نسمات عبد المنعم - هل تحتاج النسوية لتعدد النظريات؟ (3/3)

الحلقة الأولى

تهدف النظريات النسوية إلى دفع الحراك النسوي وتنظيمه في برامج وأسس موضوعية لتحقيق أهداف وتشخيص واقع المرأة والمجتمع، فالأفكار النسوية هي سابقة للحراك النسوي. وإن كان ظهور أول كتاب عن حقوق المرأة للماري ولستون كرافت "دفاع عن حقوق المرأة " عام 1792. إلا أن تاريخ الحراك النسوي يعود إلى أبعد من ذلك. فأي ظلم يقع لابد أن يولد تحركا مضادآ. هذه التحركات لا تأتي من فراغ وإنما نتيجة لوعي نسوي معارض لهذة الاضطهاد، لذلك دراسة النظريات النسوية من أهم المجالات التي يجب التركيز عليها فهي اليوم تقود الحراك النسوي في كل المجتمعات.
هذا المقال ليس سرد تاريخ لتاريخ النظريات النسوية، وإنما يهدف لتوضيح أسباب تعدد النظريات النسوية ومنطلقاتها وأهم مرتكزاتها. ولكن أولا ما هي النظرية النسوية ؟ تعرفها فاطمة بابكر محمود "بأنها الوعي بدونية المراة والطريقة التي تشرح وتفسر بها هذه الدونية في إطار علاقة المراة بالرجل وعلاقتها بالمجتمع وكيفية ظهور هذا الشكل من العلاقة والسبل إلى تغييرها بما يكفل تحرير المرأة من الدونية والاضطهاد الذي اكتنفها ومازال يكتنفها".
لماذا تعددت النظريات النسوية ؟
هل قضية المراة تختلف من مكان لآخر وبالتالي هنالك خصوصية في النضال النسوي؟
هل يمكن النظر إليها من منظور كوني ووضع منهج واحد لمعالجة قضايا المرأة ؟ ام تختلف المناهج؟
هذه التساؤلات من أهم ما يتعلق بالنظريات النسوية التى يجب التركيز حولها وإعادة النظر فيها. تعددت النظريات النسوية وإن اختلفت في رؤيتها حول جذور أسباب التفرقة بين الجنسين وطرق معالجتها. لكنها تتفق نحو تحرير المرأة والدفاع عنها، ظهر الفكر النسوي استجابة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي فرضه النظام الأبوي في أوروبا. لقد تصدت النسويات الأوائل للذاكرة المتوارثة عن وضع المرأة في الفكر الفلسفي و الديني من خلال مراجعتها. وأثبتت النسويات من خلالها أن هذه النظرة المنحطة حول المرأة إنما هي نتيجة للنظام الأبوي أو البطريركي "وهو نظام اجتماعي سياسي اقتصادي من خلاله يتم الهيمنة على المرأة وقمعها ". ظهرت بعض النظريات النسوية نتيجة لتجديد الفكر الليبرالي والاشتراكي في ستينيات القرن الماضي، بينما ظهرت بعض المناهج بسبب التناقضات التى تعاني منها النسوية بأنها لا تراعي اختلاف الثقافات ولا تمثل كل النساء. وظهرت بعض التيارات كاستجابة لنظريات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية.
• النظرية النسوية الليبرالية
تعتبر أول تنظير نسوي، انطلقت من القيم الليبرالية وشعارات الثورة البورجوازية والديمقراطية والمساواة في اوربا. والأسس الفلسفية التي ينطلق منها مبدا الفردية، حيث الفرد هو المهم لذلك يجب عدم التفرقة بين الجنسين، من أهم منظرين هذة النسوية "ماري ولستون كرافت" التي نفت النظرة الاجتماعية الخاطئة بأن المراة بطبيعتها أقل عقلانية من الرجل. كذلك "جون ستيورات" الذي طالب بالمساواة بين الجنسين في كتابه "استبعاد النساء ". وطالب فيه بحق العمل والتعليم للمرأة. كذلك تعتبر "بيتي فريدان" من مؤسسي هذة النظرية. وترى هذه النظرية أن سبب الاختلاف بين الجنسين يعود إلى التوقعات الاجتماعية التى تحدد سلوك الجنس من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. أي أنها مكتسبة وليست طبيعية. إضافة إلى القوانين المتحيزة. ولذلك توجهت إلى محاربة فصل الأدوار وتحقيق المجتمع الذي يعتبر المراة والرجل يتمتعان بأدنى حد من الإختلاف. والقضاء على التمييز يتم من خلال مشاركة النساء في المجال العام. عبر المساواة في الحقوق.
تعتبر النظرية النسوية الليبرالية من أكثر النظريات انتشارآ بين الحركات النسوية. لكن رغم ذلك تواجه الرفض من بعض الحركات والمجتمعات. ويتم انتقادها بشكل خصوصي من قبل النسوية الماركسية بأنها نسوية اصلاحية مطلبية. فهي لم تبحث عن أصل دونية المراة. ولم تبحث عن آثر توزيع السلطة والثورة على وضع المراة. بل اكتفت بالقول أن سبب اضطهاد المراة جنسها فقط. كذلك تعتبر النسوية الليبرالية صوت الطبقة البرجوازية، ولا ترتبط مطالبها بالنساء السود ونساء العالم النامي. لأنها تبرئ النظام الرأسمالي. وهو أهم نقد موجه لها من قبل النسوية الماركسية بكونها تسعى إلى المحافظة على النظام الراسمالي لا تغييره.

