أدب السجون أ. د. عادل الأسطة - موضوعة السجن في رواية الأسرى . كميل أبو حنيش نموذجا تابع -2-

تابع 2

١ - ( " والروائي إن لم يعاشر العامة ويدرس أحوالهم ، أو لم يكن منهم ويعش بينهم ، أو لم تكن فيه قوة الصورة ومهارة التصوير وبراعة الوصف ، ولم يكن فيه النظرة الأدبية الصادقة إلى كل حادث ، والارتياح التام بل الكلف التام ببعثه ، وإن لم يسر بعمله على الدوام إلى الأمام ، إلى أعلى درجات الكمال ، ولم يكاشفه الإلهام والوحي والنبوة ، فليس بروائي عبقري " . خليل بيدس مقدمة " مسارح الأذهان " ١٩٢٤ )

٢ - ( إن روعة هذه المجموعات من القصص هي أنها تأتي في وقت يتدفق فيه إنتاج " الموهوبين " العرب حول قضايا مماثلة تقريبا ، وهو أدب أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه " أدب الهوهو " ، أدب فهد بلان " وصح يا رجال " أدب " الأويها " وال " ولي !" ، وربما كان سبب ذلك هو فقدان الموهبة أولا ، وثانيا أن معظم كتابنا " لا يحيون حياة الشعب " ، لا يتألمون لآلام الناس ولا يفرحون لأفراحهم ، لا يدخلون إلى اهتماماتهم وحاجاتهم ( ولذلك ) فإنه لا يخرج من بين أيديهم كتاب حقيقي يثير الانفعال في قلوب القراء " صح يا شولوخوف )
( غسان كنفاني من مقال " شولوخوف والالتزام وأدب صح يا رجال )
٣ - ( " من أين تأتي الشاعرية ؟
من ذكاء القلب أم من فطرة الإحساس
بالمجهول ؟ أم من وردة حمراء
في الصحراء ؟
لا الشخصي شخصي
ولا الكوني كوني "
محمود درويش " جدارية " )
في كتابه " الكتابة والسجن : عالم الكتابة في السجن " ( ٢٠٢٣ ) يكتب الروائي كميل أبو حنيش عن رواياته الست الأولى التي كتبها وهو في السجن ، ويفصح لنا من أين استمد موضوعها ، وليس هو في هذا الجانب استثناء ، فقد أفاض كتاب كثيرون في سيرهم الذاتية وفي المقابلات التي تجرى معهم عن موضوعات أعمالهم من أين استمدهوها أو حكوا عن الباعث والحافز لكتابتها .
أن يكتب أسير ، وهو في السجن ، ست روايات ، خلال عشرين عاما ، فليس هذا بالأمر اليسير الهين ، ذلك أن عالمه محدود مقيد ، إذ يتحرك في مساحة ضيقة غالبا ، وإذا ما كانت لديه فرصة للانتقال من مكان إلى آخر فهي ليست سوى استبدال سجن بسجن . ستظل مساحة تحركه محدودة ، والكتابة الروائية تحتاج إلى حياة عريضة وأمكنة متعددة وشخصيات متنوعة مختلفة تنتمي إلى شرائح اجتماعية ، وغالبا ما يثريها - أي الكتابة الروائية - السفر والتنقل في البلاد والأمكنة الواسعة الفسيحة . طبعا ليس هذا شرطا ملزما ، ولكن كلما اتسعت تجربة الكاتب وتعددت وتنوعت انعكس ذلك في نتاجه ، فإذا ظل محصورا في بيئة واحدة أنتج أعمالا قليلة إلا ما ندر .
وإذا ما أمعن الدارس في نتاج الأسرى فإنه يلحظ ولا شك أن أكثرهم كتب ، على أكثر تقدير ، رواية أو روايتين ، وغالبا ما تمحورت حول تجربته الشخصية التي تشمل السجن وما قبله . يمكن هنا الإشارة إلى أسماء أسرى فلسطينيين كتبوا الرواية مثل حسام شاهين وعصمت منصور وهشام عبد الرازق ويحيى السنوار وهيثم جابر ( أبو الخطاب ) . إن أيا من هؤلاء لم ينتج سوى رواية أو اثنتين تمحورت حول تجربته وسيرته ، أو حول موضوع يخص عالم السجن مثل التحقيق مع سجناء يشتبه فيهم ، أو العزل الانفرادي في زنزانة ، أو سيرته منذ كان طفلا إلى دخوله السجن وقضاء سنوات فيه ، أو استرجاع تجربة بيئته في مقاومة الاحتلال البشع القاسي الذي يعمل على تجنيد الفلسطينيين وإسقاطهم . والموضوع الأخير كتب عنه غير كاتب في أثناء إقامته في السجن .
