سعيد فرحاوي - المقاربة -7- شكل بناء الأنساق الدلالية في الخطاب القرآني.

-7-

بعد مناقشة طويلة حول أشكال بناء الدلالة في النص القرآني، مع الدكتور سعيد يقطين ، في مسار علمي دقيق ببمدينة الصويرة ، بمناسبة ملتقى ركراكة السنوي ، وقفنا معا عند عمق التمظهرات الكثيرة التي يتميز بها الخطاب القرآني ، وهي مناقشة زادت من إيماني بمواصلة التحليل لتحديد المجالات التي جعلت من القرآن خطابا بمواصفات دقيقة تلزم البحث بتأمل كبير .
هنا أسجل كملاحظة تخص المقطع الجديد الذي يبتدئ من الآية :
( مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ (105) من سورة البقرة .
لأسباب كثيرة اخترت هذه الآية بداية لهذا المقطع المستقل ، سأحددها في الملاحظات التالية :
-1- الخطاب موجه لمجموعة محددة دلاليا حسب الأقطاب التالية:
- المشرك.
-الكافر.
- المؤمن.
كما أسجل هنا تسبيق القطبين الأولين ، وتأخير من قال عنهم بمن (يختص برحمته) ،وهي صياغة بنائية تفيد أن المعني في الخطاب هي الجهة الضالة ، في حين موضوع الذين خصهم برحمته أصبح من القرارات العادية ، مادام ثم الحسم في مصيرهم ، كما أن التوجه بالخطاب لمخاطب محدد تكون الغاية محددة في تغيير وضعيات محدد في حال الانكسار ، لهذا ستظهر علامات البرنامج السردي واضحة ، بكل مكوناتها . نعني هنا اشتغال عوامل التواصل و عوامل السرد لغاية إنتاج مجموعة من الحالات التي تحدد طبيعة الدينامية ، التي لم تتوقف على مسار الخطاب ككل.
عوامل التواصل وصيغ تمظهراتهم.
أسجل هنا أن الموضوع ينحصر في مجال : من يتكلم؟ومن يتلقى ؟وما طبيعة التلازم بينهما في مجالات التحولات التي لم تتوقف ، كما أن الموضوع يعني كل التراكيب التي تلزم حضور خصائص وتغييب أخرى ، كما أن المسار السردي سيركز على العوامل المحورية في بنيات اشتغال الدلالة سيميوطيقيا :
البنية الأولى :
البنية العميقة :
- بداية تأسيس الخطاب على ضوء تمظهرات البنية الأولية للدلالة.نقف هنا عند مجموع المظاهر التصويرية التي تنجلي بصيغ متفاوتة ، بهدف إنجاز فعل التماسك الدلالي ، نوضح ذلك حسب التمظهرات التالية :
- ما يود : الرجاء والحلم :
- حالة المرسل :
- يتحكم في البرنامج السردي عند عامل الذات : (المشرك+الكافر من أهل الكتاب).
- موضوع قيمتهم : إنزال عليهم خيرا من ربهم.
- العامل المساعد : لا أحد.
- العامل المعاكس : الله .
- النتيجة : فشل برنامجهم السردي.
- السبب : غياب شرط القدرة/ مصيرهم بيد الخالق.
- في المقابل ، نجد عامل ذات ثان بتمظهرات مختلفة نحدده كما يلي :
- اهل الكتاب .....عامل –ذات.
- موضوع قيمته ...الهداية.
- العامل المعاكس ....الكفار والمشركون.
- العامل المساعد....الخالق.
- النتيجة : نجاح البرنامج السردي الذي حدد في الصورة التصويرية التالية:
(يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ).
- البنية الثانية : طبيعة التحول من البنية العميقة إلى السطحية .
- في هذا المجال سيتحدد طبيعة الاشتغال الذي حول عامل التواصل الثاني / المخاطب في الآية ( المشركون والكفار) إلى عوامل السرد ، كما رأينا في الوضعيات المحددة في البنية العاملية التي قمنا بتحليلها سابقا ، مما يجعلنا أما صياغتين سرديتين متداخلتين :
- العوامل ، من جعة تشتغل في مجال الخطاب لأنها تقوم بوظيفة الحكي ومن جهة أخرى تشتغل في مجال الحالات السردية التي حددت الوضعية السردية عند كل عامل حسب برنامجه السردي.هكذا سنصبح أمام خطاب بمواصفات تتحكم فيه خاصية الدينامية التي تحرك كل الأفعال بنظام واضح.
في هذا المجال سيصبح الموضوع كله يشتغل على بنيات الحالات ، التي تحدد موقع العامل الذات في علاقته بموضوع قيمته ، ودور عوامل أخرى في إنجاز الفعل الدلالي بتمفصلات زئبقية تسهم في بناء النص بناء خطابيا.
- في التحول الثالث سأشتغل على المحاور الرئيسية الثلاث :
- -1-الأنا : الممثلون و أفعالهم التيماتيكية والعوامل السردية ووظائفهم الدلالية .هنا كل ممثل يتحدد حسب التيمات التي تجعله في موقع خاص ، مما تؤهله أن ينجز دورا تيماتيكيا خاصا.لفهم ذلك سنقف عند الممثلين التاليين:
- تيمة الشرك.
- تحدد الممثل المشرك.
- دوره التيماتيكي : رفض الرسالة.
- تيمة الكفر.
- تحدد الممثل الكافر.
- دوره التيماتيكي : رفض الرسالة.
