حاتم عبدالهادى السيد - النص السردي المعاصر ونظرية المعنى

شهدت القصيدة العربية الكثير من التحولات الفنية والجمالية على مستوى الشكل والمضمون؛ منذ نهاية الألفية الجديدة؛وما بعدها. حيث عبرنا من الحداثة إلى مابعد الحداثة؛ لتتلاقى الأجناس الأدبية داخل القصيدة العربية التي استطاعت – كما أرى – أن تحوي وتصهر كل الأشكال الأدبية والأجناس الإبداعية داخلها؛ لتعود من جديد إلى مجدها العريق؛ بعد أن شهدنا مقولات مثل : زمن الرواية ؛ أو – كما قيل – بأن الرواية هي ديوان العرب؛ وغير ذلك .
ولقد رأينا أن مفهوم تداخل الأجناس الأدبية؛ أو الكتابة عبر الإجناسية قد قد شغل الكثير من الباحثين والنقاد في كل ربوع العالم؛ كما دلل مفهوم "الكتابة عبر النوعية Interdisciplinary Writing" عن فكرة تداخل الأجناس والأشكال الأدبية، أو دمج أكثر من شكل أو نوع كتابي داخل النص الواحد، بما يعني تضفير الكتابة من خلال توظيف أجناس أدبية عديدة، بأن نجد النص – مثلا - حاويا للقصة والقصيدة، أو القصة والمسرح أو المسرح والشعر، أو الشعر والدراما .. إلخ. وهو أمر يشير في جوهره إلى حاجة الأديب إلى تخطي جنس أدبي ما، بتقاليده المعروفة والمستقرة، في سبيل الكتابة من خلال أجناس أدبية أخرى، بدمجها معا، والاستفادة من المعطيات الجمالية والشكلية والرؤيوية التي تتوافر في الأشكال الأدبية الأخرى، وكذلك في الفنون المرئية والمسموعة.
إن مفهوم الكتابة عبر النوعية ينفتح في ليشمل مختلف العلوم، ويضاد في ذلك التخصص الضيق في علم ما، ويتوجب على الباحث- بحسب قول" د. مصطفى عطية جمعة" أن يكون ذا أفق واسع يستفيد من مختلف العلوم والفنون. فالدراسات المستقبلية في القرن الحادي والعشرين تتميز بالانفتاح على مختلف المكونات الإنسانية في العلوم والفنون، وكل ما من شأنه أن يساعد على فهم الإنسان في أي مكان في العالم، مع مراعاة خصوصية المجتمعات والأفراد؛ لأن هذه الكتابة تسعى لإذابة الحدود بين العلوم والفنون والتكنولوجيا، ولا تنظر – كما أرى – إلى النوع الأدبي Genre؛ أو النوع النووي؛ ولا لمسألة الجنوسة" الإجناسية"؛ بل سعت الكتابة الجديدة إلى التكاملية والتزاوج بين العلوم والفنون ؛ كما سعت لتذويب المركزيات والثقافات والهويات؛ من أجل عولمة العالم؛ أو خلق ثقافة عالمية تذوب الفوارق الطبقية والعرقية؛ لما يمهد للقطبية؛ وتغليب – ربما ثقافة إمبريالية؛ أو أنجلو أمريكية؛ أو سعي لحوار الثقافات؛ أو صراع الحضارات كذلك.. لكن مع كل ذلك مهدت الكتابة عبر النوعية لخلق وعي عالمي نحو تكاملية العلوم والفنون؛ وغدا الفن من أجل الحياة؛ هو التأسيس الأول نحو كونية الثقافة؛ وعالمية الشعر؛رغم العولمة التي تحاول عن طريق الشركات عابرة القارات إلى خلخلة الهويات ومحو الثقافات والأديان- كما أرى-؛ أو أنها تنحو لتأسيس لغة عالمية كونية جديدة من خلال الشعرية المعاصرة؛ والسعي نحو عالم ما بعد الحداثة بتناقضاته المختلفة؛ وأيدلوجياته المهيمنة- بعيدًا عن فكرة المؤامرة التي لا أنحيها مطلقًا،كذلك.
لقد عبرت القصيدة العربية المعاصرة من اليومي والحياتي؛ ومن الرومانسي والواقعي إلى آفاق أكثر سموقاً؛ فتشابكت مع الفكر والفلسفة؛ ونشدت العلوم الكونية والفنون؛وكانت السوريالية احدى اتكاءات تلك القصيدة؛إلى جانب الرمزية التي استطاعت تشكيل الصورة البصرية؛كبديل تناظري للصور الفنية والموضوعية والجمالية، وغدت التجربة الشعرية تجريداً عبر الكوني؛ والجمالي؛ والذاتي أيضاً .
لقد شكلت الصورة أساساً لبناء رؤيويةٍ جديدة لدى الشاعر؛ يتغيا فيها الذات كمنطلق كوني للعالم، وغدا الكون فراغات وفجوات تحتاج إلى امتلاء نفسى عبر فضاءات النوعية؛ - ولعمرى – فقد غدت القصيدة العربية المعاصرة– هي البؤرة التي تنطلق منها عجلة النقد الكونية؛ وعجلة الشعريّات العربية الجديدة؛ وربما نحيل ذلك إلى التراث وفيوضاته؛ بعيداً عن التأويل وافتراضاته؛ فغدا الشاعر الكوني يفكر بالشعر، ويوظف مرموزاته السيمولوجية عبر أفق النص المتنامي؛ والذى تنتضمه هارمونية تعيد تأسيس البناء والموضوع؛ وتضع إطاراً حداثياً جديداً؛ بعيداً عن الأيديولوجيا؛ لكنه يقترب من الأركولوجيا التى تخص الذات وما ينم عنها من تجوال عبر آفاق القصيدة والكون والعالم والحياة. ولننظر إلي أدونيس والماغوط ونازك الملائكة، ولنتفحص أشعار البياتي وأدونيس والماغوط وغيرهم ؛ لنري الجمال الشعري الذي يسبق الضوء، ويتعداه عبر الصور التجريدية؛ وفضاءات الإيقاع الرامزة؛ وغدا خلف ظاهر النص هو الهامش المؤسس لعجينة الخلود الكوني لديهم؛ والوجود الذاتي كذلك.
لقد أراد الشاعر أن ينطلق من الفوضى ليعيد تأسيسية الجمال؛ فهى فوضى تخصه، فوضاه هو، لا فوضى الآخر؛ وهو بهذا التفحص يعيد بناء تلك الفوضى التي تشظت في الفؤاد والروح؛ وغدت تشكل هيوليا سابحاً عبر أوردته؛ وكأنه يريد اعادة التنظيم للذات المهترئة؛ المبعثرة؛ والموزعة على عتبات العالم، ومجراته؛ وعبر جغرافيا الأركولوجيا الشعرية المعاصرة .
