محمد علي عزب - التكرار ولغة الشعر

المعجم الشعري ملكية خاصة للشاعر, صحيح أن مفردات اللغة موجودة على قارعة الطريق, لكن اختيار الشاعر لمفردة دون أخرى هو الذي يجعل من معجمه الشعري ملكية خاصة, وهذا الاختيار يتحدد طبقا لحساسية الشاعر ووعيه باللغة والتصاق هذه المفردات بوجدانه وقناعته الشعرية بأن هذه المفردات اللغوية أو تلك هي الأجدر بتمثيل تجربته الشعرية, ولكل شاعر مجموعة من المفردات اللغوية تتكرر في أعماله, وهذا التكرار خصيصة أسلوبية تميز الشاعر وليس العكس, وبالطبع فاٍن هذه المفردات المكرورة يتم توظيفها في سياقات نصية متعددة يكسبها دلالات جديدة تخص الشاعر, فمثلا مفردة الربيع نجد أنها تتكرر كثيرا في شعر صلاح جاهين, فالربيع عند جاهين له دلالات خاصة يحددها سياق النص الذي وردت فيه, فمثلا يقول في اٍحدى رباعياته:
الدنيا من غير الربيع ميته
ورقة شجر ضعفانه ومفتفته
لأ يا جدع غلطان تأمّل وشوف
ورد الشتا طالع في عز الشتا
الربيع مقرون بالورود والزهور التي تمثل الحياة, والشائع أن الدنيا تموت بدون الربيع, لكن جاهين هنا يستحضر لازمة من لوازم الربيع / الحياة في الشتاء وهي الورد, وفي رباعية أخرى لا يجعل جاهين من الربيع مجرّد فصل من فصول السنة, بل يجعله ملازما له طوال الوقت فيقول:
الضحك قال ياسِمّ ع التكشير
أمشير وطوبه وانا ربيعي بشير
مطرح ما اكون بانتصر ع العدم
ان شا الله اكون رسمايه بالطباشير
الضحك دائما لازمة من لوازم الربيع, حب الحياة وانتصار الذات على العدم حتى لوكانت مجرد رسمة بالطباشير .
والتكرار هو أحد المحاور والمرتكزات التي تدرسها الأسلوبية أو علم الأسلوب في النص الشعري, على مستوي المعجم "المفردات" وعلى مستوى التركيب "بناء الجًملة وبناء لغة النص", فعند دراسة دلالة النص يقوم الأسلوبيون بتتبع المفردات ولوازمها التي تتكرر في النص, ويقسِّمون كل مجموعة مفردات متشابهة اٍلى حقول دلالية أو حقول معجمية . ومعنى أن لكل شاعر حقيقي لغته الخاصة هو أن يختار مفردات معينة دون مفردات أخرى لها نفس الدلالالة مثل "سفينة" و"مركب", وكذلك على مستوى التركيب أي الربط بين المفردات لبناء الجملة والربط بين الجمل لبناء النص, وتركيب شبكة المتخيل الشعري .
ويرتبط التكرار بمفهوم التشاكل الدلالي عند جريماس في سيمولوجيا الفعل والغرض "السميولجيا علم العلامات داخل النظام الاجتماعي", والتشاكل أو التناظر مصطلح نقله جريماس من الكمياء اٍلى مجال النقد الأدبي ويعني تكرار مقومات معنوية تعمل على انسجام النص وفهم دلالاته, وقد وسّع فرنسوا راسيتي من مفهوم التشاكل وجعله دلالي وتركيبي أي تكرار أسلوب أو طريقة معينة في بناء النص أو تكرار رؤية أو وجهة نظر, ويرتبط التشاكل بمصطلح آخر وهو التباين الذي يعنى الاختلاف أو التضاد, وحضور التشاكل في النص الأدبي يستدعى حضور التباين, مما يًخرِج النص من حالة الثبات والسكون والرؤية الأحادية اٍلى حالة صراع بين الثنائيات الضدية على المستوى التركيبي, وهذا الصراع له وجهان: الوجه الأول هو أنه يجسد جوهر الدراما "تمثيل فكرة الصراع", والوجه الثاني هو أنه يمنح النص اٍيقاعا متدفقا يعبر عن حالة التوتر الشعري, فالاٍيقاع هو حركة العناصر داخل نسق أو نظام ما, ولا يقتصر فقط على الوزن أو موسيقى الشعر, فهناك إيقاع الحالة الشعرية الذي يتردد بين حالتين شعوريتين يتكرر تناوب حضورهما في القصيدة مثل الشدة والارتخاء, وهناك إيقاع اللغة الشعرية القائم على تكرار الصيغ والأساليب والتراكيب اللغوية، وإيقاع الدلالة القائم على التشاكل والتباين الدلالي في النص

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...