علجية عيش - محاولات فاشلة لإجهاض ملتقى" الخطاب الديني و العيش المشترك" بجامعة ابن خلدون تيارت غرب الجزائر

جهات فوقية أصدرت قرارا بإلغائه لأسباب مجهولة
الخطاب الديني في الجزائر بين المسموح و الممنوع


تناقضات كثيرة طبعت الملتقى الوطني حول "الخطاب الديني و العيش المشترك" قراءة متعددة التخصصات في ثقافة تقبل الآخر، بعد قرار إلغائه و سؤال ولماذا ألغي فجأة؟ لاسيما و قرار الإلغاء تسبب في غياب مشاركين ، وجهت لهم دعوات لتقديم محاضرات حول هذه الإشكالية التي طالما شغلت اهتمام رجال الدين و حتي رجال السياسة، و قد اصطدم أئمة و خطباء و أكاديميون أمام قرار إلغاء هذا الملتقى الوطني ، و طرحت حوله تساؤلات عن سبب إلغائه و من هي الجهة التي أصدرت القرار ؟ وهل قرار الإلغاء سببه تخوفها من خروج الملتقى عن إطاره العلمي و الفلسفي و إعطائه صبغة سياسية ، أمام ما يحدث في الساحة و ما يهدد الجزائر من مخاطر

و كان من المنتظر أن يكون مكان عقد الملتقى الوطني بالمركز الثقافي الإسلامي ، حيث عملت إدارة المركز على تقديم كل التسهيلات لاحتضان الملتقى من خلال وضع تحت تصرف الجهة المنظمة قاعة المحاضرات و توفير الجو الملائم لاستقبال الضيوف ، ليتقرر ، و في اللحظة الأخيرة إلغاؤه أين اضطر الشركاء إلي الانسحاب ( مخبر الخطاب الحجاجي كلية الآداب و اللغات، مخبر البحث و الإستشراف في الدراسات السياسية المقارنة كلية الحقوق و العلوم السياسية، مخبر الفلسفة و تاريخها جامعة وهران 2، مَجْمَع أثير للتعليم و التكوين ولاية تيارت، الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية مكتب تيارت ، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين شعبة ولاية تيارت، الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، و أشرف عليه مخبر الدراسات الفلسفية وقضايا الانسان والمجتمع في الجزائر و هو المنظم لهذه التظاهرة العلمية ، و تم إعداد قائمة اسمية طويلة للمتدخلين و عنوان مداخلاتهم، من أجل تسليط الضوء على الخطاب الديني في الجزائر و تشريحه تشريحا علميا دقيقا ، بعيدا عن كل المغالطات السياسية و الانحرافات.

إلغاء عقد ملتقى الخطاب الديني و العيش المشرك كان بقرار رسمي

قرار إلغاء الملتقى شكل لغزا كبيرا في الأوساط العلمية كونه يتناول إشكالية حساسة جدا ، لكنها تحتاج إلى تسليط عليها الضوء و تحليل أبعادها الفكرية و الدينية و السياسية، ففي لقائنا بمدير المركز الثقافي الإسلامي السيد خالدي بن مسعودة الذي استقبلنا بمكتبه ، قال أن تعليمة صدرت عن وزارة التعليم العالي و البحث العلمي تنص على أن تحتك المراكز الثقافية الإسلامية بالجامعات و بالأكاديميين و الباحثين في إطار النشاطات الثقافية، و جامعة ابن خلدون كانت قد اعتادت تنظيم نشاطات في كثير من المجالات، و كان في الملتقى شركاء من المخابر العلمية و الجمعيات كجمعية العلماء المسلمين الجزائريين و جمعية الأثير ، موضحا أن المركز الثقافي الإسلامي فرع تيارت هو جهاز استقبال و ليس هو منظم الملتقى ، و قد عملت إدارة المركز الثقافي الإسلامي على توفير سبل الراحة للضيوف، لكن مدير الشؤون الدينية و الأوقاف رفض ترخيص عقد الملتقى، و هذا من خلال تلقيه رسالة تحمل رقم 1061 المؤرخة في 22 أفريل 2025 ، و أعاد إرسالها إلي مدير المركز الثقافي الإسلامي ، الرسالة تتضمن أن المسؤول التنفيذي الأول على ولاية تيارت أسدى تعليمات إلى مديرية الشؤون الدينية بإلغاء الملتقى ، إلي حين توافق عليه وزارة التعلم العالي و البحث العلمي ، و تركت تعليمة الوالي تساؤلات لدى المشاركين الذين وجهت لهم دعوات للمشاركة ، فيهم أئمة و خطباء، حيث أجبروا على الانسحاب، إلا أن المكلف بالملتقى تم تحويل مكان عقد الملتقى من المركز الثقافي الإسلامي إلى الجامعة، دون إخطار المشاركين بتحويل مكان الملتقى ، و ظل قرار الوالي بإلغاء الملتقى يطرح نقطة استفهام لمعرفة من وراء قرار الإلغاء، و من هي الجهة التي تدخلت لإلغائه؟ وماهي أهدافها؟

