إبراهيم محمود - اعترافات كَلْبُونية

الأحبة الكلاب
إنها لفرصة جميلة حقاً، أن نلتقي هنا. أن أكون أمام هذا الحضور المهيب لكم، وأنا القادم من مكان بعيد، ليس هناك مخلوق يهان ويضرَب ويساء إليه مثل الكلب، ولقد عانيتُ الكثير حتى بلغت هذا المكان حيث أتحدث إليكم، أنا عضوٌ مثلكم في الكلبية. وسعادتي لا توصف حين أراكم وأنتم تصغون إلي ببالغ الاحترام، سعادة لم أعشها أبداً كما أعيشها الآن، وأنتم تجعلونني أشعر بكلبيتي، ولأول مرة. فهنا يولد أحدنا كما يموت كلباً، أو يسعى لأن يولد ويعيش كلباً، ليس كما يريدونه هم، وليس كما هو أحدنا في طباعه، أو كما تكون طبيعته.


لوحة " قناع " للفنان الصيني تسنغ فانزي" 1964-.."

أحمل إليكم أوجاعي وهمومي، وأرجو ألا تقولون عني عني" كلب شرقي " مقابل " كلب غربي " لأن مجرد الفصل هكذا يعني أننا نطبق الطريقة التي يعادون بنا بعضنا بالبعض الآخر، وهي ميزة يشتهرون فيها على مر تاريخهم البائس.
لقد تقدّم بي العمر كثيراً، وليس هناك داع لأن أذكر عمري، فلا بد أنكم تعرفونه، كما هو تقديركم الصائب من النظرة والسماع. إنكم، وكما تجولت في مدينتكم، وفي تلك السوبرماركات الكبرى، وتعرفتُ على أنواع الأطعمة التي تخصكم، وفي الأماكن المخصصة لكم" عيادات ومحلات ألعاب وحمامات وغيرها" ورأيت النظرة المختلفة تماماً إليكم في كل مكان، كنت أتساءل كثيراً: أتراهم يعرفون أنهم كلاب حقاً، في ضوء هذا النوع من المعاملة، مثلما يجري بالعكس هناك، حيث يصعب وربما يستحيل على أي منا، أن يعبّر عن اليسير في كلبيته لمن يستبد له؟!
مفارقات كثيرة، وهي لا تحصى تخصنا نحن معشر الكلاب، حيث عشنا ونعيش الآن، وأنا أقبِل على تسمية اعترافات لي بعد هذا العمر، حيث في كل شعرة يحملها جسمي الهزيل، ووجهي الناحل والمستطيل، ثمة مأساة تتحدث باسمنا وعنا.
إنهم يتصرفون ضد الطبيعة! إن وجود كلب يكون محل اهتمام حالة فريدة،ودون أن يُحرَّر من تهم تطاله، بوصفه كلباً، والتعامل معه بقسوة دون عطف أو رأفة .
نعم، كثيرة هي الكلاب التي يمكن رؤيتها في أمكنة متباعدة. لكنها تكون كلاباً شاردة، وإن رأيتها في المدن، أو في القرى، أو تكون أليفة، فلتكون للسخرة .
لا أذكر الأيدي التي استلمتني وعرضتني للضرب والإيلام. وكم كنت أتساءل: ما العداوة التي تسبب كل هذه القسوة؟ ما جريرتنا نحن الكلاب ليجري ذمنا جهاراً؟
أشك في التاريخ المكتوب باسمهم عنا. هناك كلمة ضائعة، لم يُعثَر عليها لجعْل العلاقة مفهومة واضحة، وإلا فإن وراء هذا الضرب حقد وكراهية وخصومة.
كعادتهم،إنهم يخفون أشياء كثيرة في علاقاتهم ببعضهم بعضاً وبنا وغيرنا. لأن الذي يمارس مثل هذه الأساليب في الجَلْد والعنف والإساءة، يستند إلى سبب لا يُفصَح عنه.
في علاقاتي المختلفة، رأيت العجب العجاب، وأستطيع القول أنه يستحيل وجود من حُمّل بأوصاف مع ذكْر أمثال مستهجنة، مثل الكلب، من رأسه حتى ذيله.
