إبراهيم محمود - اللاتوقع شعراً... قراءة في ديوان: "يوتوبيا بحجم الكف" للشاعر زيرفان أوسى





في المعتبَر معناه
الحديث عن الشّعر لا يعني أن الشعر قد أحيطَ به علماً، معرفة، وذوقاً، وسوى ذلك من الملَكات النفسية اللازمة. كما هو حال الزعم بأن الشعر " كذا وكذا وكيت .." وما في ذلك من تأطير، أو تحديد، أو عملية حسابية معينة ذات صلة. النظر في الشّعر، لا يعني أنه مجسَّم أو مشخص، أو طوع النظر سلبياً، لا يحيد حراكاً. إنه آمر آمر وليس بمأمور، كما هو المستقى من تاريخه. إن وصفُ الشعر بعبارة محدَّدة، لا يعني البتة أنه قد بات معروفاً بعلامات فارقة: لوناً، صوتاً، وطعماً، كما هو المتداول كثيراً هنا وهناك.. إن ما نقرأه شعراً، ونتذوقه ىشعراً، ونتهجاه شعراً، ونهلل له في داخلنا دون أن يتصادى صوتنا خارجاً، يبقينا مع أنفسنا، لئلا يُساء إليه، والصحيح، لئلا نسيء إلى أنفسنا بأنفسنا من خلاله وباسمه، بقدْر ما نظهر تقديرَنا له، وهو ليس في متناول أيدينا، وحواسنا المباشرة. هو اسم، هكذا قدَّم ولكنه لا يقدَّم كما هي بطاقة الشخصية، ليعايَن ظاهراً وباطناً، فما أبعده عمّا أطلِق عليه شعراً، لأنه موصول بما لا يقاس بالآتي، بالمستقبل غير المنظور، وهذا غير معلوم حدوداً، فضاءاً، إيقاعاً معيناً، وخيالاً يتوقف عليه ومن خلاله، وما أبعده أكثر فأكثر عن مسمّاه بقولنا " هذا هو الشعر "، وكأننا بلغنا " خط النهاية " فيه، وهو يحيط بنا ويتعدانا كثيرنا، كما يعلونا كثيراً. إن في المعلوم عنه دائماً ما يشده إلى مجهول، ليستمر في البقاء، وهذا الذي عهدناه فيه إبداعاً، هذا الذي عرفنا فيه حملة تواقيع له، وبلغات شتى، يخص الذين عاشوه ويعيشونه دون أن يسمّوه كما يليق به فرادةً.
كيف يمكننا أن نبتهج باسمه، والابتهاج داخلي، لا يقوَّم، ولا يقاس، إنه حركة بحرية تتماوج في جهات مفتوحة؟ وهو ما تؤكده شواهد حياتية مباشرة: طربنا الروحي ودون تعليق، لحظة سماعنا لما لم نسمع به من قبل، ولما يمضي بنا إلى ما لم نعشه تفاعلاً من قبل .
من هنا، وجدتني، أو أجدني مع اللاتوقع" اللاتوقع شعراً ": هوذا دون أن يؤطَّر: أن تشعر وكأنك ترتفع بقوى خفية داخلية، لحظة امتلائك بمدد يشير إليه، تعيشه ولا تفكر في نوعه، فأن تسمّيه، هو أن تحجبه عنه، هو تحرُّرك من عضويتك، تنسيباً إلى روحانية مفرّدة تشدك إليه. في اللاتوقع يمكن أن يحضر دون غياب .

حاضرٌ هو الشعر دائماً، كما نوَّهتُ، وإن سمّي غياباً، ولكنه في موفور حقيقته، عتيّ الاسم والفعل، موصول بالمرتقَب غدَوياً، وليس في مستطاع أي كان معايشته، أو مجاورته، أو كتابته بسهولة. إنها حياة داخل حياة، حياة استثنائية تجيز لقائله، وحتى لمتذوقه، مجاهدة، مع مصادقة لغة مؤهلة للإقامة في لامتناهيه.
تلك نظرة عامة، شمّالة، لا قواعد مقرَّرة لها، لئلا يقال عن أنني أنظّر للشعر، أو لِمَا هو شعري، وأنا إزاء عمل شعري " وأقول : عمل شعري ، إخلاصاً لمحتوى القول الذي يتطلب تدفقَ قوى داخلية لا تتاح لأي كان بيسر " عمل شعري " ، لشاعر، وأراه، كما هو تقديري المعرفي والذوقي : شاعراً، بالاعتبار آنف الذكر، شاعر كردي يكتب بالعربية، وقد ووهبَ استثناء الشعري، في "يوتوبيا بحجم الكف " وأجيز له أن يكون علامة شعرية، بصمة شاعر تعنيه وتسميه: أي زيرفان أوسى، وفي إطار سلسلة" إشراقات " يختارها ويشرف عليها الشاعر أدونيس، وهي " السلسلة " علامة شعرية ومعرفية فارقة، حين يأتي تنسيبه إلى دائرة الشعر، وفي السياق المذكور " 1 ". لهذا سأتوقف عنده، سعياً إلى قراءة المقروء في هذا العمل شعرياً، وكما هو نوعُ تذوقي للشعر، كما هو نوع قراءتي للمسطور نفسه عن الشعر، قراءتي تسمّيني هنا طبعاً.


اللاتوقع واليوتوبيا
بين اللاتوقع واليوتوبيا يقيم الشعر وهو رحالة أمكنة وفضاءات، أليس التخييل لسان حاله الأثير؟ اللاتوقع ما قبل برج بابل، هو الصوت الذي يتكلم باللغات كافة، لأنه يقوم على خاصية الإدهاش، لأنه مبرَّا من كل علاقة قرابة بالعادة، أو المألوف، أو المعلوم اسماً مباشراً، طريقة تعبير متداولة، وتهجئة مقرَّرة، طالما أنه جسدي، وليس موصولاً بالعقل حسابياً، واليوتوبيا منتظَر اللاتوقع، حمَاه الباعث له على دوام النظر في الجهات كافة. الشعر نبض الكينونة التي يتفعل فيها الزمان، والشاعر جسد الكينونة، لهذا تكمون لغته المعتادة واجهة، تخفي ماوراءها، وهذا الماوراء يمثّل الموسّعة الفضائية للشعر. إنه مدشن فراغات، خلاف المأخوذ به مجتمعياً المنسوب إلى الملء، كما هو مقتضى العرف، التقليد أو الطقس..إلخ ، وما يسجَّل للشاعر هو أن ينظَر إليه خارج مسطوره، وجهه، قوامه، بمأثرة التخييلز والتخييل فن دقيق، وفيه من الرشاقة الكثير ليُعترَف به، عندما يُمعَن النظر في مفهومه، وهو ينتثر بألوانه وأصواته، وقابلية البروز في حركات وأشكال، يمزجه بالأدب، وبالعكس، وفي خاصية الهجنة هذه قيّض للشعر إثباتاً لسلطته الرمزية، أن يكون هذا المختلف عليه كثيراً.
