إبراهيم محمود - مساءلة الكأس... قراءة في كتاب توم ستانداج: تاريخ العالم في ست كؤوس

أهي كأس ؟
ماالذي يجعل الكأس عنواناً لمقال، أو ربما لبحث، أو من جهة مكوناته، لدراسة متشعبة في جماع عناصره، قابلة للتطوير هنا؟ ثمة ما يقرّبنا منها، أو يجعلها نصْب أعيننا، لأنها، بالنسبة للمحيط بتاريخها علماً، نشأة وتكويناً وتحوُّل نماذج واستخدامات، تحفّز لدينا وفي داخلنا إرادة تسمية كهذه، وهي التي تشكل عنصراً رئيساً في بيت كل منا، وحتى في دائرة العمل، أو المكتب الوظيفي، في المطعم والمشرب، إلى درجة أنها تتقدم من ناحية الدور الأدائي الحياتي على كل ما له بأدوات الطعام المباشرة، من طبق أو صحن، من ملعقة أو شوكة، وفي النطاق الاجتماعي، بمفهومه الواسع. من ينسى خلفية عبارة: كأسك!؟



أن يكون أحدنا بمفرده، وهو يحملها ويشرب بها ما هو يومي" الماء " وما يتعداه من صنف السائل ومحوَّل، بنوعه تأثيره: غازياً وسواه، أو مع صاحب له أو أكثر، في البيت أو خارجه، في مناسبة وغيرها،بأحجام مختلفة، ولأغراض مختلفة، من كأس أو كوب الماء، إلى كأس أو كوب الشاي الساخن، إلى فنجان القوة، أي الكأس المعدَّلة بالحجم المتناسب مع خاصية القهوة شرباً، إلى الكأس التي تصل بما هو غازي، أو بالعصائر...إلخ، وبذلك، يصح، على أكثر من صعيد قول أحدهم: تاريخنا مقرَّر في كأس..!
يحصل التداخل، والتنافس على القيمة الرمزية للكأس، وللمسكوب فيها، جهة المكانة، من السبب في وجود أو إيجاد الآخر. كلٌّ منهما يشير إلى الآخر، أو يسمّيه، ولو في صمت، بخاصيته الدنيوية والدينية كذلك، وتبعاً للمكانة والشخص وموقعه الاجتماعي، أو يرتبط به، وما للحقيقة من حضور دلالي، أو مجازي لحظة التذكير بها: النظر في الكأس ممتلئة أو فارغة، وحقيقة النصف ودلالتها.
لا يُنسى في الحالة هذه، متى تقبّل هذه التي تكون أكثر من أداة أو وسيلة، قيمة متنقلة، ومحولة وإشعارية باسمها وتمثيلاتها.



أي إن الحديث لا يركّز على الكأس، كأداة استعمال ، إنما ما ينسكب في الكأس، ما تجلوه الكأس مما هو سائل، وهو موضوع في عبوة معينة، وما يكون للكأس هذه من قيمة ادائية- وظيفية، وقيمة رمزية جهة الدلالة على حاملها ومقتنيها، عندما نفكّر في نوعيتها، وسط زحام المواد المصنَّعة منها، من الحجرية الأقدم والخسبية، مروراً بالمعدنية في اختلاف أنواعها أو معادنها، والزجاجية كذلك، في تباين مقاماتها صنعاً، وحتى السريعة العطب،بلاستيكية وغيرها، وحتى الطابع الديكوري لها، وبالتالي، فإن الكأس بمثابة القلم ومداده المسكوب فيها، نظير المسطور أو المكتوب ورقياً، وما يعنيه ذلك من وفورة في الكم والنوع وأبعادهما الرمزية.
تراءى لي كل ذلك، وبإيجاز شديد، وأنا أنتهي من قراءة كتاب الباحث توم ستانداج: تاريخ العالم في ست كؤوس، مترجماً إلى العربية، وشغلني بمحتواه، بدءاً من العنوان، وقد تجسَّد في رقم له مغزاه كذلك" ست كؤوس "، ولأن هناك ما أنشغل به بحثياً هنا وهناك، جهة المشروب والمطعام، والأدوات المرافقة أو الملازمة للحالتين، استوقفني العنوان، أو توقفت عنده في حوار صامت، فكانت القراءة هذه " 1 ".



تاريخ عبْر الكأس
هناك ما يبرّر لوضع عنوان كهذا. إنه رصيده الاعتباري، تاريخه المسجّل، والمتنقل شفاهياً كذلك. وعلي أن أشير إلى كاتبه " مؤلفه بدقة أكثر، تعزيزاً لقيمة العنوان ومحتوى الكتاب البحثي، وليس مجرد السردي التاريخي ". من هو المؤلف؟


Tom Standage

ليس هناك أي إشارة معينة إليه، ليظهر لحظة البحث عنه، بخلفية ثقافية وتخصصية بالمقابل( توم ستاندج هو نائب رئيس تحرير مجلة الإيكونوميست ومحرر نشرتها السنوية "العالم أمامنا" التي تستشرف المستقبل. انضم إلى الإيكونوميست كمراسل علمي عام ١٩٩٨، ثم عُيّن محررًا للتكنولوجيا والأعمال والمحتوى الرقمي. ألَّف سبعة كتب تاريخية، منها "كتابة على الجدار" (٢٠١٣)، و"الإنترنت الفيكتوري" (١٩٩٨)، و"تاريخ العالم في ست نظارات" (٢٠٠٥). درس الهندسة والحوسبة في جامعة أكسفورد، وكتب لصحف أخرى، منها نيويورك تايمز، وديلي تلغراف، والغارديان، ووايرد، إلى جانب اهتمام خاص بالأهمية الثقافية والتاريخية للتكنولوجيا.) " 2 "
الغلاف يسمّي " قواه " الداعمة له، على صعيد الكؤوس الست، مع تعديل لافت: على الغلاف الأول : أربع كؤوس، وعلى الغلاف الخلفي أربع بالمقابل، إنما مع عبوتين، وثمة حركات بخطوط لولبية ونثرات دالة في الغلاف المنشور للكتاب بعنوان الأجنبي" الانكليزي " خلفاً.
في النسخة الفرنسية للكتاب والمترجمة، ثمة حركة لا تخلو من صخب، حركة معبّرة عن علاقة تصلنا بتاريخ قائم وحيّ



الكتاب في طبعته الفرنسية
ما هو مكتوب على الغلاف الخلفي بإيجاز لافت:
توم ستاندج: تاريخ العالم في ستة أكواب، غلاف ورقي - بيغ بوك، ١٦ تشرين الأول ٢٠١٩
منذ فجر التاريخ، كانت بعض المشروبات تفعل أكثر من مجرد إرواء عطشنا. وكان لستة منها تأثير كبير على مجرى تاريخنا.
تم تأليف كتاب "تاريخ العالم في ست كؤوس" بذكاء كبير وبحث جيد، وهو يحكي قصة تطور البشرية، من عصور ما قبل التاريخ إلى القرن العشرين، من خلال البيرة والنبيذ والمشروبات الكحولية والقهوة والشاي وكوكا كولا. وفقًا لتوم ستاندج، فإن كل مشروب من هذه المشروبات قد غيّر حضاراتنا بطريقته الخاصة من خلال كونه عنصرًا
كتاب ممتع ومثير وأصلي للغاية لإعادة النظر في تاريخنا!" 3 "
وقرأت عنه في مكان آخر في تقديمه:
لا يستطيع الكثير منا أن يتخيل يومًا واحدًا دون تناول فنجان القهوة الصباحي، أو كأس النبيذ بعد العشاء.
ورغم أن اختياراتنا للمشروبات قد تبدو تافهة، فإنها تقول الكثير عن الماضي، ليس ماضينا فحسب، بل ماضي البشرية جمعاء.
توم ستاندج هو محرر مشارك في مجلة الإيكونوميست ومؤلف العديد من الكتب التاريخية الشعبية الأكثر مبيعاً مثل كتاب "تاريخ صالح للأكل للبشرية".
في هذا الكتاب، يرشدنا ستاندج عبر التاريخ الرائع لستة مشروبات شهيرة: البيرة، والنبيذ، والمشروبات الكحولية، والقهوة، والشاي، والصودا...
ولا بد أن وراء هذا التقديم هنا وهناك، ما يعزز القيمة المعرفية له، دون نسيان الدور الدعائي المعتبَر في حالة كهذه .
استوقفني تعريف به، وهو في كثافته ووضوح أفكاره:
"تاريخ العالم في ستة أكواب" بقلم توم ستاندج
الكحول، 25، 2019
يخبرنا هذا العمل التاريخي، الذي نشرته دار نشر كيرو، كيف أثرت المشروبات الرمزية مثل البيرة والنبيذ والمشروبات الروحية والقهوة والشاي وكوكاكولا، والتي ربما تكون المشروبات الأكثر استهلاكًا اليوم، على تاريخ البشرية، أو على الأقل كان لها نصيبها من التأثير في تطورها. وبعيداً عن الطعم والجوانب النفسية التي قد تبدو واضحة إلى حد ما في هذه المشروبات الستة، فإن استهلاكها المشترك كسلعة استهلاكية قد يؤثر على السياسات التي يتم تنفيذها، بل وربما يؤدي إلى إثارة الصراعات... كما أن الإنسانية مبنية على العلاقة التي يحافظ عليها كل شخص بشكل فردي أو جماعي مع مجتمعه الذي يهتم به، وكانت الأدوية النفسية تلعب دائماً دورها، وخاصة عندما يتم تناولها، وبشكل أكثر دقة عند شربها. إن العطش متأصل في الوجود البشري، فلماذا لا نعمل على تعظيمه من خلال إضافة القليل من الحاجة إلى الشرب من أجل العيش أو البقاء على قيد الحياة أو إخضاع إخواننا البشر والفوز بقضيتنا. لقد عرفنا دائمًا كيفية القيام بذلك باستخدام هذه المشروبات ذات الخصائص النفسية الواضحة بدرجة أو بأخرى...
