المستشار بهاء المري - خيوط الظلام...

كانت أمامي حكاية ضياع مُكتملة، بدأَت بنقرة شاشة واهنة ‏الضَوء، وانتهت بجدران زنزانة باردة، وفي المنتصف أرواحُ تاهت في ‏عَتمة الفكر، ومجتمع كاد أن يُطعنَ في قلبه بخِنجر أبنائه.

قرأتُ خططهم لا كقاضٍ، بل كابن لهذا الوطن، يرى أبناءه ‏يَقتادون أنفسهم إلى حَتفهم، ويسيرون بثقة العميان نحو الحريق، فوق ‏أكتافهم وهم اسمه "الخَلاص". ‏
نظرتُ القضية والقانون أمامي صارم كالسيف، لكن شيئا ‏داخلي كان يرتجف، كأن قلبي، هو الذي سيُصدر الحكم. نعم... فلا ‏أحد يسمع أنين القاضي. الجميع ينظر إلى ما يَنطقه، ما يكتُبه، ولا أحد ‏يُنصِت لما يُمزقه. ‏
ثلاثة وجوه.... لا، بل ثلاث حكايات أجهضت قبل أن تولد. ‏كلهم في القفص، بملامح شاحبة، وأعين زائغة، فتية ضلوا الطريق قبل ‏أن يجدوا من يمسك بهم، قبل أن يسقطوا بين براثن الفكر الإرهابي ‏الخبيث استقطابا وتجنيدا عَبر الشاشات الزرقاء. ‏
منذ بدء الجلسة، وأنا أتساءل: هل الحكم الذي سأُصدره بحبر ‏القانون، سيكفي لسد ثغرات الوجع؟ هل العقاب وحده كافٍ، إذا كان ‏الجُرح في الأصل في صَدر الوطن؟
إسماعيل… ما رأيته قائدا للخلية، بل صبيًا فتح له شيطانٌ ‏بلحية باب الجحيم. وعمار… أي وطن أخلف وعده لك، فصدَّقت أن ‏المتفجرات يمكن أن تبنيَ الشرف؟ أما السيد… كان يحارب أشباح ‏خيبته أكثر مما يحارب وطنه. كان سيتبخر إذا لبس عباءة الجهاد. ‏
أنا لا أبرّئهم..‏‎.‎‏ لكنَّ الحكم، وإن كان عادلاً، يتركني مجروحًا‎.‎‏ ‏هل عدالتي كافية؟ هل أدت دورها؟ ‏
كم تمنيتُ، في لحظةٍ مجنونة، أن أخرج من القاعة، وأجلس ‏معهم هناك... حيث بدأت بذرة الفكرة، أن أقول لإسماعيل: "اختر ‏وطنك لا وهمك‎"‎، وأن أهمس لعمار: "السلاح لا يصنع المعنى‎"‎، وأن ‏أضع يدي على كتف السيد وأقول له: "الإيمان لا يَسكن البنادق‎".‎‏ ‏لكنني لم أفعل‎.‎‏ لأنني قاض‎.‎‏ لست مُصلحا، أنا من يُصدر الحكم... لا ‏من يُداوي الجرح‎.‎‏ مُقيدٌ بنصٍ لا يحتمل الشِعر، وبكرسيٍّ لا يسمح لي ‏أن أكون إنسانًا... حين يحين وقت القصاص‎.‎
خرج الحكم صارمًا كما يجب‎.‎‏ لكن في داخلي... صدى لا ‏يَسكت‎:‎‏ "أين كنا حين بدأ سقوطهم؟ وهل ما زال فينا مُتسع لإنقاذ من ‏تَبقَّى؟‎"‎
نطقتُ بالحكم نعم‎.‎‏ وكان صوتي واثقًا، وضميري مقتنع ‏بالإدانة، ورعب خيانة الوطن يُرهبني، ولكن لا أحد يعلم أن القاضي لا ‏ينام بعد الجلسة‎...‎‏ بل يجلس وحيدًا مع ضميره، يكتب أحكامًا ‏موازية... لا تُطبع، ولا تُقرأ، ولا تُنفّذ‎...‎‏ لكنها تُنزف‎

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...