وقليلون هم الكتاب الذين كتبوا أكثر من روايتين ، وهنا أذكر كميل أبو حنيش وباسم الخندقجي ، مع إقراري بأنني لم أقرأ كل ما كتبه السجناء ولم أتتبعه تتبع باحث أكاديمي يتطلع إلى إنجاز بيبلوغرافيا .
عندما طالعت روايات باسم الخندقجي أو قرأت ما كتب عنها لاحظت أنه قليلا ما أتى على عالم السجن . لقد كتب الرواية التاريخية أو استحضر تجارب سابقة له ، وحتى روايته الفائزة بجائزة الرواية العربية " قناع بلون السماء " فإن مساحة ما كتب عن السجن فيها ، قياسا إلى ما كتب اعتمادا على مصادر ومراجع تاريخية ، يبدو قليلا . وكان هذا يلفت نظري حقا ، إذ لم لم يكتب عن فضاء السجن وتجربته فيه ؟
هل أراد أن لا يكتب معادا مكرورا ، فأكثر كتابات السجناء تتمحور حول عالم السجن ؟
هل أراد أن يخرج من عالم السجن ولو بواسطة الخيال ، فينتصر على السجان وينجو من حشره في زاوية ضيقة أقرب إلى القبر ؟
هل هو من محبي الرواية التاريخية مثلا وينحاز إليها ، ولذلك فضل أن يكتبها ؟
إن ما كتبه كميل أبو حنيش يبدو مختلفا ، فأكثر رواياته عن تجربته داخل السجن أو خارجه ، أو عن تجارب أشخاص عرفهم في السجن ، أو أشخاص سمع حكاياتهم ، وحين لجأ إلى الخيال في إنتاج نص روائي دهش عندما علم أنه مطابق لتجربة سجين ولنلاحظ :
أولا :
يكتب كميل روايته الأولى. " خبر عاجل " عن فلسطيني استشهادي هو أسامة بشكار ساعدته أسيرة محررة هي دعاء الجيوسي . يلتقي كميل مع دعاء - طبعا قبل أن يسجنا - فتحكي له عن علاقتها بأسامة وتعلقه بها في لحظة انطلاقه لتفجير نفسه .
عندما سجن كميل تلبسته حكاية أسامة ودعاء وظلت تلاحقه وتلح عليه مدة ثلاثة أعوام ، وقد أنجزها واحتار في عنوانها إلى أن استقر على " خبر عاجل " ؛ لأن أخبار العمليات الاستشهادية كانت تسجل سبقا على شاشات الفضائيات ك " خبر عاجل " .
وكما نلاحظ فإن موضوع الرواية وشخوصها ليسا بعيدين عنه . لقد كانت دعاء على معرفة به ولامست حكايتها شغاف قلبه . أراد أن يكتب الحكاية قبل سجنه لكنه كان ملاحقا فلما اعتقل وحوكم كتبها في السجن .
ثانيا :
يكتب كميل روايته الثانية " بشائر " دون أن يفكر في كتابة رواية . لقد وجد نفسه يكتبها علما بأنه أراد كتابة كراس في السجن يثقف فيه السجناء الجدد الذين لاحظ جهلهم بتاريخ القضية الفلسطينية . أراد للكراس أن يكون تربويا تثقيفيا ولكنه تراجع فكتب ما أراد بقالب روائي .
إن كثيرا من كتابات الأسرى كتبت بقصد تربوي تثقيفي تعليمي ، وهنا أشير إلى رواية حسام شاهين " زغرودة الفنجان " .
ثالثا :
رواية " الكبسولة "
كانت الشرارة التي أشعلت المباشرة في كتابتها زيارة والده له في السجن بعد انقطاع ثلاثة أعوام . يومها سأل كميل والده عن الأغوار ، فطفق الوالد يحدثه عن المتغيرات التي حدثت في السنوات الأخيرة وأبرزها اقتلاع المزارعين لمعظم بيارات البرتقال لصالح الزراعة الحديثة " ولكن أكثر ما أثارني هو خبر جفاف الوادي ..... في ذلك المساء بدأت في كتاية الرواية ، وتصادف يومها أنني قد أبلغت بخبر ضياع كبسولة كنت قد أرسلتها لأحد السجون ، وكانت تحمل معطيات هامة ، فولدت هذه الرواية في هذا المناخ ." .
