تمهيد
في ردهات التاريخ العربي، لطالما وُجهت البوصلة نحو فكرة "الوحدة" أو "الجامعة العربية"، كحلم عابر للأقطار والحدود. غير أن السنوات الأخيرة شهدت انزياحًا تدريجيًا نحو ما يُعرف بـ"الانكفاء القُطري"، أي تركيز كل دولة عربية على شؤونها الداخلية ومصالحها القُطرية (الوطنية)، في عزلة أو فتور ظاهرين عن الهمّ القومي أو العربي المشترك. فهل يمثل هذا التوجّه خيانة للمشروع العربي الكبير؟ أم هو إعادة تموضع ذكية تقتضيها تحولات العصر ومصالح الشعوب؟
أولًا: مفهوم "الانكفاء القُطري" وتاريخه
مصطلح "الانكفاء القُطري" يعود في جذوره إلى أدبيات السياسة الواقعية، حيث تشير إلى توجه الدولة نحو الانغلاق النسبي، والتركيز على أولوياتها المحلية، على حساب الانخراط في القضايا الإقليمية أو العالمية. في السياق العربي، يمكن القول إن بوادر هذا الانكفاء بدأت مع السياسة البورقيبية في تونس و بعد فشل مشاريع الوحدة الكبرى: كالوحدة المصرية السورية (1958–1961)، والاتحاد المغاربي، ومجلس التعاون الخليجي، وغير ذلك من المبادرات القومية التي وئدت في مهدها.
وقد تعزز هذا التوجه بعد الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، إذ غُرِس الشك بين الدول العربية، وتبددت الثقة في النوايا الجماعية. و جاء "الربيع العربي" لاحقًا (2010–2011) ليؤسس لحظة انفجار داخلية، دفعت العديد من الدول نحو إعادة ترتيب أولوياتها بعيدًا عن الخطابات العابرة للحدود.
ثانيًا: الأسباب العميقة للانكفاء القُطري
تآكل الشرعية القومية: فشلت المشاريع القومية في تحقيق وعودها، لا تنمية اقتصادية، ولا استقلال حقيقي، ولا كرامة سياسية، مما دفع الشعوب والنخب السياسية لإعادة التفكير بالجدوى.
تصاعد الأزمات الداخلية: من الحرب في سوريا، إلى الانهيار في لبنان، والانقسام في اليمن، والنزاعات في ليبيا، الى العدوان على غزة ، فتشهدت الدول العربية أزمات داخلية طاحنة جعلت من "الانكفاء" ضرورة أكثر منه خيارًا.
تبدّل التحالفات الدولية والإقليمية: القوى الكبرى، كأمريكا وروسيا والصين، باتت تتعامل مع الدول العربية ككيانات منفصلة، وليست كجزء من منظومة عربية واحدة، مما دفع تلك الدول لتأكيد فرديتها.
صعود الشعبويات الوطنية: مثلما نشهد صعود القومية في الغرب (ترامبية ، بريكست، اليمين الأوروبي)، هناك نزعة مشابهة في بعض الأقطار العربية تعزز من التركيز على الهوية الوطنية القُطرية.
فشل الجامعة العربية: كمؤسسة، فقدت الجامعة الكثير من وزنها السياسي والتنفيذي، و جعل التنسيق العربي الجماعي هشًا وشكليًا في معظم الأحيان.
ثالثًا: مظاهر هذا الانكفاء في الواقع العربي
السياسات الاقتصادية المنفردة: كخطط "رؤية 2030" في السعودية، أو "استراتيجية التنمية المستدامة" في مصر، التي تركز بشكل شبه كامل على الداخل.
الحياد السياسي أو الاصطفاف خارج الإطار العربي: مثل اتفاقات "أبراهام" التي وقعتها بعض الدول الخليجية مع إسرائيل، دون تنسيق جماعي.
الاهتمام المكثف بالهوية الوطنية على حساب القومية العربية: ويُلحظ ذلك في الخطاب الإعلامي، والمناهج الدراسية، وسياسات الهوية.
تقويض السياسات التبادلية الجماعية: مثل انسحاب بعض الدول من مجالس التعاون أو تقليص دورها فيها، والتركيز على اتفاقيات ثنائية بدل التكتلات.
رابعًا: هل يمثل هذا تخليًا عن الأمة العربية؟
هنا ينقسم المفكرون بين فريقين:
الفريق الأول (الرافض): يرى في هذا التوجه "ردة" عن مشروع النهضة، وتخلٍ عن الهمّ القومي ، و يحاجج بأن ما يجمع العرب من لغة، دين، تاريخ مشترك، ومصير واحد، يوجب العمل الجماعي لا الانكفاء. كما أن المخاطر التي تواجه الأمة، من الاحتلال إلى التبعية، لا يمكن مواجهتها فرديًا.
الفريق الثاني (المؤيد): لا يعتبر أن الانكفاء خيانة، بل إعادة تموضع ضرورية، بعد عقود من الفشل القومي. يدعو هذا التيار إلى بناء "الدولة الوطنية القوية"، لأن أي وحدة بلا دول مستقرة ستكون كمن يبني على الرمل. بعضهم يستشهد بنجاح دول شرق آسيا، التي انطلقت من الداخل قبل أن تنفتح على الخارج.
