هذه العبارة ينطق بها جميع المغاربة، رجالاً ونساءً. وحتى الرُّضَّع، إن لم يستطيعوا أن ينطقوا بها، فإنهم يرضعونها من أثذاء (جمع ثذي) أمهاتِهم. فما هو المقصود من هذه العبارة؟ المقصود منها هو أن مصلحةَ الوطن فوق كل اعتبار. بمعنى أنه لا يوجَد مواطن (ذكر أو أنثى) قحٌّ لا يُعطي الأولوية لمصلحة بلاده؟ وإن وُجِدَ هذا النوعُ من المواطنين، فهم مواطنون عاقُّون ingrats لوطنهم، أي كما نقول بالدارجة، "مْسَاخِيطْ الوطن".
والعقوق بالنسبة للوطن، هو نوعٌ من الخِيانة. وخِيانة الوطن هي التَّنكُّر للانتماء إليه renier l'appartenance à la nation. وكل مَن تنكَّرَ لهذا الانتماء، فإنه يتنكَّر للوطنية le patriotisme. والوطنية تقتضي أن يُحبَّ المواطنُ وطنَه ويُبدِي استعدادَه للدفاع عنه ويبذل ما في استطاعتِه من جُهدٍ للنهوض به والافتِخار به. وبعيارةٍ أخرى، كل المغاربة، رجالاً ونساءً، ينصهرون في شخصٍ واحدٍ اسمُه المواطن، المُخلِصُ لوطنِه المُحِبُّ له والفخور بإنجازاتِه. فلماذا اختار المغاربةُ هذه العبارة؟
إذ كان بإمكانِهم أن يقولوا، مثلاً، مصلحة الوطن تأتي قبل غزة أو مصلحة المغرب تأتي قبل غزة، أي قبل القضية الفلسطينية، علماً أن هذه الأخيرة تسكن وِجدَانَ sentimentalité جميع المغاربة. اختار المغاربةُ كلمتي "تازة" و"غزة" لأنهما تنتهيان ب"زَ". المشكل مشكل قافية. وكل كلامٍ ينتهي بالقافية تستسيغُه أو تستحسِنُه الأذن.
كان بإمكان المغاربة أن يختاروا مثلا الدار البيضاء أو الرباط أو مراكش أو فاس أو طنجة… لأنها مُدُنٌ كبيرة ولها شأنٌ عظيم إما في الاقتصاد وإما في الثقافة وإما في السياحة وإما في الإشعاع الفني… فالقافيةُ هي التي فرضت على المغاربة أن يختاروا تازة عوض مُدُنٍ أخرى.
إذن، بالنسبة للمغاربة الغيورين على بلدِهم، بجميع مُدُنِه وقُراه، ويريدون له الخير، عندما يسمعون "تازة" فكأنهم سمعوا "الوطن". في هذه الحالة، "تازة"، بحُكم انتمائِها للوطن والتي فرضتها القافية، لها الشرف أن تنوبَ عن جميع المُدُن والقُرى المغربية.
بعد هذه التَّوضيحات، حان الوقتُ لأقولَ للقارئ لماذا عَنونتُ هذه المقالة ب"تازة قبل غزة"؟ عنونتُ هذه المقالة ب"تازة قبل غزة" لأن عبد الإله بنكيران، بعد انتخابه أميناً عاما لحزب العدالة والتنمية أدلى بتصريحاتٍ مفادُها أنه يفضِّل غزة على تازة، بمعنى أن القضيةَ الفلسطينيةَ تأتي في الدَّرجة الأولى من حيث أولويات حزب العدالة والتَّنمية.
والحقيقة، كل الحقيقة، عندما قال أمين عام حزب العدالة والتَّنمية أن القضية الفلسطينية تأتي، بالنسبة له، على رأس أولوياته، فهذه درجةٌ عالبة من النفاق السياسي. بمعنى أن السيد عبد الإله بنكيران يتخذ القضيةَ الفلسطينيةَ مَطِيَّةً لاسترجاع ما ضاع من حزبِه في انتخابات 2021. وليس هذا نفاقٌ سياسي فقط. بل إنه كذِبٌ وبُهتانٌ تعمَّده السيد الأمين العام.