أليات تفعيل الخطاب الديني و إبعاده عن الفكر المتطرف
(التجربة الماليزية نموذجا)


تضمن برنامج الملتقى تقديم 82 مداخلة حول دور الخطاب الديني في مواجهة الكراهية و تعزيز قيم العيش المشترك ، شارك فيه أكاديميون من جامعات الجزائر، طرحوا فيه إشكاليات لها علاقة بفلسفة الدين و اللغة الدينية، و دور الخطاب الديني في مواجهة الكراهية، و في تعزيز قيم ثقافة الحوار، و ماهي الأليات الدولية لتحقيق التعايش السلمي و تقبل الغير، في ظل الخطابات الدينية المتباينة، كذلك ما تعلق بمرجعيات العيش المشترك في الخطاب الإسلامي، كانت هذه المرجعيات عنوان محاضرة ألقاها الدكتور تاج محمد عميد كلية العلوم الإنسانية و الإجتماعية جامعة ابن خلدون تيارت، حيث تحدث عن اهتمام القرآن الكريم بفكرة التعايش مع الأخر، مذكرا أن أول تطبيق للإسلام بدأ بعد هجرة الرسول إلى المدينة، و كيف وحّد بين الأطياف ، رغم أنه كان فيهم معارضون ومسيحيون و يهود و رغم ذلك تعامل الرسول مع هذا الإختلاف و التنوع، ، مشيرا إلى الدراسات التي تبين كيف نقل الرسول القبائل من القبيلة (الطوطمية) و المجتمع القلبي إلى "الدولة المركزية"، من خلال وثيقة المدينة و من مجتمع منغلق إلى مجتمع منفتح.

حسب المحاضر، فإن كل الإمبراطوريات كالإمبراطورية الرومانية لم تحقق التوافق و لا يكاد يرتفع لها صوت، فالرسول كما يقول تجاوز اللغة و الجنس و المكانة الإجتماعية و تجاوز حتي الدين عندما يتعلق الأمر بالإنسان، فأصبح المجتمع في المدينة يعتمد على الإنسان، و هذه الوثيقة ( وثيقة المدينة) كانت تنظم المجتمع الإسلامي بخروجها من الدائرة الضيقة، لدرجة أن الرسول (ص) كن يردد العبارة التالية: " إنها أمّة واحدة"، فمن خلال هذه الوثيقة كان الرسول نموذجا للتعايش، دون أن يستثني الوثيقة العمرية، وقد وجد الباحثين و المتتبعين للشأن الإسلامي فصحيفة المدينة من الوثائق التي بكّرت زمن الرسول، و لذا كان أهل القدس يؤمنون بهذه المرجعية ، و لذا يمكن القول أن التعايش كان موجودا مع بداية الإسلام.

وقد ربط باحثون الخطاب الديني بأحداث 2001 التي غيرت مجرى حياة البشرية، تشكل فيها وعي فردي و وعي جمعي و ظهرت مؤسسات دينية رسمية، بدأت تعمل على نشر الفكر الماركسي و الفكر القومي، و نتج عنه ظهور فكر معارض للفكر الإسلامي، كما ظهرت فكرة " التديّن" و الخطاب الديني المؤثر و الغير مؤثر، اي صناعة الرأي العام، حيث ظهرت مطالب بتجديد الخطاب الديني ، و معرفة صفات من يحمل هذا الخطاب و نقله، و من يجوز له أن يتكلم باسم الدين ، و كيف يقنع الجمهور، في هذه المرحلة أقفل باب الاجتهاد و غُيِّبَ العقل، بحيث لم يكف المسلمين مصيبة في هذا الزمان ما تركوه من حقائق الدين و معانيه ، بل زادوا الطين بلّة بأن سمحوا لأصابع العابثين من أعدائهم، لينتهي الإسلام إلى صورة ممسوخة مشوهة لا شكل لها و لا معنى.

