لا تكُنْ جِدِّياً أكثر من الحالم، ففي بلدي يعتبرون الجِدِّي أكثر من اللازم جَدْياً ثقيل القرن قليل الفهم و يجوز فيه الذبح؛ كُنْ أخفَّ من رزقكَ في كل جيب حتى لا تَطِيرَ الغَفْلَةُ بإحدى عينيكَ فترى العالم نِصْفاً..!
كُنْ أخفَّ من رزقكَ حين تتكلم لتُحاكي الصدى، يكفي الناس حديثا أن ترفع الصوت عاليا في الفراغ و لا تقول شيئاً..!
كُن خفيفاً تستعير من أحدهم يداً أطول من يدك كي تمدها لخزينة الدولة و تهدر قدر ما يستطيعه نَهَمُكَ المال العام، و انتظر حتى تسقط الصومعة كي يُعلِّقوا بَدَلَكَ الحجَّام..!
كُنْ خفيفاً في كل شيء، و إياكَ و الجِدِّية التي بقَدْرِ ما تُقَصِّرُ ببُطْئِها العُمْر تُطيل في بعْض الأيادي أصابع تُتْقِنُ نَبْشَ القُبور؛ اطْلِقْ اللَّعِبَ و لا تَكُنْ مُقَطِّباً جِدِّياً، فلنْ يُجْديكَ ذَهَباً أن تكون من الثقلاء، لا أحد يهمُّهُ أنْ يَزِنَ في الإنسان قيمته أو يقيس في دماغه قمَّةَ رأسه التي ليتها تمضي شاهقاً بالأفكار و تتجاوز في الحائط الشبابيك الإلكترونية للأبناك..!
لا تكُنْ جِدِّياً أكثر من الحالم و تُفْني جسدكَ و أنت تقضي ما تبقَّى من عُقوبة الوظيفة، في ما يُسْمِنُ أجساد الآخرين و يجعلهم يطمعون حتى في العظم لتلْذيذ المَرَق، أما إذا رحمتْكَ المنيَّةُ قبْلَ أنْ تَصِلَ للسِّن القانونية للوفاة و أحيلت جثتك لصندوق التقاعُد الفارغ، فالدولة ستُفكِّرُ في إحْداثِ ضرائب على الوفيات تُعوِّضُها عن ما تبقَّى في ذِمَّتِكَ من سنوات الخِدْمة و تسِتَخْلِصُها من الرميم..!
لا تكُنْ جِدِّياً في بلد لا يمُتُّ للعقلانية بدماغ، و تجعل المنْطِقَ الذي يحْسبُ الأشياء بمعيار صحيح سلوكاً، ستبصُقُ على وجهكَ كل البحار بزبَدِ الأمواج التي لا تُحب من يجذِّف عكسها، و ستَغْبِطُ النملة على شعبها الذي نزل بالقمحة بعد طول مسير في مغارة صارت بالتراب الذي خرج من جوفها قصراً..!
لا تكُنْ جِدِّياً أكثر من الحالم الذي يحسب نفسهُ آمناً في السرير و قد هزَّهُ الماء، و تسعى لتسُدَّ ثغراتٍ حَفَرَهَا في نفوسنا و حياتنا المتراخية كسالى و مُهملون بسوء التقدير و التدبير، حتى تأخَّرنا بمسافات سحيقة عن الديمقراطية و العلوم، و صار ماضينا هو المستقبل؛ اقرَاْ في المراجع كُتُباً تصنع بشراً من ورق، تجد من أهم عناوينها التي لا يصلها من الحضارة بريدٌ؛ "كُلْ قلبكَ و عِشْ سعيداً" أو " اشْتَرِ دماغكَ بقلَّة التفكير" أو " إذا أردتَ النجاح فالعام طويلٌ"؛ اقرأ هذه الكتب لترتاح أمداً سحيقاً..!
لا تكُنْ جِدِّياً أكثر مما يحتمل الحَبْل، فقد يلتوي هذا الحبل و أنت تشُدُّهُ وريدا في الجسم، و تحتاجُ كي تفُكَّ عُقدته إلى طبيب نفساني يزيدُكَ عُقَداً لا يفُكُّها حتى المنشار..!
كُنْ ليِّناً، مبتسماً، موافقاً، مُطًأْطِئاً للحضيض برأسكَ التي تراعي دائما و أنت تُمَشِّطُها أن ترسم سطراً فارقا في الجانب على طريقة عبد الحليم حافظ رحمه الله، مما سيجعلها للأحذية طريقا سيَّاراً..!
