خيرُ ما أستشهِد به، في هذه المقالة، هو الآية رقم 59 من سورة النساء. ونصُّها الكامل هو الآتي : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" (النساء، 59).
في هذه الآية الكريمة، الله، سبحانه وتعالى، يوصي المُؤمنين بطاعتِه ثم طاعة الرسول ثم طاعة أهل الأمر من المُؤمنين. لكنه، عزَّ وجلَّ، لم يوضِّحْ، في نفس الآية، مَن هم أولو الأمر، علماً أن الأمور الدنيوية كثيرة وإدراكُها خاضعٌ لخلفيات الناس الفكرية، الاجتماعية والثقافية. كما أنه، عزَّ وجلَّ، إن كانت طاعتُه واجبة على كل مُؤمنٍ، فهل طاعة الرسول (ص) واجبةٌ على المؤمنين لما كان حيّاً أو حتى بعد وفاتِه؟ علما أن الطاعةَ تستوجب وجودَ، في نفس الآن، مُطيعٍ ومُطاعٍ. المُطيع هو الشخص الذي يُطيع والمُطاع هو الشخص الذي يستحقُّ الطاعةَ.
وبما أن كل المؤمنين الذين عاشوا ويعيشون اليوم بعد وفاة الرسول (ص)، لم يُشاهدوا الرسول (ص) ولم يسمعوا أقوالَه ولم يروا أفعالَه، فهل يعقلُ أن يطيعَ المُؤمنون، بالملموس، شخصا مات منذ ما يزيد عن 14 قرنا من الزمان؟
وهنا، لا بد من التَّمييز بين رسالة محمد وشخص محمد، أعني الرسالة التي اختاره، سبحانه وتعالى، وكلَّفه بنشرها بين الناس. أو بعبارة أخرى، لا بدَّ من التَّمييز بين الإيمان برسالة محمد واحترام شخصه كنبي ورسول. وبمعنى آخر، بعد الإيمان برسالة الإسلام التي كلفه الله، سبحانه وتعالى، بنشرِها بين الناس، يجب احترام شخص الرسول (ص) وتقديره، وكذلك، طاعتُه. وبما أن الطاعةَ، كما سبق الذكرُ، تستوجِب وجودَ، في نفس الآن، مطيعٌ ومطاع، فهل تجب طاعة الرسول لما كان حيا أم حتى بعد وفاته؟
انطلاقا من هذه الاعتبارات، المنطق يقول : بما أن المُطاعَ غير موجود، أنا شخصياً، أرى أن طاعةَ الله واجبةٌ على كل مُؤمنٍ. أما طَاعةُ الرسول (ص)، فهي واجبةٌ على المؤمنين الذين عايشوا الرسول (ص) وسمعوا أقواله وشاهدوا أفعالَه.
والدليل على ذلك أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول في نفس الآية رقم 59 من سورة النساء، المشار إليها أعلاه، "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ". بمعنى إذا اختلفتُم في أمر من أمور الدنيا، فعليكم بالاستعانة بالله (أي بالقرآن الكريم) وبالرسول (ص)، عن طريق الوحي وسيرته. والاختلافُ في أمور الدنيا لا يزال قائماً إلى يومنا هذا.
فكيف للمؤمنين الذين لم يُعايشوا الرسول (ص)، ماضيا وحاضراً ولم يسمعوا أقوالَه ولم يُشاهدوا أفعاله، أن يستعينوا به وهو غير موجود (ميِّتٌ)؟ إذن طاعة الرسول (ص) تنطبق فقط على المؤمنين الذين عايشوه وسمعوا أقوالَه وشاهدوا أفعالَه.
أما ما يثير الانتباهَ، في نفس الآية، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، عندما قال "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ"، فقط وحصريا. بمعنى أنه لم يدعُ المؤمنين إلى ردِّ الأمور المُتنازع عليها إلى "وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ".
وعدمُ ردِّ الأمور المُتنازع عليها إلى "وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ"، فيه حِكمةٌ بالِغة الأهمية. لماذا؟ لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، والرسول (ص)، كرسول، لا يخطئان. بينما أُولو الأمر، كبشر، مُعرَّضون للخطأ. بل إنهم يفسِّرون أمورَ الدنيا حسب ما تُمليه عليهم خلفياتُهم الفكرية، الاجتماعية والثقافية.