إن أيّاً منا يحتفظ بالود لمن أحسن إليه، ولو بقطعة خبز، لسنوات طوال، بيننا، وكما تعلمون جميعاً، وأنتم هنا، ومن خلال الحرية المتاحة لكم، يمكن لأي منهم، وكبشر، أن يتنكر لكل المعروف الذي قدّم له، ويغدر بصاحبه، ويدخل معه في عداوات. ألا بورك فينا نحن الكلاب. إننا كائنات تستطيع أن تضع ذاكرتها وخبرتها في حاسة الشم لديها، وهي تميّز بين الروائح، وعبرها يسهل الفصل بين كائن وآخر، وما يجب فعله عند التعامل معه سلباً أو إيجاباً، وفي درجات نباحنا أو عوائنا تراتب لكل ذلك. بينما هم حيث يتفاخرون بهذه البدعة الفظيعة التي يُسمّونها" اللغة " فلا أبأس منهم، ولا أكثر منهم غباء، وبُعداً عن جادة الصواب، فهذه اللغة التي يقال عن أنهم أوجدوها لتجعلهم متفاهمين مع بعضهم بعضاً، إذا بها أداة تفريق وتلفيق حقائق، وبث عداوات، وأنهم كلما تكلموا زادوا في عمق الخصومات. فمن الأغنى فينا هنا عملياً؟
إنهم يهينوننا بذكْر" العَظْمة " وكأن أحدنا يمكن التحكم فيه بعظمة. أهكذا كنا ونكون؟ هل يقرأون تاريخهم وكيف كنا مهابة وقيمة؟لقد جعلوا من تقرُّبنا منهم ضعفاً فينا.
إن أقرب مثال وهو دامغ على أن لنا حضوراً في سلسلة القوى الموجودة في الطبيعة، ومكانة معتبَرة، يتمثل في أشقائنا الكلاب البرية. نعم، تعلمون جميعاً، كم هم يعيشون متحدين، وعنيدين، ورهافة إحساس، وقدرة على الحركة والمناورة، وبراعة تثير حسد الضواري، وهم يتدبرون أمورهم، ويحصلون على ما يريدون باستماتة.
أوليس اعتمادهم علينا في أدق أمورهم الجرمية، حالات حربهم وسلمهم، وفي الصيد، ليلاً ونهاراً شهادة تاريخ على تاريخ غير مسجَّل كما يجب، ولو سجّل، لما كنا كما نحن الآن بؤسَ حال!
وهل حقاً أن الواحد فينا يتبع الواحد فيهم، حين يجوع؟ ما دخل الكلب بالعلاقة بينهم؟ إنهم هم من يمارسون تجويعاً لبعضهم بعضاً، ليمرروا كل ما هو عنيف وفظيع؟
منذ متى، يجوّع أي منا البقية، ليتحكم فيه؟ ألسنا نجد، وكما وجدنا في تاريخهم، كيف أن الواحد منهم، يمارس تجويعاً لجماعات بالجملة، لأن هواه يدفعه إلى ذلك؟
ألم يحفظ تاريخهم بأمثلة كثيرة، كثيرة جداً، وقد حوَّل ويحوّل أحدهم في مركز قوة، وفي مواقع وحالات كثيرة، من هم حوله، وفي ميادين مختلفة كذلك، إلى ما بتنا نُعرَف به: كلاباً، عمادها النباح والعواء، البصبصة والهزهزة وبصيغ شتى!
تُرى، ما دخل ذيلنا بالذل الذي يسميهم هم وليس نحن؟إنهم يطأطئون رؤوسهم، ويمطمطون أعناقهم ويمدّون رقابهم، وتكاد جباههم تلامس الأرض خضوعاً وخنوعاً، فقط ليكونوا مقبولين لدى من يتحكم بهم، وبالطريقة التي يريد؟
في الوضعية هذه، لو أن أجسامهم شهدت عليهم، لأظهرت كثيراً أن كثيرين منهم، يحملون أكثر من ذيل واحد، والدخول في عبودية مقيتة، كما تكون مرسومة لهم.