لا تكُنْ جِدِّياً و أنت تُدْلي بلسانكَ طويلا في السياسة التي تحكم البلد، فقد تجدُ فمكَ فارغاً في أحد التحقيقات البوليسية، ليس فقط من اللسان الذي قطَعُوه بذريعة حرية الرأي بل حتى من الأسنان ..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 12 ماي 2016)
كُنْ أخفَّ من رزقكَ حين تتكلم لتُحاكي الصدى، يكفي الناس حديثا أن ترفع الصوت عاليا في الفراغ و لا تقول شيئاً..!
كُن خفيفاً تستعير من أحدهم يداً أطول من يدك كي تمدها لخزينة الدولة و تهدر قدر ما يستطيعه نَهَمُكَ المال العام، و انتظر حتى تسقط الصومعة كي يُعلِّقوا بَدَلَكَ الحجَّام..!
كُنْ خفيفاً في كل شيء، و إياكَ و الجِدِّية التي بقَدْرِ ما تُقَصِّرُ ببُطْئِها العُمْر تُطيل في بعْض الأيادي أصابع تُتْقِنُ نَبْشَ القُبور؛ اطْلِقْ اللَّعِبَ و لا تَكُنْ مُقَطِّباً جِدِّياً، فلنْ يُجْديكَ ذَهَباً أن تكون من الثقلاء، لا أحد يهمُّهُ أنْ يَزِنَ في الإنسان قيمته أو يقيس في دماغه قمَّةَ رأسه التي ليتها تمضي شاهقاً بالأفكار و تتجاوز في الحائط الشبابيك الإلكترونية للأبناك..!
لا تكُنْ جِدِّياً أكثر من الحالم و تُفْني جسدكَ و أنت تقضي ما تبقَّى من عُقوبة الوظيفة، في ما يُسْمِنُ أجساد الآخرين و يجعلهم يطمعون حتى في العظم لتلْذيذ المَرَق، أما إذا رحمتْكَ المنيَّةُ قبْلَ أنْ تَصِلَ للسِّن القانونية للوفاة و أحيلت جثتك لصندوق التقاعُد الفارغ، فالدولة ستُفكِّرُ في إحْداثِ ضرائب على الوفيات تُعوِّضُها عن ما تبقَّى في ذِمَّتِكَ من سنوات الخِدْمة و تسِتَخْلِصُها من الرميم..!
لا تكُنْ جِدِّياً في بلد لا يمُتُّ للعقلانية بدماغ، و تجعل المنْطِقَ الذي يحْسبُ الأشياء بمعيار صحيح سلوكاً، ستبصُقُ على وجهكَ كل البحار بزبَدِ الأمواج التي لا تُحب من يجذِّف عكسها، و ستَغْبِطُ النملة على شعبها الذي نزل بالقمحة بعد طول مسير في مغارة صارت بالتراب الذي خرج من جوفها قصراً..!
لا تكُنْ جِدِّياً أكثر من الحالم الذي يحسب نفسهُ آمناً في السرير و قد هزَّهُ الماء، و تسعى لتسُدَّ ثغراتٍ حَفَرَهَا في نفوسنا و حياتنا المتراخية كسالى و مُهملون بسوء التقدير و التدبير، حتى تأخَّرنا بمسافات سحيقة عن الديمقراطية و العلوم، و صار ماضينا هو المستقبل؛ اقرَاْ في المراجع كُتُباً تصنع بشراً من ورق، تجد من أهم عناوينها التي لا يصلها من الحضارة بريدٌ؛ "كُلْ قلبكَ و عِشْ سعيداً" أو " اشْتَرِ دماغكَ بقلَّة التفكير" أو " إذا أردتَ النجاح فالعام طويلٌ"؛ اقرأ هذه الكتب لترتاح أمداً سحيقاً..!
لا تكُنْ جِدِّياً أكثر مما يحتمل الحَبْل، فقد يلتوي هذا الحبل و أنت تشُدُّهُ وريدا في الجسم، و تحتاجُ كي تفُكَّ عُقدته إلى طبيب نفساني يزيدُكَ عُقَداً لا يفُكُّها حتى المنشار..!
كُنْ ليِّناً، مبتسماً، موافقاً، مُطًأْطِئاً للحضيض برأسكَ التي تراعي دائما و أنت تُمَشِّطُها أن ترسم سطراً فارقا في الجانب على طريقة عبد الحليم حافظ رحمه الله، مما سيجعلها للأحذية طريقا سيَّاراً..!
لا تكُنْ جِدِّياً و أنت تُدْلي بلسانكَ طويلا في السياسة التي تحكم البلد، فقد تجدُ فمكَ فارغاً في أحد التحقيقات البوليسية، ليس فقط من اللسان الذي قطَعُوه بذريعة حرية الرأي بل حتى من الأسنان ..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 12 ماي 2016)