وإذ أتحدث عن زيرفان أوسى كاتباً وشاعراً معرَّفاً باسمه هنا، عن أوسي إيجازاً، تعبيراً عن توقير لمصوَّت في الاسم " أوسى "، فلأن الذي تقدّمه وقدَّمه، وصيَّره كائنَ صوت، بشهادة شعره، وليس لغة لها أبعادها، أو كتابة لها مساحتها، ولأن الصوت يصلُ المصغي بالمتموج عالياً، باللامسكون ورقياً، والمقروء بصرياً.
الشاعر إنسان اليوتوبيا، رجلها، ألم يقل فيكتور هيغو في أمره، بأمر شعره، ما يضيء هذا المشهد الرماح:
تعالوا استعدوا لأيام أفضل.
إنه رجل اليوتوبيا،
أقدام هنا، عيون في مكان آخر.
هو الذي على كل الرؤوس،
في كل الأوقات، مثل الأنبياء،
هوذا الشاعر، قادماً، ماضياً، محمولاً بصوته، وصوته كلمات يتعهد بها فراغ مسنَد بفراغ، يتسع باضطراد. اليوتوبيا مكان ناف ٍ للمكان، إنها اللامكان، وهو ما يستطيب للشعر أن يفصح عن متعة المكتشَف لديه، أن يتراءى أحياناً بعلامات تؤكد أنه كذلك.
" يوتوبيا بحجم الكف " تلتقي الجغرافيا التخييلية، يلتقي التخييل جغرافياً أيضاً، بما هو حسابي، معياري، بما هو عضوي: حيوي ثالوثاً، يرفع من شأن الأرضي.
ثمة خريطة إحداثيات، جرى تصغير خاصية القياس فيها، للنظر في أمرها" في الكف ": ما يجرد عن الجسد، وما يعود إليه، فالكف جانب أرخبيلي ممتد خارجاً، معلق بالجسم، وشاهد عليه، وثمة حركات وتمثيلات على تماس حي بما هو يومي.الكف ليست نهاية اليد، إنما أول الجسد، ما يتقدم الجسم وفي المرونة القارئة لطبيعة الأجسام خارجاً بلغتها الخاصة.اليد تنبسط، تنقبض، الكف موصولة بالساعدج، بالمعصم، بالأصابع، وثمة الراحة، ثم الأنامل، أي تعددية الوظائف، إنها هذا المركَّب الرشيق لإبراز رغبة حركياً، الصوت ملتحم بها .
الشعر يتقدم الفنون، كما هي الكف التي تتقدم اليد وتمثّلها بجدارة، وتحسن القيام بوظائف مختلفة، أن تظهِر إيماءاتها. حيث يتموطن الشعر كفياً، فثمة تمثّل قوى جسدية، عبر الأوردة والشرايين، ثمة الأعصاب، والخلايا، سباحة في الهواء، في الفراغ المنشّط والملهم.
هيغو الفرنسي لم يخطىء في إظهار هذه الفسحة البينية العميقة بين اليومي المألوف في الكف، وما يكون استثنائياً، في السياق المجازي: التخييلي.
أوسى لا يخفي لغته ككردي، وهو يعتمد العربية تعبيراً، لا بد أن صداقة يُطمأن، إليها، تكون الكردية صحبة العربية، تكون العربية موصولة بالكردية، لحظة سبْر جنسية الصوت في صميم الكلمات، لحظة الامتلاء بالمشاعر التي توحدهما معاً.
الفراغ المفتوح أفق الكف، مساحة الرؤية المنتجة بعلاماتها ذات العلاقة بما هو حسي وأبعد، اليد المجذاف، وما على الأرض لا يكف عن الحركة، وتلوين الملفوظ نفسه،، أو لا ينقطع عن توالد الصور وتدفق معانيها.
إنه توجُّهٌ إلى الآتي( سيكون دائماً، في المستقبل ) كما يقول دانييل أرانغو، ونصوص " يوتوبيا بحجم الكف " مستقبليات ، الناطق فيها، السارد فيها، محمَّل بما هو مستقبلي، في محاولة للتحرر من أثقال الماضي. إن إهداء أثره الشعري إلى النساء الإيزيديات الأسيرات، ترجمة للشعر الذي يريد التحرر من كل وصايا. الأسر نفي للشعر، تهديد له بالموت، لتكون العبارة هذه صعوداً إلى الأمام" الأعلى " في مجابهات متعددة الجبهات، في حيوات تتفاعل وميتات تتقابل، كما لو أن تاريخاً بكامله يتداخل مع ما هو جغرافي، هو عويله الفارع.
وأجدني مكرّراً، من باب الضرورة، ما في الإهداء من إثراء في محتوى العنوان نفسه، ومن تعليق للقول، ليُنظَر في مدلوله، في المحمّل به، كما لو أن المشهود له كارثياً، في رثاء المكان، يحيلنا إليه باضطراد.
لا يُسمي أوسى أحداً، وهذا اللاأحد خير خيار لخير ِمعطى شعري تخييلي، لأن الشعر نفور من المحدَّد، وتوق أبدي إلى الطليق فيه، وما يترتب على " معادلة " كوكبية كهذه، من جموح في الرغبة في التطهير، في رغبة تميت كلَّ رغبة، بما أنها وليدة حسرة أو حرمان .بالطريقة هذه، يصبح الثلث الأول من العنوان مهمازه، أي بقدْر ما تكون اليوتوبيا، دالة المكان المنفي، غير الموجود، اللامكان، فهي في الوقت نفسه، تكون تأكيداً للمكان الذي لم يعد موجوداً، اليوتوبيا تعالي المكان، تجويده، فن المشخص فيه، وبالتوازي معها، يكون الشعر نفياً لنفي، جهة الوجود المنكَّل فيه، إنها استعادة الوجود" ديلمون " العالم في الزمن غير المسجَّل، ليكون الشعر وجوداً معمَّماً، وتلويحة بالكف التي تنوّع مهامها، وتوصل إشارتها: الشعر كف ناطقة، بإيجاز شديد.