والخطير في الأمر أنه يعرف أنه يكذب ويعرف، كذلك، أن المغاربة يُحبُّون فلسطين ويتمنون أن تُقيمَ دولتَها إلى جانب إسرائيل. وأخطر من هذا وذاك، هل رأيتُم زعيماً سياسياً يدَّعي أن حزبَه له مرجعية إسلامية une référence islamique، وهو من كِبار المنافقين؟ بل هل رأيتم زعبما سياسيا يدَّعي أنه مواطن citoyen و وطني patriote وأولوِيتُه ليست خدمة الوطن؟
من المفروض أن أي حزبٍ سياسي يدَّعي أن له مرجعية إسلامية أن يبتعدَ عن النفاق والكذب والبهتان وركوب المطايا لبلوغ مآرب مفضوحة. أما ما لم يصرِّحْ به لا حزبُ العدالة والتنمية ولا أمينُه العام، هو أن ما يُسمِّيانِه مرجعية إسلامية، هي في الحقيقة إيديولوجيا idéologie، وبالتالي، المرجعية الإسلامية ليست إلا نوعٌ من ذر الرماد على العيون لاستقطاب العاطفة الدينية للمواطنين.
وما يُستغربُ منه أو له، هو أن المرجعية الإسلامية ليست مُستمَدَّة من حُب الوطن amour de la patrie. بل مستمدَّة من إيديولوجيات سياسية أجنبية مرجِعيتُها الإسلام المُتطرِّف، الموازي لذلك الذي نصَّ وينصُّ عليه القرآن الكريم. مرجعية مستمدَّة من الوهاببة ومن فتاوى ابن تيمية ومن البخاري ومسلم وغيرهم من علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليين…
فكيف لحزبٍ سياسيٍّ أن يخدم مصلحةَ الوطنِ، وهو يدين لإديولوجيات أجنبية أو يستعملُها إرضاءً لها وليس لحبِّ الوطن؟ إذن حزب العدالة والتنمية شأنُه شأنَ الأحزاب السياسية المغربية الأخرى. أحزابٌ سياسيةٌ فرقٌ شاسعٌ بينها وبين تَسمِياتِها. تسمياتٌ فارِغة من المُحتوى ولا معنى لها إلا على الورق.
أما ما لم يقبله المغاربة ولن يقبلوه، هو أن السيد الأمين العام نعت هؤلاء المغاربة الذين يفضِّلون تازة على غزة بالمِكروبات والحمير، والحال أن جميع المغاربة يضعون مصلحةَ الوطن فوق كل اعتبار.
أليس هذا غباءٌ سياسي ما بعده غباء؟ إن كان يظن السيد الأمين العام أنه يخدم بتصريحاتِه هذه مصلحةَ حزبِه، فهو خاطئ. بل إنه يُسيء لحزبه. وإن كانت طلاقةُ لسانه جلبَت لحزبه أصواتاً مهمَّةً كانت سبباً في ترأسِ هذا الحزب ولايتين حكوميتين، فالمغاربة لن ينسوا أن زعيماً سياسياً سبَّهم ونالَ من كرامتِهم. والأيام بيننا.
والعقوق بالنسبة للوطن، هو نوعٌ من الخِيانة. وخِيانة الوطن هي التَّنكُّر للانتماء إليه renier l'appartenance à la nation. وكل مَن تنكَّرَ لهذا الانتماء، فإنه يتنكَّر للوطنية le patriotisme. والوطنية تقتضي أن يُحبَّ المواطنُ وطنَه ويُبدِي استعدادَه للدفاع عنه ويبذل ما في استطاعتِه من جُهدٍ للنهوض به والافتِخار به. وبعيارةٍ أخرى، كل المغاربة، رجالاً ونساءً، ينصهرون في شخصٍ واحدٍ اسمُه المواطن، المُخلِصُ لوطنِه المُحِبُّ له والفخور بإنجازاتِه. فلماذا اختار المغاربةُ هذه العبارة؟
إذ كان بإمكانِهم أن يقولوا، مثلاً، مصلحة الوطن تأتي قبل غزة أو مصلحة المغرب تأتي قبل غزة، أي قبل القضية الفلسطينية، علماً أن هذه الأخيرة تسكن وِجدَانَ sentimentalité جميع المغاربة. اختار المغاربةُ كلمتي "تازة" و"غزة" لأنهما تنتهيان ب"زَ". المشكل مشكل قافية. وكل كلامٍ ينتهي بالقافية تستسيغُه أو تستحسِنُه الأذن.
كان بإمكان المغاربة أن يختاروا مثلا الدار البيضاء أو الرباط أو مراكش أو فاس أو طنجة… لأنها مُدُنٌ كبيرة ولها شأنٌ عظيم إما في الاقتصاد وإما في الثقافة وإما في السياحة وإما في الإشعاع الفني… فالقافيةُ هي التي فرضت على المغاربة أن يختاروا تازة عوض مُدُنٍ أخرى.
