خالد جهاد - القلب في عربة تسوق

لم تختفي الموسيقى من الوجود، لم تذبل كل الأزهار، لم يتوقف الشعراء عن كتابة القصائد، ولم تكف الأكثرية عن الضحك والإبتسام حتى وإن لم يكن هناك سببٌ لذلك.. لكن صوت الحياة الخافت بات في طريقه إلى التلاشي والذوبان بالتزامن مع احتضار المشاعر في أعماق أصحابها.. أولئك الذين يبذلون مجهوداً لا يصدق للحفاظ على بقايا انسانيتهم أمام زحفٍ مخيف لعالمٍ لم يتفق (سادته) على إسمه الجديد..

يلتفت الكثيرون من حولهم.. يشعرون بالإنفصال عن كل ما يحيط بهم.. انفصال الناس عن عالمهم.. انفصال مشاعرهم عن بيئتهم وحتى عن قناعاتهم.. يتسائلون عن مكمن الخلل بين العاطفة والجسد والمادة وبين (الحاجة) إليهم.. يقارنون بين الأمس واليوم دون اغفالٍ لسلبيات كليهما، باحثين عن إجابةٍ تكسر علامات الإستفهام التي تحولت بشكلٍ أو بآخر إلى صليبٍ معاصر تنزف البشرية عليه دون أن تعرف خطيئتها، وهي التي شعرت بسلب ذاكرتها وتخدير ضميرها وموت جذورها في غفلةٍ من الزمان.. خلال رحلة بحثها المتواصل عن الرغيف وتحليق جوارحها حول (ناطحات السحاب)، وتشتت قيمها بين ما نشأت عليه وبين ما (أصبحت) تتمناه فخسرت معه الكثير من ذاتها..

الذات التي قد يحار الكثيرون في وصفها وتعريفها لكنها بلا شك مجموعةٌ من التفاصيل بين (الملموس والمحسوس) وهي التي تغيرت فغيرت وتغلغلت حتى صنعت (إنسان اليوم).. الإنسان المادي.. الصامت.. الجامد.. السطحي.. البراغماتي.. المقلد.. اللا منتمي.. المتوحد مع خصمه.. المستهلك.. ذو النزعة الفردية الإنعزالية.. الباحث عن الطريق الأسرع والأسهل في كافة جوانب الحياة.. والذي لم يكن من الممكن أن تنتزع منه مبادئه في صمت قبل أن يمتلأ وجدانه بما يشغل مكانها بشكلٍ يعجز معه حتى عن ملاحظة الفرق بين وجودها وعدمه.. فبالعودة إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي دخل العالم بأسره في مرحلةٍ جديدة ومختلفة تغيرت معها ثقافته بشكلٍ تدريجي ومتفاوت من مجتمعٍ لآخر.. مرحلةٍ تكرس لإنسانٍ يفتقد الى ملامحه وهويته الخاصة وسط زحامٍ شديد تتساقط فيه الأوجه ويتكالب فيه البشر على كل ما هو مادي.. ليؤسس لمرحلةٍ أسماها البعض بزمن (السوبرماركت) في تعبير عن زحف العولمة مبكراً وتوحش الثقافة الإستهلاكية.. والتي بدأت بمغازلة الطبقات الفقيرة والمتوسطة من خلال اللعب على وتر الحاجة وحضها على شراء المزيد والمزيد حتى مما لا تحتاجه خوفاً من الغد، وايهاماً منها لهم بأن هذا الإستهلاك الذي يقدم إليهم من خلال كلمات براقة مثل (عروض..خصومات..توفير.. حجم عائلي) يحمل في طياته شعوراً بالتحصين والأمان وهو ما ليس صحيحاً..

