يعتقدون أن الدِّينَ مِلكٌ لهم

قد يبدو عنوانُ هذه المقالة غريبا شيئا ما، لكنه، في الحقيقة، ليس غريباً لأنه، فعلا، يوجد في الواقع ناسٌ يتصرَّفون في الأمور الدينية وكأنهم هم مَن يملكها، أو كأنهم يملكون الدينَ، علماً أن هذا الأخيرَ هو من إبداع الله، سبحانه وتعالى. مثلاً، قد نصادف، في حياتنا اليومية، أفرادا من عامة الناس أو من المُتديِّنين السطحيين أو من علماء وفقهاء الدين المتطرِّفين، يقولون لك، استناداً لما يُدركونه من الدين، افعلْ هذا ولا تفعل هذا وإن فعلتَ هذا ولم تفعلْ هذا، فمصيرك، يومَ الحساب، إما الجنة وإما النار. والغريب في الأمر، أنهم يحدِّثونك بصوتٍ عالي وكأنهم مُتيقِّنون من هذا المصير. وإذا طلبتَ منهم أن يُعطوك دليلاً واحدا يُثبت ما يقولون، يعجزون عن ذلك. لماذا؟

لأن أمرَ مصير الناس، يوم الحساب، يدخل في الغيبيات. بمعنى أن هذا المصير لا يعلم ماله إلا الله. وحتى إن بدلتَ جُهداً وفسَّرت لهم أن الحاكمَ، يومَ الحساب، هو الله وحده، لن تستطيعَ إقناعَهم. هذا النوع من البشر، هم مَن يعتقد أن الدِّينَ ملكٌ لهم.

أو بعبارة أخرى، إنهم نصَّبوا ويُنصِّبون أنفسَهم ملاَّكين propriétaires للدين، أي نصَّبوا أنفسَهم أوصِياء على الناس في الأمور الدينية. فمَن هم الناس الذين نصَّبوا ويُنصِّبون أنفسَهم ملاَّكين للدين؟

إنهم المُتديِّنون السطحيون من عامة الناس، أي المُتديِّنون بالتَّقليد أو بالتوارث وعلماء وفقهاء الدين، بصفة عامة، والمُتطرِّفون منهم، بصفة خاصة. فإذا كانوا فعلياً هم المالِكون للدين، فمن منطقنا الدنيوي أن نُطالبَهم بالإدلاء بوثيقة تُبيِّن أن اللهَ، سبحانه وتعالى، منحَهم، بأمرٍ منه، مِلكيةَ الدين. فما عليهم إلا أن يُشهِِرونها لنا لكي نتأكَّدَ من مِلكيتِهم لهذا الدين. حبنها، سيرتاحون ويُريحوا جميعَ الناس، المسلمين وغير المسلمين. بل سنعترف لهم بهذه الملكِية وسنكُفُّ عن انتقادِهم. لماذا؟ لأنهم، بإشهارِهم لهذه الوثيقة، سنثِق بهم ونعتبرهم ناطقين رسميين باسم الله. بل سنعتبر أن كلَّ تصرُّفاتِهم في الأمور الدينية ناتِجة عن وصايةٍ من الله، عزَّ وجلَّ.

والحقيقة، كل الحقيقة، هو أنه لن يستطيع أيُّ متديِّنٍ سطحي أو عالِمٍ أو فقيهٍ أن يُدليَ بوثيقة تتبِث ملكِيتَه للدين. وذلك لعِدة أسباب، أذكرُ من بينها، ما يلي :

1.اللهُ، سبحانه وتعالى، في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، يخاطب الناسَ، مباشرةً، وبالتالي، لا يحتاج إلى وسطاء لينشرَ كلمتَه، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة، 21). وإذا أراد، عزَّ وجلَّ، أن يُخاطبَ الناسَ بواسطةٍ بشرية، فإنه يختار من بين البشر أخيرَهم ويعلِّمهم الحِكمةَ وبُعدَ النظر ليكونوا ناطقِين رسميين باسمه، إما كأنبياء أو كرُسل، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى: "يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (الأعراف، 35). أو مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا" (النساء، 163).

2.مِلكية الدين (الإسلام هو الدين الوحيد المنصوص عليه في القرآن الكريم) لله وحده، لأنه هو الذي أبدعَه أو خلقَه وأراده للناس جميعا، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ" (آل عمران، 83).

3.الله يملك الكونَ كلَّه وكل ما فيه من مُكوِّنات مادية ومعنوية، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (المائدة، 120). "وَمَا فِيهِنَّ" تعني أن كلَّ الأشياء الموجودة في الكون (السماوات والأرض)، أو الموجودة على سطح الأرض، تدخل في ملكية الله. والدين، ما دام واحدٌ من الأشياء التي خلقها، سبحانه وتعالى، لهداية الناس، فهو مخلوقٌ من الله، وبالتالي، يدخل في مِلكيتِه.

