- حكايات شعبية قديمة تناقلتها قرية (الزهراء) (3)
ــ الحكاية الأولى: بعنوان ( الديك المؤذن)
وفجأة في شارع العصارة وقبل أذان المغرب دبت خناقة لرب السماء بين الحاج ابوعيوشة والسيدة ... جارته
هو يقول: هذا ديكنا وهي تقول مدافعة ومستميتة إنه ديكنا، هو يصف الديك ذو العرف الاحمر فى اسمر
وهى تقول: صوته عالي وليس مبحوحا
وتجمع عدد كبير من أهل القرية على هذه المعركة الكلامية بين الطرفين وتوجيه الاتهامات والناس تحاول التهدئة لكن وطيس المعركة لم يحتدم ويعلوا سعيرها ولا أحد يستطيع أن يسكت أي من الطرفين.
كل طرف منهما وأهل بيته يحاول أن يكون منتصرا وصاحب حق
علي حساب الآخر.
وأثناء تبادل الاتهامات
كان الفلاحين عائدين من حقولهم قبل الغروب
والشارع ( ترش الملح ماينزلش ) زي مابيقول المثل
والعائدون من الحقول يسحبون مواشيهم في طريق العودة لايستطيعون عبور الشارع
وإذ بالفلاح الفصيح يتقدم ومعه شيخ الغفر وبعض من غفر القرية
بيطلع أعيرة من بندقيته الخرطوش في الهواء
سكت الجميع
وتحدث الفلاح الفصيح قائلا ماهي المشكلة؟
قالوا له الحاج ابوعيوشة وجارته يتعاركون على ( ديك)
هو يقول ديكى وهي تقول ديكنا
قال ترضون بحكمى قال جميع الحاضرون نعم نرتضى وكذا طرفي المشكلة
قال أوشكت الشمس على المغيب
فليدخل الحاج ابوعيوشة الي بيته
وتدخل جارته الي بيتها
كل منهما ينتظر في منزله
أطلقوا سراح الديك
وهو يدخل بيته ليبيت فيه كما تفعل كل الطيور
اتركوه حرا طليقا وافسحوا له الطريق ولا أحد يؤثر على سيره
....
افلتوا الديك من أيديهم
وافسحوا له الطريق على جانبي الشارع
وكأنهم صنعوا له ممرين شرفيين
ممر يؤدي لمنزل الحاج ابوعيوشة
الممر الآخر لجارته
وقف الديك فى منتصف الشارع ونظر يميناً ويساراً وتفحص الجموع
ثم سار منتشيا ببطء
وفجأة جري ودخل بيت الحاج ابوعيوشة وصعد علي درج السلم الخشب النقالي الذي اعتاد أن يبيت عليه كل ليلة.
ثم نظر نظرة منتشيا.
وهز جناحيه ثم رفع صوته بالاذان
هنا ارتفع صوت الحاج ابوعيوشة داعيا للديك
( الله ينصر دينك
أذن يابلال اظهر الحق يابلال)
ضحك الجميع وهنأوه
وانصرفوا كل إلى منزله
وأغلقت الجارة باب بيتها
هذه الحكاية رغم تقليديتها إلا أنها تعكس مقدار وحصافة الوعي الشعبي المستنير، وحكمته البالغة فى تقدير الأمور، وحضن الدماء والاحتكام الى الكبير أو الفطن منهم.. وتعكس أيضا فى مقولة أبوعيوشة :
( الله ينصر دينك
أذن يابلال اظهر الحق يابلال)
تعكس بعد دينيا تم توظيفه بتلقائية عجيبة.
