علجية عيش - الداعية و الموسوعي الدكتور صالح بوزينة في عيون أصدقائه

بعد ثلاثين سنة من الغياب شمعة تنطفئ في سماء الجزائر

إنه الداعية و الشاعر و الخطيب و الموسوعي الجزائري الدكتور صالح بوزينة، واحد من خطباء ومُدَرِّسِي مسجد دار الأرقم السابقين، هو صالح بوزينة الذي بحث في دهاليز الزمن الحزين عن شيئ اسمه "السّلام"، و هو الأن بعيدا عن وطن ظل و لا زال ينزف ، حيث وافته المنية يوم 24 أفريل 2025 ، إثر حادث مرور وقع له بالقرب من مسجد الجزائر، بعد صلاة العصر، أصيب في رأسه ، و نقل على جناخ السرعة إلى المستشفى، عاش الشاعر و الخطيب صالح بوزينة في السويد، حيث عمل خطيبا و مدرسا في المراكز الإسلامية بالدول الاسكندنافية، و ذاق ألام الغربة و قد لملم جرحه النازف في كتاب عنوانه: " بعيد عن الوطن الجريح"، وهو مجموعة من المقالات التي كتبها خلال سنوات غربته الطويلة ، و قد تشرفت دار الأصالة للنشر الجزائر بطبع هذا الكتاب وهو لا يزال في الغربة.


كان الفقيد واسع الفكر ، منفتحا على الأخر ، محب لقراءة ما يكتبه ، مُحَاورًا ، لا يترك كبيرة و لا صغيرة إلا و قرأها أو تناولها بالنقاش ، يثري الفكرة مهما كانت عقيدة صاحبها و إيديولوجيته صاحبها،فكان داعية للسلام، و حين عاد إلى وطنه كانت له لقاءات مع أصدقائه ، لكن القدر أراد أن يبعده عن الأهل و الأحباب و الأصدقاء و عن الوطن ليرحل إلى الدار الباقية بعد ثلاثين سنة من الغياب، و قد رثاه صديقه الأستاذ محمد أوزار الذي رافقه طيلة رحلتهما في طلب العلم بالجامعة، بكلمات شاعرية مؤثرة تتسلل إلى القلب ، يقول صديقه محمد أوزار عن الفقيد ، أنه كان مداومًا مكلفًا بمتابعة برمجة الخطب والدروس في مسجد الطلبة بالجامعة المركزية خلال ثمانينيات القرن الماضي، و وصفه بالرجل الوديع على الأرض، أسدًا هصورًا على المنبر، واسع الثقافة، فصيح اللسان، من أبرز الخطباء المفوهين، كان يتقن اللغتين، العربية والفرنسية، كانت خطبه نماذج راقية من البلاغة و البيان والفصاحة، تلمس فيها جمال الأسلوب وعمق المضمون، و تشم فيها رائحة العروبة .

يذكر الأستاذ محمد أوزار يوم زاره في بيته ، وقعت عينه على نسخة من كتاب حياة محمد La vie de Mahomet للكاتب الروماني "جورجيو فيرجيل،Gheorghiu Virgil ، يقول الأستاذ محمد أوزار و هو رجل علم و ثقافة أيضا : استغربت العنوان، وقلت له: "أعرف هذا المؤلف، صاحب رائعة الساعة الخامسة والعشرون، لكن لم أعلم أنه كتب عن سيرة النبي (ص)، وهو مسيحي متدين، فرد الفقيد و على شفتيه ارتسمت ابتسامة ، بضرورة قراءة الكتاب، لأن من يقرا كتاب جورجيو فيرجيل و كأنه يقرأ سيرة ابن هشام.
و كان صديقه محمد أوزار عبر بعض الإخوة المقربين قد طلبوا منه أن ينجز ترجمة لرواية "لبيك" التي كتبها الأستاذ مالك بن نبي سنة 1948، فرحب بالفكرة مبديا موافقته ، وقد تم نشر الترجمة وعرضها في المعرض الدولي الأخير للكتاب، لكن الأقدار استدعته ليكون في مكان أخر بعيد عن الوطن الجريج ، كانت الزيارة الثانية و الأخيرة لبلده الجزائر حيث استدعي لحفلة عشاء على شرفه و كان العشاء الأخير ، كان عبارة عن لحظة وفاء، بل لحظة وداع قدم فيه محاضرة قيمة اثلجت صدور الحاضرين، فكانت الكلمة الأخيرة لشاعر كان هاجس الوطن يسكنه، حيث كتبت له الأقدار ان يموت في وطنه و بين أهله و أصدقائه .

و هذا صديق أخر و هو يرثيه إذ يقول: مرة من المرات وضعت صورة لي مع الشباب في منشور فراسلني الشيخ صالح بوزينة رحمه الله بالصورتين و قال :حنانيك حنانيك بإخوانك الذين تقطعت بهم السبل وغابت عنهم هذه المجامع.. لقد أبكيتني بهذه الصورة التي تشع إيمانا ومحبة في الله وطاش فكري وتلعثم لساني و خانني قلمي و أنا الذي أحسب نفسي مالكا لناصية اللغة، آه كم اشتاق للتربية و مجالسة الشباب ومتابعة الشباب، رحل الداعية و الموسوعي صالح بوزينة عن الحياة ، بعد ثلاثين سنة من الغياب تجرّع فيها كؤوس الغربة و البعاد، تاركا وراءه بصمته التي لن تمّحي من الدعوة الاسلامية، و هي جملة من الأعمال الفكرية و الأدبية، فبالإضافة إلي كتاب بعيد عن الوطن الجريح ، دراسته بعنوان: النقد الثقافي من منظور نيوتروسوفي، Neutrosophic كأداة فعالة لتحقيق الثقافة العالمية الواحدة أو المجتمع العالم، كانت رسالة تخرج قدمها صالح بوزينة لنيل شهادة الدكتوراه ، تطرق فيها إلى نظرية النقد الثقافي و هي واحدة من نظريات العلوم الإنسانية البارزة في الوقت المعاصر، و كتاب أخر بعنوان: مدخل إلى المنطق الضبابي عند لطفي زاده، و لعل "الموسوعة العربية للعلماء والباحثين في مجال النيتروسوفيك وتطبيقاته"، أهم ما تركه الدكتور صالح بوزينة، و ستبقى أعماله الفكرية مرجعا للباحثين و الطلبة الجامعيين، كما ستذكره الأجيال التي كان يرافع من أجلها.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...