لكن علماءَ وفقهاءَ الدين اتخذوا من هذا الجزء من الآية ذريعةً، أي طاعة "وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ"، فنصَّبوا أنفسَهم "وُلاةً" على الناس مُدَّعين بأنهم يقومون بمهمة الولاية ب"وِصايةٍٍ من الله". وهذا غير صحيح لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يأمر المؤمنين بالرجوع إلى "وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ" في حالة تنازُع الناس في الأمور الدُّنيوِية.
والحقيقة، كل الحقيقة، هي أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يُبيِّن في هذه الآية الكريمة ما هي الأمور المُتَنازع عليها، علما أن الأمورَ الدنيوية التي من الممكِن أن يختلفَ في شأنِها الناس، كثيرة ومُتنوِّعة. لكن علماءَ وفقهاءَ الدين اختَزَلوها في الأمور الدينية. وكأن الناسَ لا شغلَ لهم، في حياتِهم اليومية، إلا الانشغال بالأمور الدينية. وفضلا عن كل هذه الأشياء، ما تعوَّدنا عليه، هو أن الحكَّامَ، العادلين، المُقسطين والمُنصفين، هم مَن يتولَّى تدبيرَ شؤون الناس باختلاف أنواعها.
بل إن علماءِ وفقهاءَ الدين اتَّخذوا من جزءٍ آخر من آية أخرى ذريعةً أخرى لتأكيد تنصيبهم "وُلاةً" على الناس. وهذا هو نصُّ الجزء من الآية : "...وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ…" (آل عمران، 7). بالنسبة لعلماء وفقهاء الدين، "وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" تنطبق عليهم. لماذا؟
لأنهم يعتقدون أن العلمَ محصورٌ في الأمور الدينية الفِقهية. وهذا غير صحيح لأن القرآنَ الكريم لا يتحدَّث فقط وحصريا عن الأمور الدينية. بل يتحدُّث عن الأرض والسماء والرياح والسحاب والماء والطين والنبات والحَيوان والأنعام والجبال… والعلمُ الحديث هو الذي درس هذه الأشياء وتعرَّف على خاصياتها وأبدع، بواسطة هذه الدراسة، الكثير من الوسائل والأجهزة والآلات…بل إن هذه الأشياء هي مّكوِّنات من مُكوِّنات الأرض والكون. واللهُ، سبحانه وتعالى، يقول في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم بأنه، عزَّ وجلَّ، ب"كل شيءٍ عليمٍ". وكلمة "شيء" تنوب عن جميع مُكوِّنات الكون، مادية ومعنوية.
إذن، حسب ما وَرَدَ في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، العلمُ هو العلمُ الشامل الذي يضمُّ العلم الإلهي الواسع والعلوم الدنيوية التي أنتجها العقلُ البشري، بما فيها العلوم الدينية الفقهية.
وفي الختام، إن ما يدَّعيه علماء وفقهاء الدين بأنهم أوصياء على الناس، أي يرعون شؤونَهم الدينية غيرُ صحيح وباطلٌ. لماذا؟ لأنهم لا يقولون الحقيقةَ التي حاء بها القرآنُ الكريمُ للناس. والحقائق التي جاء بها القرآن الكريم لا تخدم مصالحَهم التي يمكن اختزالها في المكانة التي يُولِيها لهم كثيرٌ من أفراد المجتمعات، وخصوصا منهم الأميون وضعفاء المعرفة، أي ضعفاء الفهم والإدراك.
ومن الحقائق التي يُخفيها علماء وفقهاء الدين عن الناس، هي أن الإيمانَ أمرٌ شخصي تدور أطواره، فقط وحصريا، بين خالقٍ، هو الله، ومخلوقٍ، هو الإنسان. كما أنهم لا يقولون للناس أن اللهَ، سبحانه وتعالى، خلق الإنسان حرا وببَّن له طريق الخير وطريقَ الشر. والإنسان، بنِعمة العقل، يختار أحدَ الطريقين.