على العكس تجئ الحكاية الثانية لتوضح أنه مع تقدم الزمن ودخول مهن جديدة مثل المحامين، نتعرف كيف تطورت المشاجرات عن طريق القضاء فى هذه الحكاية
ــ الحكاية الثانية بعنوان ( قضية القرن)
أو حمارة عبدالفتاح
ذهب عبد الفتاح البلاشوني إلي الحقل راكبا حمارته ولما وصل أوقفها علي الحد الفاصل بين حقله وحقل جاره علي ريشة (شط )المسقي الذي يوزع المياه للحقول "وأثناء اندماج عبد الفتاح في عمله بالحقل إذ ا بالجار يحضر وبلا مسبقات أوحديث يري حمارة عبد الفتاح تمد بوزها وتنتش من زرعه من أرضه فيجن جنونه ويحدف الحمارة في المسقي في الماء "ويصيح عبد الفتاح من بعيد انت ايه اللي عملته ده يابن الكلب ياكافر ويجري مهرولا في اتجاه الحمارة ويطبق في رقبة جاره الذي اعتدي علي الحمارة وبعد وصلة من الشتائم المنتقاة تمتد الأيادي ويعتدي الجار علي عبد الفتاح وتهيص الحكاية وترفع العصي في الهواء وتلبلب أكتاف الجار ردا لفعله مع عبد الفتاح حيث انه رجل أكبر من جاره أو زي مابيقول المثل في مقام والده أي بمثابة ولد من أولاده ويشتد آتون الخناق إلي أن يضرب عبد الفتاح جاره ضربة أسالت دمه وهنا جاء الجيران من الحقول البعيدة ولم يحضروا الحكاية من أولها "يذهب الجار إلي الدكتور ويعمل تقرير طبي ب21 يوم ليستطيع أن يحبس عبد الفتاح"
عندما شم (عرف) عبدالفتاح الخبر أخذ يرسل مراسيله من أصحاب الخير للتدخل للصلح وهو في موقف ضعيف إلا أن الجار لايريد الصلح ماذا يفعل إذن ؟
ذهب لمحامي القرية وأراد أن يوسّطه للصلح ففشل المحامي ولم يعمل له الجار أي حساب وأهانه بقوله أنت قابض كام؟
هنا تفتق ذهن المحامي عن أفكاره ال....وطلب في إحضار عبد الفتاح جلس معه بالمكتب بعد أن أغلق الباب عليهما وبعد ربع الساعة خرج راجعا إلي منزله ,
دخل الزريبة وفي يده موس قرن الغزال وإذ بعبد الفتاح يضرب الحمارة أعلي مؤخرتها ويسيل الدم ويضع عليه قماش كثيف لكتم الدماء التي تسيل ,
يسحب الحمارة ذاهبا إلي الوحدة البيطرية " جاء الطبيب البيطري ورأي الدم الذي يسيل من الحمارة مبديا اندهاشه وإذ بعبد الفتاح يصيح الحقها دمها هيتصفي الله يخليك خيط يادكتور ويسارع الطبيب لينقذ الحيوان الأخرس ويبدأ في الخياطة وكل غرزة يصيح عبده ضيق يادكتور إلي أن وصلت عدد الغرز إلي 21 غرزة ,
وبعد ما انتهي الطبيب من عمله إذ بعبده يطلب منه أن يكتب تقرير للحمارة فتعجب الطبيب !!!! تقرير إيه ياعم !!!!1 قال له ان جاري ضرب الحمارة بالمنجل في الغيط أرجوك فكتب الطبيب التقرير والذي اعتمده بخاتم شعار الجمهورية وأعطاه لعبده"
ذهب عبده بعدها مباشرة إلي المحامي وأعطاه التقرير والذي قام بدوره في تحرير الدعوي رقم........ بتارسيخ.../.../... ضد المدعو فلان الفلاني جار سي عبد الفتاح أنه اعتدي علي الحمارة بالضرب بآلة حادة (منجل )وتسبب في جرحها جرح غائر الامر الذي استلزم معه 21 غرزة لحيوان لاينطق ولايستغيث ويطالب بأقصي عقوبة للمدعي عليه حيث أنه خالف ماجاء باللائحة الدولية لحقوق الحيوان,
وبعد مداولات السادة القضاة بجلسة النطق بالحكم ينادي الحاجب (محكمة )في القاعة التي امتلأت عن آخرها من أهل القرية لينظروا عاقبة قضية القرن "الآتي حكمت المحكمة حضوريا علي المتهم بالسجن ستة أشهر مع النفاذ ودفع أتعاب المحاماة وعلاج الحمارة علي نفقته الخاصة " رفعت الجلسة"
عاد الجميع إلي القرية عدا المتهم "
هنا بدأت المشاورات بين كبار أهل القرية والجميع يتجه إلي منزل عبد الفتاح الذي أثار ضجة في قاعات المحاكم ويعرضون عليه الصلح وبعد حاق وماق يحضر المحامي ويكتب وثيقة الصلح التي كانت بمثابة قرار الافراج عن الجار المتهم " رفعت الجلسة
فى هذه الحكاية يستنير الفلاح البسيط عبدالفتاح بخبرات ومهارات المحامى فى ساحات القضاء ويقوم بعمل مكيدة مقابل مكيدة الجار، وهذه الحكاية تؤكد الأبعاد الحديثة فى اللؤم الريفي، أو فى المدينة لا فرق، المهم هم كيفية كسب الجولة على الخصم بأية طريقة كانت شريفة أو غير شريفة، والحكاية أيضا تبين مقدار الانحراف الأخلاقي الذى ألم بالمجتمع المعاصر.