****

الحلقة الثانية

النظرية النسوية الماركسية:
ارتبطت النسوية الماركسية بالتحليل التاريخي لوضع المرأة داخل المجتمع والأسرة. بحيث انطلقت هذه النظرية من مساهمات ماركس وانجلز، مما يجعلها نقيض النظرية النسوية الليبرالية. فهي لا ترى بأن وضع المراة ناتج عن خصائصها البيولوجية وإنما يعود للعامل الاقتصادي الذي ميز عمل الرجل بأنه منتج وعمل المرأة غير منتج. وترى أن دونية المرأة يعود لظهور الملكية الفردية، الأمر الذي أدى إلى اعتماد النساء اقتصاديا على الرجال وما تبعها من أكبر هزيمة في تاريخ النساء. اهتمت هذه النسوية بالنضال الطبقي ومقاومة النظام الرأسمالي عن طريق النضال الجماعي. تشجع هذه النسوية دخول المرأة مجال العمل والاقتصاد والسياسة، تم انتقاد هذه النسوية من قبل النسوية الاشتراكية لأنها جعلت قضية المراة ثانوية ضمن النضال الطبقي. إضافة إلى تقييمها للإنجاب بأنه غير منتج وارجاعها لاضطهاد المرأة للنظام الرأسمالي بالتالي هي أهملت وضع المرأة في المجتمعات الغير رأسمالية.
النظرية النسوية الراديكالية :
هي نظرية نخبوية مضادة للنسوية الأوروبية، انطلقت من اليسار الجديد والحركات الطلابية في الستينات في أمريكا. وهي من أكثر النظريات تنظيرا حول وضع المرأة. كما تأثرت هذه النظرية بالنسوية الماركسية، وترى أن التمييز بين الجنسين ناتج عن التصنيفات الاجتماعية؛ طبقة النساء وطبقة الرجال وعليه يقع الظلم على النساء بسبب جنسهن لا شيء غير ذلك. أي أن هذه النظرية اهتمت بعلاقة المرأة بالرجل كعلاقة فردية. والظلم تجاه النساء يعود إلى النظام الأبوي الذي يبدأ من العلاقات الشخصية والأسرة إلى الدولة. تعتبر هذه النظرية من أكثر النظريات التي تشهد خلافا بين منظريها. فيرى اتجاه أن الفرق بين الجنسين ناتج عن الثقافة الذكورية أي أن إزالة النظام الابوي يحقق المساواة. بينما يرى اتجاه أخرى بأن الرجل هو العدو الأول للمرأة. تهدف هذه النظرية إلى القضاء على النظام الأبوي وزيادة وعي النساء. حيث تؤكد أن سيطرة الرجال على الثقافة كان سبب رئيسي لعدم معرفة الظلم وتهدف إلى توحيد النساء في منظمة واحدة. ورفعت شعار الاختية والذي يعني التضامن بين النساء باعتبارهن كتلة موحدة. وهو ما نعده اغفالا لدور محدد الطبقة / النوع / اللون ..الخ التي تميز النساء لأنهن لسن طبقة. تميزت هذه النظرية عن النظرية النسوية الماركسية التى رأت أن سبب ظلم النساء بسبب الرأسماليين كمالكين لوسائل الإنتاج. في المقابل توعز النسوية الراديكالية الظلم الواقع على النساء إلى الرجال جميعا. وأضافت البعد الجنساني في تحليلها لدونية المرأة فهي تهدف تغيير البنية الاجتماعية والثقافه واللغة. ومن أبرز رائداتها "كيت ميلين" التى جعلت البطريركية مركز الحوار حول العلاقات بين الجنسين. وحول التشكيلات الاجتماعية التى من خلالها يتم تكييف السلوك بتشجيع الذكور والاناث لأخذ أدوار معينة. وجهت لها انتقادات من قبل النسوية الاشتراكية. ومن أهمها حصرها قهر النساء في اعتبار جميع الرجال ظالمين وجميع النساء ضحايا وتبرئة النظام الرأسمالي. إضافة إلى أن النظام الأبوي ليس موجودا في كل الشعوب الأمر الذي يجعل الجنسين في عداوة، توكد أليسون أن افضل اسلوب لتحرير النساء التعاون بين الجنسين في علاقة تخلو من الظلم.