في هذه الآية الكريمة، الله، سبحانه وتعالى، يوصي المُؤمنين بطاعتِه ثم طاعة الرسول ثم طاعة أهل الأمر من المُؤمنين. لكنه، عزَّ وجلَّ، لم يوضِّحْ، في نفس الآية، مَن هم أولو الأمر، علماً أن الأمور الدنيوية كثيرة وإدراكُها خاضعٌ لخلفيات الناس الفكرية، الاجتماعية والثقافية. كما أنه، عزَّ وجلَّ، إن كانت طاعتُه واجبة على كل مُؤمنٍ، فهل طاعة الرسول (ص) واجبةٌ على المؤمنين لما كان حيّاً أو حتى بعد وفاتِه؟ علما أن الطاعةَ تستوجب وجودَ، في نفس الآن، مُطيعٍ ومُطاعٍ. المُطيع هو الشخص الذي يُطيع والمُطاع هو الشخص الذي يستحقُّ الطاعةَ.
وبما أن كل المؤمنين الذين عاشوا ويعيشون اليوم بعد وفاة الرسول (ص)، لم يُشاهدوا الرسول (ص) ولم يسمعوا أقوالَه ولم يروا أفعالَه، فهل يعقلُ أن يطيعَ المُؤمنون، بالملموس، شخصا مات منذ ما يزيد عن 14 قرنا من الزمان؟
وهنا، لا بد من التَّمييز بين رسالة محمد وشخص محمد، أعني الرسالة التي اختاره، سبحانه وتعالى، وكلَّفه بنشرها بين الناس. أو بعبارة أخرى، لا بدَّ من التَّمييز بين الإيمان برسالة محمد واحترام شخصه كنبي ورسول. وبمعنى آخر، بعد الإيمان برسالة الإسلام التي كلفه الله، سبحانه وتعالى، بنشرِها بين الناس، يجب احترام شخص الرسول (ص) وتقديره، وكذلك، طاعتُه. وبما أن الطاعةَ، كما سبق الذكرُ، تستوجِب وجودَ، في نفس الآن، مطيعٌ ومطاع، فهل تجب طاعة الرسول لما كان حيا أم حتى بعد وفاته؟
انطلاقا من هذه الاعتبارات، المنطق يقول : بما أن المُطاعَ غير موجود، أنا شخصياً، أرى أن طاعةَ الله واجبةٌ على كل مُؤمنٍ. أما طَاعةُ الرسول (ص)، فهي واجبةٌ على المؤمنين الذين عايشوا الرسول (ص) وسمعوا أقواله وشاهدوا أفعالَه.
والدليل على ذلك أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول في نفس الآية رقم 59 من سورة النساء، المشار إليها أعلاه، "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ". بمعنى إذا اختلفتُم في أمر من أمور الدنيا، فعليكم بالاستعانة بالله (أي بالقرآن الكريم) وبالرسول (ص)، عن طريق الوحي وسيرته. والاختلافُ في أمور الدنيا لا يزال قائماً إلى يومنا هذا.
فكيف للمؤمنين الذين لم يُعايشوا الرسول (ص)، ماضيا وحاضراً ولم يسمعوا أقوالَه ولم يُشاهدوا أفعاله، أن يستعينوا به وهو غير موجود (ميِّتٌ)؟ إذن طاعة الرسول (ص) تنطبق فقط على المؤمنين الذين عايشوه وسمعوا أقوالَه وشاهدوا أفعالَه.
أما ما يثير الانتباهَ، في نفس الآية، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، عندما قال "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ"، فقط وحصريا. بمعنى أنه لم يدعُ المؤمنين إلى ردِّ الأمور المُتنازع عليها إلى "وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ".
وعدمُ ردِّ الأمور المُتنازع عليها إلى "وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ"، فيه حِكمةٌ بالِغة الأهمية. لماذا؟ لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، والرسول (ص)، كرسول، لا يخطئان. بينما أُولو الأمر، كبشر، مُعرَّضون للخطأ. بل إنهم يفسِّرون أمورَ الدنيا حسب ما تُمليه عليهم خلفياتُهم الفكرية، الاجتماعية والثقافية.