رابعا :
يكتب كميل روايته الرابعة " وجع بلا قرار " أيضا عن عالم الأسرى في ظل أجواء صفقة تبادل الأسرى في العام ٢٠١١ وما ترتب عليها من آثار منها الخيبة والإحباط لمن لم يخرجوا . الإضراب الذي أعد له السجناء في العام ٢٠١٢ " فشرعت في كتابة الرواية الجديدة " وجع بلا قرار " في بدايات شباط من ذلك العام " .
عندما سئل كميل عن هوية شخصية الرواية علاء - إن كان حقيقيا أم أنه من نسج الخيال - أجاب بأن ثمة عددا من الأبطال الحقيقيين تجمعوا كلهم في شخصية علاء .
وللرواية قصة .
أحد رفاق كميل ، واسمه مهدي ، سأله عن الخطوط العامة للرواية ، وعندما سمعها هز رأسه وقال :
- يبدو أن الرفيق عوض السلطان قد روى لك حكايته .
يضحك كميل ويجيب بأن الرواية من محض خياله ، فيذهل مهدي ويضيف قائلا :
- لكن هذه القصة تلخص حكاية عوض حتى أن اسم أنهار هو ذاته اسم الفتاة التي كان يحبها عوض ، ومصيرها كان ذاته مصير بطلة الرواية " .
هل كان كميل سمع بالقصة ونسي ؟
لقد أقسم لمهدي أن الرواية من نسج خياله وأنه لم يحدث يوما أن اطلع على هذه الحكاية .
سيلتقي كميل ، بعد خمس سنوات - ٢٠١٧ ، في سجن ريمون ، بعوض الذي سيسأله عن آخر كتاباته فيروي له " وفجأة تذكرت ما دار بيني وبين مهدي ... بشأن عوض ورواية " وجع بلا قرار " وسأله إن كان روى له يوما عن حكايته .
" ذهل عوض وسألني بدهشة :
- بشرفك ، من أخبرك بهذه الحكاية ؟
- هل حدث وان أخبرتني يوما عنها ؟
- كلا .
- أؤكد لك أنه لم يخبرني أي أحد بأي تفصيل ، وأن الرواية من محض خيالي ، واسم أنهار كان اختيارا عشوائيا من بين أسماء عدة " .
يذهل عوض ويقرأ الرواية ويؤكد لكميل بأنها في خطوطها العامة تتقاطع مع حكايته .
يتأمل كميل في هذا ويسرح في عالم الأدب الساحر والجميل الذي من شأنه أن يوقع الكاتب بمصادفات " ومصائد غريبة وغير مألوفة ، وأحيانا بتقاطعات عجيبة وخرافية تتشابك فيها أقدارنا مع أقدار بشر لا نعرفهم في الحياة . إنهم بشر تفصلنا عنهم مسافات زمنية في الماضي أو حتى في المستقبل " .
خامسا :
أما روايته الخامسة " مريم ... ميريام " فتعود بذورها كما يكتب في العام ٢٠٢٢ " لست وعشرين سنة للوراء " . في صيف العام ١٩٩٤ أنهى كميل الدراسة الثانوية وتوجه إلى مدينة الناصرة في الجليل الفلسطيني ، ولم يكن في ذلك الحين مسموحا للفلسطيني من سكان الضفة الغربية والقطاع دخول المناطق المحتلة من العام ١٩٤٨ ، إلا من خلال التصاريح . وكان على أبناء الضفة والقطاع اجتياز الحدود الفاصلة عن طريق التهريب .
ذهب كميل إلى الناصرة وعثر على عمل في قطاع البناء ، مع أحد المقاولين وكانت الورشة في مدينة حيفا ، " ومع كل يوم وأثناء مرورنا في الشارع الممتد بين الناصرة وحيفا ، كنا نعبر من قلب حي في الناصرة يسمى " حي الصفافرة " وفي الطريق تطالعني لافتة كتب عليها بثلاث لغات ؛ العربية والانجليزية والعبرية ( تسيبوري ) . ومع الوقت فهمت أن مستوطنة تسيبوري تقوم على أنقاض بلدة عربية تسمى صفورية ، وأن سكان حي الصفافرة هم أهل البلدة الأصليون الذين جرى تهجيرهم والسطو على مكانهم في عام النكبة " .