يُلخّص مقتطف من هذا العمل بشكلٍ مثالي القضايا المتعلقة بقيمة هذه المشروبات المختلفة: "بالإضافة إلى توفير بدائل أكثر أمانًا لإمدادات المياه الملوثة التي كانت تنقل الأمراض في القرى البشرية، اضطلعت هذه المشروبات الجديدة بأدوارٍ مُتنوعة. فقد استُخدم العديد منها كعملات، أو في الطقوس الدينية، أو كرموز سياسية، أو كمصادر للإلهام الفلسفي والفني. ساهم بعضها في تعزيز سلطة النخبة ومكانتها، بينما استخدم بعضها الآخر لإخضاع المُضطهدين أو تهدئتهم. وقد استُخدمت مشروبات مُختلفة للاحتفال بالمواليد، وإحياء ذكرى الموتى، وإقامة الروابط الاجتماعية وتقويتها؛ وإبرام المعاملات والمعاهدات التجارية؛ وتنشيط الحواس أو تخدير العقل؛ واستخدام الأدوية المُنقذة للحياة أو السموم القاتلة. "
البيرة، هذا "الخبز السائل" كما يطلق عليه، كانت تغذي الناس وتسكرهم منذ بداية البشرية ربما. لقد سمح النبيذ، من خلال تجارته الدولية، من بين أمور أخرى، منذ نشأته، بنشر بعض أفكار اليونان القديمة، واحتل مكانة مركزية في الدين المسيحي. لقد أسهمت المشروبات الروحية مثل الروم والويسكي في تشكيل حضارات مثل الحضارة الأمريكية. وقد ساهم المقهى في خلق هذه الأماكن للقاء والعيش حيث تم إعادة تشكيل العالم. كان الشاي مصدرًا للتجارة واسع النطاق لدرجة أنه أسهم في صعود الإمبريالية البريطانية. وأخيراً، أرادت كوكاكولا أن تفرض نفسها بقوة حتى أنها ارتبطت، ولا تزال، بثقافة اقتصادية رأسمالية كانت مصدراً للتوترات بين كتلتين، الشرق والغرب، في وقت ما، ومصدراً لمعركة اليوم بين مؤيدي العولمة ومعارضيها... لقد هدأت هذه المشروبات، وأيقظت، أو على الأقل هزت، عقول البشر، وحتى لو لم يتم التطرق إلى الأضرار الصحية التي تسببها بعضها في هذا العمل، فلا مجال للتكتم على المكانة التي احتلتها في تاريخنا المشترك..." 4 "
إنها المكانة التي تستشرف جهات مفتوحة، وثمة ما يعتَّم عليه في الجهات هذه، عندما يتركز السؤال على حقيقتها: نشأة ووظيفة وهدفاً.
إلى درجة أنه من السهل القول مع التأكيد على أننا، وعبْر هذه" الكأس " باختلاف " أجيالها وخصائصها، لا نتعامل مع ما هو غريزي فينا، وكيفية الاستجابة لها" في العطش أو الظمأ، بحثاً عن الماء ". نعم، إننا لا نروي غليلنا فقط، لأن حاجة العطش تلح علينا، إنما ما يعطي قيمة مضافة، وكأنها المؤثر الفاعل في ذلك، ولعبة العلاقات في الحالة هذه: الماء المملوء في عبوات، حيث لا تُعرَف الخلفية المادية" صنعة " لها، وأي ماء يكون، فما بالك بالمشروبات الأخرى، ودور الوسيط وبنيته مجتمعاً واقتصاداً. بناء عليه يكون الحديث عن الكأس حديثاً مجازياً، ليست الكأس هي الموضوع، إنما الوسيط، الحامل المتحرك والمحمول، أو الشاهد المكلَّف بأداء" مهمة ".
بالطريقة هذه، لا تعود عبارة " كأسك " مثلاً، ضرب الكأس بالكأس، أو رفعها نخْب علاقة، صحة معينة، وإنما شرب ما في الكأس هذه: أي سائل يكون، ومصدره وقيمته، وهي الأسئلة التي شغلت الكتاب هذا، أو تشكَّل الكتاب من خلالها: من الكأس عبوراً إلى داخلها !
الكتاب الذي ينبني على ستة عناوين مفصلية هي الأعضاء المشكّلة لجسم الكتاب، في تسلسلها التاريخي، يعطي صورة سردية وتحليلية للكأس وارتحالها في تواريخ أمم وشعوب وثقافات لها أصداؤها، وجغرافيات لعبت ولازالت تمارس أدوارها في هذا الشأن: ما له صلة بصناعة الكأس ومكانتها، وما تكونه الكأس اداة كشف لما هو مفعَّل ومحرّك بحث الكاتب في كتابه، والألسنة الناطقة في كل ذلك، بدءاً من الجعة في بلاد الرافدين ومصر، مروراً بالنبيذ والمشروبات الروحية في الفترة الاستعمارية " الفصل اللافت بمحتواه الاجتماعي، السياسي، والثقافي " والقهوة ومن ثم الشاي، وانتهاء بـ" الكوكاكولا " وتجلّيها إلى مصاف المشروب الأكثر كوكبية .
أن تأتي الجعة في البداية، وتالياً النبيذ فنظراً لصلة كل منهما وهي مباشرة بالماء، وسهولة الحصول عليهما، ولهذا كانت عراقتهما .
المقدمة توجز هذه " السردية " الثقافية، بعنوانها " سوائل جوهرية في الحياة " وانطلاقاً من اقتباس يخص مفلسف العلم كثيراً " كارل بوبر " وهو( لا يوجد تاريخ للبشرية، وإنما توجد عدة تواريخ لجميع جوانب الحياة البشرية )، حيث نتلمس ذلك في اعتبار الإنسانت واحداً، والمجتمعات البشرية متنوعة، والتواريخ هنا تفصح عن حياة مشتركة، بما فيها من حاجات طبيعية، والماء وامتداداته ضمناً، أو في الواجهة طبعاً. لهذا يأتي ترتيب الماء في المقدمة، ليس تفضيلاً له على سواه، وإنما اعترافاً بمكانته في الحياة وفي الوجود، ولكم فلسفة طاليس قبل أكثر ستة وعشرين قرناً، وثنى عليه في فلسفته ذات النسَب المائي نيتشه حديثاً، وحيث نقرأ بداية( العطش مميت أكثر من الجوع بكثير، فإذا حرمت من الطعام فقد تظل على قيد الحياة بضعة أسابيع، أما إذا حُرمت من المرطبات السائلة فإنك ستكون محظوظاً إذا عشت أكثر من بضعة أيام .)، ولهذا صح القول منطقياً( إن توافر المياه حدَّد تقدَّم البشرية ووجَّهها، ومنذ ذلك الحيان، ظلَّت المشروبات تشكل تاريخ البشرية ..ص 6).
ربنما من تصور تخطيطي كهذا يمكن مكاشفة تطور البشرية وسريان فعل السائل وتركيباته المصنَّعة تاريخياً، وكيفية التحول في مفهوم الحاجة بالذات، المابعد غريزية المحضة، وفي أنحاء مختلفة من العالم، وتبعاً لثقافات الشعوب، من جهة بلاد النهرين إلى بلاد النيل، إلى عالم الأزتيك، إلى اليونان، إلى أوربا، فأفريقيا..إلخ، يمكن تتبع السيرة الذاتية بألسنة كثيرة، استناداً إلى المؤرشف عن كل ذلك، حيث ( كانت للمشروبات علاقة بتدفق التاريخ أكثر مما هو معترف به عموماً، وتأثير أكبر في مساره . ص 14) .
وفي كل هذه الحالات، وناحية المبتدَع من المشروبات يكون الماء حاضراً، وبنسَب مختلفة، تبعاً لنوعية المشروب طبعاً .
إن محاولة الفصل بين الماء كعنصر طبيعي، وكما هو الماء، وما يغيّر في اسمه، دون " إنهائه " لحظة خلطه بسواه، والأصح: تعريضه لمواد مبودرة، أو صناعية، كيميائية، تكشف عن المسافة الفاصلة بين كون الماء ماء، كما هو في الطبيعة، منقّى أو نقياً صافياً، وكما مبعَد عن رمزه الكيميائي، وقد اختفى اسمه لصالح العنصر الدخيل والذي يكون فضل وجود الأخير موصولاً به بالتأكيد، ليكون الماء هو المعلّم، المرشد أو الموجّه، وهو المرجع في بيان المقادير، وإطلاق الأحكام، على صعيد الذوق وقد جرّد السائل الطبيعي من اسمه.
ربما أمكن القول أن الكتاب في ضوء قول كهذا، هو تاريخ تحولات الماء وتحويلاته، جهة المراحل التاريخية التي قطعها في رحلته الطويلة، في تاريخ يستحيل ضبطه لعراقته، وانتقاله المتصاعد والمتفرع مما هو طبيعي إلى ما هو ثقافي" ثقافة سائلة متكنلجة ""5".
عبر السائل المائع هذا، كما هي طبيعته، وأهليته لأن يتصلب، نوعياً، حين يتجمد، يرينا أحواله وهيئاته، وكيفية تصريفه .

الحاضنة الأولى جعةً
أن يكون المنطلق مع " الجعة " في بلاد الرافدين ومصر، تاريخياً، فلأن شواهد تتحدث عن ذلك، كما الحال في جوانب حياتية أخرى، اعترافاً بأوابدية المكان، وانبثاقها الحضاري والثقافي كذلك. التحديد القطعي غير وارد. تلك سمة علمية أبرزها الكاتب( لا يُعرَف بالتحديد متى خُمّرت الجعة لأول مرة، ويكاد يكون من المؤكد أنه لم تكن هناك جعة قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، لكنها كانت منتشرة على نطاق واسع في الشرق الأدنى 4000 سنة قبل الميلاد، عندما ظهرت في الرسوم التصويرية في بلاد الرافدين..ص16) . الطبيعة تعلّم هنا، وهي المعلّمة والمنبهة، كما يظهر بداية ونهاية، عندما نقرأ( لم تُخترَع الجعة وإنما اُكتشفت، وكان اكتشافها حتمياً عندما انتشر جمع الحبوب البرية على نطاق واسع بعد نهاية العصر الجليدي الأخير ، حوالي عشرة آلاف سنة قبل الميلاد..ص18).