العنوان ليس مستقىً من خلال جملة النصوص/ الفقرات التي تتوزع في مقاطع مرقمة " 236 فقرة "، ليس فاعل أثر من داخله، إنما جاء اختياره من المقطع " 44 ":
يوتوبيا بحجم الكف
فردوس يخضرُّ من بعيد
أنا بذرة من شهب الحبّ
على أرض المجاز . ص 35
من باب التأكيد، اللغة في عمومها اصطلاحات، وهي في كليتها جهة أفعالها وأسمائها مجازية، وأن يكون المتكلم " أهو الشاعر أم ما يصله بحامله ؟" على أرض المجاز، فما يقرّب الصورة، رغم وجود قلق في المشهد الذي يصل اللامكاني بالمكاني، الحسي بالمعنوي" هنا مثال الكف مقابل المجاز "، وهنا قلق يُسمّي صداه، ما يجعل من اليوتوبيا تخفيضاً حسياً تحت وطأة اليومي، لسقف الصورة: فردوس يخضر من بعيد...كما لو أن شرحاً تخللَ المشهد، واليوتوبيا عينها لا تخفي خاصية فردوسية فيها، والفردوس نفسه لا يتطلب فعل مكاشفة " الاخضرار" لأنه في أصله مشهود له بذلك، ليكون التالي رفعاً لسقف التخييل، وتصعيداً لما هو معاش: الارض وقد صيرت مجازاً.
ليتحرك الشاعر بين اللامكان والمجاز، في قرابة مبتدعة، يعيشها بخاصية نفسية، بشفاعة التخييل شعرياً، طعناً في سوءة الجاري، وإعلاء من شأن المفتَقَد.


لغة تعيش عريها
لا يريد الشاعر ستْراً، بالعكس، في شعره عرْي الصورة، مجازياً يأتي، مجازياً يمضي، مجازياً يكون صوته ، صوت متخيله . الشعر هو العري يمنح القصيدة القدرة على التحرك، وعلى التحول، ولفت النظر إلى الداخل وعمْقه، حيث يمارس فنه حبْك عجيبه. استحماماً بالطبيعة وفيها، واندغاماً بالفضائي.
تكون اللغة حاضرة، وهي تنفي اليومي ، والسوقي عن نفسها، وتوسّع علاقاتها مع اللاتوقع، بقدر ما يكون التخييل قادرة على ذلك، أي كيفية استيلاد لغة من لغة، والتفكير فيها، بوصفها اللغة التي تستحق التفاعل معها، لمن يبحث عن الفن، الفن الشعري بجلاء.
ولعل جملة المقاطع التي تتراوح بين بيتين، أو سطرين، وسلسلة جمل اسمية وفعلية تستغرق ثلاثة أرباع الصفحة": وهي نسبة قليلة جداً " تسجيب لهذا النوع من التعامل مع الشعر، لهذا الشعر الذي يسمّي شاعره ، حيث لا توجد علاقات تفيد في معرفة هندسة المكان والأشخاص الذين يقيمون في المكان، أو يقابلون بعضهم بعضاً، اللاتوقع، يوقّع على المستدرَج باسمه، هو الذي يضيء هذه النقطة الموجزة للكتاب: المجموعة.
كما في المقطع الأول:
أخبرْني أيها الصدع في الكلمة
أموتٌ هذا الرماديّ
في نعش الغروب؟
كيفما يجيء ، يتأهب كي يلمس وجهاً
لم أعد أعرفه . ص 9 .
يقوم الشعر على المفارقات، على اللاتناغم الذي لطالما أشيرَ إليه بهرمونيا الطبيعة أو الكون، وهذه حقيقة موجهة بشرياً، إنما هو الكاوس الذي يسمّي الطبيعة بكائناتها، وما جاء ذكره، إنما هو إقرار بحق المختلف والمحرّر من التسمية، أي ما تأتي به الأشياء مفارقاتياً، إشعاراً بحقيقة متنحاة، أو مطاردة، باسم القانون، أو السلطة، وهي تضيق الخناق على الحياة نفسها.
أراغون يشير إلى اللغة التي من شأنها أن تطلق أسماءها على الأشياء من باب التعارف وليس الاحتواء:
الشعر خلق اللغة. ابتكر لغة وسوف تصبح شاعرًا، نقطة على السطر.
بالطريقة الأراغونية هذه، وإن كان الشعر لغة، فهو الدفع باللغة لأن تمضي بالشعر إلى الأكثر وساعة وعمقاً لها، إلى ما لا يستطيع أي كان النظر في المسموع صوتاً، وما يستقر على الصفحة كتابةً.
هناك لقاء بين الأبعد في التصور والابعد فيه واقعاً، لأن جرْي اللغة هو نسف الواقع واختزاله، كما لو أن الحروب، الصراعات، الانتهاكات، الأهوال والمخاطر، المجازر والفظائع، أصناف الاستبداد وسرديات الطغاة، حصيلة هذه الممارسة الحياتية ضد الحياة.
يمكن للصورة الجاري تكثيفها أن تكون هي نفسها في منحى " كون يتنفس في جملة أو جملتين "، كهذه:
هذه البلاد
حقائب مستترة . ص 27
البلاد غير مسماة، إنما تمثيل إبلاغي للبلاد عموماً، بلاد لا بلاد، في خراب كوني، حيث " اتسعت الرؤية وضاقت العبارة "، وماذا لو اتسعت العبارة " وقد ضاقت الرؤية، كما هي اليوتوبيا، ماالذي تصرّح به " حقائب مستترة " غير أن تكون سلخاً لجغرافية كاملة، تطويباً لتضاريس حية استجابة لرغبات لا تقيم للحدود حدوداً، حدود الرغبات المستفحلة بأدوائها، في حقائب تذكّر بالتنقل، باللااستقرار، بالمستور، بالبقاء في عراء التاريخ، ومتواليات القهر، الضرب، الجوع، الموت المباغت، المطاردة...إلخ.
ماذا في بيتين، جملتين، حقيقة مركّبة تشير إلى البلاد تلك، العباد أولاء، والمشهد الكوني الدامي:
يرقص الجنود على الجثث
فتخرج الدماء من النوتات . " الصفحة نفسها "
ماالذي يصل بين الكلمات هنا؟ إنه الفعل المدمر وما يترجمه طبيعة:
الرقص، رقص الجنود، وهم يذكّرون بالقتل، بالأوامر، بتنفيذ المهام، والتشخيص المريع لما يصدم، حيث تكون الجثث التي لا تخلص منهم، حتى وقد قضوا عليهم، فالمرئي التالي هو المعرّي لعنف مرسوم ومربّى ومفعَّل في الداخل سلطوياً، لتكون النوتات، بخاصيتها الموسيقية استجابة، نتيجة منطقية عملياً، للجاري، الدماء تري شهادتها صريحة فصيحة، والمشهد يفيض بويلاته .
