عبدالرحيم التدلاوي - قراءة في ديوان "أتعثر في الغيمة فتبكي" لجمال الموساوي

في ظل تسارع التجارب الشعرية وتعدد الأصوات، يجيء ديوان "أتعثر في الغيمة فتبكي" لجمال الموساوي كصوت خافت وعميق، لا يعلو بقدر ما يتسلل، لا يصرخ بقدر ما يهمس من تخوم التأمل واللايقين، لا ليمنحنا أجوبة، بل ليقذفنا في قلب الأسئلة. قصيدة بعد أخرى، يرسم الشاعر خرائط هشّة لذات مأخوذة بالتوق والارتباك، ذات لا تنتمي تمامًا إلى الأرض، ولا تنفصل عنها كليًا، وإنما تسير فوق حبل رفيع من الغيم، تتعثر، فتسيل دمعة اللغة.



يفتح الديوان نوافذه على قضايا كثيرة ومتداخلة: من سؤال الوجود والعدم، إلى الحنين والحب، إلى لعبة اللغة والشعر، فالذاكرة، والزمن، والوطن المنكسر، والمنفى الداخلي والخارجي. كل هذه التيمات ما هي سوى وجوه متعددة لسؤال واحد: كيف نحيا، وكيف نكتب الحياة التي لا تطاق؟ يظهر الوجود والعدم كثنائية مركزية في هذا العمل، يجرجران الشاعر عبر تأملات طويلة في معنى الحياة والمصير. لا شيء محسوم، لا جهة يقينية تطمئن الوعي، كل ما هنالك نزوع لأن تظل القصيدة يقظة أمام هاوية العدم. الشاعر لا يعارض العدم صراحة، لكنه يراقبه، يتماهى معه أحيانًا، يحاوره كمن يعرف أنه المصير النهائي، لكن يحاول تأجيله بالكلمات. في مواضع كثيرة، تحضر نبرة التوجس، ونلمح قلقًا وجوديًا خافتًا يطفو عبر صور مثل: "ما الحياةُ؟ قال."، أو "العمر يتضاءل ويستسلم للعدم الآسر". وفي المقابل، يبدو الحب وكأنه الردّ الهشّ على فوضى الوجود. لا يأتي الحب هنا بوصفه خلاصًا، وإنما بوصفه تجربة معقّدة، تمزج بين الفرح والحنين والفقد، وربما الوهم. فالمحبّ في هذا الديوان لا يصرّح، لا يحتفل، بل يهمس كأنّ بينه وبين الحبيب جدارًا أزرق. تتكرر مشاهد الصداقة العابرة، والعلاقات التي تشبه خيط المطر، أو الموج، لكنها لا تصمد. كل شيء عابر. كل شيء مؤقت. ومع ذلك، فالحياة تستحق أن تعاش مادام هناك من نشاركه هذا التوق العابر. "هما معًا. ما داما معًا، الحياة تترقرق." اللغة نفسها ليست محايدة في هذا الديوان. إنها طرف أساسي في التجربة، ومختبر دائم للشاعر. اللغة تلهو كما يلهو الطفل بشفة والده، تراقب، تحاور، تعطَّل ويعاد تركيبها، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن اللغة وحدها قادرة على ترويض القلق، أو على الأقل على تشتيته. الكلمات في هذا السياق ليست وسائل لنقل المعنى فقط، بل أدوات للحفر، للعب، للكشف عن احتمالات أخرى للواقع. فحين يقول مثلًا: "الكلمات طريق / النقط عسس."