***


الحلقة الثالثة

•النسوية الإسلامية:
ظهرت هذه النسوية في التسعينيات بإيران وجنوب أفريقيا كاستجابة للتحديات التي واجهت المرأة المسلمة، وما تعيشه من تهميش اجتماعي. مراهنة على إعادة قراءة وتأويل النصوص الشرعية الإسلامية حول المرأة، لأن تأويل الفقهاء ذكوري ومنحاز للرجل. ولأجل هذا دعت لرفض احتكار الحديث بإسم الدين وحرضت على فتح باب الاجتهاد. ومن هذا المنطلق أصدرت "مي يماني" كتاب "النسوية والاسلام ". والذي أكدت من خلاله على وجود وجود اختلاف واضح بين قيم الإسلام وتأويله فيما يخص قضايا المراة. اهتمت بنقد التراث الفقهي المتحيز ضد النساء. ومن أهم رائدات هذا الخط في النسوية نذكر "ميسون ضيف الله" التي اعتبرت الاسلام متضمن لقيم الحداثة. و"أمنية داوود" و"رفعت حسن". وكلهن أجمعن على الاقرار بكون القيم والأعراف والتقاليد الثقافية أسهمت في ترسيخ الممارسات الذكورية حول المراة. إلى جانب ما سلف ذكره نستحضر السوسيولوجية المغربية "فاطمة المرنيسي". والتى أقرت ضمن كتابها "النبي و النساء" أن المرأة التي تصور كمثالية وصامتة لا وجود لها في الإسلام. وأن جذور اللامساواة هي متجذرة في التراث التاريخي والثقافي. أي انها ليست من الممارسات النبوية، كما أكدت النسوية الإسلامية على التضامن مع النضال العالمي ما دام الهدف هو المكانة الإنسانية المتساوية.
•النظرية النسوية البيئية :
انطلقت النظرية النسوية البيئية مع الكاتبة الفرنسية " فرانسواز يويون" نشأة هذه النظرية نتيجة الوعي بمخاطر التى تتعرض لها البيئة. ومن هذا المنطلق أكدت على أهمية كل كائن حي ورفضت كل الانتهاكات ضد الطبيعة كمرادف للانتهاكات التي تطال جسد المرأة.
وبالتالي فقد اهتمت هذه النظرية بالمرأة والطبيعة معا. وتأسست على رفض التحيز الذكوري والسياسة الرأسمالية في التنمية. ودعت إلى المحافظة على البيئة.
ومن أشهر المساهمات في هذا المجال نذكر : ماريا ميس وفاندا شيفا في كتابهما المشترك " النسوية والبيئية ". والذي يضم أهم المعالم الرئيسية لهذه النظرية.
سعت هذه النظرية إلى خلق عالم خال من التعبيرات الذكورية الرأسمالية التى تستنزف المرأة والبيئية.
من أهم رائدات هذه النظرية " روز ماري" التي أوضحت في كتابها " امرأة جديدة.. أرض جديدة " من الصعب تحرير المرأة وحل الأزمة البيئية في سياق مجتمع قائم على الهيمنة.
فضلا عن ما سبق انتقدت هذه النظرية القول بصعوبة جعل المذاهب البيئية ايديولوجية عالمية لحل قضايا المرأة .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نسمات عبد المنعم / السودان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...