التخمر الذي يُؤتى على ذكره، لم يكن وليد حضانة، وإنما نتيجة طبيعة، تمثلت في تفاعلات، ذات معايير طبيعية، كان من شأنها إحداث تغييرات وتغيرات في المادة، كما في حال تعرض القمح أو الشعير، في وضعية معينة للحرارة وغيرها، ومن باب التنبيه. لتكون الطبيعة المعلّم الأول في علاقات تُقرَأ عن بعد، ولكنها تكشف عن نوعها عن قرب، في الطبيعة، وإليها يكون العلم العينيّ. كما في حال ربط الخبز بالجعة، حيث يكون المصدر الواحد لهما، والخلاف حول ذلك( ويرجَّح أن الخبز والجهة قد استمدا من العصيدة، إذ يمكن خبز عصيدة سميكة في الشمس، أو فوق حجرة ساخنة لصنع الخبز المسطح، فهما وجهان مختلفان لعملة واحدة، فقد كان الخبز جعة صلبة ، والجعة خبز سائل " خبزاً سائلاً. كصواب. الكاتب ". ص24).
ومن الطبيعي أيضاً، أن ظهور أي عنصر، أو جسم فغي الطبيعة، يخضع لسلسلة تحولات في القيمة، حال الماء، من خاصية الغريزة في العطش، إلى خاصية اجتماعية، عند إخضاعه لتغيرات( منذ البداية يبدو أنه كانت للجعة وظيفة مهمة كمشروب اجتماعي.ص 25)، وسواء كان ذلك في بلاد الرافدين أو مصر، فإن البعد الاجتماعي بدوره يترجم ثقافته، ومعتقده، وفي المنحى الديني بعمق، وعلى قدر المكتشَف في هذا المشروب الملعوب به مصيراً، والمحوَّل تقديراً وتدبيراً، وفي الوقت عينه، المرتقى به فكرياً ورمزياً، عندما يشار إلى التغيير الحادث في جسم الشارب أو شعوره النفسي والعقلي، كما لو أنه لا يعود هو نفسه، إنما ذلك الكائن الآخر الذي لا صلة له به، إلا في وضعية كهذه، وما تثيره لحظة انعطافية كهذه من النظر بعيداً، وتأمل خفايا الجسد، والقوى الخارقة في الطبيعة، وليكون للإله حضوره المركَّز( وبما أن الجعة هدية من الآلهة، فقد كان من المنطقي أيضاً أن تقدَّم كقربان ديني. ص 27) .
ومن المتوقع والمنطقي كذلك، أن يوسّع الباحث دائرة اهتماماته المعرفية، في اقتفاء أثر هذا المشروب في الزراعة ومتغيراتها، والرهان عليها، كما في مفهوم " المتعة " جرّاء حالة النشوة التي يعيشها الشارب طبعاً، كما في الاقتباس الذي يأتي طي عنوان" المتعة الحضارية "( المتعة هي الجعة. المشقة، هي رحلة الاستكشاف. ص 33)، وسؤال الموطن، فتكون سومر هي الاسم المزكى( المنطقة التي تقع جنوب بلاد الرافدين، حيث بدأت الكتابة تظهر لأول مرة حوالي سنة 3400 قبل الميلاد. ص 35)، وهي الأهمية المسجلة والمعطاة لها في الحضارة المتاخمة لها، ونظيرتها المصرية، حيث ( لم تكن الجعة أقل أهمية في الثقافة المصرية القديمة..ص37)، لتوقف القيمة على الدور المركَّب لها في الحياة العامة، فـ( في كلتا الثقافتين، كانت الجعة مادة غذاءية أساسية لا تكتمل وجبة الطعام بدونها...ص39). ولعل المؤثّر في سردية التأريخ الكبرى لهذا المشروب تتجسد عميقاً، لحظة أخذ العلم بمكانة الجعة في وثائق المكتوبة السومرية، وأن تأتي رمزاً دالاً على ثقافة وحضارةى(ى كان رمز الجعة، وهو وعاء طيني رسمت في داخله خطوط مائلة، إحدى أكثر الكلمات شيوعاً، إضافة إلى رموز تعبّر عن الحبوب والمنسوجات والماشية..ص40)، أوليست هذه جميعاً " شريكات المأدبة والحياة في المجتمع؟
هكذا تظهر الجعة قريبة من النقد السلعي" قيمة نقدية "، بديلاً لها، وهي تقدم للجميع، تبعاً لمقام كل منهم " ص 46" وما يعزز خاصيتها الطبية( فقد استخدمتها بلاد الرافدين والمصريون طبياً.ص 48)، وما يعنيه كل ذلك في ضوء ما تقدم من تنوع الوظائف، حيث ( تغلغلت الجعة في حياة المصريين وبلاد الرافدين من المهد إلى اللحد، وكانت حماستهم تجاهها تكاد تكون حتمية، بسبب ظهور مجتمعات معقَّدة، والحاجة إلى حفظ السجلات المكتوبة، وكانت شعبية الجعة تنبع من فائض الحبوب.ص 49).
بين عنصرين: الماء والقمح، ثمة مدرسة طبيعية كبرى، كانت وراء انبثاق حضارة ومرفقاتها، وتردد صداها الثقافي، كما في الجعة.
والجعة مسمّية أدوار، ومفصّلة في وظائف ومواقع، كما أنها فاصلة في قوى ومتحولاتها الاجتماعية، كما في الإشارة إلى مقام الجعة في مشهد يضم أنكيدو، الشخصية الملحمية المنافسة لجلجامش، وقد طُلب منه أن يشرب جعة، ليتأهل انتساباً إلى المدينة/ الحضار، إلى جانب الخبز:
كل الخبز يا إنكيدو، فهو زاد الحياة
واشرب الجعة، فهذه عادة أهل هذا البلد. ص 36.
الحديث عن الترويض مفاده كيفية الانتقال من وضع إلى آخر نوعياً، هكذا وجدت العلاقة نفسها جامعة بين شخصين مختلفين، يعلّمان بعضهما بعضاً، كما يعلمان القارىء التالي، ما تكون عليه الحياة والعيش في الطبيعة حينذاك.
والجعة تمضي بنا إلى ما يراد الكشف عنه، في الخفاء، تجسيداً لعلاقات اجتماعية، كما في الحديث عن ملحمة جلجامش، ومتعة الحواس بالمشروب وتجاوز الوعي المباشر جرّاء حالىة النشوة الحاصة:
( إن ملحمة جلجامش هي الملحمة التي تسلط الضوء بشكل أفضل على الدور المركزي الذي لعبته البيرة في المجتمعات الرافدينية المبكرة. تم إرسال إنكيدو، الرجل البري، إلى الأرض لمواجهة الملك جلجامش، وتم ترويضه من قبل كاهنة إلهية قدمت له الخبز والبيرة. وبعد أن يشرب سبعة أباريق ضخمة من البيرة، ينتقل إنكيدو إلى الجانب الإنساني، ويشكل صداقة عميقة مع عدوه السابق.) " 6 "
وما يطلَب من جلجامش بوجوب الخضوع لمنطق الحياة، والطبيعة، والتمتع بالموجود:
( جلجامش، إلى أين تتجه؟ الحياة التي تسعى إليها لن تجدها. عندما خلق الآلهة البشرية، كان الموت هو ما احتفظوا به للبشرية؛ لقد كانوا يحملون الحياة بين أيديهم. أنت يا جلجامش، دع بطنك تمتلئ، افرح ليلًا ونهارًا، احتفل كل يوم، ارقص واعزف الموسيقى ليلًا ونهارًا؛ لتكن ثيابك نظيفة، ورأسك مغسولاً جيداً، واغتسل بالماء (الكثير)؛ أنظر إلى الصغير الذي يمسك بيدك، وليفرح الحبيب في بطنك! هذا هو مصير البشرية! ) " 7 "
سوى أن سؤالاً يطرح نفسه هنا، وبقوة، وهو: أي صلة تقوم بين الجعة، أو البيرة أو النبيذ، كما سنرى، والمرأة؟ يشهد التاريخ بقوة العلاقة، إنها حميمية، بناء على موقع المرأة وخاصيتها، ومقامها في البيت، ومأثرة الحياة في تكوينها، في تركيبها العضوي، في سومر، لحظة التذكير بنينكاسي، إلهة البيرة أو الجعة، وربطها هنا بسيدة الحانة ذات العراقة" سيدوري ":
( لا شيء أقل من أقدم وصفة للبيرة. وهو مكتوب على شكل قصيدة مخصصة لإلهة البيرة، نينكاسي. بدلاً من أن تكون وصفة حقيقية، يمكننا أن نعتبرها أغنية نغنيها لنمنح أنفسنا الشجاعة والحماس، كما في الأيام القديمة في الحقول أثناء الحصاد. إنه يعطي شيئا مثل:
“نينكاسي، أنت من تخلطين عجينة الخبز مع الأعشاب الحلوة باستخدام مجرفة كبيرة
"نينكاسي أنت من تخبزين الخبز في فرن كبير" إلخ.) " 8 "
وما يوسّع نطاق الاسم وسلطته الرمزية في خانة الاكتشافات ومعْلمها الحضاري:
( في جميع الحضارات، سواء في مصر، أو بلاد ما بين النهرين، أو الدول الاسكندنافية، أو بين السلتيين أو الإنكا، كانت البيرة رمزًا أنثويًا للخصوبة، والحصاد، وولادة الطبيعة من جديد، مثل حبة الحبوب التي تتحول إلى مشروب. ومن الحصاد يأتي الخبز والبيرة. في كل مكان نجد هذه الأسطورة عن الولادة الجديدة والخلود، وهذا الرابط العالمي بين المرأة التي تصنع الجعة والإلهات التي تمنح الحياة والوفرة. حتى أن البيرة هي مشروب تقدمه الكاهنات كقربان.) " 9 "
إنها أمثلة تضيء الفضاء التأريخي والمعرفي للكتاب، وتظهر ما هو قائم في التاريخ، وما قام باسمه تاريخ، يستحق التنويه إليه هنا.

الحاضنة الثانية نبيذاً
يتداخل النبيذ مع الجعة أو البيرة، ويجري التفريق، بغية تصويب التنسيب، وفي حالات يجري التداخل بينهما، كما في الحديث عن احتفالات الملك آشور ناصربال الثاني، وإظهار كرمه وقوته وجبروته من خلال ما جرى توزيعه بمناسبة افتتاح عاصمته الجديدة في مدينة " نمرود "، وضمناً كان هناك الجعة والنبيذ( فقد قدَّم آشور ناصربال عشرة آلاف جرّة من الجعة في احتفاله هذا، لكنه قدَّم أيضاً عشرة آلاف زق من النبيذ- كمية متساوية، لكنه عرض مهيب للثروة، فقد كان النبيذ متوفراً في بلاد الرافدين بكميات ضئيلة، وكان يُستورد من الأراضي الجبلية في الشرق حيث يزرع العنب..ص54) .
