الدكتور ابراهيم عروش دريسي - اللص والوباء

"التوفيس" ، "بوكليب أو الريح الأصفر" ، "الجدام" و "الطاعون الأسود" هي نماذج لأوبئة عرفها المغرب من فرط هولها وخطورتها والأثار الصحية و الاجتماعية التي تبعتها ، مخلفة الألاف من الموتى .
وقد عرف المغرب إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أشرس الكوارث الصحية زيادة عن المجاعات ، حتى باع المغاربة أبناءهم واكلوا القطط والكلاب ( تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب لمحمد أمين البزاز ) ، واحترف الكثير منهم السطو وقطع الطرقات والبغاء لإخماد الجوع ، ومنهم من قصد الأولياء والزوايا راجين بركة ما . واتجه ضعافهم الى نبتتي " يرني والكرنينة" ، وكانت دكالة في هذه الحقبة مقصدا للعديد من الرحل ، لخصبة أراضيها و وفرة مياهها ، فأصبح الدكاليون بين أمرين : غزاة الداخل من الجياع واللصوص برا و غزاة الخارج بحرا ( البرتغاليون) ، وانتعشت مهن أخرى ك " الزطاطة" ، والزطاط هو من يدفع له من المال والمتاع من أجل تأمين مرور الأفراد والقوافل درءا لخطر قطاع الطرق ، ولعل أشهرهم العيادي الذي تحول من زطاط لقبائل الرحامنة الى واحد من أكبر قواد المغرب .
فهذه السلوكيات و اللصوصية الظرفية تغيرت معالمها وعناصرها عند جائحة كورونا قبل بضع سنوات ، فقد قل معدل الجريمة بشكل كبير كالضرب والجرح و السرقة عبر التهديد أو النشل والدعارة والسكر ، كما انخفض عدد قتلى حرب الطرقات والهجرة السرية بفضل الحجر الصحي ، إلا أنه في المقابل ظهرت جرائم أخرى أكثر بطشا أبطالها أصحاب العيش الرغيد من مسؤولين و أرباب شركات و رؤساء الجماعات وتجار ، حيث تم بيع مستحضرات التنظيف والكمامات مجهولة المصدر واحتكار السلع لإستغلال الكارثة وبيعها بأسعار مرتفعة ، و تخصيص ميزانيات خيالية من أموال دافعي الضرائب لإقتناء مستلزمات التنظيف والتعقيم بدعوى حماية المواطنين من كورونا .
فبين الماضي والحاضر تغيرت الأوبئة وتغير معها أيضا اللصوص ، فالعلم غير من مناهجه وأبحاثه للتصدي للأمراض ، فيما غير اللصوص أساليبهم وطرقهم لسرقة قوت المواطنين ، فالوباء واللصوص وجهان لعملة واحدة ، ولذا وجب تغيير قوانيننا وأساليبنا لمحاربتهم.
يقول الناصري في كتابه " الإستقصاء" ( تعددت فيها المصائب والكروب وتكونت منها النوائب والخصوم لا أعادها الله عليهم ، فكان فيها غلاء الأسعار تم عقب ذلك انحباس المطر وهلكت منه الدواب والأنعام ) .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...