذول جهداً في أوجه، كما يُلاحَظ، إنما أيضاً ما يستدعي توضيحاًبخصوصالقول التالي في النهاية( وحسب كتب المختارات أن تنجو من اللوم . ص 11 ).
هوكذلك أيضاً، لأن المختارات تمثّل أطيافاً، وتخاطب مشاعر وأحاسيس، بقدر ما تجد أصداء متباينة، ومختلفة لها في النفوس، لعل هذه، تتلمس ثغوراً، أو نقصاً ما، في بنية هذا الفضاء الواسع للمختارات، وليس في نسفها طبعاً.
هناك ما يشير إلى طريقة الاختيار، وهو المهم، واللافت في العمل الجماعي هذا. وفي هذه النقطة، أكثف ملاحظاتي:
أولاً، يوجد تباين في عملية الاختيار بين شاعر وآخر، في المساحة المعطاة. مَن تكررَ اسمه مرتين وأكثر، وليس لهم ذلك الحضور الشعري، مقابل آخرين، كما في حال هؤلاء " الخلفاء ": يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد، وهارون الرشيد، وهناك ماني الموسوس، والأحوص الدارمي...إلخ .
ثانياً، جرى التعامل مع اختيار القصائد المشهورة، بحذر شديد، كما يظهر، وخاصة تلك التي تعرَف بمضمونها الصريح بما هو إيروسي، فجرى تجاهل تلك الأبيات ذات العلاقة، كما في معلقة" امرىء القيس " وغيرها. بالطريقة هذه، أي مقام اعتباري يتبقى، لـ" " حاملي الهوى " للموصوف غزلاً وحباً؟
ثالثاً، بالنسبة لامرىء القيس نفسه، كمثال حي وبداية، كيف جرى اختيار الأبيات المقدَّمة بأنها من قصيدة منحولة نسبت إليه، وجرى نشرها؟ ما حكمة هذا الاختيار، وهي من خلال بنيتها اللفظية وسخف جل أبياتها تلك تتضمن هأهآت وعنعنات وسينسينات..إلخ، التي تعتبَر غريبة كلياً على عالم الشاعر الجاهلي، وما عرِف به من لغة أهل زمانه، ومقامه الشعري ؟
رابعاً، وفي إطار الحديث عن الشعر الجاهلي، لماذا جرى حجْب شاعر له شهرته، وهو طرفة بن العبد، ومعلقته " الدالية " ذات الشهرة ؟:
لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِتَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ
وهناك أبيات تترى تضيء العالم الإيروسي" الأنثوي لجسد المرأة الفاتن والبالغ سمنة ً؟
وتبقى الملاحظة الكبرى، والمتعلقة بطريقة التعامل مع الشاعرات، وقد وردن بأسمائهن ونماذج شعرية لهن في النهاية. أما كان في الإمكان توزيعهن إلى أزمنتهن على الأقل إلى جانب الشعراء المذكورين، من الشعر الجاهلي إلى شعر المتصوفة ؟
ما الذي يمنع من اختيار أشعار لكل من الشاعرات اللواتي ينتمين إلى عصور متباعدة للشعر العربي القديم، أمثال:
أم الكرام بنت المعتصم بن صمادح- عشرقة المحاربية- خيرة بنت ثابت أبي ضيغم البلوية- بنت القلاعي الغرناطية... " 2 "
وحتى بالنسبة للائحة المتصوفين، وقد خلت من ذكر أي شاعرة. أما كان ممكناً إبراد اسم شهيدة العشق الإلهي: رابعة العدوية، وهي بنوعية غزلها الصوفي، أم أن في ذلك إحراجاً، لمن يمحور الثقافة الشعرية وقولة الشعر حول ذكورته في التاريخ ؟
والذي يضفي على الكتاب قيمته التوثيقية والجمالية في ضوء الحاضر بالذات، خصوصاً، حين يجد القارىء نفسه في عالم مفتوح، يسهّل له إمكان الوصول إلى شعراء مختلفين، وبأعمالهم الكاملة والمحققة أحياناً، انترنتياً، فيبقى المختلف هنا، والذي يكسِب الكتاب اسمه ومسمّاه، لو أنه انبنى على معرفة محيطية يُراعى فيها تنوع عصور هذا الشعر، واختلاف الذائقة في الوصف الشعري، وكيفية تمثيل " الهوى " وهو يحمله غزلاً وحباً، من خلال مفردات معينة، خاضعة لمنطق التطور، في مبحث تأريخي، تعقّبي، يخرج الاقتباس هذا أو ذاك من خانته المغلقة، الاقتباس الذي ينار بقيمته في عمومه، وليس اختزالاً، وما في الاختزال من بؤس مردود، ويجعله معاصراً لحقيقة ما كان عليه في زمانه، ومعاصراً لقارئه وذوقه وأهليته لأن يمضي بميزته الفنية شعرياً إلى الأمام بحيويته وروحه، أي حيث تكون البداية في الشعر الجاهلي، والنهاية تتاخم القرن التاسع عشر، وليس إلى ما قبل قبل خمسة قرون، كما لو أن الشعر هذا في العصر العثماني ملغى هنا!
مختصر الكلام، ودون التقليل من الجهد المبذول في إعداد الكتاب ، ما أبديته من ملاحظات يتركز على جسم الكتاب، بغية منحه قوة حضور أكثر، ويعزز لدي يقيناً ما، وهو أن نسبة من الاعتباطية تسمُ الكتاب بدءاً من عنوانه وغلافه وانتهاء بمسكون محتوياته !

إشارتان
1-حاملو الهوى" الغزل والحب في الشعر العربي القديم، إعداد: جميل داري- عبدالواحد علواني-محمد شفيق البيطار- فريدة جابر، منشورات دار المحيط للنشر،الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2025، في " 222 " صفحة من القطع الكبير والعريض نسبياً، وتجليد فني أنيق، ولوحات فنية للفنان الراحل: أيمن الدّقُر. والإحالات المرجعية في الداخل تخص هذه الطبعة.
2-ينظَر، مثلاً، في مقال: د.إيمان نوري الجنابي: غزل النساء في الأدب العربي" مستل انترنتي "، ولا أكثر من الأمثلة المنشورة في هذا المنحى انترنتياً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...