وليجد النبيذ عنواناً ومحل إقامة وانتشاراً له في بلاد اليونان تالياً( كان النبيذ متوفراً بكميات وفيرة تكفي لأن تكون في متناول الجميع، لأن مناخ وتضاريس الجزر اليونانية وداخل البر اليوناني مثاليان لزراعة الكرمة. ص 61).
لكن الاسم الواحد، كما يظهر، لا يعني النبيذ واحداً في الحالات والأمكنة كافة. ثمة التنوع والتراتبية في الجودة، كما هو معلوم.
وبالطريقة هذه، يمكن التفريق بين نبيذ وآخر، والإقبال عليه، من موقع النوعية المشار إليها.
هنا، نجد أنفسنا في مفترق طرق التاريخ والجغرافيا، جهة التعامل مع النبيذ، وموقعه حضارة وثقافة.في اليونان ، كنموذج معتبر، نظراً لتاريخ مختلف له صداه( كان أكثر ما يميّز مسلك اليوناني تجاه النبيذ عن الثقافات الأخرى الممارسة اليونانية في مزج النبيذ بالماء قبل شربه، وكانت ذروة التطور الاجتماعية تتمثل في شرب المزيج الناتج عن ذلك في حفلة شراب خاصة أو في ندوة. ص 65).
ما يضفي قيمة رمزية على النبيذ هذا، ربطه بالفلسفة، كما لو أن هذه بدعة نبيذية في مركَّبها السائل، سوى أن النبيذ يجري اجتراعه، وهبوطه إلى " الأسفل " والفكر الفلسفي يجري النهل منه، وصعوده إلى " الأعلى " عقلياً، كتصوير أفلاطون لمعلّمه سقراط ( بأنه شارب النبيذ المثالي. ص 72)، وما يكون النبيذ اختبارً لقوى الجسد، وقدرات العقل، حيث الشرب لدى أفلاطون( وسيلة لاختبار الذات، وذلك من خلال الخضوع للأهواء التي يثيرها الشرب..ص74)، وهذا يذكّرنا، وفي الحال، بالاستقدام الرمزي للنبيذ، خمراً، بالمفهوم التصوفي الشهير، وحالة السكَر أو النشوة،وقد استعير الاسم دون المسمى، حيث الكلام نفسه يختمر روحياً ويختبر النفس والعقل، سعياً إلى التحرر مما هو جسدي والانطفاء بمطلق القوة، أي سكرة لا فكرة بعدها، في مفهوم التوحد، وهي خاصية دينية، تمضي بنا إلى داخل الجنة نفسه، شراباً فريداً منه، غير مسكر، لذة للشاربين، تعزيزاً للاسم الرئيس، مع ما في التعامل معه بطريقة، تفلتر مادياً.
وليجري استثماره ، بناء على قوة مكتسبة،، كما الحال مع شهرة ( النبيذ اليوناني..ص81)، وارتحاله والتنويع فيه خارجاً( في عام 70 ق. م قدر الكاتب الروماني ( بليني الأكبر) وجود ثمانين نوعاً من نبيذ فاخر في العالم الروماني، يُزرع ثلثاها في إيطاليا. ص82). ولا بد أن الاعتناء به نوّع في فوائده عبر التجارب، ومن خلال مفهوم ( الترياق. ص 94)، والذي لا يُشك فيه، هو أن قابلية المشروب للتنوع، وظهور أصناف جديدة، تحمل أسماء جديدة غرباً، تتأتى من جانب الدين نفسه، أي السماح بشرب النبيذ، والإسهام حتى في إنتاجه، خلاف ما هو محكوم به في الإسلام،
ثمة تاريخ عريق له، تصله بالجعة، ويختلط الاسمان أحياناً، عندما نتعقب خطه التاريخي، والتأريخ يختلف أحياناً( يعود تاريخ البيرة إلى 7000 سنة قبل الميلاد على الأقل. كانت أولى أنواع البيرة عبارة عن بيرة مخمرة مصنوعة من الماء والشعير، كما يتضح من أول السجلات المكتوبة عن البيرة في الحضارة السومرية.
تم اختراع البيرة في بلاد ما بين النهرين، ولكن لم يتم استهلاكها حتى عام 3000 قبل الميلاد.
تأتي كلمة "بيرة" من الكلمة الألمانية القديمة bier، والتي تعني "ماء" أو "ماء الحياة"...) "10 "
لا بد أن نعتمد مفهوم " الصدفة: المصادفة " لحظة الحديث عن أي مشروب مما ورد ذكره في الكتاب، وما قيل كتاريخ، لا يؤخَذ به قطعياً، حيث يبرز الأسطوري مع الظاهري طبيعة، وأنا أورد هذه المعلومة التي تشمل تواريخ عجة( البيرة، وهي منتج يتم إنتاجه عن طريق تخمير الحبوب (عادة الشعير أو حتى الهجاء) في الماء، هي بالتأكيد أقدم مشروب كحولي معروف. من المحتمل أن يكون اختراعه مرتبطًا بالصدفة: حبوب مبللة مهجورة أو حتى عرضًا طقسيًا، حيث من المعتاد استهلاك العروض بعد تقديمها للإله. من المرجح أن البيرة ظهرت في بلاد ما بين النهرين قبل الألفية الرابعة. وقد اقترح بعض المؤرخين أن عملية التخمير هي التي أدت إلى ظهور المدن البابلية الأولى، وليس خبز الخبز. لعبت البيرة (التي كانت تسمى سيكارو - الخبز السائل - في البابلية) دورًا محوريًا في الديانة السومرية. إحدى أقدم وصفات الطبخ المسجلة هي وصفة البيرة الموجودة في إحدى كتب الطبخ في بلاد ما بين النهرين. في ذلك الوقت، كان يتم تصنيع البيرة من قبل النساء، كما كان الحال حتى وقت قريب في بلدنا، وهي حقيقة موجودة في كل الثقافات تقريبًا.
وكان المصريون أيضًا عظماء في صناعة البيرة، وكانت البيرة (التي أطلقوا عليها اسم زيثوم أو هينيقت) هي المشروب الشائع لدى الناس. هناك مقتطفات من القوانين التي يفرض فيها الفراعنة على السادة تقديم البيرة للعبيد. ومن بين هؤلاء الناس نجد آثارًا لأولى مصانع البيرة، وهي تشبه مصانع البيرة التقليدية، ولكن لا يمكننا أن نسميها مصانع جعة بعد لأن هذا المصطلح يأتي من الكلمة اللاتينية bracis...) " 11 ".
وعندما نتعرض لما هو ديني، وكما أسلفنا، النبيذ هنا، يحمل دمغة دينية مسيحية في الصميم، جرّاء ليس قبوله فحسب، وإنما إنتاجه ومن قبل من هم معنيون به ( لقد شكلت العصور الوسطى نقطة تحول مهمة في تاريخ البيرة، وخاصة بفضل تأثير الرهبان. وفي الأديرة الأورُبية، وخاصة في بلجيكا وألمانيا وفرنسا، أتقن الرهبان فن التخمير، وطبقوا أساليب أكثر تطوراً. يقومون بتطوير وصفات بيرة أكثر وضوحًا وأخف وزنًا، وغالبًا ما يتم دمجها مع مكونات مثل القفزات، والتي تصبح عنصرًا أساسيًا في عملية التصنيع. تُعرف نباتات القفزات بخصائصها الحافظة وطعمها المر، وهي تعمل على تحسين جودة البيرة وزيادة مدة صلاحيتها.) " 12 "
أن يقبل المسيحي، على شرب النبيذ، أو التنويع في المشروبات الروحية، دون أي شعور بالذنب أو الخوف، بالعكس، إنه يجد في ذلك ما يقرّبه من نفسه أكثر، ومن الآخر، يمنحه ذلك صورة ذاتية غير الصورة التي يمكن منحها للمسلم الذي يتردد في تناول أي مشروب، كالنبيذ وغيره، بداعي الخوف، أو فكرة " الحرام " أو حين ينغمس في التعاطي، أو يشرب سراً، وما في ذلك من تكوين نفسي يصعب القبول به سوياً، على خلفية مما هو موجَّه فقهياً، أو وفق تعليمات دينية، مقابل انتشاره هنا وهناك، ومفارقات الوصل والفصل..

أي روح في المشروبات الروحية المسيَّسة؟
لا شك أن قراءة هذا الفصل مغايرة لبقية الفصول، إن اعتبرناها فصولاً، نظراً للحمولة التاريخية والسياسية التي تجلوه بعمق. أي ما يدفع بالقارىء، مع قراءة كل جملة، إلى النظر بعيداً، ومحاولة تبين نوعية " السم " في أي مشروب يطرَح في المتن، كالنبيذ أو الجعة، أو الخمر، أو الكوكا كولا..إلخ، نظراً لتبعات التعاطي مع المشروبات المدرجة هنا، وقد تنوعت وازدادت أصنافاً، وليكون للاسم: الاستعمار البصمة الكبرى والمريعة في تدشين مثل هذا الفصل والمضي به إلى النهاية. أي كيفية إلحاق الاقتصاد بالسياسة.
لا يعود أي اسم بريئاً، رغم ذلك السرد الذي يُسمي جهات جغرافية، وتسمية ما هو حضاري فيها" قرطبة ، مثلاً. ص 104"، والاستفادة من النبيذ المقطّر في الطب" ص 108" ليكون الحديث عن " المشروبات الروحية والسكّر والعبيد " أشبه بمستوطنة عقاب مفتوحة، ومتنقلة، وكيفية الالتفاف على الآخرين، من أفريقيا خصوصاً، والسيطرة عليهم، في " العالم الجديد، إجمالاً" ولمشروب البراندي دور بطولة جلي في هذا المقام " ص 116" والحديث عن المشروبات التي بنت أمريكا " ص 123" ما يفيد هذه العلاقة. إنه تاريخ طويل ومرعب، وفي الوقت الذي لا يعود منطقياً الحديث عن المشروبات الروحية بوصفها استعمارية حديثاً، إلا أن تاريخ كان لا زال يفرض نفسه على كل من يهمه ما هو إنساني، من ناحية، ويبقي هذه المشروبات في إطار لعبة القوى المتحكمة بمصائر الشعوب، وميولها، وكذلك قواها الحية، وبطرق شتى، والباحث، لم يمض ببحثه إلى حيث يكون المنتظر عما يخص الخفي في المشروبا الروحية وانتشارها الكوكبي، وكيف تدار أمورها هنا وهناك.
