المستشار بهاء المري - مَن قال إنَّ القضاةَ لا يبكون...

قصة بعنوان: (خلف الأبواب الموصَدة)
تبدأ القصة بشابٍ ضابطٍ في القوات المسلحة، ابن الجيران، ‏طويل القامة، بَهي الطلعة، مشرق الوجه ببشاشة لا تُخطئها العين. ‏استقال من عمله ليتفرغ للأعمال الحرة، مختارًا حياةً بلا قيود ولا تبعات. ‏رجلٌ حرّ، يملك من الوقت ما يكفي لأن يُمضي أيامه على هواه، ومن ‏الوسامة ما يجعله محور الأنظار‎.‎
في البناية المجاورة، كانت تسكن أسرة ذات مكانة رفيعة، ‏تعيش بين أناس يعتلون المناصب والوظائف المرموقة. وهناك، كانت ‏أستاذة جامعية، شابة جميلة بهية الطلعة، عيونها كنجوم السماء، بشرتها ‏كالثَلَج، وجمالها كأنما خرج من صفحات الخيال.‏
مع كل هذه الصفات، أصبح الشاب أسيرًا لمفاتنها، واندفع ‏وراء عاطفته دون أن يلتفت إلى زوجته وطفليه. ‏
بدأ يتقرّب منها، يتبادل معها كلماتٍ بريئة، سرعان ما تحوّلت ‏إلى مجاملات رقيقة، ثم إلى عبارات تلامس الحلم، وأخيرًا إلى وعودٍ لا ‏سقف لها‎.‎
دخل مكتبها، تكررت اللقاءات، تشابكت الكلمات، وضعُفت ‏الإرادة، وانطلقت القلوب نحو دربٍ مظلم لم يكن لأيٍّ منهما أن ‏يتصور نهايته. لم تكن العلاقة في بدايتها إلا خيطًا رفيعًا من الانبهار، لكنّ ‏هذا الخيط صار قيدًا ثقيلًا حين أصبح الوعد زيفًا، والحلم جريمة‎.‎
سألها عن المستقبل، عن بيت يجمعهما. صدقته. وقفت في وجه ‏أسرتها، مدفوعة بوهمٍ اسمه "الحب". رضخت لكل مغامرة، حتى وقع ‏المحظور: حملٌ سابق للزواج. وشيئًا فشيئًا تحوّل الحلم إلى وصمة، ‏وتحولت الأنثى الحالمة إلى فتاة منبوذة، وتحوّل الشاب إلى متهم‎.‎
ثم كانت الخلافات لمَّا تنصلَ من وعوده، وكانت المحادثات ‏الجنسية المُبتذلة على تطبيقات التواصل الاجتماعي فيما بينهما، والأدهى ‏والأمَر مقاطع فيديو للقاءات جنسية كاملة، ثم كانت الطامة الكبرى: ‏أرسل كل هذا وغيره لذويها، ولم يكتف، بل على صفحات أصدقائها ‏وصديقاتها على الفيس بوك. سُقط في يد أهلها فكان الإبلاغ عن جُرمه. ‏لم تعد المسألة مجرد فضيحة، بل جريمة أخلاقية في ملف جنائي. ‏
كانت الجلسة سرية، خوفًا من أن تُلوِّث تفاصيلها حياءَ الناس. ‏لكن ما لا يمكن إخفاؤه هو الوجع الذي أصاب الجميع. وجوه الأهل، ‏العيون المكسورة، الأسئلة التي تتردد بلا أجوبة: من أخطأ أولًا؟ وأي ‏الطريقين كان الأشد ظلمة؟ ومن المسئول عن الخراب؟!‏
كان الشاب واقفًا أمامي، في ملامحه بقايا البهاء، ولكنه بهاءٌ ‏مكسور، كأن وجهه بات مرآة تعكس سقوطه. كان بإمكانه أن يكون ‏رمزًا، أن يكون قدوة، لكنه اختار أن يكون ذكرى مشوّهة في سجل ‏المحكمة. ‏
أمَّا الشابة… كانت تنظر إلى الأرض وكأنها تبحث عن نفسها ‏المبعثرة بين بلاط المحكمة. لم تعد تلك الجميلة التي قرأتُ وصفها في ‏الأوراق، بل كانت أنثى فقدت اتزانها، ومضت خلف وعدٍ لم يكن ‏سوى فخّ من سراب. لم أعفُها من المسؤولية، ولم أقدر أن أُسلِمها ‏للشفقة‎.‎
نظرتُ إلى والدها وهو يُغالب دمعةً حارقة، ويكتم أنينه خلف ‏جدار الصمت. ونظرتُ إلى أمّ الشاب وهي تحتضن ولدها كأنما تحاول ‏أن تُعيده إلى رحمها، تحميه من الحكم، من العالم، من نفسه‎.‎‏ ولكن.. كان ‏لا بد من الحكم‎.‎
قلبُ القاضي - الذي لم يكن محصنًا من الألم - يرى كيف أن ‏الرجل كان ضحية لجمال الشابة ومفاتنها، لكن سلوك الشابة، ‏وتراخيها، وعدم مقاومتها، كان لهما دورٌ كبير في وقوع هذا الفخ. كانت ‏المحكمة أمام خيارٍ صعب، فكانت العقوبة التي قضت بها، هي الحد ‏الأدنى المقرر للجريمة‎.‎‏ ‏
نَطقتُ بالحكم بصوتٍ لا أدري إن كان يحمل ما في صدري من ‏حزنٍ أو يخفيه. حكمتُ بالحد الأدنى للعقاب. لم يكن ذلك رحمة، بل ‏عدلًا كما يراه القانون. أما قلبي، فكان يصرخ: "ليتني أملك أن أُعيد ‏الزمن، لا أن أعدَّ سنوات الحبس‎".‎‏ ‏
كنتُ أعرفُ أن العقاب الذي قضيتُ به، وإن حسِبتُه عادلاً في ‏مقداره، فإنه لا يملك أن يُصلح ما أفسدته الرغبات حين تخلّت عن ‏الضمير‎.‎
مرَّت بي لحظة من الصمتِ أعقبَت النطق كأنها قرنٌ من وجع. ‏شعرتُ بالهواء في القاعة وقد صار أثقل من الصمت، أثقل من العيون ‏المنكسرة، وأثقل من قلب قاضٍ جفَّ قلمه ولكن لم يجف وجعه‎.‎‏ ‏
خرجتُ من القاعة، لا يرافقني حرَس، بل يرافقني صدى ‏صرخة مكتومة سمعتها من عينَي أم الشاب، وزفرات ملتهبة تخرج من ‏صدر والد الفتاة. كل خطوةٍ من خطواتي كانت تخبرني أنني لم أحكم ‏على متهم، بل على وجعَين، على ضياعَين. ‏
خَلوتُ إلى نفسي أخُطُ هذا الوجع في أوراقي لأزيحه ‏عن صدري، ورُحتُ أسائِلُ قلمي: ‏
أتُراك يا قلمي تستطيع أن تكتبَ كل ما لا يُقال في جلسات ‏المحكمة؟ أتُراهم يُدركونَ كم من المراتِ نحكم، وقلوبنا تتفتت في ‏الظل؟ لقد كنتُ القاضي. لكنني اليوم - وأنا أكتبها - كنتُ أنتَ، أيها ‏الإنسان. ‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...