سعد الشديدي - موفق محمد أولاً وأخيراً

لم أحظَ بفرصة الانتماء الى المدرسة الشعرية العراقية إذ غادرت الوطن وأنا في العشرين وكانت تجربتي كإنسان وكاتبٍ للشعر لم تزل في بداياتها الأولى. لهذا أرى نفسي مستقلاً عنها دون أن أكون غريبًا عليها أو دخيلاً فيها. كان هذا الشعور يجعلني أنظر دائمًا إلى شعراء العراق الذين لم أتابعهم خلال حقبتي الثمانينات والتسعينات بمزيج من الاعجاب والفضول والحذر.

بعد عام 2003 فُتحت أبواب الثقافة العراقية التي كنا نسمّيها "ثقافة الداخل" من أوسع أبوابها، ولم أتردد في التعرف على أعمال روائيين مبدعين وشعراء من أجيال ومدارس مختلفة. ورغم كثرة الأسماء التي تفتخر بها هذه الثقافة، شعرت على مدار أكثر من عشرين عامًا أن هناك قلة قليلة وجدت معها صداقة أدبية لا رجعة فيها، وكان الراحل موفق محمد من بين أكثرهم أهمية.

بدايةً لم أوفّق في قراءة نصٍّ كاملٍ له، فقد كان لصوته الشعري بحّة مشبعة بحزن عراقي موغل يعيدني إلى قصائد العزاء الحسيني وإلى مواسم الحزن الكربلائية التي تترك أثرًا لا يندمل. كان موفق محمد يعايش الوضع العراقي بكل مآسيه: خيبات وهزائم وسجون ومقابر جماعية.. دماء ومصائب متلاحقة، بينما كنت أنا، في الطرف الآخر، أعيش الأمل والفرح بسقوط الطاغية وانتهاء الحقبة التي حرمتني وملايين العراقيين من أجمل سنوات العمر.

لكن الأمل بدأ يخبو تدريجيًا وحلت مكانه مرارة ويأس تحوّلا بعد 2011 إلى غضب وتحدٍّ. وهنا بدأت بالتماهي مع عالم موفق محمد الذي مثّل هذه المشاعر جميعًا وصبّ عليها زيت التمرّد والرفض، ولكن في إطار رزين ينأى تماماً عن الاستعراضية التي يجهد الأخرون للوصول اليها باعتبارها مدخلاً سهلاً لمصادرة حرية القارئ.

تابعت نتاجه الشعري واقتنيت دواوينه وقررت أن أقترب أكثر من هذا المبدع الكبير. لكن الحقيقة أنني لم ألتقه يومًا، رغم أن نصوصه اقتحمت عالمي الصغير مرارًا، مُعلنةً عن شاعرٍ يجب أن يكون صديقًا ولو من بعيد.

أكثر ما قربنّي من نتاجه الشعري تلقائية غير عادية في اختيار مواضيع قصائده وحرصاً على أن يكون إنساناً بدون أيما خلفيات أيديولوجية لأنه كان يتحدث عن أفرادٍ عاديين تماماً لا ينتمون الى أيديولوجيات أو اتجاهات سياسية أو فكرية. كان موفق محمد هو موفق محمد لا غير حتى حين يتحدث عن وطنه ومدينته وأحلامه وانكساراته كعراقيّ. هو عاشق لبلده وشعبه وثقافته كانسان وأحياناً تعلو انسانيته لتصلّ الى مرحلة تلامس أفق النبوّة. لطالما اعتقدت أن الشاعر نبيّ، لكنني تراجعت لاحقًا لأقول إن الشاعر "نبي إلا ربع". غير أن موفق محمد كان أقرب ما يكون إلى النبوّة وظل مخلصًا لمعراجه الإنساني.

قصائده تبدو كأنها تكمّل بعضها وفي كثير من الأحيان تخلق ظلالًا من الغموض على بعضها البعض قبل أن تتضح رؤيتها في النهاية مؤكدةً موهبة وحرفية متميزة في صناعة النص الشعري. فالشعر ليس موهبة فقط، بل هو أيضًا حرفة يجب اتقانها وموفق محمد كان أحد أساتذتها الكبار.

رحيل الكبير موفق محمد خسارة لا يمكن تعويضها، غير أن إرثه الشعري سيبقى عزاءً لنا. مع ذلك أشعر بأسفٍ كبير لأنني لن أبحث بعد اليوم عن آخر كتاباته المنشورة لأن نصّه الأخير، برحيله، يستحق أن يكون افتتاحية لكل ديوان من دواوينه سيُعاد طبعه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...