إن القراءة النقدية قد فتحت الباب عبر تشابك وتداخل الأنواع الأدبية لإنتاجية نصوص مغايرة في الشكل والمضمون والغرض الشعري إلى غير ذلك، وهذا يستتبع بالحتمية تطور النظريات النقدية،وإن ظلت اللغة هي الاشارية الدالة، والثيمة الهارمونية التي تتسع لكل الأشكال الجديدة، تستفيد من الأصالة لخدمة المعاصرة، وتستشرف للمعاصرة آفاقاً أكثر حداثة، وأغنى ترادفاً وتصويراً - فيما نحسب - نتيجة لاختلاف العصر، واختلاف الذائقة الشعرية : ذائقة الشعر ، وذائقة التلقي والتي من بينها النقد الذي اتسعت مفاهيمه ليشمل السياقات والعلوم ، ويستفيد من المنجز اللغوي الذي عمّق المعجم ، واستفاد من كل المنجز الحداثي العصري لإنتاجية نصوص مغايرة تماماً، ولا نقول بالطبع مقطوعة الجذور، فهي ليست نبتاً شيطانياً، وإنما طبيعة النمو والتطور، والتوالد تستدعيان اختلاف الذائقة ، ومن ثم يجب أن يتماهى المنطلق النقدي مع المنجز الشعري الجديد، كما لا يجب اغفال نظرية الفن للفن، والفن للحياة، وكل الأنساق الفلسفية واللغوية والجمالية التي استفادت من العلوم النظرية والعلوم التجريبية، وعلوم البويطيقا؛ وأخضعتها لمنطق " النص الشعري"، الذي يتسع لكل المفاهيم والأنساق والأشكال عبر فونيمات الحروف - " الفونيمات الصوتية "- واشاريتها ودلالاتها وسياقاتها، ومن هنا كان لنا أن نطوّر القراءة الأدبية التي تستفيد من المنجز التراثي وتطوره؛ لمساوقة الذائقة الآنية بحسب المنطلقات العصرية ،وتطوراتها المتلاحقة .
إن القصيدة العربية المعاصرة بكل أشكالها ثمثل صورة صادقة لقصة عشق من نوع جديد:عشق صوفي وسوريالي، يحيل المحسوس الملموس إلى متخيلات للذات؛ ليعبر منها إلى هيوليات المابعد حداثة الرائقة البديعة؛ عبر تدفق الصورة، وتشكيليتها؛ وكأن كاتبها يفكر بالشعر؛ ولا يريد سوى مخاتلتنا بالعشق عبر الذات، وهو كصوفي متعبد في هيولي العشق؛ وكباحث متوله يعيد تشييد بناءات الذات عبر فضاءات التجريد، والقصيدة التي تنطلق من عدة مناحٍ؛ لتسوح في الكون والعالم والحياة .
قصيدة السرد الكونية
" الكتابة عبر النوعية"
لقد تلاقت الأجناس الأدبية في القصيدة العربية المعاصرة؛ أو ما بعد الألفية الجديدة؛ أو مابعد الحداثة الشعرية- فظهرت " قصيدة المعنى " - كما أصطلح - ؛ كما ظهرت الرواية الشعرية في العقد الأول من القرن العشرين علم 1904م ، وكانت مقدمة- كما أرى - لظهور المسرح الشعري بشكله المعروف؛ والذي ظهر- بداية -في مسرحيات أحمد شوقي،عزيز أباظة، ثم كانت الثورة الشعرية المسرحية على أيدي صلاح عبد الصبور، نجيب سرور،عبد الرحمن الشرقاوي،وغيرهم.
كما ظهرت المسرواية،على أيدي توفيق الحكيم، والتي تعتمد الحكاية- نثرا أو شعرا- كفيصل لبناء ديناميات المسرحية وتكوينيتها،وكل ذلك كان مقدمة لظهور ما أطلق عليه"الكتابة عبر النوعية". كما ظهرت - حينئذ - أصوات تنادي بظهور شكل جديد أطلق عليه : (الرواية الشعرية)، أو( الشعر السردي)و( الإبيجراما الشعرية)وإن خفتت هذه الأصوات بعد ذلك.
لقد رأى الأدباء أنه - لا مندوحة- من تطور الأدب العربي؛ ليجابه الإبداع الكوني العالمي وانطلقت آفاق التجريب للقصيدة العربية المعاصرة؛ لتتشابك وتتلاقي الأحناس والأنواع الأدبية؛ بل وتتلاقي العلوم والمعارف البشرية فيما أُطلق عليه: (الكتابة عبر النوعية)؛ أو (الكتابة عبر الأجناس الأدبية) والتي استدعتها التحولات التاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية والنفسية والفنية والحضارية وغيرها من التحولات؛ التي استدعت معها تجديدية الأدب؛ عبر تلاقي العلوم والفنون معًا ؛ لنعبر كذلك إلى تطور النقد: ( علمية النقد) و: (أدبية الأدب وتشعباته) وهذا ما أدخل العلوم إلى مضمار الشعرية العربية للقصيدة العربية المعاصرة كإحدي نواتج التقدم التقني للميديا؛ فكان لابد للأديب والشاعر من دراسة الفلسفة والتاريخ والمنطق وعلم الاجتماع؛وعلم اجتماع الأدب؛ والعلوم الطبيعية؛والفنون،وعلاقة ذلك بالعلوم الأخري:الأركولوجية؛والأنثروبولوجية؛الإبستمولوجية ؛والعلوم الإنسانية بشكل عام؛ بل والعلوم الجديدة التي ظهرت؛ والتي تتضمن تكاملية وتواشج للأجناس والأنواع الأدبية والثقافية عبر النوعية؛ وعبر تطور العصر؛وهو الأمر الذي يشكل أولى التحديات التي شهدتها القصيدة العربية المعاصرة؛ من منظور مابعد الحداثة المعاصرة.