لهذا ربما أمكن القول رداً على الجواب، إنه الجواب في الموسيقا، الجواب في صمت مصمت:
الورد والموسيقا
يعرفان طريقهما إلى الغد. 56
كلٌّ من الورد والموسيقا لا يكفّان عن بث/ نشْر أثيرهما دون حساب، عما ينير المشهد الحسي فالمعرفي إنباءٌ: عبق الورد في سلامة طويته، وصدح الموسيقا، أو صداها في ترددها عبر الهواء، فيتلاقى الاثنان: العبق والصدى الموسيقي، وبين المنبتّ أرضياً في نعومته وطراوته، ونفاذ حكمته: الورد، والمنبث موسيقياً بحكمة يد منغَّمة، يد ناعمة، مصادقة للموسيقا، يكون هذا الانفتاح- الانشراح.
الورد عبق دون أن يسمّي نفسه، فاسمه فيه، ومن يشمّه، يعترف في الحال بوجوده دون لغة، كذلك الموسيقا هنا، اسمها فيها، وهي في إيقاعها، وهي في صدى عزفها، في نفخها، فعلاً خلْقياً، دفعاً للمكان لأن يصعد حياةً، كما هو المتوخى من مضطرَد القول.
لا يعود التفكير في زعم: دورة الأشياء، كما هو العوْد الأبدي مجدياً، الشعر لا يقلّد حتى نفسه، إنه دائم الاحتراق، وفي كل مرة يكون هو وليس هو، وإلا لكان التقليد، لكان التنسيب الجيلي: الوالد والوالد، الجد والحفيد، ربما أمكن النظر في العلاقة، جاز الاعتراف بما هو مقرَّب من ذلك، بالقريب من المتشابه، أو المذكّر ببعض منه، ولكنه لا يكونه. الشعر خصيم اسمه، وعدو المتشابه في مسيرته.
خذا هذا المسطور الشعري لميشيل بوتور " 1977 "، مثلاً:
"سأخترع لك الوردة"
تحت شرفة العشاق
الذين ليس لديهم سرير آخر
خذ هذا الساكن في خانة المقطع " 60 ":
باليد التي تختم النداء
ألوّح للكائنات
وردة للغة
وردة للظل. ص 49
حديث عن الورد وليس بورد، كما هو المؤثّر في خاصية الشمّس. الوردة جلية بقوامها في المشهدين، ولكن لكل وردة أحوالها وأشغالها، ولها صدى يترتب على موقعها، على نوعية التخييل فيها. الوردة خلْق، تكوين، علامة داخلة في علاقة بينية، لكن ليس من أفق مرسوم بعلامات فارقة، إنما تحفيز الرؤية للنظر والتأمل، لمعايشة متعة ضمنية لا تُسمى، انفتاح على روح معناة كثيراً. لا قرابة مباشرة بين بوتور وأوسى، إنما تعقّب المختلف، واشتهاء المغايرة، في مجتمع يقوم على التنميط، وحظر التنوع، النظر إلى الآتي بشوق.
الوجود تيهٌ في بنيته، متاهة بورخيسية، كما تقول لغته، وهي مزيج رؤى، كما هي الطبيعة في ألوانها وتبايناتها، والشعر تبصرة لمثل هذا التيه المرسوم أو المنثور كلمات انبثقت في مخاض تخييلي، ورسم العلاقات إحالة على اللامصرح به، وحكمة الخفي فيه:
ليس للشتاء أي هيمنة
بسخط الأشياء المهملة
يعيد المكانَ إلى خطوته الأولى. ص 87
هل يمكن لقارىء ما أن يضع عبارةما، تحت كل كلمة، باعتبارها شرحاً أو تفسيراً لها؟ لا صلة قرابة البتة بين أي شطر/ بيت وآخر، ولكن الثالوث ليس محْكَم الإغلاق، وإنما محكَم الفتْح على اللامحدود، وهنا يعزّز الشعر مقامه. يمكن الحديث عن الشتاء وماذا يُسمّيه، ماذا يُنسَب إليه مناخياً، كذلك الحال بالنسبة للأشياء المهملة، والمكان وخطوته الأولى، إنما ليس هناك ما يقنع، أو يستطيع الإقناع بأن طرفاً ما له صلة قرابة بالطرفين الآخرين. الشعر يكره التوضيح، عبارة لأوكتافيو باث، هوكذلك، لو أنه اعتمد على التوضيح لما خسر نفسه فقط، وإنما حتى مغزى كونه اسماً، وأظهر المعتبَر شاعراً مهرجاً، أو حامل إعلان. لأن الشعر نزيل الليل، إنه الوطواط الذي يبصر أدق الكائنات في الظلام الحالك، البوم الذي حلّق عالياً، عالياً، ولديه أرشيف كامل بالخرائب، لهذا يمضي إليها، يتفحصها، يقتفي ميزتها الطللية وأنفاس من أقاموا فيها، في مقاومة للنسيان. شعراء الأطلال لهم نسَب بوميّ، ويحرّك مخيالَهم وطواط حيث يقرَأ الخفاء عميقاً، والأسود المسمّي لليل هو الذي يسبق الأبيض، لأنه يختزن الألوان كافة، والشعر ذو أرومة سوادية، لهذا يُخشى جانبه.
جهة الوارد شعرياً، تتوقف متعة الذوق على تحرّي اللامرئي، العلامات الوامضة بين البيت والآخر، وتبيّن النوائب، حيث جرى الحط من قيمة الطبيعة، مقابل الرهان المضاعف على لغة مألوفة، على المسمى شعراً يقوم على التوافقات، وليس التباينات .
الشعر هنا لا يُعْدم كل ماض، لحساب العدمي، ليس هذا وارداً في هندسة تكوينه، رؤاه النشطة، هناك ما يبقيه ملتحماً بالوجود في رحابته، بما هو ماض دون الالتفاف إليه، والانضواء تحت رايته، ذلك حكْم بالموت على الآتي، كما في :
خذ كفافك من الوصايا
كن لعنة لسلالة قادمة. ص 161
في ذلك تنبيه الغافل إلى اليقظة المتنحاة، إلى الجمع الكبير في الفرد الرافع للشعر اسماً، كما يقول الشعر في شهادة بلغته:
كيف أبصرُ، إذا فقدتُ عينيك ؟ ص 177
جملة فعلية مركَّبة واحدة، بيت شعري واحد، مشهد شعري واحد، قصيدة واحدة اختزنت عالماً كاملاً داخلها.