ويقول كميل :
" وتحاول الرواية أن تعكس صدى الأزمنة في المكان ( فلسطين ) وتمثلها لإبراز دور الهوية ... فكانت مريم هي الاسم الأول لهذه البلاد .... فكانت مريم الصفورية العربية في صراعها مع ميريام المستعمرة اليهودية الصهيونية تعكس وجها من وجوه هذا الصراع على المكان وهويته ، وكان إبراهيم ( ابرام ) هو الحفيد المشترك للمرأتين .... " .
عندما قرأت الرواية لاحظت أن ثمة تناصا بينها وبين رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " .
كميل قاريء جيد لغسان كنفاني ونتاجه ومتأثر به ، عدا أنه ينتمي إلى الفصيل نفسه - أي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .
وكما نلاحظ فإنه وهو في السجن يسترجع جزءا من حياته وتجاربه ويكتبها متكئا على وعيه السياسي الذي اكتسبه بعد ستة وعشرين عاما ، وهو وعي يقرن التجربة بالقراءات .
إن موضوع هذه الرواية موضوع لم تخل منه الروايات التي كتبها أدباء الأرض المحتلة في العام ١٩٤٨ ، بل وأدباء المنفى ، وإذا كنت أشرت إلى الأخيرين مجسدين في غسان كنفاني فإن رواية راوية بربارة " على شواطيء الترحال " لا تبتعد كثيرا .
سادسا :
أما روايته السادسة فتمحورت حول عالم السجن وتجربته النضالية في انتفاضة الأقصى في العام ٢٠٠٠ التي أدت إلى اعتقاله وسجنه بتسع مؤبدات .
في السجن يقرأ بيت الشاعر أحمد شوقي :
" ولو أن الجهات خلقن سبعا
لكان الموت سابعة الجهات "
فيمس جزءا من صميمه ، إذ أنه ينطوي على فلسفة عميقة ، فيسجل في دفاتره عنوان " الجهة السابعة " على أن يكون مشروعا أدبيا ، إذا ما اكتمل في ذهنه بأبعاده الفلسفة الوجودية .
يرى كميل أن السجن هو المكان الأكثر قسوة ففيه " يحيا الأسير مع الخيال ، ويظل يعيد اجتراره من الماضي الغارب ، مستعيدا في خياله لحظات من العمر ، ويكسو رفاتها لحما ، ويعيد إحياءها ، وفي الوقت ذاته يرسم عالما آتيا يحلم أن يحياه " .
هذه الحالة تدفع السجين إلى رفض واقع السجن ، فييمم روحه شطر جهة أخرى هي ما سماها الجهة السابعة " فأحيا لحظات سعيدة ولو بالخيال " .
هكذا أخذت الرواية تتشكل في ذهنه " وشكل الخيال الحالم لي حجر الزاوية " وانتظر اللحظة ، وعندما زاره المحامي حسن عبادي قص كميل عليه فكرة الرواية فشجعه .
سابعا :
تعويذة الجليلة وهي الرواية السابعة للكاتب وآخر رواياته ، وقد أصدرها بعد إصدار كتابه " الكتابة والسجن " بعام تقريبا ، ولم يكتب عنها حلقة خاصة تأتي على مناخ كتابتها والدافع الرئيس الذي حفزه على الشروع بها .
تختلف هذه الرواية عن الروايات السابقة في أنها تكتب عن فلسطين في مائة عام تقريبا من خلال تتبع حياة عائلة فلسطينية كانت تقيم في أرضها ، ثم هجرت منها في العام ١٩٤٨ ، لتقيم في الضفة الغربية وتشارك في النضال الفلسطيني حتى العام ٢٠٢٠ تقريبا . إنها رواية أجيال ورواية فلسطين عبر الأجيال في أماكن متعددة ، كما لو أن كميل أراد أن يقدم حياة فلسطين في مائة عام على غرار الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) في " مائة عام من العزلة " . ولما كانت المرأة شخصية محورية " الجليلة " وهي التي قاربت المائة عام عمرا ، فإن النموذج النسوي فيها يقارب ما كتبه غسان كنفاني في روايته " أم سعد " ( ١٩٦٩ ) مع اختلاف وهو أن غسان كتب عن أم سعد حتى ١٩٦٩ في حين كتب كميل عن الجليلة حتى بداية القرن ٢١ .
إن هذه الرواية تقترب من روايات الواقعية الاشتراكية . إنها نتاج مبنى ذهني بالدرجة الأولى يكسو الروائي فيه أفكاره وتصوراته الذهنية بأحداث وشخصيات يختلقها لتناسب ما يعتقده من آراء وأفكار وتصورات . إن الروائي هنا يكتب عن عالم متخيل فتكون النتيجة كارثية كما كتب ( جورج لوكاش ) في كتابه " معنى الواقعية المعاصرة " .