وأحسب أن القصيدة العربية المعاصرة لم تغفل التطورات السريعة المتعاقبة التي مرت بالعالم عبر الثورات التكنولوجية والتقنية والرقمية التي أحدثها ظهور الحاسوب" الكمبيوتر "؛ وما تبعه من تقنيات سارعت بوشيجة التطويروالتحولات؛ وتلاقي الأجناس الأدبية داخل النص الشعري المعاصر؛ ولعل قصيدة النثر كانت احدى مظاهر هذه التحولات؛ ثم أعقبتها عدة أشكال تجديدية ظهرت نتيجة للثورة التقنية والمعلوماتية عبر الحاسوب؛ وشبكات التواصل الإجتماعي فظهرت القصيدة التفاعلية؛ والقصيدة الرقمية؛ والقصيدة التشاركية؛ كما ظهر الشعر الروائي؛ والقصة القصيدة؛ الرواية الشعرية الرقمية؛ والقصة الشاعرة؛ والقصيدة التكنولوجية؛وقصيدة الصورة؛ والهايكو العربي؛ والإبيجراما الشعرية؛ وقصيدة المعنى – التي اصطلحت وجوديتها كقصيدة مابعد حداثية - وغيرها من الأشكال التي وظفت الحاسوب؛ والذكاء الإصطناعي لخدمة الشعرية العربية المعاصرة؛ والتي ستمثل – كما أرى – عالم مابعد الحداثة الشعرية في ما بعديات الألفية الجديدة؛ المعاصرة.
لكننا سنحاول هنا رصد مظاهر هذه التحولات - اجمالًاً - والتي سنربطها بالمبحث التطبيقي؛ لنشاهد أثر تلك التحولات علي القصيدة العربية وبنائيتها وموضوعاتها؛ وآفاقها الكونية ومعالمها الجديدة التي ترتبط بالقصيدة العالمية؛ وبالحداثة وما بعد الحداثة؛وما تبعهما من تجديد للعقل العالمي؛ والعقل العربي كذلك .
كما نشير بأننا لن نقطع بأحكام عامة في رصد هذه التحولات؛ لتلاقي الأجناس الإبداعية داخل القصيدة العربية الجديدة؛كي لا نقع في اشكالية التعميم ومزالقه؛بل سنبحث التحولات وتأثيراتها في القصيدة المعاصرة من منظور ( تلاقي الأجناس الأدبية في القصيدة العربية الجديدة ) التي توظف الفن لخدمة الشعرية؛ وترتفع بالنص الأدبي؛ والنقد معًا؛ إلى آفاق أكثر تجديدًا؛ وعاصرة لإستشراف القصيدة الكونية العربية العالمية الجديدة.
ولعلي أدخل من هذا الباب الوسيع؛إلى منطقة التطبيق العملي؛ التي تُكمل دائرة التنظير؛من خلال نقد وتحليل لبعض النماذج المابعد حداثية للكتابة الشعرية الجديدة ؛ متوخين شمولية ما، للوقوف إلي مظاهر هذه التحولات وسماتها وكينونتها وجوهرها؛ وسيجد القارئ الحصيف؛ والناقد والدارس المتعمق ضالتهم في رصد هذه السمات والتحولات من خلال التطبيق النقدي؛ وليس من خلال التنظير وحسب؛ - وأحسب - أن التطبيق أبرز دليل للوثوق إلي ما سنصل إليه من نتائج نتغياها للوقوف إلي تطور القصيدة العربية من خلال تلاقي الأجناس الأدبية داخل القصيدة العربية التجريبية؛ الجديدة؛في عصر ما بعد الألفية الجديدة؛ أومابعد الحداثة الأدبية المعاصرة.
تحولات ما بعد الحداثة الشعرية
اقتصاديات قصيدة المعنى الجديدة
(من مفهوم النقد)
إن "قصيدة المعنى " التى – أصطلحتها – هى القصيدة التى تعتمد الموضوع كمحرك لسياق فضاءات القصيدة،وتعتمد المعنى الماورائى للمعنى المباشر،كما تعتمد الإزاحة للوصول إلى المعنى الذى يتقصده الشاعر، كما تعتمد الإيجاز، وتعالقات المعنى:"التضمين الإحالى" للوصول إلى غائية المعنى البعيد . وهى قصيدة تعتمد خفوت الموسيقا إلى أقصى حد، وتُجَرِّدُ الموضوع " كشجرة سوريالية، أو شجرة عراها الخريف؛ لكنها تشى بجمال الوضوح والجمال؛ رغم عراء المنظر من الأوراق الخضراء، وهى قصيدة تعتمد تراكمات المعنى وترميزيته للوصول إلى غاية ذاتية: "صوفية الذات" عبر الفطرة التى تتجرد لتشى بحقيقة الجمال الإنسانى عبر اليقين، والبرهان،والتصوف الذاتى؛وتلك – لعمرى – أبرز خصيصات القصيدة المابعد حداثية- التى أوردها هنا – كمعطى جمالى للقصيدة الجديدة التى تعتمد البلاغة الجديدة – عبر التأويل - وتتجرد بنثريتها عن الغنائية، وتخفت بموسيقاها وايقاعاتها عن قصيدة النثر،أى أن الإيقاع أقل خفوتاً، فهى أقرب إلى الشعر المرسل – في بداياته – لكنها تتخالف معه، ومع قصيدة النثر معاً في مضامينيتهما؛التى أوردتها سلفاً.
ولقد عبرَت قصيدة المعني أو: "ما بعد قصيدة النثر" فضاءات أكثر تجديدية في مسيرة الشعر العربى المعاصر،. حيث تعتمد تقنيات جديدة للكتابة حيث التجريد والسوريالية؛ عبر تجرد النص من زوائده الشكلية، كما تعتمد التراكم والتكثيف كأساس لبنائية هارمونية السياق الذى يؤكد مشهديات بصرية؛ أى يشكل لنا "قصيدة الصورة " عبر اقتصاديات اللغة المائزة التى تتأنق؛ وتصفو؛ وتتكثف دلالاتها لتحيلنا إلى صور تحمل مضامينية المعنى المابعد – حداثى عبر غرائبية التصوير؛ ومن خلال لغة يعفق الشاعر زمردها؛ فهى "اللغة الشفافة"– حيث الشاعر- هنا - يفرغ الصورة؛ ويكثف مضمونياتها؛ ويتغيا خلف ظاهر المعنى الذى يخفيه طوال الوقت؛ أو يجاوزه – عبر الإزاحة – وإحالات المعانى الترميزية الدافقة ؛ التى بندغم فيها الحسن مع جمال الوصف؛ عبر لغة يتقصَّد فيها المعنى؛ ويغلفه الشاعر بغلالة سوريالية؛ وبثيمات سيمولوجية رامزة؛ عبر تراكم للصور المركبة التى تَخُشٌّ إلى الروح؛ في سياق مابعد حداثى؛ وتصوير غاية في التجريد والتشكيل عبر لغة تتموسق داخل سورياليتها؛ فكأنها " قصيدة الإبيجراما " التى تتناص مع العنوان لتصنع " مفارقة الدهشة" .