في الحالة الأولى، هناك ما يكفي للمضي قدماً إلى الأمام، بمفهومه الانجيلي" كفاف يومنا " ما يمتد بنا إلى الآتي، لكن القول مشهود له بالتحول والتصرف شعرياً، ومن جهة الوصايا بالذات، ليكون المعمَّد دينياً، معدَّل ومتصرَّف به دنيوياً، تعبيراً عن بؤس الدائر، وليكون المخاطَب أياً كان، وهو يقرأ القول، وهو يفكّر في القائل ومن يكون في موقعه، وبنوعية خطابه، ولتكون اللعنة عينها تمرداً، خروجاً على القطيعي، رغبة في تحقيق نصاب الشعري، فاللعين ليس الطريد الآثم، إنما المجيد الملهم والمحمّل بالأمل الواعد عملياً، كما لو أن في ذلك إغلاق لزمن المعلوم باسمه مرسلاً أو نبياً، وفي ضوء هذه الفظائع المرتكبة في سياقات دينية، وتدشين لزمن يمتد في اللاتناهي، ويُسمّى فيه الشاعر دون تكليف من أحد. الشاعر مكلّف نفسه بنفسه، إنه شاهده وعلامة شهادته، وما يحرك الماء الراكد ويقصيه كثيراً.
وفي بنية هذا التركيب يكون التواصل، أن يبصر الشاعر بداخله، والآخر نصب عينيه، الآخر محفّز رؤيته، ولكنه موعود الآخر تقديراً.
لا مفر من رهان كهذا، لأن الشاعر بطريقته هذه يرى ما لا يراه الآخرون، والآخرون هم الكحْل الروحي لبصره بامتياز ضمنياً .
فتكون اللغة قد عبّرت عن حقيقتها التي يُستخَف بها، لأنها لا تطاع بسهولة، ولا تجيز لأي كان، اعتمادها، بسهولة، في ندرتها طبعاً.
أليس الوارد في :
كاهن إلى الأبد
يعلو بذوبان الروح . ص 64
ينبّه ذائقتنا الشعرية إلى هذه المفارقة، إلى هذا التصعيد بالخفي، إلى الاسم" الكاهن " وما يعيشه تكهناً، أبدياً، وقد تناهى روحياً، فلا يعود ذلك الممكن تلمسه، تحسسه، أو الاحتكاك به، لكأن المحسوس جرْم، دليل دامغ على مدى التنكيل بالمعيش اليومي. لعله كذلك!

تمرد الكف الشعرية
لا يكون الشعر شعراً إن عرَّف بنفسه أولاً، لأنه لا يقدَّم لأحد قبولاً أو رفضاً، ليسمَح له بالكلام، أو أخْذ موقع. إنه هو نفسه من يكون معنياً بحقيقة كونه شعراً.. لهذا، فإن مجرد النظر إلى الشعر، وكأن فيه استجابة لرغبة خارجه، تلبية لحاجة،، إسقاط فوري لحقّه في أن يشار إليه، أو يكون محط اهتمام وإصغاء بالمقابل، ولهذا ما أكثر الشعر استجابة لما هو خارج عنه، وأقله وأندره تعبيراً عن دفق داخلي، وليس مجرد تسمية لرغبة يُلَح عليها. لأنه تمرد في عميق محتواه. نعم، " الشعر تمرد " كما يقول بابلو نيرودا.
أين يكون التمرد، كيف يمكن تحرّي نبرة التمرد في المسموع أو المسجَّل باسمه؟ إنه ما لايسمي أياً كان وليس أياً كان، ليكون الشاعر نفسه هو أحد هؤلاء الذين نلتقي بهم، أو نراهم في حياتهم اليومية، بين في الشعر فانفصال المعلوم ولقاء المجهول والآتي.
في " يوتوبيا ..." ثمة تدفقات لهذا الشعر، لهذا التمرد الذي يمكن تبيّنه في ألوان تفيض على حدودها، وتنبّه إلى المختلف .
وليُنظَر في هذا المعمول بكثافة:
أنا سد وفيض عارمٌ
أنا دابةٌ في عين الذئب
أنا جنة عدن
وقوتُ نبيّ يُحيط حواسَ الوجود ِ
بخيط دقيق . ص 138
ليس من معنى، أي معنى، يمكن استدعاؤه، لفك عقدة النسيج المتشكل هنا، لا معنى جاهز يلبي الرغبة الساخنة بوجود معرفة حقيقة هذا التكوين شعرياً، ليس من تفسير جاهز، أو يكون عالقاً في الذهن، ويحضر لحظة قراءة كهذه. ماالذي يعدم العلاقة، ينفي أي ارتباط بين المسطور بالطريقة المقرَّرة، وما يمكن أن يتناهى إلى الذهن، وتنفس الصعداء، لأن معنى منا، قد قدَّم لما تقدَّم .
هناك قطْع صلات، محو أثر كل ما هو معمول أو متداول، ليس تعزيزاً لعدمية لطالما أهينت في اسمها ورسمها، وإنما لعدمية تجذر ما هو محظور وفيه المرتجى بالذات، ما يعبر بقارئه الجسر الرفيع والطويل نسبياً إلى حيث تكون الرحابة:
هناك ما يقال، وعلى القارىء أن يتحرر من كونه مجرد المتلقي، أن يقضي على القابع الكسول داخله، وهو نفسه، ليكون للشعر أثر يُحتفَظ به، حيث يكون السد بمائه، يكون الفيض بعطاء تدفقاته، يكون ما يلي الصراع دابة وذئباً، يكون المنشود اليوتوبي جنة عدن، يكون الوجود صحبة نبوة من نوع آخر، نبوة تُسمّي نفسها، بمفردها، على الأرض وتسحب الأرض نفسها وراءها شعرياً.
دفن للكائن السلبي الذي يقتل سواه، كما يقتل نفسه، يميت ويموت مراراً وتكراراً، وانبعاث للكائن الموعود بحياة معتبَرة، بأمان طال انتظاره، أو حلْم يُتشوَّق إليه، تحرراً من هذا اليومي الذي يثقل بأوزاره، بمخاوفه، حيث الأرض تنتظر خضرتها .
أليس الوارد في :
وردة ذابلة هذه الأرض
بأي تمرد
أفضح أزليات الحرب؟
الحرب وجه كاهن ٍ
الحرب وجوهٌ
الخسران الأكيد أن تنتظر الحرب..ص140
ليكون الجواب، أو ما يمكن أن يكون جواباً، استعداداً لما سيأتي، وتمسكاً به:
أنا اليومي المفترض أن يكون مثل بوهيميّ
أبحث عن لحظة مفاجئة للسعادة
ثم أقوم بهدمها بلحظة أخرى.