وفي النباح والعواء أكثر من العجب العجاب كذلك، وأنا أتحدث عن تجربتي الطويلة، في مشاهداتي ومعاناتي، وما كنت ألاقيه من ضروب الأسى، لعل أحبة آخرين، لديهم مشاهدات أكثر مما لديّ، وتجربتي أعمق وأوسع من تجربتي، سوى أنني حين أتحدث هنا، فليس لتقديمي شهادتي باعتبارها الوحيدة، وإنما الدالة على محنتنا .
أنتم تعلمون أيها الأحبة الكلاب، أننا في نباحنا وعوائنا، نعبّر عن حالات خاصة بنا ككلاب، في أوضاع مختلفة، حين نكون بمفردنا وحين نكون معاً، والمؤسف، كما رأيت وعانيت، أن هؤلاء الذين رسمونا كما يريدون وليس كما هو الواقع كعادتهم في أمور كثيرة، جعلوا من نباحنا خاصة سبَّة وعلامة تحقير، وهكذا بالنسبة للعواء.نعم، إنها ميزتنا التي تتوقف علينا، وما فيها من شهادة حياة وطبيعة عما نعرَف به عملياً.
وإذا فتشنا في الذي يتفوهون به، ويكتبونه ويعبّرون به عن علاقات تعنيهم، ومن باب الإهانة المباشرة، نجد أن النباح يكون في الصدارة، وهكذا الحال بالنسبة للعواء. لماذا هذا الاستخفاف بالحياة، هذا التصرف غير المسئول، حين يقلل أحدهم من الآخر، أو أكثر، أو يحقّره بأنه" ينبح " أو " يعوي " أي على أنه وضيع أو لا قيمة له أو لهم؟
لا أكثر من تزلفهم وتملقهم لبعضهم بعضاً بالقول والفعل، حين يتوددون لبعضهم بعضاً، وفي مواقع مختلفة، ليحققوا ما يصبون إليه، وعلى أعلى مستوى.
أكثر من ذلك، وأرجو أن تمعنوا النظر في هذا الذي أقوله اعترافاً بما يجري باسمنا من سوء المسلك، وسيء الكلام، أي وقد أبدعوا فنوناً لهم في هذا المجال المتشعب.
إنهم ينافسوننا في هذه الميزة التي تعنيننا نحن الكلاب، وهم ينبحون ويعوون بطرق كثيرة، وسائل مستحدثة في حياتهم، وفي أيامنا هذه، وهم يفلحون في هذان إنما على حساب سمعتنا،وتشويهاً لنا نحن الجنس الحيواني العريق في التاريخ. يقلدوننا بصفاقة. ينبحون ويستنبحون في هذه التي يسمّونها بـ" اللغة " فيما بينهم، ويتبارون أو يتنافسون، لمعرفة من يكون الأفلح فيها في هذا النباح والعواء المستفحلين، إلى درجة أننا نعجز أحياناً كثيرة، عن معرفة ما إذا هؤلاء الذين ينبحون ويعوون، هم كلاب، أي من خاصتنا نحن معشر الكلاب أم لا، والأدوار الكبيرة التي تشير إليهم.
لقد اختلطت علي الأمر كثيراً، وحيثما ذهبت، وهناك أكثر، وأنا أسمع نباحاً وعواء، فأتتبع مصدره، لأنه يعنيني أمره، فأتفاجأ بأن النابح والمعوي ليس أياً منا، بل منهم.
أرأيتم، كم هم منكرون لجميلنا، ومشهّرون فينا، وهم يضللوننا في وضح النهار؟
أنا لا أتحدث عن أننا أبرياء، أو أننا لسنا مسئولين عن أفعال نقوم بها، في التقرب إليهم، لنعيش كغيرنا من كائنات الطبيعة، ولكنها حياتنا ومتطلباتها، أما هم، فيا للجناية الكبيرة، حين يتمثلنا أحدهم أو يتمثلوننا بنسَب مختلفة هنا وهناك، ويبرعون في التمثيل، كما لو أنهم الكلاب في الأصل ونحن الدخلاء..!!