لقد أبدع شاعر قصيدة المعنى عبر– واصفات السرد – السيموطيقى؛ واستطاع أن يُعَبِّر– بهدوء– ودون تشابكات لغوية؛ عن الموضوع؛ عبر "مجازات المعنى"؛ أو فيما أصطلح – " غزالة المجازات" – التى تتقافز مع الريح؛ لتصنع المعنى الجديد؛ والمعنى الظاهر؛ والمعنى الإحالى الرامز؛ و" المعنى السِّرّى " الكامن خلف ظاهر النص/ السياق الذى يعبر فيه عن كل هذه المعانى بدقة؛ وبسموق؛ ودون ضجيج كذلك .
ولعلى أشير بأن التأويل– هنا – يلعب دوراً جمالياً في محاولات فك شيفرات النص الشعرى/ السردى؛ ليحيلنا عبر "فيزياء اللغة" ومرموزاتها السيمولوجية إلى الذات، وإلى معانى الصور التى تحاول أن تتجرد من التصوير الحسى لتستعيض عته بالتصوير الجمالى؛ وعبر غرائبية المعنى كذلك؛ وطريقة صوغ"بناء الجملة" وكأن شاعر قصيدة المعنى يذكرنا بكلام شيخ النقاد العرب "عبدالقاهر الجرجانى" ؛ وكذلك بكلام " قدامة بن جعفر" في مسألة: "المعانى الثوانى" والتى تستتبع وجود معنى مُختَفٍ؛ ِسرَّىٍّ؛ تَتقصَّده الدلالات السيموطيقية عبر تشفير اللغة ؛ التى تعتمد "اللا تراسل الشعرى"- أحيانًا- لِتُحدِثَ صدمة مع المتلقى الذى اعتاد الصور الجمالية والمعنى الناتج عن الدلالة؛ لكن الدلالة هنا تنسحب إلى معنى ضمنى؛ وتريد معانٍ خفية؛ ومقصديات تتشكل عبر تشفير اللغة، وتخليصها من الزوائد كحروف العطف والوصل وغيرها؛ ومن هنا يكون التجريد الذى يجمع – بدهشة – بين التصوف الذاتى والسريالية- وتلك لعمرى – أعجوبة في جمع الأضداد التعبيرية عبر هذه القصيدة المابعد حداثية؛ والتى تعتمد " التَّشظى" والتراكم والتكثيف والتجريد" لتشير إلى معانٍ ذاتية يتقصدها الشاعر – بداية – لتحقيق سيميائية المعنى؛ لا سيمولوجية العلاقة بين الدال والمدلول؛التي أرادها " رولان بارت"؛ والتي ألمح لها "كولريدج" قبل ذلك؛ كما وجدنا ذلك في إشراقات "ابن عربى" وفى ممارسات المتصوفة؛ لكنه تصوف لا يعكس " أسلبة الموضوعات" ؛ بقدر ما يعكس علاقة: "الصورة والنافذة"؛ أو:
" الصورة وتداعيات الظلال" عبر فقّاعات الماء؛ على وجه بحيرة صافية؛ أو أنه انطفاء جذوة المعنى مقابل اعلاء تشفير اللغة؛ وهنا نحتاج إلى التأويل لنكشف عن "كيمياء اللغة" التى تصنع مدارات فيزيائية؛ومعادلات داخل عقل المتلقى الذى يجب أن يكون أكثر جهوزية؛ أو بمعنى أكثر إستيضاحاً: "تحتاج إلى قارىء مخصوص" يتأول عبر المخيال والمرموز الإحالى للمعانى الثوانى- الجديدة – التى تحدثها تشابكات اللغة؛ وحمولاتها وعلاقاتها المتراكبة؛ ومرموزاتها التراكمية كذلك .
ولعلنا نُلمَّح – هنا – إلى غائية الشعرية الجديدة عبر "كسر الجمود لدى المتلقى"؛ واحالته إلى:"لعبة التأويل؛ عبر التخييل واقتناص – ما أسميه - " غزالة المجازات" واقتصاديات الفوتغرافيا؛ لتحيله/ تحيلنا كقراء إلى الذات؛ عبر "السكون والصمت " تارة؛ وعبر تموجات المعانى التى تحدثها طرائق هذه الكتابة الجديدة.
ولعل التطبيق هو خير دليل إلى ما نشدناه عن القصيدة الجديدة التي تنفتح على كل الأجناس الأدبية؛ وعبر النوعية؛ وعبر الجمال الفني للمعاني الكونية الممتدة؛ للقصيدة الجديدة؛ أو مابعد قصيدة النثر عبر الألفية الجديدة .
(1)
الكتابة عبر النوعية والأجناس الأدبية
( قراءة مشاهداتية )
يحيلنا الشاعر / محمود حسن – منذ الوهلة الأولى في ديوانه :" العبّاسة"إلى التاريخ وعصور الخلافة العربية في العصر العباسى، حيث هارون الرشيد : الدولة، الحكم ، تنازع السلطات ،الصراع الطبقى، العنصرية ،وتغليب ما هو عربى على ما دونه، نكبة البرامكة، صراع الطوائف حول السلطة، ولعمرى ،ما أشبه الليلة بالبارحة، وكأنه يستدعى التاريخ ليحيلنا إلى واقعنا العربى - الآن – والممتد من المحيط الى الخليج.
واذا نظرنا الى لغة الكتابة الشعرية؛ لقلنا أنها مسرحية شعرية " أو"رواية تاريخية شاعرة"، أو أنها "مسرواية شعرية جديدة" تستقطبك كقارىء وتأخذك بتلهف حتى النهاية، لترى مصير العبّاسة، وجعفر، يحيى البرمكي، وغيرهما من شخصيات التاريخ التى ظُلمت، كما ظلم هارون كذلك،فكم من جرائم أرتكبت باسم الحكم والدين، وباسم السلطة المطلقة ؛ وغير ذلك.
ان شاعرنا هنا يمسرح التاريخ، ويمازج من خلال – الكتابة عبر النوعية؛ والأجناس الأدبية- بين الفنون الابداعية المختلفة، ويشرك القارىء في خطابه التاريخى، سفره الذى يتوسله،اسقاطاته، ومعادلاته الموضوعية والضمنية، والرمزية لاضفاء واقع سحرى للقارىء ، وكأنه في جوقة المسرح والجمهور قد اخترق الحاجز الوهمى الرابع ودخل الى اللعبة، العصر التاريخى ليعيش ويقارن ويتضام ويراكب – على حد تعبير سوزان سونتاج، أو أنه يعيد تأسيسية جديدة للشعرية العربية باستلهام القارىء واشراكه كجزء من اللعبة التاريخية الشعرية الاحالية الترميزية،ليحيلنا الى ذواتنا المقهورة، إلى الانسان في أى زمان ومكان، لينفض الغبار عن ثوب الرهبوت،ويكسر القيود،ويحرر القضبان والسجون،من ظلم الاستبداد والاستعباد،حيث الحرية،وكسر ربقة الظلم وغلالته السميكة، ورفع الغشاوة عن عين العامة لتبصر اليقين،وتنحو الى النور والحرية، تستعيد كرامتها المهدورة، المهراقة،عبر العصور التاريخية،وحتى واقعنا العربى الآن، يقول: (ما أقبحَ أن يصبِحَ لَـثْمُا لقدَم الملكيةِ أفيونَ الشَّعبِ المتغَيِّبِ قسراً وحَشِيشَه). ( الديوان ص: 31).