......................................
ــ الحكاية الثالثة: (الامام)
ــ وهى أقرب شبها بما ورد فى قصة (أكان لابد يا "لي لي" أن تضيء النور) للكاتب المصرى العبقرى يوسف إدريس .. ولا ندرى أيهما أسبق من الأخرى إلا أن درجة التشابه كبيرة فى المحتوى.
تقول الحكاية:
ومات قريبا لهم من قرية الحلمية مركز أبوحماد شرقية ولما ذهب عمي الحاج ( رزق أبوحمدان ) الله يرحمه لأداء واجب العزاء في الفقيد حيث أنه من عائلة الحمادنة فرع الحلمية جلس في سرادق العزاء يتقبل العزاء من المعزين حتي حان موعد صلاة المغرب صدّق الشيخ المقرئ لأداء الصلاة وتناول وجبة العشاء .
ذهب عمي الحاج رزق مع أربعة من أقاربه من الحلمية لصلاة المغرب بعد أن قضيت صلاة الجماعة الأولي
فلما وصلوا للوضوء قالوا له ( ياالله يابا رزق عشان تصلي بينا المغرب ) , قال لهم عمري ماصليت إمام وأنا مش حافظ حاجة غير المعوذتين و.......... شئ من قصار الصور وأنا محرج ,
صمموا علي رأيهم فتركهم ودخل دورة المياه ليهرب منهم ,
فلما خرج من الحمام وتوضأ ودخل المسجد وجدهم في انتظاره لكي يأمهم في الصلاة ,
قال لهم عيب يا ولاد أنا عمري ماصليت بحد جماعة , قالوا له لايمكن والله لازم تصلي بينا قال كدة ماشي,
تقدم عمي رزق للامامة ونوي وكبّر وقرأ الفاتحة ثم قرأ ( قل هو الله أحد ) وركع ثم سجد ,
وأثناء سجوده رفع رأسه قليلا والتفت جهة اليمين فوجد صفا من الناس طووووووويلا ,
ثم التفت جهة اليسار فوجد صفا طوووووووووووووووويلا ,
قال في نفسه ينهار ابوي ابيض كل دول بيصلّور ورائي , حــــــــاضر,
قام من السجود من غير تكبير بدون أن يشعر به أحد وبشويييييييييييييييييش أخذ الحذاء وخرج من المسجد متوجها إلي سرادق العزاء وترك المصلين ساجدين ,
طال السجود حتي وسوس الشيطان للمصلين ياتري ليه الإمام مش عاوز يقوم من السجود هل مات هل هل هل ؟
وإذا بأحد الناس يدخل ليصلي المغرب فإذا به يضحك بصوت عالي ههههههههههههههههههههههههههههههاي إنتو ازاي بتصلّوا من غير إمام فرفع الناس رؤسهم رويدا رويدا فلم يجدوا لهم إماما فتعالت الضحكات وأخذوا في التساؤل فيما بينهم كيف يتركهم الإمام ساجدين ويرحل,وماحكم الدين في ذلك ؟
وأثناء الهرج الذي دار بين الناس تسلل أربعتهم راجعين إلي السرادق ليجدو عمي رزق جالسا علي مائدة العشاء ولافي دماغه ويضحكون ويسألون إيه اللي انت عملته ده يابا رزق ؟
قال لهم ياولاد الكلب أنا مش قلت لكم أنا ما بعرفش أصلي بحد؟ ودارت الحكاية في السرادق والجميع يتغامذون هذا هو الإمام هذا هوالإمام إلي أن رجعوا من أداء واجب العزاء ,
ولاأراكم الله مكروها في عزيز لديكم
...........................................................
بالطبع ثمة تقارب شديد بين قصة كاتبنا الكبير وبين هذه الحكاية، ولا نستطيع أن نجزم أيهما أقدم من الأخرى، رغم اختلاف مكان أحداث القصتين عند إدريس تدور القصة فى حي الباطنية، وفى الحكاية الشعبية تدور فى قرية ريفية بسيطة،
وترك الامام فى الحكاية الشعبية للامامة وتخليه عنها مقبول نسبيا بسبب مستوى وعيه، المتدني، وعدم حفظه للقرآن.. أما فى القصة فالحبكة مختلفة والمفارقة هى أساس القصة .
.............