في هذه اللحظة التي أكتب لها، أصغي للموسيقا،
أرمي الحرية والعبيد في إناء،
أرمي هيبة الملوك في قمامة،
وأعلن الجنون على العروش. ص 173
لعلي أمتلك الجرأة علىة القول، بأن المقطع، يعتبَر أحد أكثر المقاطع ، إظهاراً لتلك المفارقات التي تجلو الجاري، والموقف منه.
الشاعر يرتب عالمه كما يريد، العالم الذي يفتقده. إنه يبحث عن صوته المكبوت خارجاً، ويطلقه، ليكون هو نفسه طليقه .
لا مكان يحمله، أو يُستأنس إليه، على خلفية عريضة ومقيتة مما هو دائر في الحياة اليومية، والشعر من مهامه الكبرى، أن يضفي على اليومي، وهو مؤلم، صفة الأبدية التي تليق بشعره، أي بصوته الذي لا يكف عن النفخ في " صُوره " مسمّي قيامته ، وفي عملية إحاطة بما هو موجود، ومحاولة مستميتة للفصل بين الأشياء نفسها، يجري العمل بمعايير الشعر الذي ينشد فيه ما يبقيه كائن المستقبل .
في اليوتوبيا هناك ما يغيب عن النظر دائماً، وما يغيب هو الذي يشغل ذاكرة الشعر، ما يحيله تاريخاً مصوراً، ما يصدم النظر، وهو الذي يكون الفخ المنصوب لروحه، وليس له سوى الشعر الملاذ الآمن، خندق الدفاع المتحرك تعبيراً عن توق إلى اللاتوقع .
في شعر كهذا، يتم توقيف كل شيء، لا شيء معفى من العناية والفحص، لأنه أسيء إليه كثيراً، بالاسم الذي حمّل به، أي حيث يكون المكان كما هو المؤرخ عنه مذ وجِد، والشعر مؤاس هنا، ويوسّع دائرة النظر. ليس من انتقام باللغة، إنما انتقام بالشعر الذي ربما يذكّر بكل شيء، إلا هذا " الانتقام " لأن المسطور، رغم السخونة المقدَّرة فيه، يضيء محيطه، ويدفع بقارئه، إلى وجوب التحرر من ربقته الروحية الضيقة، بحثاً عن وجه لم يتلق به، يليق به، ليكون المتحمس لما سيأتي. تلك هي المدينة التي تستبد بساكنيها، المكان الذي يبقي أهليه محكومين بالمزيد من الآلام، المكان الذي أشكل على اسمه ومن يقيم فيه. لنستعد ما هو برّي، ما يمنح الطبيعة قوة:
لم أجد نهراً
لأصطاد الفرائس
التي تقبع في روحي وروحها
لا يمشي إلا مهرولاً ، رأسي
أيتها البراري الأمهات . ص 104
الشعر يقرُّ بحقيقته، يبوح ببعض من سره، تحفيزاً لقارئه لأن يرتقي هو نفسه بجسده، وببعض عافية: أن يكون مع النهر، والنهر يجري، وفي النهر ما يغري بالحيوية، بالخضرة، بالزمن الذي لا يتوقف، بما يصل بالمنشود، بالفريسة، بروحه وروح الفريسة، لجعل الوجود أكثر قابلية للعيش، لطي صفحة الموجود، كرمى الوجود. ألم يكن الدازاين " الوجود هناك " رهان هيدغر في تمثيل الوجود؟
البرّية الأم ثدي يفيض بالقوة والوعي والنمو الصحي، والامتلاء بالكوني كذلك، والشعر موفور النبوءة هنا، إنه الوفي لوعده لهذا الذي يطلق العنان لصوته، بالطريقة التي تأتي إليها أشياء بالجملة، طبيعة بكل كائناتها المختلفة، ليكون وجود هناك، طالما انتظاره .
ليس هناك حراك في السر، رؤية من وراء قناع، إنما محاولة تمزيق القناع، وإبراز الوجه المطل في لحطظة كهذه، وهو دأب الشعر الذي يهبُ شاهره صوت العراف المقتدرن ونبوءة الرائي المستتر داخله، وهو اليقين بأن هناك زمناً يستجد هو الذي يجري التأكيد عليه، فما هو موجود ليس للزمن فيه إلا ما هو عابر، ما هو نمطي، ما لا يُرتجى منه، ثمة الكابوس:
إذا اختفيتُ مرة
يا ساعة الجدار القديمة
لا ترتجفي من الفراغ
سنلتقي
بعد أن نتوقف عن الحركة
نعيش في اللاجحدوى.ص 54
الشعر يُسمي زمن الشاعر، مكانه، يسمّي الأنقاض في الداخل، يحيل الوجود إلى أناه، وهو يستشرف جهاته حفراً في الذات، تنقيباً عن تلك الطاقة القادرة على قلب موازين القوى، والجديرة بأن يكون المستولَد لائقاً باسمه الذي يبحث عنه.
كم هو قريب من هنري ميشو، وهو يستعجل الآتي، وهو يصعد بروحه عالياً بجناحي شعره المحررين من الوصايا، وهو يقول:
كل صباح أتفحص قوتي من جهة، وتقدم مرضي من جهة أخرى، وأقرر الصمود حتى اليوم وغدًا بشكل لا رجعة فيه.
لأسمح لنفسي بالذهاب إلى صراخ معاناتي الجهنمية التي لم أعد أستطيع كبت صرخاتها إلا بألم شديد، وفيضانها وشيك، وشيك، إن لم يكن قد بدأ بالفعل.
أليس في هذا الشعر الميشوي ما يبقي الشعر نهرياً، يستحق الإصغاء إلى كائناته، لأن المستقبل هذا هو الذي يرحّب بكل ذلك ؟
أي معنى لقول لا يكون الشعر فيه، رامياً عنه حجاب الصورة المتدأولة، سلفاً جرى تنصيبه بوصاية معينة واُستهلِك كثيراً؟
أوسى، لا يظهر عليه أنه يتحرك في طريق، ليس من ساحة مرسومة، من خط تحرك، من مضمار، إنما هو فضاء وبرّية يتعاونان في تمثيل صوته والإسهام في منحه قوة الانتشار، والصدى المتردد في الجوار. كما لو أنه محرَّر من اسمه نفسه، لحظة التفكير في الخاصية الزمانية- المكانية له، فلا يلاحَظ فيه ظل الوجه، أو صدى الصوت، وبحته، وإمضاءة اليد الكاتبة، إنما الروح دون تجنيس شخصي.