الأحبة الكلاب
لقد تابعت، وبطريقتي، الكثير مما يجري في أوساطنا، في الذي ينسَّب إلينا، وفي الذي أُقحِم في حياتنا، وكأنه حقيقة تتوقف علينا، باعتبارنا الكلاب الضالة، أو الممسوخة.. أنتم تعرفون حق المعرفة، ماذا يعني السحر الأسود كلبياً، ومكانتنا في تلك الحكايات التي تنسجها أوهامهم، جهة العقاب المنزَل في بعضهم بعضاً بتكليبهم.
إنني أقولها ومن واقع التجربة، أن حضارتهم، أن ثقافتهم التي لا يكفّون عن التباهي بها، تجد موقعها بنسبة معلومة، في هز ذيلنا، تارة، وفي حركة رأسنا تارة أخرى، أما عن العواء والنباح، فحدث ولا حرج، كما تشهد حياتهم في غرفهم المغلقة وخارجها، نعم، اشطب على فعل النباح والعواء في الذي يحفظه تاريخهم في ثناياه مباشرة وبصورة غير مباشرة، سوف تظهر فراغات لا تُردَم.
نعم، نحن الكلاب حيث رافقناهم في حياتهم، وعشنا معهم معزّزين لحياتهم، حراساً من نوع خاص جداً ، لهم، ومحفّزين لما يقولون ويفعلون في حيوات كثيرة، نحن من نستحق تنسيب فضائل كثيرة يعتبرون متوقفة عليهم، لكنها في القرب، تتوقف علينا.
إن الجراحات التي يحملها جسمي، وفي صوتي في الداخل، تشكل تاريخاً طويلاً، يعرّي الكثير من تلك التي يعتبرونها قيماً مثلى، وفي أيامنا بالذات.
نعم، أحبتي الكلاب، أرجو ألا تغرّكم حركاتهم واهتماماتهم بكم، وتلك الأجواء التي يوفرونها لكم، بوصفها تقديراً لنا نحن الكلاب، إنما هو اعتراف بالمكانة التي نمثّلها في مجموعنا في أكثر الأمور التي تعنيهم في الصميم وفي عقر دارهم حيث نضفي عليها معنى يفتقدونه في حياتهم. تخيلوا لبعض الوقت عالماً من دون كلاب. كيف يصبح هذا العالم، لا بل كيف يمكنهم أن يناموا ويصحوا، كيف ينظّمون أمورهم؟
أوليست صفة " الكلبية " التي جعلوها في المرتبة العليا لفلسفتهم، وصورة الكلبية التي تُرى في متاحفهم، وأرشيفاتهم ورسومهم وكتاباتهم المختلفة التي تتمحور حولنا، ولها هيبتها منذ القِدَم، دالة على ذلك.
لكم نحن مظلومون، ومهمشون، ومستبدَّ بنا كثيراً، ودون اعتراف، نحن الذين نمثل بروليتاريا الحياة الكلبية الأكثر تبيّناً في الوجود، والمعبّرة عن عسف من يزعمون أنهم يعنون بنا، ويحافظون علينا، وينوّعون في جيناتنا وتهجيننا لأجلهم هم..
نعم، أحبتي الكلاب.. وضعنا مزر ٍ، ولا يقاس بوضعكم أنتم هنا، ولكنها في الواقع العملي وضْع واحد، لا يخفي مفارقات حياتهم ومأساتنا نحن فيها، وأخشى أننا إذا استمرينا على هذا المنوال، وكما هو المرئي هنا وهناك، لا نعود نتعرف على بعضنا بعضاً، بسببهم، حيث يصبح صعباً ومستحيلاً أحياناً، أن يتعرف أحدنا على الآخر، كما في هذه المناسبة النادرة التي جمعتنا، فلا يكون كلباً بكامل المعنى، إنما الدخيل على حياتنا نحن الكلاب، وربما أمتلك الجرأة في القول في ختام اعترافاتي الموجزة، أن يكون بيننا، بينكم، أنتم أنفسكم، من ليسوا منتمين إلينا، وإنما برعوا في عملية التمثيل، وفاقونا قابلية الظهور نباحاً وعواء، وفي حركات تستغرق الحياة، وما يمكن أن يترتب، كما هي عادتهم، على لقاء نادر كهذا، من رد فعل مباغت إزاءنا تالياً.
شكراً لحضوركم هذا، وشكراً لإصغائكم ودمتم كلاباً بالفعل..!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...