خامسًا: هل يمكن أن يُفضي الانكفاء إلى استراتيجية دفاعية عربية جديدة؟
قد يبدو الجواب في ظاهره متناقضًا، لكن الانكفاء لا يعني الانعزال التام. بل يمكن، في حال حسن التخطيط، أن يكون انكفاءً مؤقتًا، يؤسس لاستقلالية القرار، وتمتين الجبهة الداخلية، وبناء نموذج تنموي ناجح، يمكن لاحقًا تصديره إلى الجوار، ليُعاد تشكيل "قومية وظيفية" جديدة، لا تقوم على الشعارات بل على المصالح والتكامل.
أمثلة على ذلك:
السعودية : نجحت في بناء نموذج اقتصادي وطني مستقل، ما مكنها من لعب دور إقليمي فاعل، حتى وإن بدا في بعض الأحيان منفصلًا عن الإجماع العربي.
قطر: عبر سياسة خارجية ذكية، وتموضع استراتيجي، استطاعت أن تُظهر كيف يمكن لدولة صغيرة أن تحقق مصالحها دون أن تُنكر هويتها العربية.
تجربة المغرب: باعتماده على سياسة "التعددية الذكية"، واحتفاظه بهوية وطنية واضحة، وانخراطه في محيطه الإفريقي والعربي، نجح في تموضع متوازن.
خاتمة:
باعتبار ان السياسة هي فن المخاطرة بالمواقف ، بأقل الأضرار ، لذا يمكن للانكفاء القُطري أن يكون انكماشًا قاتلًا، كما يمكن أن يكون استعدادًا لانطلاقة أوسع. وحده الوعي بالتاريخ، والتخطيط للمستقبل، ما سيحدد إن كنا أمام خيانة جديدة، أم فجرٍ قومي ينهض من بين أنقاض الشعارات.
المراجع والمصادر
- عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.
- محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية، 1994.
- فهمي هويدي، مقالة: من القومية إلى القُطرية، جريدة الشروق، 2017.
- رضوان السيد، العرب والسياسة: أين الخلل؟، دار المدار الإسلامي، 2015.
- جورج قرم، الشرق الأوسط أمام التحولات العالمية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006.
- عبد الإله بلقزيز، نقد الفكر القومي العربي، بيروت، 2003.
- تقارير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حول التحولات الإقليمية بعد الربيع العربي.
مجيدة محمدي / تونس
في ردهات التاريخ العربي، لطالما وُجهت البوصلة نحو فكرة "الوحدة" أو "الجامعة العربية"، كحلم عابر للأقطار والحدود. غير أن السنوات الأخيرة شهدت انزياحًا تدريجيًا نحو ما يُعرف بـ"الانكفاء القُطري"، أي تركيز كل دولة عربية على شؤونها الداخلية ومصالحها القُطرية (الوطنية)، في عزلة أو فتور ظاهرين عن الهمّ القومي أو العربي المشترك. فهل يمثل هذا التوجّه خيانة للمشروع العربي الكبير؟ أم هو إعادة تموضع ذكية تقتضيها تحولات العصر ومصالح الشعوب؟
أولًا: مفهوم "الانكفاء القُطري" وتاريخه
مصطلح "الانكفاء القُطري" يعود في جذوره إلى أدبيات السياسة الواقعية، حيث تشير إلى توجه الدولة نحو الانغلاق النسبي، والتركيز على أولوياتها المحلية، على حساب الانخراط في القضايا الإقليمية أو العالمية. في السياق العربي، يمكن القول إن بوادر هذا الانكفاء بدأت مع السياسة البورقيبية في تونس و بعد فشل مشاريع الوحدة الكبرى: كالوحدة المصرية السورية (1958–1961)، والاتحاد المغاربي، ومجلس التعاون الخليجي، وغير ذلك من المبادرات القومية التي وئدت في مهدها.
وقد تعزز هذا التوجه بعد الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، إذ غُرِس الشك بين الدول العربية، وتبددت الثقة في النوايا الجماعية. و جاء "الربيع العربي" لاحقًا (2010–2011) ليؤسس لحظة انفجار داخلية، دفعت العديد من الدول نحو إعادة ترتيب أولوياتها بعيدًا عن الخطابات العابرة للحدود.
ثانيًا: الأسباب العميقة للانكفاء القُطري
تآكل الشرعية القومية: فشلت المشاريع القومية في تحقيق وعودها، لا تنمية اقتصادية، ولا استقلال حقيقي، ولا كرامة سياسية، مما دفع الشعوب والنخب السياسية لإعادة التفكير بالجدوى.
تصاعد الأزمات الداخلية: من الحرب في سوريا، إلى الانهيار في لبنان، والانقسام في اليمن، والنزاعات في ليبيا، الى العدوان على غزة ، فتشهدت الدول العربية أزمات داخلية طاحنة جعلت من "الانكفاء" ضرورة أكثر منه خيارًا.