إذن، بالنسبة للمغاربة الغيورين على بلدِهم، بجميع مُدُنِه وقُراه، ويريدون له الخير، عندما يسمعون "تازة" فكأنهم سمعوا "الوطن". في هذه الحالة، "تازة"، بحُكم انتمائِها للوطن والتي فرضتها القافية، لها الشرف أن تنوبَ عن جميع المُدُن والقُرى المغربية.
بعد هذه التَّوضيحات، حان الوقتُ لأقولَ للقارئ لماذا عَنونتُ هذه المقالة ب"تازة قبل غزة"؟ عنونتُ هذه المقالة ب"تازة قبل غزة" لأن عبد الإله بنكيران، بعد انتخابه أميناً عاما لحزب العدالة والتنمية أدلى بتصريحاتٍ مفادُها أنه يفضِّل غزة على تازة، بمعنى أن القضيةَ الفلسطينيةَ تأتي في الدَّرجة الأولى من حيث أولويات حزب العدالة والتَّنمية.
والحقيقة، كل الحقيقة، عندما قال أمين عام حزب العدالة والتَّنمية أن القضية الفلسطينية تأتي، بالنسبة له، على رأس أولوياته، فهذه درجةٌ عالبة من النفاق السياسي. بمعنى أن السيد عبد الإله بنكيران يتخذ القضيةَ الفلسطينيةَ مَطِيَّةً لاسترجاع ما ضاع من حزبِه في انتخابات 2021. وليس هذا نفاقٌ سياسي فقط. بل إنه كذِبٌ وبُهتانٌ تعمَّده السيد الأمين العام.
والخطير في الأمر أنه يعرف أنه يكذب ويعرف، كذلك، أن المغاربة يُحبُّون فلسطين ويتمنون أن تُقيمَ دولتَها إلى جانب إسرائيل. وأخطر من هذا وذاك، هل رأيتُم زعيماً سياسياً يدَّعي أن حزبَه له مرجعية إسلامية une référence islamique، وهو من كِبار المنافقين؟ بل هل رأيتم زعبما سياسيا يدَّعي أنه مواطن citoyen و وطني patriote وأولوِيتُه ليست خدمة الوطن؟
من المفروض أن أي حزبٍ سياسي يدَّعي أن له مرجعية إسلامية أن يبتعدَ عن النفاق والكذب والبهتان وركوب المطايا لبلوغ مآرب مفضوحة. أما ما لم يصرِّحْ به لا حزبُ العدالة والتنمية ولا أمينُه العام، هو أن ما يُسمِّيانِه مرجعية إسلامية، هي في الحقيقة إيديولوجيا idéologie، وبالتالي، المرجعية الإسلامية ليست إلا نوعٌ من ذر الرماد على العيون لاستقطاب العاطفة الدينية للمواطنين.
وما يُستغربُ منه أو له، هو أن المرجعية الإسلامية ليست مُستمَدَّة من حُب الوطن amour de la patrie. بل مستمدَّة من إيديولوجيات سياسية أجنبية مرجِعيتُها الإسلام المُتطرِّف، الموازي لذلك الذي نصَّ وينصُّ عليه القرآن الكريم. مرجعية مستمدَّة من الوهاببة ومن فتاوى ابن تيمية ومن البخاري ومسلم وغيرهم من علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليين…
فكيف لحزبٍ سياسيٍّ أن يخدم مصلحةَ الوطنِ، وهو يدين لإديولوجيات أجنبية أو يستعملُها إرضاءً لها وليس لحبِّ الوطن؟ إذن حزب العدالة والتنمية شأنُه شأنَ الأحزاب السياسية المغربية الأخرى. أحزابٌ سياسيةٌ فرقٌ شاسعٌ بينها وبين تَسمِياتِها. تسمياتٌ فارِغة من المُحتوى ولا معنى لها إلا على الورق.
أما ما لم يقبله المغاربة ولن يقبلوه، هو أن السيد الأمين العام نعت هؤلاء المغاربة الذين يفضِّلون تازة على غزة بالمِكروبات والحمير، والحال أن جميع المغاربة يضعون مصلحةَ الوطن فوق كل اعتبار.
أليس هذا غباءٌ سياسي ما بعده غباء؟ إن كان يظن السيد الأمين العام أنه يخدم بتصريحاتِه هذه مصلحةَ حزبِه، فهو خاطئ. بل إنه يُسيء لحزبه. وإن كانت طلاقةُ لسانه جلبَت لحزبه أصواتاً مهمَّةً كانت سبباً في ترأسِ هذا الحزب ولايتين حكوميتين، فالمغاربة لن ينسوا أن زعيماً سياسياً سبَّهم ونالَ من كرامتِهم. والأيام بيننا.