ثقافة شعبية العربي عبدالوهاب - الفلكلور والتراث المصري فى محافظة الشرقية بجمهورية مصر العربية.. الجزء الأول

عندما كنت صغيرا، كنت دائما ما أتوقف أمام كلمة (رمز) عند توضيح المعلم لرموز الألوان الثلاثة للعلم المصرى، كان يقول: الأحمر رمز للتضحية وبذل الدماء فداء للوطن، والأبيض رمز...، ثم الأسود رمز ... وهكذا.

ولكن المعلم لم يشرح لنا لماذا يتوسط (الحصان الأبيض) علم محافظتى (الشرقية) إلا فى السادس الابتدائى، ولماذا أرضية العلم خضراء؟

مؤكد أن كل هذا دال على رموز، ومفردة (رمز) فى حد ذاتها كانت مفردة مسحورة بالنسبة لى، بها طاقة غير محدودة من الغموض، إنها رمز، كى تمثل دلالة، وقد تمثل ـ فى نفس الوقت ـ دلالة أخرى، وأتوقف أمام كل شئ متسائلا، والسؤال يسحب من خلفه عشرات الأسئلة و الاستفهامات؛ ولما يضيق بي المعلم أسأل أبي، وأعاود الكرة .. وهكذا بين المعلم وبين أبي تضيق المسافة، وتكثر الأسئلة والرموز ويتلبسني الغموض، حتى قادتنى قدماي للمكتبات فى محافظتى مكتبة قصر الثقافة، ومن بعدها مكتبة دار الكتب.

نعود إلى سر الحصان الذى يرفع قدميه الأماميتين فى حالة إستعداد القفز والرمح، وعرفت أن محافظتى تتميز بتربية الخيول العربية الأصيلة، منذ مئات السنين وكفى عندما تكبر ستعرف.

وكلما أكبر وتتسع دائرة التساؤلات أتوسع فى قراءاتى لعلي أجد الاجابات ، ومع الوقت تعرفت على محافظتى ومميزاتها، وما يقال لى بسخرية عندما أصرح بأنني شرقاوي، فيضحك (أبناء البنادر وكنا نقول عنهم أبناء مصر) يسألون (هما الشراقوة عزموا القطر صحيح؟؟!!).. ومن هنا كان لابد من البحث عن إجابات، والأمر يستوجب البحث، فتذهب هنا وهناك لتتعرف على أصل الحكايات .. فتتعرف على التراث والفلكلور، والأمثال الشعبية والمأثور والحكايات الشعبية، تذهب إلى يسمى التراث المادى المتمثل فى الملابس،

وإلى التراث المعرفي والمعنوى المتمثل فى أغانى الأفراح والطهور وخلافه مثل:

(ياللى ع الترعة حود ع المالح)

وما يقال من ألوان (العديد) بعد دفن الميت.. مثل (انكب الزيت يا خراب البيت)

  • ما سر الحصان فى علم محافظة الشرقية؟
الحصان عند العرب هو رمز للفروسية وللفتوحات، ثم أن سيدنا عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) أوصانا بقوله: (علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل). فهى ليست مجرد رياضية فقط؛ بل ضرورة فى عصور قديمة.. وعندما فتح عمرو ابن العاص مصر دخل المسلمون من عند مدينة بلبيس؛ فاستوطنتها بعض القبائل العربية وبقيت بها، صحيح أنها انتشرت فيما بعد فى صعيد مصر أيضا، ولكن بقيت الشرقية موطنهم الأول، ولأنهم يعرفون ويقدرون أهمية وقيمة وأصالة الخيل العربية الأصيلة، فقد تم فتح السجلات لها، واهتموا بتربيتها، وأقاموا لها المهرجانات السنوية، واتخذوا من الحصان رمزا لها يتوسط علم محافظتهم.. فما حكاية هذا المهرجان؟ هو: " مهرجان للخيول العربية ويعرف أحيانا بمهرجان الشرقية للخيول العربية، هو مهرجان سنوي يقام في محافظة الشرقية بمصر للخيول العربية. يعد من أقدم المهرجانات للخيول في الوطن العربي حيث تم انطلاقه عام 1921، ويتمتع بشهرة واسعة دولية لكل محبي الخيول العربية، تستضيف محافظة الشرقية في مدينة بلبيس المهرجان كل عام وتنظمه وزارة السياحة بالمشاركة مع جهات أخرى المهرجان والذي يشهد سباقات للخيول وقفز موانع وغيرها. وأقيمت حالياً الدورة الخامسة عشر للمهرجان" (1)

ويتضمن المهرجان السنوي العديد من الفقرات، منها: "( استعراض موكب رمسيس الثاني - عرض فرسان القبائل العربية - عرض فرقة الشرقية للفنون الشغبية - رقص حديث للخيول - ورقصة الافعى - واستعراض ختامي على اغنية المهرجان )"(2)

ولابد أن نعي بأن أهمية التراث والفنون الشعبية والفلكلورية لا تتمثل فقط فى المحافظة على هذه الفنون وحفظها من الاندثار بقدر السعى لتوظيفها فى محيط حياتنا الثقافية والاجتماعية وخاصة عبر الجوانب المضيئة فيها.