في متابعة لي، ومن خلال قراءة الكتاب عموماً، وهذا الفصل خصوصاً، هناك ما وجدته مفيداً في ذكره، وبصدد الدور التخديمي للمشروبات من قبل ذوي النفوذ الاستعماري، ومن لديهم السلطة وكيفية تجذيرها واقعاً، مثلاً ( كان الغزاة الذين حاولوا استيعاب الشعوب الأجنبية يهاجمون عمومًا لغاتهم ومدارسهم وأديانهم. لقد كانوا مخطئين: نقطة الضعف هي المشروب الوطني. النبيذ هو أقدم ثابت في فرنسا. فهو يسبق الدين واللغة؛ لقد نجا من كل الأنظمة. لقد جلب الوحدة للأمة. إن المناطق القليلة من البلاد التي لا يزال يوجد فيها مشروب معين، مع خصوصية محلية، هي تلك التي يسبب فيها إدمان الكحول أكبر قدر من الفوضى. نادرًا ما يكون شاربي النبيذ سكارى.) " 13 "
وما يصلنا بالجانب العلمي واستخدامه اليومي والذرائعي السياسي، وأيام الاستعمار الفرنسي لدول المغرب، حيث ( أدت اكتشافات باستور حول تخمير النبيذ (في خمسينيات القرن التاسع عشر) وحول كيفية تبريد العصير أثناء الطقس الحار (في عام 1867) إلى إمكانية صناعة النبيذ بشكل أفضل. أدت أزمة الفيلوكسيرا التي بدأت في عام 1864 ودمرت مزارع الكروم في فرنسا إلى فتح منافذ جديدة للنبيذ الاستعماري. وتساعد الدولة بعد ذلك على تطوير زراعة الكروم في المغرب العربي. إذا كان المغرب، وخاصة تونس، قد خصصوا مساحات كبيرة إلى حد ما للكروم، فإن الجزائر هي التي شهدت أكبر زيادة في هذه المساحة: 15 ألف هكتار في عام 1878، و110 آلاف هكتار في عام 1890، و167 ألف هكتار في عام 1903، و396 ألف هكتار في عام 1930. ومع إنتاج ما يقرب من 20 مليون هكتولتر في عام 1930، أو 45% من قيمة صادراتها، أصبحت الجزائر رابع أكبر منتج للنبيذ في العالم ) " 14 "
وما يعمّق هذه العلاقة، والمخطّط الجهنمي المتّبع على صعيد سياسة المشروب وتعاطيه:
( كان الكحول أداة للسيطرة الاقتصادية. لقد احتكرت السلطات الاستعمارية التجارة والتوزيع، مما أدى إلى خلق مصدر مهم للإيرادات ووسيلة للسيطرة. وفي داهومي، تم تنفيذ حملة لقمع الكحول غير الفرنسي تحت ذريعة الصحة العامة. كان الهدف من إدخال وترويج الكحوليات الأورُبية، وخاصة النبيذ، فرض المعايير الثقافية الغربية، التي يُنظر إليها على أنها علامات على الحداثة. وساهم ذلك في تهميش الممارسات المحلية وتعزيز الهيمنة الاستعمارية.) " 15 "
وحتى جهة التعامل مع مشروب محلي" جزائري" وتحوير محتواه، وهو " سيليكتو "( كان الجزائريون في القرن التاسع عشر يستمتعون بالمشروب المنعش بامتياز، وهو اليانسون. وخاصة الأقدام السوداء، لأن الإسلام يحرم الخمر. ولتعويض هذا النقص، يقوم مصنعو المشروبات الغازية بإغراق السوق، وتتطور العلاقات الاجتماعية حول هذه المشروبات الغازية المنعشة. يصور إيفان جاستوت منظرًا طبيعيًا في تحول كامل. انتشرت هذه المشروبات بكثرة بين الحربين، مع الإفراط في استهلاكها في الجزائر الفرنسية. هذا جزء من رغبة السكان في الاسترخاء. في فرنسا الكبرى، نستهلك كميات أقل من المشروبات الغازية. لكن ثمة نقلة ثقافية تحدث. قدم العمال المهاجرون إلى فرنسا قبل وبعد إنهاء الاستعمار، ثم جاء "الأقدام السوداء". "يأخذون المشروبات الغازية معهم".
شرب سيليكتو يُشبه إعادة إحياء تجربة أطفال المهاجرين. الهوية السردية تتمحور حول سرد قصتك مع حقائب تاتي، أو سيليكتو، أو الذهاب إلى باربيس في مطعم أنيق. ستتغلغل مكونات لوحات الهوية في عناصر تافهة. كما هو الحال في زجاجة صودا فوارة بسيطة. " " 16 ".
وما ينوع في العلاقة الاستعمارية، مع الدول الثلاث هنا:
( إذا كان انتشار الكحول في المجتمع الجزائري أكثر أهمية منه في المغرب أو تونس خلال الفترة الاستعمارية، وذلك بسبب العدد الأكبر من المستوطنين، فإن الأصالة الحقيقية للحالة الجزائرية تكمن بلا شك في الاستجابة لهذا الانتشار. في الواقع، في مواجهة الظاهرة العالمية المتمثلة في زيادة الاستهلاك و/أو الاهتمام العام بالكحول منذ الحرب العالمية الأولى، اختارت تونس والمغرب في وقت مبكر للغاية وضع تشريعات عرقية. حظرت تونس بيع الكحول للمسلمين من خلال قانون العقوبات لعام 1913[18]، والذي قلده المغرب في عام 1926[19]. هذه الأحكام، على الرغم من عدم تطبيقها إلى حد كبير، ظلت رسمية حتى نهاية الفترة الاستعمارية. وفي الجزائر، كانت الفترة الوحيدة التي قررت فيها الإدارة حظر بيع الكحول للمسلمين تتعلق بحكومة فيشي، حيث صدر قانون في أكتوبر/تشرين الأول 1941 (تم إلغاؤه في عام 1944)، يحظر بيع الكحول للمسلمين.) " 17 "
وهذا ما يمكن أن نلاحظ نظائر له، في أمكنة أخرى، وفي السياق الاستعماري:
( كان الكحول أداة للسيطرة الاقتصادية. لقد احتكرت السلطات الاستعمارية التجارة والتوزيع، مما أدى إلى خلق مصدر مهم للإيرادات ووسيلة للسيطرة. وفي داهومي، تم تنفيذ حملة لقمع الكحول غير الفرنسي تحت ذريعة الصحة العامة. كان الهدف من إدخال وترويج الكحوليات الأورُبية، وخاصة النبيذ، فرض المعايير الثقافية الغربية، التي يُنظر إليها على أنها علامات على الحداثة. وساهم ذلك في تهميش الممارسات المحلية وتعزيز الهيمنة الاستعمارية.
كيف ظهرت المقاومة؟
كان الكحول، وخاصة الصودابي، رمزًا للمقاومة ضد السلطة الاستعمارية. ومن خلال الاستمرار في إنتاج واستهلاك الصودابي، عبر سكان داهومي عن شكل من أشكال التحدي تجاه المستعمر والاستيلاء الثقافي. على سبيل المثال، أصبح الدوبونيت ضروريًا في مراسم المهر. وعلاوة على ذلك، استخدمت النخب المحلية، مثل جوستين أهوماديجبي وتيجاني سيربوس، في بعض الأحيان التدابير التقييدية لانتقاد النظام الاستعماري والتعبئة ضده.
هل هناك أي سبل بحثية مستقبلية بشأن هذه القضية؟
لا تقتصر إدارة الكحول في داهومي على الاستعمار. وكثيراً ما تشكل التدابير القمعية واستراتيجيات التدخل جزءاً من السياقات الشاملة لمكافحة إدمان الكحول. إن البحث في استهلاك الكحول بعد الاستقلال قد يغير المنظور، ويميز بين التأثيرات الاستعمارية والديناميكيات الخاصة بتاريخ داهومي.) " 18 "
لعل تفكيراً مرناً في الخريطة السياسية العالمية، وكيفية تموضع قواها ونوعيتها، تفصح لنا عن مدى نفاذ فعل " الشر السائل " بتعبير باومان في النفوس والرؤوس، ليس بدفْع مباشر من رموز القوة، وإنما بطلب ممن يلحّون على تناول مشروبات مما ذكرت.

كبوة القهوة
ثمة شفافية في هذا الفصل، حيث القهوة قريبة منا، وليس في " ذمّتها " ما ينغّص كثيراً مثل المشروبات السالفة وتبعاتها، رغم أن أنها ليست متنحاة جانباً، أي بعيداً عن لعبة المؤثرات التي تنوّع فيها، وكيفية احتكارها بالمقابل.
العنوان الخاص بالقهوة، يستدعي سؤالاً من جنسه" القهوة في عصر العقل " لماذا ربط القهوة بالعقل؟ أهي وحدها مؤهلة لهذه الرتبة؟
يظهر أن رائحتها وما للرائحة من نكهة، زكتها لأن تكون بمثل هذا المقام، بدءاً من الحديث عن " مسقط رأسها " في إثيوبيا أو اليمن ، وما في ذلك أيضاً من سردية ميثولوجية تكون عنزة ما ذات فضل في اكتشافها " ص147"وقبل أكثر من خمسة قرون. وما عاشته من أخذ ورد من قبل فقهاء المسلمين بداية، على خلفية من رائحتها وارتباطها بمجالس الأنس الخاصة بها، وأبعادها الاجتماعية "ص148" والاستئثار بها ، جهة الاهتمام والاستهلاك في لندن " ص 152" وسياسات القوة في النشر والاستثمار، حيث ( كان الهولنديون أول من كسر الاحتكار العربي، الذين حلوا محل البرتغاليين باعتبارهم الأمة الأورُبية المهيمنة في جزر الهند الشرقية خلال القرن السابع عشر، وسيطروا على تجارة التوابل خلال ذلك..ص157" وما آل إليه أمرها اجتماعياً وسياسياً وثقافياً من خلال ظاهرة المقاهي" ص166" وعلى الصعيد السياسي ، لحظة المقارنة بين كل من لندن وباريس " ص 179"( لكن الوضع في باريس كان مختلفاً إلى درجة كبيرة، فقد ازداد عدد المقاهي- ظهر 600 مقهى عام 1750- وكما هو الحال في لندن، ارتبطت المقاهي بمواضيع أو بمجالات عمل معينة..ص180). وليكون الإعلاء من شأن القهوة، في تنوع أصنافها، وحديثاً، بمسمى" مشروب العقل، حديثاً( إن ارتباطها بالابتكار والعقل وإقامة العلاقات- إضافة إلى اندفاعة من الحماسة الثورية- له نسب أصيل يعود إلى زمن بعيد..ص185).