وكذلك ما جاء على لسان الجارية " من عامة الشعب ،وهى فى شرفات القصر،" تقول :(في القصرِ خمورٌ ونساءٌ عاريةٌ،وفُجورٌ،وغناءْ/وسُجودٌوقيامٌ وصيامٌ وقِراءةُ قُرْآنٍ
وبُكاءْ/في القصرِ العِزَّةُ والذِّلَّةْ/وملابسُ مُتَّسِخاتٌ وأناقَةُ حُلَّةْ/في القصر شياطينٌ رُسلٌ وملائكةُ خُبثَاء/لو أنَّكَ ياهارونُ ابنَ المهْدِيْ/لمتَفْتِنَ عقلك جاريةٌ من كِسْرى /ولَدَيْك زُبيدَةْ/ما سالتْ في القصرِ دماءْ/لو أنَّكَ ياجعفرُ لم تَفْتِنك امرأةٌ من ساداتٍ عربِيَّةْ/لو أنَّ العبَّاسةَ ظَلَّت عذراءْ/ ما انهدَّ السدَّ/ولاكَفَرَتَ بِلْقِيسُ/ولا ذُبِحَتْ صنعاءْ .( الديوان ص:44-45).
وما بين شخصيات الرواية /المسرحية / الديوان/ كتاب التاريخ الشعرى/ الكتاب السياسى/ الاجتماعى / التاريخى / القديم/ المعاصر نستطيع أن نطلق عليها ما نشاء عبر تعدد الشخوص،الأحداث، الحكايات؛والمتوالية السردية القصصية الشاعرة، فنرى تداخل الأزمنة والعصور عبر دلالات المرويات التاريخية على لسان أبطال الرواية الشاعرة،أوالقصة التاريخية بامتياز التى تستدعيها شخصيات الرواية الشعرية، ولنلحظ أسلوبية اللغة عبر المشهدية التراجيدية التى يستدعيها، من خلال الشخصيات :هارون الرشيد،العباسة، جعفر،يحيى، زبيدة، الجارية برّة،عصماء، الخيزران، أبو اسحاق "الشاعر أبوالعتاهية"، الوزير يعقوب،الجنود،الحراس،الدهماء "عامة الشعب "،نستطيع أن نقرر بأننا أمام منظومة حياتية ممتدة، وليست قصيدة وحسب؛ فهارون الحاكم/ الرئيس / الملك / السلطان / الخليفة تتجدد مسمياته بتجدد العصور،والعباسة هى الرمز للجريحة/ المغدورة/ المعذبة/ الشعب،وحاشية كل العصور،والسلطات بمختلف أنواعها،لتختلط الأزمنة بالأمكنة،عبر أسطرة التاريخ، ولا حتميته كذلك،ولكنها صور مستنسخة للانسان – شريحة المستبّد –،الشعوبومعاناتها،الصراع من أجل البقاء وحكم الرقاب،والاستبداد والاستعباد العربى ، العالمى/ الكونى، الأممى، صراع الحضارات، الاستعمار والهيمنة،القطبية، الكوكبية،التمدد والغزو والمحو باسم تغليب المذهب والعقيدة والجنس واللون والشكل، وغير ذلك مما تستدعيه أسطورة العبّاسة،المرأة المغدورة المطعونة في أبسط حقوقها الزوجية والحياتية والمجتمعية، والشعب البائس الذى يعيش في غلالة الدولة والعقد الشرعى ، يقول : ( من يعبثُ في البَيْعَةِ يعبثُ في الجِلبابِ السَّاتِرِ يفضحُ عوراتٍ مُخْتَبِئةْ/ ويثورُ الشعبُ المَيِّتُ من مائتَيْ عامٍ،والجُنْدُ المتَخاذِلُ والدَّبَّاباتُ الصَّدِئَةْ).
اننا أمام شاعر لا يستدعى الأسطورة والتاريخ ويستلهمهما فحسب، لكنه يصنع لنا "الأسطورة العربية" ، فقد جعل من "العبّاسة " – أخت هارون الرشيد " وزواجها من يحيى البرمكى – زواج العين - دالاً رامزاً لتاريخ الظلم الانسانى الممتد؛ يقول: (لو أنِّي أعلم أنَّ السيفَ إلى عُنُقِي/ونِكَاحَ العينين العاشقتين يرسِّخ/في دولتهِ كَذِبَه/أن رجولةَ جعفرَ يا أمَّهْ/ إِنْ مسَّتْ جسد العباسة في حلٍّ /يَتَكسَّرُ عَظْمُ الرَّقَبَةْ /كنت كفرتُ بهارونَ رضيعا وخليفة /و قطعت ثُدِيَّكِ/سمَّمْتُ رغيفه/كنتُ عقرتُ حِصَانَهْ /وحرقتُ العَرَبةْكَسَّرتُ ذراعيهِ /عَبْدتُ الإثمَ /ومرتكبَه/كنتُ رسمتُ براحاً ومساحاتٍ /للخيلِ المصنوعة من ثأر يتخلٌقُفي الغيبِ القادِمْ /وصرفتُ الموج بعيدا عن باب/المندبِ عِنْدَ .. وما أدراكَ وتفسير /العقبة/كنتُ جعلت التاريخ الآثم لُعْبَتَنا /استعبدتُ الغالبَ والغلَبةْ ).
فأى.عذاب لزوج يتزوج امرأته " زواج العين" ، فلا يستطيع أن يقربها إلا بأمر الحاكم ؟!.