فإقبال الناس على فكر (التسوق) لم يتوقف عند توفير الإحتياجات الأساسية بل امتد تأثيره ليغريهم بتبني ثقافاتٍ بعيدة عنهم من خلال (التسويق) لها وتحويل مفرداتها وأدواتها إلى ضرورة يشعر معها من لا يواكبها بأنه خارج الزمن وأيضاً (خارج المنافسة)، فالإستهلاك سلوك تنافسي تم الترويج له كجزء من تقدير وحب الذات والقدرة على التميز ومواكبة العصر، من خلال مظهر معين يعتمد على شراء العلامات التجارية الشهيرة والإقبال على التجميل بكافة أشكاله ومحاكاة نماذج بعينها ليس فقط على صعيد الشكل بل تبني نمط الحياة الذي تعيشه ليتحول الإنسان بحد ذاته إلى حالة متكاملة من الإغتراب ويصبح أشبه بمنصة أو لوحة إعلانية متنقلة بعد أن كانت (ولا زالت لكن بشكل أقل مقارنةً بالمراحل السابقة) كبرى الشركات تبحث عن وجوه معروفة للترويج لمنتجاتها و(القيم التي تمثلها).. وأصبح الكثيرون يرون أن هذا النمط من المعيشة والذي اتخذ شكلاً أكثر توحشاً وتطرفاً عبر مواقع التواصل الإجتماعي هو القاعدة التي ينبغي على الجميع اتباعها..

ففي السابق كان الإستهلاك يقدم في غلاف أنيق وجذاب وبسيط بعض الشيء وعبر إيقاع أكثر هدوءاً وتحفظاً وأقل مباشرةً مما نراه اليوم.. لكن بعد أن أصبح هذا الفكر متسيداً حيث بات الإنسان نفسه بشكل أو بآخر هو السلعة برضا تام من قبله.. وبطريقة خسر فيها نفسه ومحيطه، لم يعد قادراً على أن يحب نفسه أو أسرته أو أصدقائه أو محيطه أو وطنه كونه مستنزفاً في صراع مع الآخرين لتكوين صورة غير صادقة عنه، أخذت منه وقته وعمره وقلبه وقدرته على الشعور بأبسط الأشياء، وهو ما انعكس على اهتمامه بالأحداث الكبرى التي نعيشها ويعيشها العالم في غزة أو السودان أو سوريا والتي امتدت لتشمل نزاعات بالغة التعقيد والخطورة في العديد من البلدان لتصبح (قضايا هامشية) بالنسبة إليه..

وقد قدم الكثير من الكتاب والأدباء والمفكرين والفلاسفة رؤيتهم المبكرة لواقعنا الإنساني الهش من خلال عدد من أعمالهم التي ربطوا فيها بين سلوكيات أبناء اليوم وتطلعاتهم و انعكاسها على انتمائهم وارتباطهم بمحيطهم بدءاً من الدائرة الأشد قرباً ووصولاً إلى علاقتهم بالمجتمع ككل.. فقد قدمت الأديبة السوريّة غادة السمان على سبيل المثال هذه الرؤية للإنسان المعاصر وسطرت هشاشته في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية في لبنان من خلال رواية (سهرة تنكرية للموتى) والتي تدور كافة أحداثها بين فرنسا ولبنان والتي صدرت عام ٢٠٠٣، كما قدمها تيار الواقعية في السينما المصرية عبر أعمال العديد من المخرجين أمثال عاطف الطيب ومحمد خان الذي قدم تصوره للحياة والحب في زمن الإستهلاك والثقافة الرأسمالية في فيلم (سوبرماركت) الذي صدر عام ١٩٩٠ واستشرف ملامح المرحلة الحالية إلى جانب عدد كبير من الأطروحات والندوات التي ناقشت العلاقة بين سلوك الإنسان وبين القلب الذي لا يمكن أن يمضي في اتجاه مناقض له.. فالقلب المزروع داخل عربة التسوق والمشغول بما في جيبه لا يمكنه أن يعود إلى (بشريته) ويشعر بما حوله ولا يمكنه أن يستشعر جمالية وقيمة التفاصيل البسيطة والحميمة أو المعاني العظيمة التي تعبر عنها لأن الأرقام لا يمكنها أن تفهم الحروف..

#خالد_جهاد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...