لعل في كثافة القهوة، وتلك الرشفة منها صباحاً أو في مكتب العمل، أو جلسة أنس، مسوغاً لقول كهذا، ودون تعميم، أي دون تجريدها مما هو سياسي، بمعناها الواسع والرمزي، بالنسبة للذين يشربونها ومقاماتهم.
وما يقوله بلزاك يضيء جانباً من هذه العلاقة:
( "القهوة تحرك كل شيء، والأفكار تتدفق إلى الأمام مثل الكتائب..." قد يظن المرء أن استهلاكها يجب أن يكون إلزاميًا!)
إنما ما يظهر أكثر جلاء وقوة دلالة في التالي، وفي المنحى أو المضمارالسياسي:
( في عام 1511، في مكة، أي منذ بداية استهلاكها في شبه الجزيرة العربية، وفي حوالي عام 1600 في روما تم فرض ضريبة عليها باعتبارها "مشروب الشيطان" الشهير، وفي عام 1620 في الإمبراطورية العثمانية، وفي عام 1675 في إنكلترا... يتميز تاريخ القهوة، وخاصة المقاهي، بمحاولات الحظر والتنظيم من قبل السلطات القائمة، التي كانت قلقة بشأن خرق النظام العام الذي كان يتم تحريضه في المقاهي، بأكواب القهوة الكبيرة. لقد فضلت الأنظمة الاستبدادية دائمًا السكان المخمورين والمتعاطين للكحول على السكان الذين يتعاطون الكافيين.
كان الحدث التأسيسي للاستقلال والثورة الأمريكية هو حفل شاي بوسطن. ولم يكن لهذا دافع آخر سوى احتجاج النخبة السياسية المحلية على الضريبة الاستعمارية البريطانية على الشاي. وسرعان ما تحول هذا التمرد ضد الضريبة إلى رفض تناول الشاي. بدلاً من الشاي، رمز الهيمنة والقمع الاستعماري، فضل المؤسسون القهوة كعلامة على الاحتجاج. وكانت الحركة على هذا النحو، حيث تضاعف استهلاك القهوة للفرد الواحد بمقدار 7 مرات في أقل من عشرين عامًا! وسرعان ما اتخذ آباء الاستقلال مقر إقامتهم، ليس في غرفة شاي، بل في مقهى، وهو نوع من المقاهي التي تعود إلى القرن الثامن عشر، وهو حانة التنين الأخضر. كان كل من جيفرسون وآدامز، من محبي القهوة، يحثون زملاءهم المواطنين أثناء فترة حكمهم على شرب القهوة ونسيان الشاي.
يصف المؤرخ الفرنسي جول ميشليه نفس الإثارة التي أثارت البروكوب في باريس، الذي كان يرتاده في البداية الممثلون الفرنسيون، ثم الفلاسفة. وفي حديثه عن القهوة يكتب: "لقد شربها بوفون، وديدرو، وروسو، وأضافت دفئها إلى النفوس الدافئة، ونورها إلى الرؤية الثاقبة للأنبياء المجتمعين في "كهف بروكوب"، الذين رأوا في قاع المشروب المظلم شعاع المستقبل لعام 89".
وحتى يومنا هذا، فإن نجاح القهوة المتخصصة يعبر بوضوح عن إرادة سياسية، وهي الإرادة التي تهدف إلى جعل القهوة شعبية ومشتركة وديمقراطية، وثقافة مكتسبة. إن أتباع هذه الحركة، وهم في أغلب الأحيان من الشباب، يشكلون قطيعة مع كبار السن، الذين كانوا، باعتبارهم رموزاً للمكانة الاجتماعية، يفضلون النبيذ والمشروبات الروحية أو السيجار على القهوة، والسيارات الكبيرة على الدراجات، والبدلات على قمصان الحطاب، والمتنزهات الترفيهية على الرحلات إلى "الأصول"، وبراءات الاختراع على التعاون والمصدر المفتوح...) " 19 "

هل من براءة للشاي؟
الشاي ، هذا المشروب الشائع والسهل تداوله، المشروب الشعبي، هل في تاريخه ما يقلق صفحته؟
إنه شرب كغيره من أنواع الشراب، رخيص، وليس من تحفظات عليه، سوى أن السياسة لا تدع عنصراً جسماً في الطبيعة، دون إبراز " سبابتها " والتأكيد على أن لها رأياً، وفي الوقت نفسه، اعتباراً في كيفية النظر إلى هذا المنبه السائل والساخن إجمالاً!
إن مجرد النظر في تاريخه، يظهر إلى أي مدى، يطغى الفرع على الأصل، أو المستحدث على القديم،جهة الربط بينه وبين الأكثر اميزاً به، حيث إن المشروبات التي تعرَف بأماكن اكتشافاتها: الجعة، النبيذ، أو البيرة، والقهوة والشاي، مشروبات تعرَف أكثر بجهات جغرافية، ودول لم يكن لأي منها ذكر فيها، والشاي في هذا المسار، وبدءاً من الاسم " الشاي thé " مثل القهوة " كافى " والاسم هناك صيني، لكنه بات يعرَف أكثر خارجاً، على خلفية من لعبة السياسة( مشروب جديد ربط هذه التوسعات الإمبراطورية" البريطانية " والصناعية معاً- مشروب جديد على الأوروبيين ، على الأقل- اقترن بالإنجليز وما يزال حتى الآن، فقد وفَّر الشاي القاعدة الأساسية لتوسيع التجارة الأورُبية مع الشرق. ص 188).
والصين هي موطن الشاي هذا، والاكتشاف، يرجع بنا إلى ثلاثة عشر قرناً، وبصيغة أسطورية كذلك، وعلى يدي إمبراطور صيني( عندما كان شين نونغ يغلي الماء قليلاً ليشربه، على نار من أغصان شجيرة الشاي البري، هبّت نسمة حملت بعض أوراق النبات إلى الإبريق الذي يغلي فيه الماء، وعندما شرب المنقوع الناتج وجده لطيفاً ومنعشاً. ص189) " 20 ".
ليمضي الباحث في تتبع حركة الشاي الاقتصادية والاجتماعية وكيفية الاعتناء به، بدءاً من القرن الخامس عشر" ص 198" ولا بد أن حجماسة البريطانيين للشاي وقد احتلوا الصين، إنما يرجع إلى طيب مذاقه، وتأثير سائله على الجسم دون مضاعفات تُذكَر، ليصبح علامة رقي للفرد بالنسبة للانكليز" ص 206"، ولا بد أن الثورة الصناعية في بريطانية قبل قرنين، وتوسعها الاستعماري، له دور كبير، في وضْع الشاي في قائمة اهتمامات بريطانيا الكبرى، لما كان لذلك من مكاسب، ومع أنشطة شركة الهند الشرقية " ص 216" واللعب بمصير الشاي، تبعاً لتوجهات السياسة المباشرة، وفي التعامل مع الصينيين " ص 220"، ولنشهد مع الزمن تنويعاً في الشاي جهة ألوانه وأصنافه، حيث ( تهيمن الهند والصين حالياً على إنتاج الشاي واستهلاكه، حيث تعتبر الهند أكبر منتج ومستهلك للشاي الأسود، والصين للشاي الأخضر ..ص 233).
في السياق التاريخي، وبناء على حضور القوة وتمثيلاتها على الأرض، كما هي المجتمعات البشرية التي تتباين في مصائرها، وعلاقاتها الاجتماعية، ومواقعها السياسية،ليس من شيء يُنظَر فيه دون مراعاة مثل هذه الأمور، كما في حال الشاي( إن قصة الشاي تعكس المدى الذي بلغته الإمبراطورية البريطانية وقوتها، سواء من حيث الابتكار أو التدمير. وكان الشاي المشروب المفضل لأمة كانت لقرن من الزمان أو قرابة ذلك قوة عالمية عظمى مترامية الأطراف. ص 234).
إنها الكأس نفسها وهي تتعرض للتغيير: حجماً ولوناً، ومادة، وقيمة، ومحتوى بالمقابل، وثمة ما يحيط بها، ما له صلة وصل بالمسكوب فيها شاياً، ومن يشربه، وكيف يتم كل ذلك؟ وفي عالم اليوم، وصخب الدعايات والإعلانات، بالنسبة إلى الشاي " الأليف " لدينا ..

تجنيس الكوكاكولا أمريكياً
لم يأتي ربط الكوكاكولا بصعود أمريكا جزافاً. هناك تاريخ يشفع لذلك، رغم أنف التاريخ، مثل العنوان الذي سبقه: الشاي والإمبراطورية البريطانية، حيث اللغة لا تسمّي نفسها بمفرداتها ذات الدلالة، دون وجود ما يشخّصها ، بأبعادها وطبيعة القوى المحرّكة لها.
ربما كان ذلك من حق هذا الفصل، أن يعطى تلك المساحة الواسعة، وهي أكبر من مساحة أي فصل سابق " 75 صفحة "، يأتي الفصل الثالث في الترتيب " 53 صفحة "، كون المثار حول هذا المشروب بتاريخه الطويل، بمغامراته العابرة للحدود كذلك، واستماتته من أجل البقاء غازياً وسيد المشروبات قاطبة، يصله بكل مفاصل الحياة، لكن أمريكا كقوى عظمى هي التي تتقدمه . إن غزوه للعالم، ولو بشكل متفرق، لا يختلف عن غزو الدولة- القارة : أمريكا، نفسها وما للهيمنة من حضور للقوة، وجعْل المشروب عذْب المذاق.
إن شراسة شركة الهند الشرقية وعنفوانيتها وحيلها في الاستقطاب، تنتقل، وبشكل مكثف إلى أمريكا، وبطابعها الاستهلاكي. وأمريكا الفاعلة الأكثر تمثيلاً لمفهوم الاستهلاك الكوكبي، الذي يشمل السلع المختلفة، وحتى الإنسان يُستهلَك من خلالها. ثمة الظروف والقدرات تتفاعل معاً ، حيث ( أتاحت الظروف السائدة في أمريكا في القرن التاسع عشر البيئة المثالية لهذه النزعة الاستهلاكية الشاملة الجديدة، فهو بلد تتوفر فيه المواد الخام بكميات كبيرة، وكان العمال المهرة يحظون دائماً بمكانة عالية، ومكَّنت الآلات المتخصصة الجديدة حتى العمال غير المهرة من إنتاج أشياء جديدة كالتي يصنعها مشغّلو الآلات المهرة..ص 238 ).