، فإنه لا يقدم جملة شاعرية فحسب، بل يشير إلى مراقبة داخلية للغة، إلى يقظة حادة ضد الانزلاق إلى المألوف. أما الذاكرة، فهي خزان الألم والحنين. لا يستدعى الماضي بحنين رومنسي، بل بحذر ووعي. ثقل التجربة يظهر في صورٍ حسية: "أكتشف أن العمر شاحنة قديمة". لا شيء يمرّ دون أن يترك أثرًا، حتى لو بدت الحياة في ظاهرها عادية. تتراكم التفاصيل الصغيرة، لتكشف في لحظة ما عن صورة أشمل، عن عبء لا يمكن التخلص منه. والشاحنة لا تقف. إنها تمضي، بسرعة، نحو الهاوية. ويظل الوطن والمنفى حاضرين كخلفية مشوشة. لا يتغنى الشاعر بالوطن، لكنه لا ينفصل عنه. هناك حنين، لكن أيضًا هناك ألم، هناك ضجيج الصراعات، وتيه العزل، وفزع الملجأ. "الأوغاد يعبرون الجبهة، والعزل يتقاطرون على الملجأ." الوطن هنا لا يستقر في الجغرافيا فقط، بل في اللغة، في الذكرى، في القلق. إنه وطن داخلي، لا يمكن الهروب منه. أسلوب الموساوي في هذا الديوان يتسم بالرشاقة والوضوح دون أن يفقد عمقه. اللغة حديثة، لكنها لا تهجر الإيقاع الداخلي للقصيدة. الصور مكثفة، نابضة، تنطلق من اليومي لتنفتح على الفلسفي، ومن المألوف لتقترح مفارقات. الانزياح اللغوي ليس مجرد زينة بل هو ضرورة: محاولة لكسر رتابة المعنى، ولمباغتة القارئ بما لا يتوقعه. كذلك تتنوع أشكال القصائد، مما يكشف عن رغبة في التجريب والتجديد، وفي كل مرة يبني الشاعر نصًا يبدو وكأنه كُتب على عجل، لكنه مشغول بعناية.
من بين قصائد الديوان، تبدو "28 – على مهل" واحدة من أكثر القصائد كثافة وتأملًا، وربما من أكثرها تمثيلًا للروح العامة للكتاب. تبدأ القصيدة بتكرار عبارة "رويدا رويدا"، وهي ليست مجرد لازمة إيقاعية، بل بوصلة قرائية، تُبطئ الزمن، وتحث القارئ على التمهّل، على التورط التدريجي في كشف ما يتراكم داخل العمر. الشاعر هنا لا يسرد، بل يلتقط. يلتقط كيف يتأثث العمر بتفاصيل صغيرة: صداقات، حب، ضغائن، أشياء يومية لا تُرى في زحمة العبور. ثم ينتقل إلى مشهد ميتافيزيقي: العمر شاحنة قديمة تمضي إلى الهاوية، محمّلة بأشياء متلاشية، بوجوه واستيهامات. الأشياء تصعد، بينما الوجود كله يتضاءل، وينحني أمام العدم. هذه المفارقة بين صعود التفاصيل اليومية وتلاشي الوجود الكلي، تحمل بُعدًا فلسفيًا دقيقًا، يصوغ بكلمات بسيطة جدلية الذات والعدم. اللغة في القصيدة مباشرة لكنها مكثفة. التشبيهات مألوفة لكنها تُستخدم في سياق غير مألوف: الحب كالموج، الصداقات كخيط المطر، التجارب كمتلاشيات. الصور حسية، مأخوذة من ملموس الحياة اليومية، لكنها تُعيد ترتيب الشعور، وتضعنا في موقع من يكتشف فجأة أن كل ما عاشه لم يكن إلا إشارات عابرة لما هو أعمق. هكذا، يتركنا ديوان "أتعثر في الغيمة فتبكي" أمام مرآة شعرية لا تعكس صورًا جاهزة، بل تفتح باب التأويل على مصراعيه. لا يقدّم الشاعر خلاصات، وإنما يضعنا في قلب التوتّر، حيث اللغة تتجاوز وظيفة الشرح، لتصير وسيلة اختبار واكتشاف. ولعلّ أهم ما يحسب لهذا الديوان هو قدرته على أن يكون مأهولًا بأسئلته، بأصدائه، بتفاصيله الصغيرة التي تتحوّل إلى علامات كبرى، وبصوته المتردد الذي يصغي أكثر مما يتكلم. إنها تجربة شعرية لا تفرض حضورها، بل تغوي القارئ للتورط فيها، والانخراط في لعبة تأويل لا تنتهي... كما لو أن كل قصيدة فيه ليست سوى بداية لحوار داخلي طويل، لا يفترض أن يُغلق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...