تبدّل التحالفات الدولية والإقليمية: القوى الكبرى، كأمريكا وروسيا والصين، باتت تتعامل مع الدول العربية ككيانات منفصلة، وليست كجزء من منظومة عربية واحدة، مما دفع تلك الدول لتأكيد فرديتها.
صعود الشعبويات الوطنية: مثلما نشهد صعود القومية في الغرب (ترامبية ، بريكست، اليمين الأوروبي)، هناك نزعة مشابهة في بعض الأقطار العربية تعزز من التركيز على الهوية الوطنية القُطرية.
فشل الجامعة العربية: كمؤسسة، فقدت الجامعة الكثير من وزنها السياسي والتنفيذي، و جعل التنسيق العربي الجماعي هشًا وشكليًا في معظم الأحيان.
ثالثًا: مظاهر هذا الانكفاء في الواقع العربي
السياسات الاقتصادية المنفردة: كخطط "رؤية 2030" في السعودية، أو "استراتيجية التنمية المستدامة" في مصر، التي تركز بشكل شبه كامل على الداخل.
الحياد السياسي أو الاصطفاف خارج الإطار العربي: مثل اتفاقات "أبراهام" التي وقعتها بعض الدول الخليجية مع إسرائيل، دون تنسيق جماعي.
الاهتمام المكثف بالهوية الوطنية على حساب القومية العربية: ويُلحظ ذلك في الخطاب الإعلامي، والمناهج الدراسية، وسياسات الهوية.
تقويض السياسات التبادلية الجماعية: مثل انسحاب بعض الدول من مجالس التعاون أو تقليص دورها فيها، والتركيز على اتفاقيات ثنائية بدل التكتلات.
رابعًا: هل يمثل هذا تخليًا عن الأمة العربية؟
هنا ينقسم المفكرون بين فريقين:
الفريق الأول (الرافض): يرى في هذا التوجه "ردة" عن مشروع النهضة، وتخلٍ عن الهمّ القومي ، و يحاجج بأن ما يجمع العرب من لغة، دين، تاريخ مشترك، ومصير واحد، يوجب العمل الجماعي لا الانكفاء. كما أن المخاطر التي تواجه الأمة، من الاحتلال إلى التبعية، لا يمكن مواجهتها فرديًا.
الفريق الثاني (المؤيد): لا يعتبر أن الانكفاء خيانة، بل إعادة تموضع ضرورية، بعد عقود من الفشل القومي. يدعو هذا التيار إلى بناء "الدولة الوطنية القوية"، لأن أي وحدة بلا دول مستقرة ستكون كمن يبني على الرمل. بعضهم يستشهد بنجاح دول شرق آسيا، التي انطلقت من الداخل قبل أن تنفتح على الخارج.
خامسًا: هل يمكن أن يُفضي الانكفاء إلى استراتيجية دفاعية عربية جديدة؟
قد يبدو الجواب في ظاهره متناقضًا، لكن الانكفاء لا يعني الانعزال التام. بل يمكن، في حال حسن التخطيط، أن يكون انكفاءً مؤقتًا، يؤسس لاستقلالية القرار، وتمتين الجبهة الداخلية، وبناء نموذج تنموي ناجح، يمكن لاحقًا تصديره إلى الجوار، ليُعاد تشكيل "قومية وظيفية" جديدة، لا تقوم على الشعارات بل على المصالح والتكامل.
أمثلة على ذلك:
السعودية : نجحت في بناء نموذج اقتصادي وطني مستقل، ما مكنها من لعب دور إقليمي فاعل، حتى وإن بدا في بعض الأحيان منفصلًا عن الإجماع العربي.
قطر: عبر سياسة خارجية ذكية، وتموضع استراتيجي، استطاعت أن تُظهر كيف يمكن لدولة صغيرة أن تحقق مصالحها دون أن تُنكر هويتها العربية.
تجربة المغرب: باعتماده على سياسة "التعددية الذكية"، واحتفاظه بهوية وطنية واضحة، وانخراطه في محيطه الإفريقي والعربي، نجح في تموضع متوازن.
خاتمة:
باعتبار ان السياسة هي فن المخاطرة بالمواقف ، بأقل الأضرار ، لذا يمكن للانكفاء القُطري أن يكون انكماشًا قاتلًا، كما يمكن أن يكون استعدادًا لانطلاقة أوسع. وحده الوعي بالتاريخ، والتخطيط للمستقبل، ما سيحدد إن كنا أمام خيانة جديدة، أم فجرٍ قومي ينهض من بين أنقاض الشعارات.
المراجع والمصادر
- عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.
- محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية، 1994.
- فهمي هويدي، مقالة: من القومية إلى القُطرية، جريدة الشروق، 2017.
- رضوان السيد، العرب والسياسة: أين الخلل؟، دار المدار الإسلامي، 2015.
- جورج قرم، الشرق الأوسط أمام التحولات العالمية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006.
- عبد الإله بلقزيز، نقد الفكر القومي العربي، بيروت، 2003.
- تقارير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حول التحولات الإقليمية بعد الربيع العربي.
مجيدة محمدي / تونس