في كل ما يشار إليه، ثمةا الروح عينها، وقد أفصحت عن كثرتها، عن صعودها وعن عنادها في التحليق والمكاشفة بطريقتها.
يُظهر ذلك أن الناطق بالشعر قد أعد عدته طويلاً، عاش مخاضه في صمت، في عزلة مكثفة تشفع لصوته في أن يفي المطلوب، أن يحيل كل ما حوله إلى داخله، مجرداً إياه من كل اسم أو تلميح، ليكون تدشين مختلف لموجوده، والعناصر الداعمة تؤدي دورها:
أيها المشّاء
أناديك بنبرة الضائع والمستقرّ في الورد
أيتها الشمس
هذه يدي
شمس ويدٌ
تروضان الأمكنة . ص 121
ماذا يلي كل هذا التحديد استعداداً لما لم يُفصَح عنه، ورغبة في تصويب الجاري خطأ، حباً بوجود لا بد أنه يعيش حداد اسمه منذ زمان.
هناك اللاتوقع دائماً، وهو الذي يكون محك الشعر، علامة الجودة فيه، مدى قابليته للاستمرار، أو البقاء، النار الاستثنائية التي رتستطيع أن تقبل به وقوداً استثنائياً، لتحيله تالياً إلى كائن جديد، من نوع عنقائي/ فينيكسي، إنه التطهير الذاتي للذات، وحفْر في صميم الروح التي تحتضن كوناً بكامله، وفي اللاتوقع لا يعود من أفق مرسوم، إنما ما يبقي الأفق أبعد مما هو عليه، وفي المسطور آنفاً، وفي سواه، ماالذي يمكنه الجزم بأن بيتاً فيه ما يفيد بأن التالي، إن كان دقيقاً في معناه، سوف يكون كذا، منطقياً. ليس هناك يصل ما بين أي جملة وبقية الجمل، سوى أنها جميعاً تشاركت في تشكيل هذا المشهد، ولكل منها المقام والاعتبار، ليبقى الاستعداد للمغاير قائماً باستمرار .
أجد في كل ذلك، ما يوجّه نظراً إلى الداخل الرحب والعمق لنفس الشاعر، أي شاعر من هذا القبيل، وهو أنه يقايض المجهول بمثل هذه المفردات التي تشدنا إليه. إنها مفرداته، صنيعة كائنه الشعري، سلفه الذاته الذي لا ينفك يمحور قصائده حوله . ينطلق من ذاته وإلى ذاته يمضي، وكله انفتاح على الغور العميق والمضاء داخله، دون ذلك لا يمكنه رؤية الخرائب المترامية الأطراف .
هناك تصميم لديه يقاوم المحدود، تجسيداً لمأساة وجود متجذرة في جهات مختلفة، وفي اللامسمى تقام التسميات، في المجهول يجري الدفع بالمعلوم، ليتمكن من التواصل، لئلا يبقى فيه ما يشد إلى الممزق في الوجود، إنما مقاضاة له ضمناً، ولمن كان سبب تمزقه:
الوجوه مدائن القيلولة
الأعمى تاريخ الطرقات والحواس
يقود المغلوب لصبوته
الوجوه اللانهائية. ص 115 .
السريالية تتكلم هنا. ومنذ متى كان الواقع معفى من هذه السريالية؟ منذ متى كان الواقع مطروحاً للرؤية بوضوح كائناتها؟
اللعب بالكلمات مجابهة للواقع الملعوب به، نكأ للجراح المغطاة، حيث يكون الصراخ المكتوم، واللغة محكومة بالمهمة التي أريدَ لها أن تفلح، أن تشكل شاهدة على هذا التشظي في الوجود، على العلامات الممحوة، هذه العيون التي لم يبق فيها سوى بياضها. وفي كل ما ينبض في هذا الاقتباس أو سواه ثمة عويل في الداخل، ومتعة التفاعل مع الجاري، لقاء اكتشاف لا يستهان به .
حيث " يمنحنا الشعر متعًا جديدة لا نهاية لها في عالمٍ أبديٍّ بكر." كما يقول بول فاليري، يكون إمكان البقاء وانتظار الممكن، يكون هذا الذي دفع بالشاعر، الشاعر الذي تنوعت مراياه، وكثره وجوهه، لأن يسد أذنيه، على طريقة يوليسيس، لئلا يسمع أصوات جنيات البحر، لئلا يغوص عميقاً، وينتهي أمره، إنما يعيش مدى البحر، أزرقه الفسيح، معايشة عمقه اللجي، ليكسب نفسه، ليغوص فيها، حيث يكون العالم الذي يشده إليه، وبمقتضى الشعر، بموجبه يكون هذا الإيذان المستمر بدفق المعنى، أي مع ديمومة اللاتوقع نفسه .
ما أكثر ما يستوقف الشاعر، في المهدّد الكوني: الموت، في مقاطع مختلفة تتوزع في مفاصل الديوان/ المجموعة، تشديداً على خطْب جلل واقعاً، ولفتاً لنظر ما هو ساه ٍ أو غافل عما يجري في محيطه، داخله هو بالذات. والتذكير بالموت هكذا، محاولة قلب المعنى فيه، تحركاً إلى الحياة وتشبثاً بها، أي ما يبقي الموت مكرراً لا حباً به، وإنما لإظهار مدى الحاجة إلى الحياة. موت يتنوع في مشاهده، جهة التمثيل، شخصاً عادياً، أم كائناً ما، أم جسماً، أي كل ما يصلنا بالكون والطبيعة، مثل:
أموتٌ هذا الرمادي. ص9-في أرض ميتة. ص 15-نحن أيها الموت أخطاء الوجود. ص 86-ميّتون إن نتكلم- ميتون إن نسكت- أي الموتين أقرب إلى الخلود؟ ص113-شاعر الموت. ص152-أبصرْ أيها الموت طريقك. ص162-ليست رغبة في الموت. ص175..
هذه السلسلة من الميتات، هذه السلسلة من المشاهد الدالة على الموت إيقاع بالموت نفسه، لأن ثمة حياة تُضَخ شعرياً.
وفي هذا التصعيد بالكارثي، يكون التصعيد بالقوى التي يمكنها الحفاظ على الحياة قبل فوات الأوان .
إنه حضور الشعر، حياته، أهليته لأن يصل ما بين السمائي والأرضي اشتهاء لليوتوبيا نفسها، وهي حلم الفلاسفة ورهانهم تاريخياً.


