الدكتور أيمن دراوشة - قراءات أدبية في آه أيتها الأشياء الجميلة لماذا مضيت مسرعة؟

نص غارق بالتأملات الفلسفية والتداعيات الوجودية المرهفة، متخذا شكل مونولوج داخلي متشظ، يخلق الشاعر من خلالها عالمًا حزينًا يسوده الحنين واللاجدوى.
مما لا شك فيه أنَّ للشاعر فتحي مهذب بصمة تختلف عن بقية زملائه من الشعراء فهو يكثف الصور الشعرية بابتكار دون تقليد كما يتميز أسلوبه في عامة أعماله بجرأة أسلوبية قلما نجد نظيرها، فهو يجمع بسن مفردات الحياة اليومية ومجازات الموت والغربة والفقد إضافة إلى التناصات التي لا تكاد تغيب عن نصوصه، وهو بذلك يخلق توازيًا بين المأساة الفردية والجماعية، ويقحم نفسه قي قلب صراع وجودي كوني دون التخلي عن مفارقاته السوداء.
إنه يكسر النمط التقليدي في اللغة، كما يكسر المنطق السردي مانحًا النص كثافة دلالية ومرغما القارئ على إعادة القراءة.
.
النص مرثية وصرخة لأشياء جميلة انتهت، من خلال نص نثري شعري فائق الجودة والسبك والنظم المتين، فهو نص يجمع بين الجمال والتشظي وبين العبث والمعنى في زمن لم يعد للمعنى فيه مكان.
**********************
**********************

أيها الشاعر...
لقد صنعتَ من وجعك شرفةً تطلّ على العبث، وجعلت من الكلمات بقايا رماد لنيران لم تنطفئ بعد. منحتَ نصك بعدًا فلسفيًا عميقًا، تتداخل فيه الحيرة بالمعنى، والفقد بالسخرية، والرمز بالوجع، حتى غدت القصيدة أرضًا لا تستقر فيها قدم، وسماءً تمطر علامات استفهام.
حين استحضرتَ فيكتور فرانكل، وأبا فراس الحمداني، وموت النحاة، كنت لا تكتب شعرًا فقط، بل كنت تفتح قبرًا وتزرع فيه وردة. جعلت من التناص جسرًا يمتد بينك وبين القارئ، لكنه جسر معلّق في الفراغ، لا يجرؤ الجميع على عبوره.
كلماتك ترفض الانصياع، تتفلّت من يد اللغة، وتنتقم من الحزن كما يُنتقم من طاغية. تقول له: "أفرغ مثانتك"، وكأنك تجرّده من سلطته المتعالية، لتعيده إلى الجسد، إلى حقيقته العابرة.
ولكن، في خضم هذا الغليان الرمزي، في هذه القفزات المتلاحقة بين الغابة والهولوكست، بين الشجرة والبندقية، بين فرانكل والبومة العمياء... قد يضيع صوتك الحقيقي في ضجيج الصور. قد يضل القارئ الطريق، لا لأن النص معقّد، بل لأن كثافة الرموز أحيانًا تمنع الضوء من التسرّب.
كتبتَ وكأنك تصرخ في قبو، تحاول أن توقظ الأسلاف في حديقة رأسك، لكنك لم تترك لنا نافذة صغيرة لنرى ملامحك وسط هذا الزخم. كأنك كنت في سباق مع الوقت، أو مع نيزك سيعبر سريعًا ولا يعود.
أيها الشاعر...
لقد كتبت نصًا لا يُقرأ، بل يُعاش. لا يُفسّر، بل يُتأمّل. لكن تأملني إذ أقول لك: أحيانًا، الصمت بين السطور أبلغ من الصخب المتوهج. وأحيانًا، المعنى حين يُهمَس، يكون أعمق من ألف استعارة تصرخ.
واصل... لكن اترك لنا بعض الهواء.
الجزائر / محمد بسام العمري

** هم في قاع الغابة
يربطون عيدان الأشجار
بحبال المخيلة.
النحاة ماتوا بسكتة دماغية.
الحطابون في المنحدر الصخري.
العيارون يغردون فوق الشجرة.
المهرجون يفرون بفهارس طويلة
من المرح الأسود.
**

** صلاتي لم تكن جيدة
في بهو الهولوكست.
فيكتور فرانكل وحده
مثل طائر الغاق
يحوم في الشرفة المنطفئة
حاملا بريد المعنى
إلى سكان الروح المنكسرين.
**

** بعت مخطوطة ذهبية
لأقاوم سيارة إسعاف
تدق باب رأسي باستمرار
**

** لي موعد كل صباح
مع حمامة أبي فراس الحمداني
تبكي طويلا مثل أم فقدت رضيعا
في مفترق قوس قزح.
مثلك سيدتي
أطفالي في الشتات
في انتظار قيامة المعنى
وقدوم فرانكل على جواد أبيض
محملا بأكياس الذهب.
**

** معتقل في قبو اللامعنى
أحاول إيقاظ الأسلاف
في حديقة رأسي
ومناداة نجمة القطب بحنجرة فلكي.
**

** ذهبوا جميعا وبقيت وحدي
مثل حجر ضرير
تحرسه غيمتان من القلق.
**

** صوبوا بنادقهم نحوي.
لا لا تفرحوا أيها العميان
أنا مثل الله أسكن في كل شيء.
**

** أفرغ مثانتك أيها الحزن
بعيدا عن أسوار الجسد.
أطردوا البومة العمياء.
ذروني في سبات شعري عميق.
آه أيتها الأشياء الجميلة
لماذا مضيت مسرعة
مثل نيزك ؟.
**

** ظلي الوحيد الذي لم يقلب لي ظهر المجن.
**

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...