عندما كتبت عن هذه الرواية أشرت إلى أخطاء تاريخية وقع فيها الكاتب لأنه كتب عن فترة زمنية لم يكن شاهدا عليها وعن بيئة مكانية لم يعرفها .
ما الذي أريد أن أخلص إليه بخصوص موضوعة الرواية في أدب السجناء ؟
إن أغلب موضوعات الأدب الذي يكتبه السجناء تتمحور حول عالمهم في السجن أو حياتهم قبل دخولهم إليه ، فإن ابتعدت قليلا عن عالمهم هم أو تجاربهم هم قاربت عوالم أصدقائهم أو معارفهم من السجناء ، وحتى إن أرادوا اللجوء إلى الخيال فيكتبوا عن عالم متخيل غالبا ما مس هذا العالم واقعهم كما لاحظنا ، وهو ما لاحظناه فيما كتبه كميل عن روايته الرابعة " وجع بلا قرار " .
ما سبق لا يعني أننا لا نعثر على استثناءات ، فباسم الخندقجي مثلا يلجأ إلى التاريخ ويكتب الرواية التاريخية كما في روايته " مسك الكفاية " . هنا يصبح الكاتب يؤلف روايات وتصبح رواياته خارجة من الكتب بعيدة عن الواقع المعيش ، وفيما أرى فإن هناك فرقا بين رواية تخرج من رحم الكتب وأخرى تخرج من واقع حياة عايشها الكاتب ولامس تفاصيلها . رواية شخوصها من ورق وثانية شخوصها من الحياة . رواية شخوصها يقرأ الكاتب عنها ورواية شخوصها يجلس الكاتب معها ويصغي إليها ويتتبع حركاتها وسكناتها ويرصد تطورها على أرض الواقع .
وتبقى ملاحظة أخيرة وهي تكرار الأفكار في روايات الأدباء السجناء .
أكثر كتابات الأدباء السجناء كتابات لا تخلو من أعمال روائية سابقة أعجبوا بها وتركت تأثيرا عليهم ، فحضرت في نصوصهم حضورا لافتا ، حتى ليلتبس الأمر عليك إن كنت قرأت ما تقرؤه في أعمالهم . إن كتابتهم غالبا ما تكون كتابة على الكتابة ، وهذا ينطبق أكثر على من كتب منهم غير رواية مبتعدا عن تجربته الشخصية ، وهنا أخص كميل أبو حنيش وباسم الخندقجي أكثر من غيرهما . إنك تقرأ في كثير مما كتبا كتابات كتاب آخرين قرأوها ولم يستطيعوا التخلص منها فورد ذكرها في أعمالهم أو وردت أفكارها فيها .
في ٧ أيار و ١١ حزيران ٢٠٢٤ كتب إلياس خوري في القدس العربي مقالين لافتين أولهما عنوانه " خندقجي والرواية الأسيرة " وافتتحه بكتابته " عندما بدأت بقراءة رواية باسم خندقجي " قناع بلون السماء " .... شعرت أنني أعيد قراءة رواية أعرفها . وعندما التقيت بنور ، بطل هذه الرواية ، تأكدت أن سبق لي وقرأته " ، وثانيهما عنوانه " مدينة تكرر نفسها " عن شاعر شعبي لبناني كتب قصيدة في ١٩٣٢ ، وأنهاه بكتابته " المشكلة أن الشاشة التي رسمها عمر الزعني تبقعت بالغباء والتكرار ، وكأن الأشياء تتكرر أو تكرر نفسها . لست أدري !" .
صحيح أن إلياس في مقاله الأول أراد التأكد من أنه قرأ رواية كان قرأها من قبل وفعل وتأكد ، وصحيح أنه أنهى مقاله الثاني بعبارة " لست أدري " ، ولكني أظن أنه يدري وأنه لم يقل الحقيقة كاملة ، فما كتبه باسم في " قناع بلون السماء " يعتمد على كتابات سابقة أورد ذكر قسم منها في روايته ولم يورد قسما آخر . وهو متأثر عموما بالياس خوري حتى لتشعر أنك تقرأ في روايته أفكار إلياس في بعض رواياته ، وهذا أيضا يمس روايات كميل أبو حنيش وقد أتيت على تأثره بكنفاني ويمكن الإفاضة في هذا .
مسودة قابلة لبعض التغيير
السبت والأحد والاثنين :
٧ و ٨ و ٩ / ٩ / ٢٠٢٤
عادل الاسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...