لكن علماءَ وفقهاءَ الدين اتخذوا من هذا الجزء من الآية ذريعةً، أي طاعة "وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ"، فنصَّبوا أنفسَهم "وُلاةً" على الناس مُدَّعين بأنهم يقومون بمهمة الولاية ب"وِصايةٍٍ من الله". وهذا غير صحيح لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يأمر المؤمنين بالرجوع إلى "وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ" في حالة تنازُع الناس في الأمور الدُّنيوِية.
والحقيقة، كل الحقيقة، هي أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يُبيِّن في هذه الآية الكريمة ما هي الأمور المُتَنازع عليها، علما أن الأمورَ الدنيوية التي من الممكِن أن يختلفَ في شأنِها الناس، كثيرة ومُتنوِّعة. لكن علماءَ وفقهاءَ الدين اختَزَلوها في الأمور الدينية. وكأن الناسَ لا شغلَ لهم، في حياتِهم اليومية، إلا الانشغال بالأمور الدينية. وفضلا عن كل هذه الأشياء، ما تعوَّدنا عليه، هو أن الحكَّامَ، العادلين، المُقسطين والمُنصفين، هم مَن يتولَّى تدبيرَ شؤون الناس باختلاف أنواعها.
بل إن علماءِ وفقهاءَ الدين اتَّخذوا من جزءٍ آخر من آية أخرى ذريعةً أخرى لتأكيد تنصيبهم "وُلاةً" على الناس. وهذا هو نصُّ الجزء من الآية : "...وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ…" (آل عمران، 7). بالنسبة لعلماء وفقهاء الدين، "وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" تنطبق عليهم. لماذا؟
لأنهم يعتقدون أن العلمَ محصورٌ في الأمور الدينية الفِقهية. وهذا غير صحيح لأن القرآنَ الكريم لا يتحدَّث فقط وحصريا عن الأمور الدينية. بل يتحدُّث عن الأرض والسماء والرياح والسحاب والماء والطين والنبات والحَيوان والأنعام والجبال… والعلمُ الحديث هو الذي درس هذه الأشياء وتعرَّف على خاصياتها وأبدع، بواسطة هذه الدراسة، الكثير من الوسائل والأجهزة والآلات…بل إن هذه الأشياء هي مّكوِّنات من مُكوِّنات الأرض والكون. واللهُ، سبحانه وتعالى، يقول في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم بأنه، عزَّ وجلَّ، ب"كل شيءٍ عليمٍ". وكلمة "شيء" تنوب عن جميع مُكوِّنات الكون، مادية ومعنوية.
إذن، حسب ما وَرَدَ في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، العلمُ هو العلمُ الشامل الذي يضمُّ العلم الإلهي الواسع والعلوم الدنيوية التي أنتجها العقلُ البشري، بما فيها العلوم الدينية الفقهية.
وفي الختام، إن ما يدَّعيه علماء وفقهاء الدين بأنهم أوصياء على الناس، أي يرعون شؤونَهم الدينية غيرُ صحيح وباطلٌ. لماذا؟ لأنهم لا يقولون الحقيقةَ التي حاء بها القرآنُ الكريمُ للناس. والحقائق التي جاء بها القرآن الكريم لا تخدم مصالحَهم التي يمكن اختزالها في المكانة التي يُولِيها لهم كثيرٌ من أفراد المجتمعات، وخصوصا منهم الأميون وضعفاء المعرفة، أي ضعفاء الفهم والإدراك.
ومن الحقائق التي يُخفيها علماء وفقهاء الدين عن الناس، هي أن الإيمانَ أمرٌ شخصي تدور أطواره، فقط وحصريا، بين خالقٍ، هو الله، ومخلوقٍ، هو الإنسان. كما أنهم لا يقولون للناس أن اللهَ، سبحانه وتعالى، خلق الإنسان حرا وببَّن له طريق الخير وطريقَ الشر. والإنسان، بنِعمة العقل، يختار أحدَ الطريقين.