محمد العرجوني - مثالية أفقر رئيس في العالم

افقر رئيس في العالم، خوسيه موخيكا، كان رئيسا مثاليا. بمعنى أنه استطاع أن يجعل من الفكر المثالي، واقعا ملموسا. تجربة عاصرناها، وربما، أو أكيد عاصروها من سبقونا. مما يدل على أنها لم تكن فريدة في التاريخ الإنساني. قد تكون سبقتها تجارب مماثلة. لكن بسبب ندرتها، تنعت بالمثالية، أي ناتجة عن فكر يستحيل أو يصعب تطبيقه على أرض الواقع الذي ينتمي للفكر المادي وهو الذي يطغى على سيرورة التاريخ. هذا الفكر المادي، خلافا لما قدمته لنا الماركسية، على أنه هو المنقذ للطبقات الفقيرة، بدعوى أن الفكر المثالي، والذي وجدناه عند خوسي موخيكا، نوع من التخدير، هو الفكر الرأسمالي نفسه الذي ادى إلى البراجماتية في السياسة والاقتصاد، وهو الذي أدى في نهاية المطاف إلى الجشع الرأسمالي وبطبيعة الحال إلى تفقير المثاليين أمثال هذا الرئيس المثالي. إذن أن تكون مثاليا، ومثلا يهتدى به في التعامل الإنساني، عليك أن تظل فقيرا، بعيدا عن انتهازية الرأسمالية. وهكذا قد نصحح رؤية ماركس ومنهجيته ونقول بأن الفلسفة المثالية، هي التي تكون مرتبطة بالإنسانية الفقيرة، وهي التي كانت تمشي على قدميها، وبأن ماركس هو الذي جعلها تمشي على رأسها. ما يجعلنا نستخلص ان هذا الرئيس لم يكن "رفيقا"، لأنه مثالي انطلق من فكرة الإنسانية فطبقها في حياته الشخصية والسياسية قدر المستطاع ولم يكن ماديا يستهويه الغنى، سواء مشروعا أو غير مشروع.


خوسيه موخيكا



إذن، ان تكون مثاليا، عليك أن تظل فقيرا. وهكذا تحافظ على انسانيتك.
لكن ان تظل فقيرا لا يعطيك القدرة على مساعدة الآخر مهما علا شأنك، أي مهما أصبحت رئيسا لمدة معينة على أرض تتضارب فيها المصالح بعيدا عن الأخلاق الإنسانية. لأنك لست وحدك، ولا يتعلق الأمر بك وحدك. هي ذي إشكالية الوجود. الإشكالية الأنطولوجية.
المثالية المبنية على الخير والحب للجميع، ما هي إلا لحظات ضئيلة، نعبر عنها بالسانكرونية على محور الزمان /التاريخ، لأنها لا تحدث إلا نادرا. هذا المحور الذي تستحوذ عليه سيرورة/صيرورة المصالح الأنانية الدياكرونية المتعاقبة بشكل فضيع وتقتل كل ما هو إنساني.
فليرقد بسلام هذا الرئيس المثالي. وفي انتظار لحظة مثالية أخرى، ما على العالم الفقير والضعيف إلا أن يتأسف بكل تذمر، أمام جشع الرؤساء البراجماتيين الذين ينهبون ويقتلون ويشردون الشعوب من أجل لحظات استرخاء بقصور من رخام أبيض، أو على شواطئ طردوا صياديها...
ا*+*+*+
محمد العرجوني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...