- العلاقة بين الممثيلين ( الكافر والمشرك) تتحدد في الدور التيماتيكي المشترك : رفض الرسالة.
- ينجزان دورين مزدوجين :
- من جهة هم عوامل كما رأينا سابقا.
- من جهة أخرى هم ممثلون لهم تيمات مشتركة وينجزان دوران تيماتيكيان مشتركا : رفض الرسالة والتمرد على الدعوة .
- الخلاصة : خروجهما من اختصاص رحمة الله ،لأنهم من المغضوب عليهم.
- ثم المكون الأخير ، أعني هنا أننا أمام أرضية لا يقل دورها في بلورة الفكرة المسكوت عنها ، التي يسهم الجميع في تبنيها ، حسب موقعه في الخطاب. تلك التي تتحدد في طبيعة التواصل الخفي بين كل أقطاب الخطاب والتي يتحكم فيها الفاعل المركزي ، بصفته الخالق ، القوي ، المتجبر وفي نفس الوقت الرحيم.لهذا ترك الباب مفتوحا في وجه من أراد الخروج من وضعية الغضب لينخرط في حياة من جعل منهم الإله موضوعا لرحمته.
العوامل السردية وطبيعة التحولات حسب كل عامل ذات وكيفية حضوره حسب المنظور السردي الخاص به . كل هذه الخصائص التركيبيبة ستجعل من الخطاب يتحدد بتجليات متعددة ، ما ساهم في توضيح ذلك غنى اشتغال التيمات في علاقتها بكل ممثل حسب رتبته في الخطاب ، ودوره التيماتيكي الذي ينجزه من جهة ومهمته العاملية التي ستؤهله أن ينجز مهاما محددة في مجال تمظهرات البرامج السردية بكل مقوماتها الدلالية..
-2- المكون الثاني (هنا ): تلزم هذه الخاصية المنهجية المهمة الاشتغال على كل التيبونيمات الزمانية والمكانية ، الهدف يتحدد في تأسيس تراكمات تزيد من تعقيد الخطاب وإخراجه من المتابعة الطبيعية إلى الدراسات المتسمة بخاصية التفكير العقلاني الذي يدخل الكل في دائرة القارئ الشمولي .
-3 أما عن خاصية (الآن ): تشكل إجراء ثالثا سيفيدنا في فهم مجال الفضاءات المتعالقة في كلية محكمة ومنسجمة ، كمكون جديد يعلو بحكم أنه المتسم بقيمة خاصة يرفع من وظيفة تعالقات كل مكونات النص المميزة بجدلية البناء الجدلي حسب الوضعيات الإثنانية المزدوجة التي تتحكم في كل المحتويات بقيمة الاشتغال على خصائص الخطاب المبني على منطق الازدوجيات لإزالة كل من ساهم في عملية تعطيل إنجاز الفعل السردي المحض. وهكذا يشتغل الكل وفق خاصية مهمة تراعي طبيعة المقام وصيغ تطورات.
نعتبر الآية 105 التي شكلت بداية تمظهر المقطع السابع مهمة لغايات كثيرة ، لأنها تضمنت كل مكونات الرسالة السماوية ، التي نحدد محاورها حسب الخطاطة التالية :
المرسل / المتكلم...الخالق.
المرسل إليه يتميز بطابع التعدد ، وهو قطب يتمظهر بصور مختلفة :
المخلوق الأول/ المرسل إليه : الرسول'ص'.
المرسل إليه الثاني : المخلوق المؤمن بالدعوة/ المؤمن .
المرسل إليه الثالث : المشرك بالله.
المرسل إليه الرابع : الذين كفروا من أهل الكتاب .
الرسالة :الإيمان والتوحيد.
البرامج السردية متنوعة :
برامج فاشلة : المغضوب عنهم خارج رحمة الخالق.
المؤمنين بالرسالة يتميزون بكونهم من اختصاص رحمته.
ما تبع هذه الآية من آيات جاء ليوضح المسار العام الدقيق بكل تفاصيله الذي يخص هذه الوضعيات التي اختزلتها الآية رقم 105.
سنحدد طبيعة المواضيع الموزعة في تفاصيل باقي الآيات حسب التمظهرات السردية التالية :
-قدرة الخالق على فعل كل شيء :
۞مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ. (106) .
خطاب موجه للجميع بضمير المخاطب المفرد يحدد فيه بشكل استنكاري قدرة الخالق وجبروته وعظمته وحكمته وسيطرته على ما في السماء والأرض:
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ (107) .
ينتهي المقطع عند الآية رقم 118. التي جاء فيها :
) وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ (118) .
لأنه مباشرة بعد هذه الآية سيتحول الخطاب من مواجهة القطب المعني في المقطع ككل ( الكفار والمشركين) ليخاطب الرسول بضمير مباشر .
مقطع ككل مميز بعناصر واضحة ومحدد ة ، كما أن الدلالة تصب في موضوع واحد ببرامج سردية مفصلة كما رأينا سابقا ،كلها تشتغل على عوامل تواصل موظفة توظيفا دقيقا أنجزت لنا تمفصلات دلالية بعلامات متداخلة تشتغل سرديا لإنجاز مقطع ببناءات خاصة ، كما تشتغل بعوامل سردية تقوم بوظيفتين متداخلتين:
من جهة تقوم بوظيفة الممثل : تنجز دورا تيماتيكيا.
من جهة ثانية تشتغل في مجال بنية عاملية بهدف تسطير برامج سردية متنوعة تحدد وضعيات كل حالة حسب مواضيع القيمة المرغوب فيها..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...