حسن الرحيبي - عشق الأطفال المَوت!!..

أو
وَا حليلي رقية مَاتت غا نشبعوا طعام!


بقايا من أطلاَل دوار الصّديݣات. كانت عامرة ومأهولة في زمن بعيد. وكانت هناك سيارة ال volkswagen بلون رمادي وبعينيْن واسعتيْن يُشبّههما الطّالب سي أحمد بعينيّ أحد المحضرَة (الطّلَبة) ذي عينيْن جاحظتيْن. "آتّ اسكت عنيك كي طوموبيلت لفقيه السطاهر !"،
كما كُنّا نُشاهد مأكولات شهية تخرُجُ من هنا وتمرّ من أمام أعيُن أطفال جائعين. تتلمّظ لها شفاهُ السكّان الفقراء. الذين كان خُبزُهم شديد الخُشونة. لأنّهُ مُكوّنٌ من دقيق الشّعير والدّرة. بينما خُبزُهم الأبيض النظيف يتشهّى بعضُنا شقّ خبزه الحافي ووضعه داخله كسندويش من النّوع الرّاقي الممتاز! كان أجملُ يوم في حياتي عندما يُرسلني الطّالب لجلب شيء ما من هذه المنازل الأرستقراطية فيمنحوني بعض الخُبز أو حلوى البيسكويت (البوشكيطو) في عُرفنا الطّفولي القديم. لأتباهى به أمام من لم يستطع الولوج إلى هذه المنازل المُحصّنة بوقار أهلها ذوي اللّباس الأبيض الراقي المتميز. وروائح العطر المجلوب من مرّاكش السّاحرة. نالوا بفضلها اسماً مميّزاً لا زال يتداولُه مَن عاصَر عهد الأبّارتهايد العُنصري بين ريف غني، وريف شديد الفقر والفاقة: الرّويحات أي المطيّبين وعاشقي الأناقة!
ظلت طفلة معنا تلحس قطعة البوشكيطو لعدة أيام متباهيةً بها كل صباح حتى أصبحت شفّافة ترى من خلالها ضَاية الرّحبي. لشدة الحرمان والاشتياق لأشياء لم نكن نحلم أبداً بامتلاكها. لم يعد هؤلاء موجودين الآن، بل شهدنا نقلهم واحداً واحداً إلى مقبرة الدوار بسيد الضّراوي. يختطف الموت كلّ مرّة واحداً منهم مما يُسعد الأطفال الأبرياء الذين لا يهمّهم من تلك الوَفاة سوى وليمة كُسكس يتفضّلون بها علينا. بإرسال قصع خشبية كبيرة الحجم إلى جامع الدوار. فيتولّى طيب الذكر "محمود" تنظيمنا كي نتحلّق حولها آمراً كلّ واحد منّا كي يجدَ له مكاناً بين زُحمة أطفال حليقي الرّؤوس. سريعي ازدراد لُقَم متلاحقة وبخفّة شديدة: أدخُل برُكبة آلحلّوف! أي ضَرورة تغييب نصف الجسم وإحضَار نصفه الثاني فقط كي نتمكّن من شقّ طريق لنا من بين آذان أطفال مُتّسخة تعترض سبيل أصابعنا المتّجهة صَوب عُمق القصعة المشؤومة. قبل ذلك يأمر كلّ واحد منّا بقول باسم الله الذي لا نجد الوقت الكافي كي نستهلّ بالبسملة والحوقلة والتّكبير. حين بادر المرحوم عبد الإله وقد غاظهُ التّدافُع والتّزاحم بين أطفال جائعين: ما باسماللهش يالله! لم يكن لنا وقت للضحك واللّهو لأن مُحتوى القصعة يكون بعد حين قد انتقل إلى أجواف الأطفال الذين تكون بطونهم قد انتفخت. كما حصَل كلّ واحد منهم على قطعة لحم صَغيرة أو شنتيفة بالتّعبير المحلّي، لم نتذوق مثلها إلّا في عيد الأضحى الماضي . في انتظار الإعلاَن عن وفاة غني آخر. والتي لا تطول بسبب شحوب وجوههم مثل خُبزهم الشاحب وشديد الاصفرار. والمنعدم الملح بسبب تعليمات طبيب آسفي الشهير: رون!
كان رمادهم المتراكم قرب منازلهم يشهد على كثرة طبخهم، وكثرة ضُيوفهم من مسؤولين محلّيين وقضَاة ووزراء من الرباط. خلّصَنا من كُثبان رمادهم التي شكّلت تلالاً حقيقية منذ مُنشيء الدوّار الأول محمد بن الصّديݣي جد السلفي الشهير أبو شعيب الدكالي. سي عبد اللّه الذي نقل هذه الكُثبان إلى سوَاني الخضَر بالواد الغارݣ في طريق الوَليدية كي يُخصّب بها تربةً أراض قاحلة ومُرمّلة وكثيرة الحجارة بسبب عوامل التّعرية الطبيعية. كما عرفنا العاصمة المغربية من خلال كثرة تداولهم لاسمها: غادي نطلع للرباط ! سوف أشتكيكَ إلى الرّباط..
رحم الله الجميع .

حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...