ليس هذا فحسب، ولكن توجهت الدراسات الحديثة فى ظل هجمات العولمة، وبحجج أن العالم صار قرية صغيرة وعوامل التكنلوجيا جعلته منفتحا على غيره، لتيسير أمور التجارة والاقتصاد، وغيرها، وتحت هذه المزاعم الحضارية كانت تنتشر النوايا الخبيثة من الدزل الاستعمارية الكبرى تلك الدل التى تسعى لاقتناص خصوصيات الدول العريقة وتجريدها من خصوصياتها، ومجالات تفردها ، والتراث والفنون الشعبية والمأثورات وغيرها من أشكال الفلكلور الأخرى هى ما تمثل الأهمية الكبرى والخصوصية الحقيقية، وإذا تخلت الناس عما يميزها، واتخذت من أساليب حياة الغرب وملابسه وعاداته منبعا للحداثة وللتطور فقدت من ثم ما يميزها، وهذا ما تضعه الأهداف الاستعمارية الحديثة، أن تعمل على محو هويات الشعوب، ودمجها فى منظومة واحدة إستهلاكية تابعة لها، فى كل شئ،

ثمة نظرة أخرى للفلكلور والتراث الشعبي : أن تلك الدول النامية يمكنها أن تستغل تراثها ومناح تميزها فى ترويج نفسها سياحيا وتجاريا وإقتصاديا بين دول العالم، فيعود عليها بالنفع والتقدم.. وعلى سبيل المثال نجد أن ما تقدمه فرق الفنون الشعبية على مسارح العالم، هو ذلك النوع من الترويج الثقافي للفنون الشعبية المصرية، ومن ثم المساهمة فى الجذب السياحي.. وتنشيط التجارة وغيرها.. طالما يتوفر لديك ما يحتاجه الآخرون.

  • الزي الشعبي فى محافظة الشرقية
للزى الشعبي فى الشرقية تجليات متنوعة، جمعها مرتبط بالتقاليد والعادات الداعمة للدين الاسلامي، فنجد النساء يلبسن فى الريف الجلباب الريفي الوسع، المسمى (جلابية بسفرة، وعليها دائرمن الكرانيش على الصدر وعلى ظهر الجلباب نصف دائرة علوية محاطة بالكرانيش أيضا ثم ينزل الجلباب على الواسع، وهذا ليخفي مفاتن الجسد، ويوفر له طراوة الجو أثناء الصيف، وييسر للنساء ارتداء ملابس تحتانية أسفل منه.

أما البنات المحتفيات بجمالهن فالجلباب أيضا يتميز بالكرانيش على الصدر والظهر العلوي للجلباب أبضا، ولكن ليس بنفس حجم الاتساع للسيدة المتزوجة أو العجوز

وهذا نموذج منه



وعلى الرأس (تربيعة) سوداء للنساء الكبار فى السن، وتكون ملونة عند البنات وحديثات الزواج.

ــ أما عند الرجال فغالبا فى الحقل هو جلباب قطنى واسع أيضا ليس له وصف محدد، بل يختلف حسب البيئة ودرجات الحرارة، فنجده فى الصعيد يتميز باللون الأبيض وفى الوجه البحرى يتميز بالألوان الرمادية.

ولكن الرجال فى محافظة الشرقية فيتميز الزى عندهم عند حضور المناسبات من زواج إلى مآتم، وخاصة المآتم، فلابد أن يكون الرجل مرتديا (جلبابا كشميريا)

وهذا نموذج منه



وينتعل بولغة فاقوسى محترمة، واشتهرت مدينة فاقوس بهذه الصناعة المتميزة، واشتهرت بها المحافظة، حتى كتب عنها الأديب الشرقاوى (محمد عبدالله الهادي) قصتين فى إحدى مجموعاته القصصية .

وهذا نموذج للبولغة الفاقوسي



وهذه أشكال من تطور صناعة البولغة فى مدينة فاقوس



وإذا كانت الملبوسات بكل أشكالها تعتبر من التراث المادي الذى يمكن للبيئة أن تقيم المعارض له وتحتفي به أو تعيد إنتاجه وتسويقه .. فثمة تراث آخر.

هو التراث المعنوى مثل: الشرقاوة اللى عزموا القطر

  • وهى من المواقف التى تحولت إلى نوادر شعبية تميز بها المجتمع الشرقاوى (حكاية عزومتهم للقطر)
وبعد البحث والتقصي اتضح لنا بأن هذه الحكاية (النادرة) حقيقية، وحدثت إبان الاحتلال الانجليزى لمصر، والحكاية أنه فى عام 1917 تعطل قطار الشرق أمام قرية أكياد بمحافظة الشرقية قبيل آذان المغرب، وعادة المسلمين فى افطار الصائم عادة عربية أصيلة .. لذلك هرعت نساء القرية بحمل صواني الطعام وقدموا الافطار لركاب القطار الصائمين، وهذا دليل آخر على الكرم والايثار وهى من النوادر الدالة على كرم الشراقوة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...