هذا الشعر أولاً وأخيراً
الشعر أولاً وأخيراً، هو الذي يخاطب فينا ما نغفل عنه، ينادي فينا ما يعرّفنا بما يشعرنا بكينونتنا الحقة!
الشعر لسان حال الحرية، البرّية التي تُسمى وهي ترى من على مسافات بعيدة، باعتماد " حمامة " المخيال الشعرية.
العنوان بذاته دالة الحرية، تاجها الملوَّح بها، صيرورتها التي بها وفيها يُرى ما لا يُرى في الحياة اليومية، قلب لتفاهة المتداول.
إنها عذوبة المعذّب والمؤلم والمقلق في الداخل، حيث تكون الحرية التي ترتسم بمفهوم الشاعر، وليس السياسي أو العقائدي، لأن الشعر لا ينفصل في حقيقته عما هو ماورائي، عن جذوة الحكمة، وشغف الفلسفة بالأعماق، والارتباط بالأجمل والأكثر تمثيلاً للحياة وتفخيماً لاسمها.
تمضي بنا الحرية في تلك الهيئات التي تتراءى بها، في أمكنة مختلفة، كما لو أنها تشكل نقاط استناد لعمران اليوتوبيا، كما في:
أصوات ميتة
في الغابات البعيدة
تنتظر
رؤية شاعر كي تحيا. ص 43

أرضيّ مداه الظل
أين الغريب الذي ينعت بالقنديل؟
ليقف صارخاً:
حرٌّ يقيس الزمنَ بالشّعر. ص 58

أنت أيها المخبَّأ في الشعر
المغطى بالعشب والنار
لم أنته من رثاء الولادة. ص 80

الشاعر لا يرى
يفكّر بالأشياء التي لم تلد
ماذا سيحدث إن رأى الأشياء وهي تلد؟ .ص 112

شاعر الموت
طفلٌ لا يتقدم بالعمر
ما الموت؟
زهرة لا تذبل. ص 152

إنها مقاطع كاملة، وناقصة في آن، كاملة، كما هي حدودها الكتابية بداية ونهاية، وناقصة، كما هو المتوخى من المودَع فيها رمزياً، من باب الإسراع في القراءة، بغية الإسراع إلى الممكن القيام به، وقد " طغى الهول "، في تراكيب تمد بظلال معانيها هنا وهناك.
ما يكون موتاً هو إحياء، انبعاث تكوين مختلف، ما يكون لعباً بالكلمات، هو إرواء لمعلوم باسم مجهول، للنظر إلى الأبعد مما هو قائم .
وفي الأمثلة المذكورة، يفيض كل مقطع بما يوسّع فيه حدوداً، بما يؤهله لأن يمضي إلى الأمام، أبعد من المرئي المعتاد .
شاعر يصلنا بآخرين لهم حضورهم، في قول الشعر، وفي مصادقة المجاز، والتعبير عن الحرية ، كما في مثال يخص رامبو:
الأمواج تتدحرج في المسافة وترتجف من المصاريع!
حلمت بالليل الأخضر مع الثلوج المبهرة،
رأيت الشمس المنخفضة، ملطخة بأهوال غامضة،.
وفي مثال آخر، لم يخف رقصة الشعر الصامتة في دمه، في روحه، في مخياله، وأطلس صوره الملتقطة والموزعة خرائطياً في نصه اليوتوبي، وفي استماتته حباً بالأجمل في الحياة، حال بول إيلوار:
الدبابير تتفتح باللون الأخضر
الفجر يمر حول الرقبة
قلادة من النوافذ
الأجنحة تغطي الأوراق
شعر يترافق فيه السخط والألم، والسخط ألم موجَّه إلى الخارج، توقيف للغة الغافلة عما يجري، وإيقاظها من داخلها، والألم سخط متجذر في الداخل، تحت وطأة الشعور والوعي باستباحة الكائن وتلف محتواه.
وفي هذا المذكور، وذاك المسطور، وما قبله، يحيلنا الشعر بطيب اسمه، وانبثاق الرؤى، إلى أنفسنا، إلينا، فأن نقول الشعر هو أن نعيشه حياً بمواصفات تعيننا على مكاشفة الحطام الذي يتخللنا، الحطام اليوم الذي يرافقنا دون أن ننتبه إليه، والحطام الذي يتقدمنا في لقاءاتنا، وفي طبيعة تفكيرنا المعتادة، ومجالسنا الثقافية المناسباتية، واحتفالاتنا، وحتى أمسياتتنا التي تقام باسم الشعر وخواء الدائر فيها كثيراً، في كل ذلك يكون هذا لمضاء النوعي للشعر، هذا الذي يلح علينا بطريقته التي لا تتضح بمعالم لها، إلا لمن يكون مأخوذاً بلسعة الشعر، جرس إنذاره، ديك الصباح الذي يُسمي صباحنا، ونحن غارقون في النوم، زمنه الخاطف الذي يخاطب الحاسة السادسة داخلنا. أي ما ينبهنا إلى أن هناك ما يدور في محيطنا، ما نكون فاعلين في توتيره ونخره بالمقابل، أي ما يضاعف ذلك المنبّه الذي تتشكل وظيفته في تعميق وعينا بما هو كارثي، وعدم الاكتفاء بمجرد الحسي، أو جملة الأفكار الجاهزة التي تقولب مشاعرنا وأحاسيسنا، وفي مثل هذا الوقت بصورة خاصة، وحيث إن الذي ينقصنا، وهو فظيع، هو ذلك اللامرئي الذي يكون مستقر كل ما هو غفل الاسم، ونافذ الأثر فينا، ومستدام بخطره كذلك، اللامرئي الذي يطل وحده على هذه اليوتوبيا التي وجِدت لنكون أكثر مما نحن عليه نفسياً وعقلياً، أكثر مما نعرَف به ثقافياً، أكثر مما يحددنا في أفكارنا وعلاقاتنا وطابعها التنميطي، ولحظة النظر الدقيق في كفنا، وخطوطها، قد نتنبه إلى أن هناك يوتوبيا فعلاً، وليست مجرد كلمة عابرة في سماء تصوراتنا، وعبْر اليوتوبيا تلك، كان الإبداع ومعايشة الإنسان للمؤلم المنبّه والأبعث على الإمتاع فنّياً معاً.

شارة واحدة
1-زيرفان أوسى: يوتوبيا بحجم الكف، دار كتب، بيروت، ط1، 2024، في 184 صفحة من القطع الوسط والرفيع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...