ولعولمة الحرب والسياسة والتجارة والاتصالات خلال القرن العشرين دورها ( في ظهور شركة كوكا كولا...ص239)، وأن( منشأة صناعة الجعة . ص 240) كانت نقطة الاستناد لكوكا كولا، وليكون التأكيد على ( صناعة المياه الاصطناعية لبيعها للجمهور بدرجات متفاوتة من النجاح. ص 242)، ومع ظهور رجالات العلم التطبيقي والمخبري لهذا المشروب، ودورهم في جعله المشروب الغازي للعالم، من " جون بيمبرتون. ص 247" وكيفية ربط الاسم باسم ( نبات شعوب الإنكا الإلهي..ص250)، وتالياً " روبنسون..ص253" وأخيراً " آسا كاندلر..ص 254"، ليكون لكوكاكولا ذلك الصعود الاستثنائي في ( نهاية ثلاثينيات القرن العشرين. ص 263).
البعد الاستعراضي الذي يشكل علامة فارقة أمريكية عابرة لحدود القارات، ويستقطب الأنظار، لا ينفصل عن السحر المرافق لكوكاكولا، ومن خلال الدعاية المركزة، صحبة أجسام رياضية. ماذا يعني هنا، أن يشار إلى الترافق بين انتشار القوات العسكرية الأمريكية في أمكنة مختلفة من العالم وانتشار الكوكا كولا، وفي صور تجسّد هذه العلاقة " ص 268". إنه ذلك العناد الذي يركّز على الهدف، باعتماد جملة الوسائل المساعدة على ذلك، حيث ( لم تفوّت شركة كوكاكولا أي فرصة للتأكيد على الطلبيعة الطوطمية للمشروب بالنسبة للجنود الأمريكيين في القواعد البعيدة..ص27 ). وتلك التقنية البارعة والمحْكمة بخيوطها العنكبوتية، التي تمارس خلالها الدعاية الأمريكية لعبتها في الربط بين ( الديمقراطية الأمريكية وكوكاكولا..ص272 )، وعدم الاستسلام لليأس، عندما ووجهت هنا وهناك بالمقاطعة ( الشرق الأوسط، مثلاً، وربط الشركة بإسرائيل..ص277)، ليجد المشروب هذا نفسه مطلوب أذواق وبطون عربياً ( في ثمانينيات القرن الماضي. ص 278 )، حيث نتذكر هنا غواية بنطال الجينز، وسيجارة " مارلبورو " والويسكي الأمريكي...إلخ، في حلف متكامل!
أما حين يشير الباحث إلى أفوال " نجم " هذا المشروب، أو ضعف انتشاره، بقوله ( لقد انتهى عصر الاستهلاك المطلق، على الأقل في ما يتعلق بالمشروبات الغازية، وما لا شك فيه، كانت كوكا كولا مشروب القرن العشرين وكل ما رافقه: صعود أمريكا، وانتصار الرأسمالية على الشيوعية، وصعود العولمة..ص281).
ثمة شيء من هذا الشيء، ولكن أصناف العبوات، بألوانها المختلفة، بالنسبة للمشروبات الغازية، ومنها الكوكا كولا، لاتزال تواجهنا كلما دلخلنا ليس أي سوبرماركت، إنما أي محل، ولو كان صغيراً، وفي مدخله، تعبيراً عن سردية القوة لازالت قائمة كوكاكولائياً؟؟
يمكن أن نتوقف قليلاً، عند بحث مستفيض لكلود جيلينا، يخص الكحول في أمريكا، وكوكا كولا ضمناًفي مجتمع مختلف عن سواه، يتعرض فيه كاتبه إلى طرق التعامل مع السكان الأصليين، ومن خلال الكحول، لجعلهم مطواعيين لغزاتهم، أي ما يجعل من نسبة معلومة من السكان الأصليين هؤلاء مروجين لبضاعة هؤلاء الغزاة:
( لقد أصبح من الواضح مؤخرًا أن الأوربيين لم يكونوا الوحيدين الذين جعلوا من الكحول عنصرًا محوريًا في اقتصادهم خلال الحقبة الاستعمارية. وفي الواقع، كان الأمريكيون الأصليون يفعلون الشيء نفسه في وقت مبكر للغاية، وخاصة في التجارة بين القبائل. في أربعينيات القرن السابع عشر، كان شعب ميكماك يتاجرون بالفعل في الكحول مع شعب مونتانيا تادوساك وسيليري، وفي زمن فرونتيناك، قيل إن الأمريكيين الأصليين أنفسهم كانوا يديرون حانات في وادي سانت لورانس . بحلول أوائل ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان العديد من السكان الأمريكيين الأصليين في الغرب الأوسط الأمريكي يعملون كوسطاء بين موردي الكحول الشرقيين وغيرهم من الأمم الأمريكية الأصلية في الغرب، وكانوا على ما يبدو يحققون أرباحًا جيدة من القيام بذلك).
وما يحرّك المجتمع، ويغيّر في نظرته إلى نفسه وإلى العالم:
( إن إحدى عواقب إدخال الكحول إلى شمال شرق أمريكا، والتي ركز عليها المؤرخون والمؤرخون بشكل كبير، هي الفوضى التي أحدثها في مجتمعات الأمريكيين الأصليين. وسواء في العلاقات بين الدول، أو بين العائلات أو بين أفراد الأسرة الواحدة، فقد تم الإبلاغ عن أمثلة على الصراعات، أو العنف، أو حتى جرائم القتل المرتبطة باستهلاك الكحول بأعداد كبيرة. وهنا أيضا لا يمكن إنكار هذه الحقيقة التاريخية. ومع ذلك، ينبغي لنا أن ندرك أيضاً أن الكحول كان له في بعض الحالات تأثير معاكس في المساهمة في الحفاظ على الروابط الاجتماعية، وبالتالي في الاستمرارية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الأمريكية الأصلية.).
وأن ننظر بعين دقيقة إلى كيفية حصول هذا التأثير لكوكاكولا :
( تعتبر كوكاكولا مشروبًا حضريًا وتظل عنصرًا من عناصر التميز الاجتماعي.
تولى صامويل دوبس، رئيس المبيعات، منصب مدير الإعلانات في عام 1906. وركز الجزء الأكبر من ميزانية الإعلانات على الصيف. ونتيجة لذلك، زادت مبيعات المشروب تسعة أضعاف، وزادت ميزانية الإعلان ثمانية أضعاف، وذلك من عام 1901 إلى عام 1910.
في الولايات المتحدة، يُطلق على الإعلان اسم "الخدمة العامة"، ويُعامل على هذا الأساس.
وتأخذ الأشياء اليومية مكانها في عرض الترويج. لقد حقق المشجعون نجاحاً كبيراً. وبحسب أرشيفات الشركة، تم بيع مليون مروحة من هذا النوع في عام 1913 وحده. وبطبيعة الحال، لا يجب أن ننسى فتاحة الزجاجات، فهي علامة على نجاح الزجاجة. كان هناك 100 مليون منتج يحمل علامة كوكا كولا التجارية: موازين الحرارة، وورق النشاف، والتقويمات، وبطاقات البيسبول، في نفس العام 1913.
نحن نمضغ علكة كوكا كولا، وندخن سيجار كوكا كولا. تشارك السينما المبكرة في هذا الأمر، حيث يشربها باستر كيتون ويظهر نجوم السينما الصامتة في إعلانات المشروبات الغازية. ويشارك المشاهير في هذا الأمر، مثل مغني الكوميديا الموسيقية إيدي فوي. كوكاكولا، وهو لقب أصبح شائعًا، يُعتبر رمزًا وطنيًا أمريكيًا، مثل الهوت دوج والبيسبول. إن الميزة المتنامية التي تتمتع بها شركة كوكا كولا هي أنها مشروب وطني يرمز إلى الديمقراطية)، وهو ما تلمسناه في قول سالف..
وما يقال في هذا المشروب وعنه الآن:
( أصبح الشرب الآن في كل مكان. يتم استهلاك 834 مليون لتر يوميًا، أي ما يعادل 3500 زجاجة في الثانية في أكثر من 200 دولة، أو ما يعادل 45% من المشروبات الغازية. في ميدان بيكاديللي في لندن، وميدان تايمز في نيويورك، ولكن أيضًا في أعلى قرى جبال الهيمالايا، يوجد شعار العلامة التجارية في كل مكان.
يعتبر هذا المشروب منتجًا عالميًا، كما أنه يتعرض لانتقادات عالمية أيضًا. وتتعرض ممارساتها البيئية والاجتماعية والاقتصادية للانتقاد. تهاجم حركات المستهلكين اللون القطراني للصودا وتندد بالتلاعب الكيميائي. أصبحت القضايا الصحية أكثر إلحاحًا على نحو متزايد. يؤدي الإدمان على المنتجات إلى الإفراط في استهلاكها مما قد يكون ضارًا في كثير من الأحيان. تصنيف).
وما يجعل الوارد في ختام البحث ذا علامة لماحة في مغزاها ومداها:
( إن كوكاكولا في نهاية المطاف هي نتاج صورة، نتاج خيال، حلم مقدس ومعلن، ينشأ جماله من إعادة إنتاجه. الحضارة العالمية تتشكل من خلال الثقافة الأمريكية. لم يكن فنانو البوب مخطئين، فالحياة هي كوكا كولا.
وأخيرًا، تعود كوكا كولا إلى أصولها، إلى ماما كوكا، إلهة الإنكا. إنها تخلق العالم، وهي العالم.)...إلخ .
ما قيل وما يمكن أن يقال، يضعنا جميعاً في مواجهة أنفسنا، وأين نكون، في ضوء المستجدات، وإزاء أصناف المشروبات الكحولية، وكيفية التفريق بينها، حتى من ناحية عبواتها، وكيفية شحنها، وعرضها، ومدة صلاحية كلا منها كذلك.
وعلينا أن نركّز على ما يقال وينتشر من شائعات حول الكحول، فليس كل ما يقال حولها صواباً أو خطأ هو كذلك تماماً.