ولنا أن نلحظ أن الشاعر/ محمود حسن- هنا -يرفو قماشة اللغة ليصنع ثوب الشعرية المورفولوجى،عبر فونيمات الحروف التى تصنع جرساً للشجن يخشّ الى ضفاف الروح، فاللغة لديه نهر ينساب،هارموني ينتضم عقد الصور الجمالية الباذخة المنسابة من فقه الجمال السّياقى، حيث اللغة المائزة ،فنراه يتقصّد الشعريّة العربية ليعيد اقتصاديات اللغة المائزة عبر التراكم،والتقارن،والانزياحات التى تشكّل السياقات النصيّة الباذخة، فاللغة لديه شاهقة،لا تجد ترهلاً، ولا كلمة ليست في موضعها،بل أننا لوحذفنا حرفاً من الديوان لاختل البناء،بما يشى باحكام الشاعرية من جهة، وحرصه على التأنق وكأنه يمكيج اللغة بطلاء روحه ،ويضفى عليها غلالة من نور ،يدخل الى الروح فيرويها من نهر الجمال، كما أنه لا يستخدم لغة دارجة،أو الغازية، بل لغة بسيطة دافقة،وعبر التكثيف والتقصيد والتراكم، تجىء المعانى محمّلة بزخم جمالى وتاريخى وسياسى واحالى يدلل إلى عمق شاعرية ممتدة.
(2)
الصورة والظلال
وقصيدة المعنى الجديدة
يباغتنا الشاعر / عمارة ابراهيم في قصيدته: " ظل ليس لي " بتأسيسية أولي للذات والظل المضاف إلي شخص آخر، فهو يقدم مسروديات قصيدته عبر احالة الظل إلي مجهول، أو آخر مغاير، وهو يبدأ بمقدمة طللية تعلوها لغة " الخطاب الشعري – عبر المناداة، وحديث الأنا مع الظلال : " يا أيها الظل "، وتلك المقدمة تتماس في المخيال الشعري مع المقدمات الطللية العمودية لامرؤ القيس :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فخطاب الليل يتسق مع خطاب الظل – هنا -، وإن نشدنا التأويل الإحالي للمعني الذي يرفده علي مخاطب لم يره، فالظل غير ملموس، لكننا نراه يتحرك معنا،ونشعر بحركته، لكننا لا نتمثله سوي بالشبيه،او هو القرين الصامت للذات، عبر تماثلات المُعطي الفلسفي، فمن منكم كَلَّم ظله، أو عرف حقيقته، ولكنها ظلال المعني عبر تماثلات اللاحقيقة، والبرهان العقلي، لا الروحي، فهو متخيل معلوم نشاهده، لكننا لا نعرف حقيقيته، سوي أنه ظلال لانعكاس الضوء علي مجسمات الجسد، عبر فيزيائية الصورة المخيالية في الذهن. ومن هذا المدخل الغرائبي ندخل إلي تشاكلات المعني الأركولوجي عبر فونيمات الصوت ، فالشاعر يكلم نفسه، ظله، كينونته اللا متماثلة عبر التماثل للصورة والظلال كذلك، ليقودنا الظل ومناجاته إلي سؤال الذات المتمثلة عن ذلك الشبيه الصامت، أو الشبح المتماثل والمختفي خلف ظلال التأويل والتخييل، والتَّقارنية التي تُحدِثُهَا الصورة والظلال، يسائله، ويدخل إلي المجتمع والعالم عبر رؤيوية الصورة البصرية التي تنشد تشاركية القارئ لهذا الذي يكلم ظله، بدون يقينية لديه في أنه ظله. ثم ينطلق بنا عبر الصور المشهدية التي يسترفدها من " السينوغرافيا لينشد تشاركية للذات ، وللآخر البعيد،فيحيله معه إلي ذاتيته هو،فنتمثل جميعاً الظل وكأنه تجسيم لشخص يحدثه، ولكنه يقطع تلك المشهدية – عبر الازاحة – ويدلف إلي معني وموضوع آخر – دون أن ينتظر اجابة من ذلك الظل، الجماد، الشبيه، الآخر، المجهول، وكأن الظل هنا عتبة كونية للولوج إلي ما ورائيات المعني الذي سيجيء، وتلك لعمري أول تفسيرات قصيدة المعني التي ننشدها، والتي تطرح الأسئلة وتندلق إلي معانٍ أخري أوسع، كونية، وما بعد حداثوية مشهدية السينوغرافيا المشهدية، يقول :
( يا أيها الظل/هل أنت ظلي الواقف /علي مدار رؤيتي؟/وهل تراني /وأنا أدقق / في تفاصيل حدودك/المتحركة /في سراب روحي/يروح ويأتي؟/هل تملك في الميادين/طرقات /وحدائق /يتوسطهن/تمثال /لا قلب له /ولا ظل يتحرك؟/أنت الآن لائذ /في قصيدة بائسة /تستجدي في ما تبقي /من أحرفها/التي توغلت /في مسامات حضوري/ وفقدها) .
ولنلحظ الحركة لذلك الظل الذي يتحرك في الروح والطرقات والحدائق وفي الميادين العامة لدي التمثال، فنشاهد الظل: يروح ويأتي، ويتوغل في مسامات الحضور والفقد، وهي مسألة فيزيائية لقانون الحركة والثبات، فهو لا ينشد المعني الظاهر، بل ينشد المعنى الموغل حلف ظاهر النص الشعري، وما خلف ظاهر الشعرية هو القصيدة البكر التي ننشدها في المعاني الثواني أيضاً .
وينتقل بنا الشاعر إلي مشهد آخر ينطلق من الظل وذاته إلي المعشوقة التي رآها تضحك للبحر وتناغي النوارس مع أشعة الشمس عبر صورة بصرية شيفونية تستحلب الجمال من الوهج، وتعيد تأسيس رومانتيكية بصرية عبر العلاقة بين " الظل والشعاع، والشمس والنور، وكأنها انعكاسات الظلال علي ظلال المعني وحمولاته البصرية لمشهدية تجريدٍ سوريالية لصورة حبيبين علي شاطيء، وقد أخفت الشمس شعلعها، وطفقت ظلالها علي الحبيبين لتخفي عناق الحب المُتَّقِد، عبر تجريد الصورة من حمولاتها الدلالية، المحمولة كذلك علي الظلال، ومنظر الجمال الكوني لمرأي البحر واتساعاته، وفضاءاته الممتدة يقول :
( لقد رأيتها منذ فترة/ كانت تضحك للبحر ونوارسه/تتأمل الشمس /حين أخفت شعاعها/علي حبيبين /خرجا من جرحهما للتو/يرسمان لوحة سوريالية) .
وتتوالي دوامات وتراكمات القلق فيظل يسأل ليصل إلي رأي يعرضه علي ظله ليدخلا معاً لا إلي مرافيء الاجابات، بل إلي دائرة دوامات الأسئلة، وكأن القصيدة تسير بحركة دائرية، ودوائر متداخلة في دائرة سوريالية، ومتاهة عبر الحياة، يقول :
( آن لي ولك أيها الظل/أن تمنحا /عجلات حافلة الضوء/تأشيرة الدخول/إلي مواكب الأسئلة /عند خيمة مواسم الدهشة/بين ظلال المسافات/ المبصرة) .