أما محاضرة الدكتور حانق محمد من جامعة ابن خلدون تيارت، قدم هذا الأخير صورة الخطاب الديني في ماليزيا كأنموذج، من خلال رؤيتها للتعددية الدينية و شروط تقبل الأخر، فماليزيا عرفت تعدد العرقيات و الأديان و المذاهب فكان عليها أن تضع مشروعا للتعايش، وهو مشروع تضع به حدا للصراع الفكري و الإيديولوجي و الديني، كما وضعت سياسية خاصة للإسكان، فالحكومة الماليزية عند بنائها مثلا عمارة م، تُسَكِّنُ فيها خليطا من الديانات و العرقيات، لتجعلهم يتعايشون، و بهذه السياسة استطاعت ماليزيا أن تحقق الأمن و الاستقرار و التعايش، لقد حاول المحاضر من خلال ورقته أن يلفت الانتباه إلى أن الفكر المتطرف يحمل صورة عدائية للإسلام، و ما التفوق الذي حققه الصهاينة هو تنوع الخطاب الديني و الإعلامي، ما مكنها (أي ماليزيا) من بناء دولة عظيمة و أن تكتشف كل المخططات التي تحارب الإسلام ، وما منظمات حقوق الإنسان إلا استراتيجية الكيان ، في المقابل أشار الدكتور حانق محمد إلى ما ذهب إليه مفكرون عرب و منهم محمد عابد الجابري الذي دعا إلى إعادة النظر في التراث العربي الإسلامي و ضرورة الأخذ بالحداثة، و بالأخص معيار "الأنسنة" و معيار " الحرية".

ماهي انعكاسات الخطاب الديني في فلسفة الدول الخارجية؟

سؤال طرحه الدكتور محمود رحيامية، حيث يرى ان أزمة الخطاب الديني في ظل التكنولوجيا و الرقمنة و الذكاء الإصطناعي اصبح يحاكي الإنسان، و بالعودة إلى الدين نقف على انه من أهم الروافد في بناء الأمم و هو ما يسمى اليوم بحوار الأديان و إشكاليات التعاون بين الدين و السياسة، فهناك مراكز بحث متخصصة في هندسة الخطاب السياسي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، حيث يوجد الأن من يهدد الولايات المتحدة فيما يسمي بحوار الحضارات ( الإسلامية و الصينية) من أجل شرعنة قراراتها في السياسة الخارجية، أراد المحاضر الإشارة إلى أن خطابات الرؤساء دينية و منهم جورج بوش الابن، أما العالم الإسلامي فهو يواجه خطابات متعددة، فتولدت عنه أزمة خطاب ديني، فيوجد الخطاب الديني الإيراني، و الخطاب التركي الذي له انتماء للخطاب الإخواني، و الخطاب الأزهري و الخطاب السعودي، وخطاب أخر في الشرق الأوسط فيما اصطلح عليه بالديانات الإبراهيمية و كيف يتم تسويقها.

يبقى الخطاب الإيراني أقوى الخطابات بحيث استطاع أن يقلب الموازين لأن الدين عند الإيرانيين يشكل إيديولوجية، ويلاحظ اليوم تخوف كبير من الامتداد الشيعي في العالم، ما يجعل المنظرين في حوار الأديان يرون أن أهم التحديات التي تواجه العالم العربي، هي ازمة التجديد، حيث اصبح الدين عائقا، و أزمة التجديد ناتجة عن أزمة العقل العربي أو الإسلامي، و كيف تتعامل مع التراث و تنقيته، فأول خطر يواجه الجزائر هو "الإسلاموفوبيا" و خطاب الكراهية، خاصة و أن ظاهرة الإسلاموفوبيا التصقت بالإسلام والمسلمين ، كما ربط أخرون الخطاب الديني بالإرهاب، و هذا لعدم وجود خطاب دينى إعلامي جديد قائم على تحليل هذه الظاهرة وسبل مواجهتها على المستوى الإعلامي، و إن كان الملتقي عرف نجاحا لأن اصحابه رفعوا التحدي، و عقدوا الملتقى حتى لو كان بدون ترخيص أرادوا أن يوجهوا رسالة إلى المسؤولين المحليين بأن الجامعة الجزائرية مستقلة في برامجها و قراراتها، و هي بإطاراتها تعتبر القاطرة التي تقود البلاد، و لاشك أن هناك أطراف ارادت أن تجهض الملتقى ، لأسباب لا يعلمها إلا الوالي ، و هل من حق الوالي أن يلغي ملتقى علمي تنظمه الجامعة، و ما يلاحظ أيضا أنه من الصعب تقديم كل المحاضرات المبرمجة، في فترة صباحية فقط، خاصة و أن المشاركين في الملتقى انسحبوا في الفترة المسائية لحضور افتتاح ملتقى أخر حول الخطاب الإعلامي.

علجية عيش من عاصمة الرستميين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...