وفي ضوء ذلك، هناك من أشار إلى " 15 " خرافة رائجة حول الكحول، ومنها:
1- بالنسبة للاستهلاك المتساوي، يكون مستوى الكحول في الدم أقل عند الشخص البالغ منه عند الشخص الأصغر سناً.
2- تتحمل النساء الكحول بشكل أقل من الرجال.
3- البيرة تجعلك في حالة سُكر أسرع من النبيذ والمشروبات الروحية
4-الطعام يؤخر تأثير الكحول.
5- الكحول يسبب الجفاف.
وللتوضيح هنا: حقيقة. يؤدي الكحول إلى تقليل إفراز الهرمون الذي يتحكم في نسبة الماء في الجسم. وبالتالي فإن الجسم يتخلص من كمية من الماء أكبر مما يمتصه. يحدث الجفاف بسرعة. النتيجة: الصداع الناتج عن الإفراط في شرب الكحوليات...
6- المشروبات الروحية الداكنة، مثل الويسكي الاسكتلندي، والجاودار، والروم الداكن، والكونياك، من المرجح أن تسبب صداع الكحول أكثر من المشروبات الروحية الصافية مثل الفودكا.
7- عندما نعتاد على الشرب، يصبح تأثير الكحول علينا أقل.
9- لم أتناول أكثر من مشروب واحد في الساعة؛ لذلك لن أتجاوز الحد المسموح به وهو 0.08%.
14- مع تقدمنا في العمر، يصبح الجسم أقل قدرة على تحمل الكحول.
حقيقة. أولاً، لأن الكبد والكلى يتملان بشكل أقل كفاءة. ومن ثم فإن التخلص من الكحول يصبح أكثر صعوبة. وأيضًا، لأن تكوين الجسم يتغير: تزداد كتلة الدهون، بينما تقل كتلة العضلات.
15- يجب أن أقوم بتحضير أطباق خالية من الكحول، لأنه سيكون هناك أطفال في ليلة رأس السنة." 22 "
ثمة إضاءات كثيرة لعالم المشروبات، ومن ذلك ما يخص " مشروبات الطاقة " وتأثيرها النافذ سلبياً على الجسم:
‘ذ( منذ 15 عامًا، يهتم العلم بما يسمى بمشروبات الطاقة، والخطر الرئيس هو عواقبها على القلب؟
نعم بالتأكيد. لقد كانت هناك العديد من التقارير المتعلقة بهذه المشروبات على مدى السنوات القليلة الماضية. وكانت هناك أيضًا نوبات صرع والعديد من الحوادث القلبية الوعائية، بما في ذلك بعض الوفيات المفاجئة. في البداية، فكر الأطباء في مادة التورين، وهي مشتقة من الأحماض الأمينية وتعمل كمنشط. ولكن في الواقع، يبدو أن الكافيين هو الذي يلعب دورًا في ذلك، وخاصةً عندما يقترن بعوامل محفزة أخرى، مثل التوتر أو القهوة أو التبغ. في كثير من الأحيان، نخلط كل هذا معًا لأننا نشعر بالتوتر، وخاصة بين الأشخاص الذين يعانون بالفعل من ضعف في صحة القلب.) " 23 "
هل يمكن الرهان على الكأس السابعة؟من خلال إعادة أو استرجاع لأفكار الكتاب المتفرقة، والربط فيما بينها، مع تخوُّف مما يجري، تعبيراً عن حرص باحث على سلامة لا تقتصر على مجتمع واحد، وإنما المجتمعات جميعاً، في ضوء متغيرات العالم عولمياً، هناك إشارة إلى المشروب الأول، والذي كان الأول في تاريخ الإنسان، وهو الأصلح، ولابد من العودة إليه، مخرجاً لهذه الأزمة الكبرى، على خلفية المثار حول المشروبات آنفة الذكر( إنه الماء. لقد عاد تاريخ الشرب إلى مصدره الحقيقي. ص 283). وفي الوقت الذي يعتبر الكاتب ذلك ترنيمة خيال جامح،( حديثاً غريباً. ص 291 )، لكن التفكير ليس نقيصة، كما يُستقرَأ نصُّه.
العود إلى الماء، والمنطلق من الماء. يا لها من يوتوبيا كبرى، لحظة التفكير حتى في هذه العبوات المائية التي تُعنَون بالصحية أو المفلترة، والتي يصعب تحليلها، أو البحث عن درجة نقاوة الماء في كل منها، ومن خلال العبوات البلاستيكية غالباً، هذا إلى جانب الوارد عما يخص الماء ومصادره، وما إذا كان ضمان بأنها خالية من الشوائب " ماء غير ملوَّث " في عالم يزداد صراخاً يتمحور حول مسببات التلوث الطبيعية، بتأثير من الإنسان، والصناعية، والإنسان هو المسئول، واللامبالاة المعولمة من جهة القوى المتنفذة.
تُرى، ماالذي يمكن لكأس كهذه أن ترينا إياه، إذا جرى استنطاقة أو فحصه مخبرياً،ولعبة الكأس نفسها في العملية برمَّتها؟؟!!
سؤال يبقى معلقاً، يترافق مع توأم نفخي، هو الدخان، بتنوع أصنافه، من السيجارة إلى النرجيلة ولائحة المخدرات الكبرى التي تهدد الأمن العالم صحياً، كباراً وصغاراً. هل يمكن الفصل بينهما؟" 24 "

مصادر وإشارات
-1توم ستانداج: تاريخ العالم في ست كؤوس، ترجمة: خالد الجبيلي، منشورات دار المحيط للنشر، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2024، في " 324 " صفحة من القطع الوسط، وغلاف معتنىً به، بحروف العنوان النافرة ، والإحالات المرجعية تخص هذه الطبعة في المتن .
وأشير هنا إلى أن نشْر موقع " الأنطولوجيا " خبراً عنه، وهو مقتضب في سطور عدة،في " 7 شباط 2024 "
2-المعلومة هذه استقيتها من مصادر انترنتية فرنسية مختلفة.
-3Tom Standage: L’histoire du monde en six verresBroché – Grand livre, 16 octobre 2019
-4“L’histoire du monde en six verres“ Un ouvrage de Tom Standage,Alcool,25,2019-4
5-لا غرابة أن يظهر عالم الاجتماع البولوني زيجونت باومان " 1925-2017 " متخذاً من مفهوم " السائل " والماء هو الأساس هنا، جينة بحثية اجتماعية لتحري " خرابات مجتمع الراهن كوكبياً، وما وراءه، وهول هذه الجينة المبتدعة مخبرياً وإطلاق العنان لقدراتها الحيوية والنفسية خارجاً، في لعبة المؤثرات التي تتسرب إلى داخل الإنسان المعاصر، دون أخذ الإذن منه، أو إعلامه، أو إدراكه المباشر ووعيه لما يتعرض له سلبياً، وكونه هو كونه يعيش حالة التفاعل والتأثر والإقدام عليها أيضاً، في مفهوم السائل ، كما في كتابه: الحداثة السائلة، كنموذج حي ومخيف ، بمحتواه، وحيث قابلية تمثيل أدوار لصالح المحرّك أو الصانع أو المستفيد، هائلة، من خاصية هذا السائل بمفهومه المائي، إذ ( تتحرك الموانع بسهولة، إنها " تجري "، و" تنسكب "، و" تنساب "، وتتناثر"، و" تنهمر"، و" تتسرب "، و" تفيض "، و" " ترز" ، وتنقطر"، و" تنز" ، و" تسيل "، فلا يسهل إيقافها كما هي الحال مع المواد الصلبة..). ينظر كتابه: الحداثة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر- تقديم: هبه رؤوف عزت،ـ الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت،ط2، 2017، ص 42.
-6La bièreenMésopotamie
-7Anne-Caroline Rendu Loisel: L’ivresseenMésopotamie : de la lenitude des sens à la déraison
-8Claire Josse: Aux sources de la bière
-9Lucile Quillet :La bière, unehistoire de femmes
-10L'histoire de la bière et sa conservation
-11La bière dans l’antiquité
12-Les recetteshistoriques, La cuisine à travers les siècles, Une tradition millénaire, L'histoire de la bière
-13Du Monde Arabe à la Colonisation : l’Incroyable Voyage du Café
-14Alban SUMPF : Le Vin et les colonies
-15Dr Enock Gbonsou : « Le Sodabiétaitaussi un symbole de résistancecontrel’autoritécoloniale »
-16Selecto, le makrout de Proust du peuplealgérien
-17Y a-t-il unealcoolisation de la sociétéalgérienne sous la colonisation(1830-1962) ?
-18Dr Enock Gbonsou : « Le Sodabiétaitaussi un symbole de résistancecontrel’autoritécoloniale »
-19Café, antre et moteur de la politique
20-نقرأ في هذا الجانب، ما يوسّع صورة هذا الجسم النباتي وتاريخه اكتشافاً( ظهر الشاي منذ حوالي 5000 سنة في الصين. مشروب عريق أثار قصصًا أسطورية!
يقال أنه كان من قبيل الصدفة البحتة أن الإمبراطور شين نونغ، الذي اعتاد غلي الماء لتنقيته، اكتشف الشاي...
في ذلك اليوم قام بغلي الماء تحت الشجيرة، ثم نام، وبينما كان نائماً سقطت بعض أوراق الشجيرة في الماء. وعندما استيقظ الإمبراطور وجد هذا المشروب لذيذًا وقرر إنشاء حدائق من هذه الشجيرة، نبات الشاي.
لقد شجع رعيته على جعل الشاي مشروبهم المفضل... وكان ناجحاً!..)، في الشاي : تاريخه وثقافته:
Le thé : son histoire, sa culture
-21Claude Gélinas: Une perspective historique sur l’utilité de l’alcool dans les sociétésamérindiennes de la régionsubarctique
-22Jacqueline Simoneau:15 mythes et vérités sur l’alcool
-23franceinfoconso: 60 millions de consommateurs, Thomas Séchier
وينظَر أيضاً: الوجه الحقيقي لمشروبات الطاقة ٢٩ تشرين الأول ٢٠١٩ لـ ماري جوزيه روي
Le vrai visage des boissons énergisantes29 oct. 2019Par Marie-Josée Roy
24-أشير هنا، إلى أنني وضعت كتاباً يحمل عنوان: الشيشة " أصولها وتاريخها " وصادر عن دار المحيط ،ط1، 2021، وبتكليف من الدار نفسها، ثمة مخاطر مشتركة، وتحديات لا تخفى ظاهراً وباطناً .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...