فهو في النهاية - لم يصل إلي الحقيقة عبر الرحلة السوريالية، رغم ترميزات اللغة التي تتوخي التراسل والمفارقة والدهشة، وعبر الصور البصرية وظلال المسافات المبصرة، فالبصر هنا للمسافات المابينية لمواسم الدهشة التي استدعتها الأسئلة عبر تأشيرة الدخول له وللظل، وكأننا نقرأ القصيدة من جديد من النهاية، ويمكن لنا أن نتأولها من النهاية ونشرحها هنا كذلك، ويقيني أننا سنصل إلي نفس النتيجة التي طرحها العنوان في الظل الهارب، والظل الذي ليس له، عبر لعبة الصورة والظلال،وأسلوبية اللغة الفائقة الفارقة الادهاشية، وربما المُستغلقة أيضاً .
(3)
سوريالية التجريد
وقصيدة الصورة
يمكن لنا أن نلمح تجليات قصيدة الصورة عبر ديوان الشاعر / ابراهيم داود " كن شجاعًا هذه المرة"؛ حيث نلمح تشكلات الصورة وأبعادها الفيزيائية، عبر هطول المعاني الثواني، وعبر تواشجات التجريدي المندغم في السوريالي، والانطلاق من الكليات إلى الجزئيات، والعكس، في تباديل، وتوافيق؛ تصنعها "عرائس اللغة " عبر تشكلاتها السيمولوجية الكونية، يقول :
(قبل النهايات بخطوات/ يظهر شجر كثيف/وألوان غامضة على الأرض/ولا تتغيرالفصول/الذاهبون صامتون فى الطريق/على رؤوسهم الطير والفراغ/ وعلى أكتافهم تظهر المدن). وهنا يجرد الشاعر اللغة عبر اقتصادياتها المضافة، كقيمة بصرية، لتفسح لرؤيوية التصوير مجالات أكثر إشراقاً عبر " كونية المعنى "، وما ورائيات الظلال التي تمثل القيامة / الطبيعة / بداية ونهاية الأبدية / الحياة / الظلال/ الواقع؛ وغير ذلك؛ يقول : (قبل النهايات بخطوات/ تتكاثرالمدن/ والمصابيح/ .. ويقل الماء) . وكأننا أمام بدائية أولى للحياة/ ونهاية لقيامة الأشياء في نفس الوقت؛ فهى صورة تتكلم، عبر"رقمنة مغايرة " ؛ وعبر مشاهداتية تصفيها إلى حالتها المتبداة : الجديدة، حيث يقل الماء، وكأننا نوشك على الإنتهاء / العراء/ عبر المعاني التي تتوالد عبر الصورة البصرية المتشكلة، وعلاقاتها التبادلية التي تخلق التوتر، وتحدد مشروعيات للجمال الفيزيائي، وللصورة الفيزيقية المتراءاة .
كما يستخدم الشاعر " بنائية التكرار " للولوج إلى معانٍ جديدة في قصائده المتتالية : عودة، نزوح، الباقون، قسوة، كما يعتمد " تقنيات المشهدية"، " السرد اليومي"، " والاتكاء على الذات " في قصائده : سد ، شجاعة، كما يستدعى " ميثيولوجيا " السياسة، وترادفات لفظة النيل " ليحيلنا إلى واقع معاش، عبر مرموزات متتابعة، أيقونية، فهو لا يأدلج القصيدة ، بل يصنع لها عدة مرافىء لتعبر اللغة والصورة إلى المعنى المختفي؛ أو " المعنى السرَّي " الذى تغياه ، هو، وتأولنا نحن ؛ عبر فيوضات المخيال الكوني، واحالاته السيموطيقية التي تحيلنا إلى الذات، والكون والعالم والحياة .
ثم يحيلنا الشاعر إبراهيم داود إلى الحقيقة والبرهان – عبر التلاشي / التجريد / تراكمات المعاني الاحالية، وظلال الألوان / ظلال الحياة، حيث يعتد رؤية الشوف، كمتصوف يصنع من الذات واللغة مادة للخلوة، والفرادة، عبر" الغرفة الكونية " / العراء / التجرد من كل شىء، ليطلق العقل لخياله المترامي، يقول ):اتركْ خيالَكَ للرياح/ وطَمْئِن الغرقى على الحياة/ الكواكبُ القريبةُ اقتربت/وأنت تتوارى خلفَ النشيج/ لن تنفعكَ النيازك/ لن يقفَ الماضي إلى جوارِك /كُن شجاعًا هذه المرة).
إنه يتوارى خلف النشيج، وخلف ظلال الألوان، والمعاني، ليترك لجنوح الخيال آفاقاً أكثر دهشة، عبر رؤيوية متصوف، أو جوال يجر عربة الحياة إلى لا نهائي ممتد .
(4)
الذات والعالم
واشراقات قصيدة الهايكو
لعلنا نقول بأن شاعر قصيدة مابعد الحداثة لا يتنمط شكلاً واحدًا للبوح؛ بل نراه يشتبك عبر الأجناس الجديدة ليكتب عبر النوعية - وعبر الإجناسيات الأدبية؛ والأشكال الفنية المختلفة- عابرًا الزمان والمكان والعالم؛ إلى زمان ومكان يخصانه هو؛ غير عابىء بالأيديولوجيا؛ أو بأشكال وأجناس الكتابة الأخرى المختلفة ؛ لأنه يصنع فردوسه وحيدًا؛ مستفيدا من كل الطاقات والأشكال والأجناس الأدبية؛ ليكتب عبر النوعية سغره المتفرد؛ أو ليكتب للشعر فردوسه المفقود؛ فيعبر بالزمن إلى فضاءات ممتدة؛ ويسافر في المكان إلى أماكن جديدة؛ لم يطأها سواه.
وفى ديوانه " ذاكرة آيلة للسقوط " يصدح شاعرنا ، حسونة فتحي ؛ بالشعر المائز ، والدهشة المثيرة ، والتفاصيل المشهدية حيث تتنوع قصائده بين مشهدية الأحداث الصغيرة جداً ، وبين العادى والمألوف اليومى حيث المكان يضفى روعة مغايرة عبر زمانية تكشف عمق اللحظة التى يستشرفها كأفق كونى ممتد ، يقول في قصيدته " شرفة الخامسة صباحاً " :
( النيل يعبر غابة/من كتل خرسانية/كتل خرسانية هائلة/تشق الضباب الكثيف/العابرون/رجل/ بلا خطايا ليلية/يمارس رياضة الصباح/امرأة تحمل فوق رأسها خبزاً/رجل نظافة يكنس قمامة/ وأحلاماً خلّفها المساء) .