4.اللهُ، سبحانه وتعالى، هو هادي العباد إلى الطريق المستقيم، أي يهدِي مَن امتطى هذا الطريق وآمن به عن سابق معرفةٍ وعلمٍ. ويُضِلُّ مَن اتَّبع طريقا غير مستقيمٍ عن سابق معرفةٍ وعلمٍ، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (،إبراهيم، 4). غير أن التاسَ الذين يظنون أن الدين مِلكٌ لهم، يعتقدون أن وعظَهم وإرشادَهم للناس، هو مصدر هدايتِهم. بينما الهِدايةُ هي أمرٌ شخصي له علاقة بإرادة الأشخاص واقتناعهم، عن سابق معرفة، بما هو خيرٌ وما هو شرٌّ.

5.إذا كان الدين يشكِّل نوعا من الترابط بين الناس داخلَ المجتمعات، أي يزرع بينهم المحبة ويُسهِّل تساكُنَهم وتعايُشَهم في نفس المجتمعات، فعبادةُ الله، سبحانه وتعالى، فردية. بمعنى أن هذه العبادة تدور أطوارها بين خالقٍ، هو الله، ومخلوقٍ، هو الإنسان. لكن علماءَ وفقهاءَ الدين، وخصوصا، منهم المُتطرِّفون، يُبيِّنون للناس، دائما أن الدينَ أمرٌ جماعي وإلزامي، أي أن كلَّ أفراد المجتمع، إن كانوا على دينٍ آخر غير الإسلام، فهم كفار. ولا داعيَ للقول بإنهم يعتمدون، في تفكيرهم هذا، على الآية رقم 85 من سورة آل عِمران التي نصُّها : "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85). ويتجاهلون الآية التي جاءت من بعدها، رقم 86 من نفس السورة والتي نصها هو : "كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" علماً أن هذه الآية تُبيِّن، بوضوح (كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ)، أن الذي/الذين "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا"، هو/هم في الأصل مسلمٌ/مسلمون أرادوا أن يرتدوا عن الإسلام.

6.المُتديِّنون السطحيون قد يُلتمَس لهم بعضٌ من العدر لأنهم، أولا وقبل كل شيء، متديِّنون بالتَّقليد أو بالتوارث، أي أن تديُّنَهم مبني على سماعِ القيل والقال وعلى ما ورثوه من آبائهم وأمَّهاتِهم، بل وعلى ما تيسَّرَ لهم من الإدراك. أما علماء وفقهاء الدين، فلا عذرَ لهم. لماذا؟ لأنهم يدَّعون أنهم مُتخصِّصون في الأمور الدينية، وبالتالي، لا أحد يفهم الدينَ ويُدرك معانيه أكثر منهم. لكنَّهم، رغم تخصُّصِهم هذا، لا يقولون الحقيقةَ للناس. ولهذا، نراهم يُخفُون كثيراً من الحقائق ولا يبلِّغونها للناس. لماذا؟ لأن هذه الحقائق لا تخدم مصلحَتَهم. ومصلحتُهم الأساسية هي السيطرة على عقول الناس بجعلِهم الدِّينَ فزَّاعةً يُرهِبون ويُخوِّفون بها الناسَ. بل إنهم يُخفُون الحقائقَ التي جاء بها القرآن الكريم، من قبيل "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…" (البقرة، 256) و"وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ…" (الكهف، 29) و"إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" (الزمر، 41)...

وفي الختام، إن التمسنا للمتدينين السطحيين بعضاً من العذر، فإن هذ العذرَ لا يستحقه علماءَ وفقهاءَ الدين المتطرِّفون، بحُُكم أدِّعادهم بأنهم متخصِّصون في الأمور الدينية، وبالتالي، ففَهمُهم لهذا الدين لاغُبارَ عليه. وفي هذا الصدد، بحثتُ في القرآن الكريم عن آيةٍ أو أكثر تتحدَّث، بصريح العبارة، عن مِلكية الدين من طرف علماء وفقهاء الدين، فوجدتُ آياتٍ كثيرةً تُبيّن أن الدين لله، أي يملكه اللهُ، سبحانه وتعالى. بل سخَّر هذا الدين لإسعادِ الناس. كما وجدتُ أن الدينَ الذي أراده اللهُ، عزَّ وجلَّ، لعباده، فيه يُسرٌ ولطفٌ ورأفة ورحمة وتسامح. بينما اعتقادهم بأن الدينَ مِلكٌ لهم، هو الذي قادهم إلى صُنعِ دينٍ مُطابقٍ لأهوائهم، حيث نفثُوا فيه ظلماً وعدواناً وعنفاً وقتلاً وترهيباً وتخويفاً وترويعاً… دينٌ مُخالِف لذلك الذي جاء به القرآن الكريم. دينٌ ليس إلا واجهة يركبونها، فيها جُرعة كبيرةٌ من النفاق والكذب والبُهتان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...