إنه يصور المشهد هنا من شرفته / صباحاً ، حيث حدد الزمكانية عبر العنوان ، وحيث الصورة تشى بمشهدية يلتقطها دون أن يتدخل فيها – سوى الوصف – فالنيل والعابرون وأحلام البسطاء برغيف الخبز ( امرأة تحمل فوق رأسها خبزاً ) مستعيراً " التناص القرآنى في سورة يوسف عبر براعة التضمين الإستدعائى للقصص القرآنى ، أو لوحة حاملة الخبز المعروفة.، يقول :
وأنا كعمود اضاءة
بلا رفيق ..
كحاملة الخبز " .
فهو يعود بنا الى الذات / ذاته ، حيث الوحدة وعمود الاضاءة الذى ينير دون جدوى في وجود شمس الصباح ، كذاته المحترقة التى تشبه حاملة الخبز كدليل للمعاناة اليومية والوحدة التى دللت اليها شرفة الحجرة / شرفة العالم والكون والحياة تلك التى تطل على نيل القاهرة الممتد .
وعبر قصائده الإبيجرامية : " القصيرة جداً " : يشرع شاعرنا في الحكى والوصف والتقاط اللحظة الشعرية الراهنة بفطريتها وعذوبتها ورقتها ووصف تفاصيلها، دون أن يكون مشاركاً – كذلك – في صنع حدث ما، أو أن يشتبك معها، أو مع الأحداث فقط نراه يبتسم ويسرد الحكايات ، فقط هو يحادثها / يحادث ذاته التخيلية ، يتلذذ معها بالحديث عن سوريالية المعنى دون أن يتداخل في المسرود عنه ، وكأنه يعيد الوصف المشاهداتى من الخارج ليعبر عبر الانزياحات الى الذات المتأملة / الحالمة ، وتلك لعمرى براعة منه كنحلة تصب رحيق زهراتها المختلفة في خلية الذات المتهالكة / الوحيدة / البعيدة / القلقة / العامرة بالحب والشجن والفتون بأنثى الدفء التى ربما لن تجىء ، لذا لا غرو أن نشاهده يجلس متحررًا في وقت الظهيرة ليحدثنا عن بحر روحه الهائمة عبر سفينة الحياة التى لا تستقر عند شاطىء ما ، سوى شاطىء الروح / العالم / السدم / اللاميتافيزيقا ، يقول :
( سأتعرى تماماً /من رغبتى في ضحك أو بكاء/مؤكد ../ لن أكون في نعومة بحيرة .. وعذوبة جدول/أنا المالح القديم الهائج الحل موتاى/لكننى/كلما عبرت سفينة/تحمل أحلاماً ورؤساً يانعة/ امتصصت ملحى .. وهدهدت موتاى/ وأعدت سيرتى الأولى/ قطرة ماء/ تحنّ لحضن سمائها ).
وفى قصيدته : " مشاهد صباحية " – من شعر الهايكو – نلحظ استيلاء الصباح على فؤاد الشاعر ، كما ألمحنا في قصائده من قبل – والصباح كما نعرف يشى بالإشراق والجمال والنور والدفء والسطوع والطزاجة وبكارة الرؤية التي تغوص في جماليات الطبيعة وتشى بمفارقات الذات؛ ومع ذلك يحيلنا / حسونة فتحى الى بيئته ، الى سيناء – وإن لم يصرح باسمها - الى البداوة وقطعان الأغنام، وصوت الناى، يقول :
( قطيع الأغنام/ يتبع الراعى للبعيد/ مستمعون / وعازف ناى متفرد ) .
إنها مشهدية التصور للطبيعة الساحرة التى تميز شعرية الهايكو عبر المعنى السوريالى/ التجريدى / المشاهداتى / الذهنى ، حيث تبدو الفكرة متحققة عبر الصور المركبة بين المشاهد المتواترة للصحراء وقطيع الأغنام الذى يتبع الراعى في البادية ، والمستمعون لصوت الناى الوحيد الذى تفرد عزفه عبر دوال ومدلولات المعنى السيموطيقى التخييلى، وعبر المفارقة التى صنعها صوت الناى – على استحياء غير ملحوظ – ليتماس صوت الناى مع عزف صمت الصحراء الممتد ، وليترك للقارىء فرصة للتأمل والتفكير والتشاركية عبر المكان – في الصحراء – التى تحمل التجريد والتقشف والتصحر والخشونة والحياة القاسية ، وتحمل الأهوال والمخاطر ، والسحر والجمال الممتد.
إن شاعر قصيدة المعنى؛ هو سيد الجمال، و"شاعرالمرأة"- بامتياز، يغوص في سوسنها الآسن الشهى،يقطف زمردها ، ويتذوق فستقها، وعسل فراتها الأشهى. يغنى لها، ويناجيها، ويكلمها ويناغيها، ويجثو عند ركبتيها ،ويقرأ تعاويذه، ويغمرها بنهره الدافق، ويظللها كغيمة، ويهطل على زهورها اليانعة ماءه الشعري المهراق.
إن شاعر قصيدة مابعد الحداثة الجديد؛ نراه قد اخترق - كصوفىّ جوّال- حجب العالم، وانتهك ستور اللغة، وأغلفة بكارة الحقيقة،ليطلعنا الى أسطورته : أسطورة الزمان / الجسد / الذات ،عبر فضاءات الله المتبدّاة من خلل الغصون ، التى تشرق فيها شمس الله ،لتفتل الضوء/ النور/ البهاء، والسموق الروحى ، للجمال الشعرى ،الذى يجسّد جوهر اللغة الآسن ، الباسق ، الباذخ والمثير ، والشفيف ، والشيفونىّ؛ عبر الكون والعالم والحياة .

__________
(1) حاتم عبدالهادي السيد، كتاب تجليات السيموطيقا فى النقد الأدبي التطبيقي ، وزارة الثقافة – سلسلة النشر العام؛ ثقافة سمال سيناء؛ 2014م
(2) حاتم عبدالهادي السيد ، كتاب السيمولوجيا والخطاب الأدبي ، وزارة الثقافة المصرية 2011م.
(3) حاتم عبدالهادي السيد، كتاب قصيدة المعني، نحو تأسيس نظرية عربية ما بعد حداثية للشعرية العربية ، طبعة محدودة ؛ دار الأدباء العرب؛ سلسلة النشر العام 2021 م.
حاتم عبدالهادي السيد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...