المستشار بهاء المري - دين وضمير المجرمين

نظراً لشدة غَيرته على دينه، قتلَ شخصٌ شخصاً لأنه "سَبَّ" الدين. أشعل فيه النار ‏حيًّا، وغلقّ الأبواب حتى لا يُغيثه أحد، وذهب ليصلي الجمعة. قضية مروعة مرت بنا في ‏ساحات القضاء. مشهد صعب على الوجدان تحمُّله، تختنق فيه الروح قبل أن تختنق الضحية ‏بالدخان والنار‎.‎‏ ‏
لكن، فلنتأمل قليلًا في تلك اللحظة. لحظة الانفجار الداخلي، حين يغيب العقل ‏ويحتجب الضمير، ويظن الإنسان أنه صار وكيلًا عن الله في الأرض. لحظة قصيرة، لكنها ‏كافية ليهوي فيها المرء من قمة التدين الظاهري إلى قاع الوحشية، يخلع فيها إنسانيته كما يُخلع ‏الثوب، ويدّعي النُبل وهو يمارس الجريمة، أي غيرة على الدين، تلك التي تُترجم إلى نار تُشعل ‏جسدًا بشريًا حيًّا؟ ‏
هل يصير الدين سببًا للقتل، بدلًا من أن يكون دعوة للحياة؟ هل من أجل الله يُهدم ‏بنيان الله؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم "لا يعذب بالنار إلى رب النار"(رواه أبو داود ‏بإسناد صحيح). ‏
الدين في جوهره ليس صراخًا ولا غليانًا ولا اندفاعًا أهوج، بل هو ميزانُ عدل ورحمة، ‏ومنهجُ عقلٍ وروح. فإذا تحول إلى مبرر للقتل والحرق والانتقام، فقد خرج من معناه ودخل في ‏متاهة لا علاقة لها بالسماء‎.‎
إن من سبَّ الدين بكلمةٍ أساء إلى نفسه، وربما إلى غيره، لكنَّ من قتله بهذه البشاعة، ‏سبَّ الدين بفعله أمام العالم، جعل من الدين مشهدًا دمويًا، وقدّمه للعالم على أنه سلاح يُستخدم ‏لتصفية من يَختلف، لا رسالة تنقذ المُختلف‎.‎
المفارقة القاتلة أن الجريمة ارتُكبت بدافع الدفاع عن "قدسية الدين"، بينما رب الدين ‏نفسه يقول: من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فساد في الأرض فكأنما قتلَ الناس جميعا"‏‎ ‎فأين هذا ‏القاتل من هذه الآية؟ وأين هو من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أوذي في جَسده، ‏وقيل في حقه كل ما يُقال، فلم يرفع سكينًا، ولم يوقد نارًا؟
الغضب لا يبرّر الجريمة، ولا يحول القاتل إلى وليّ. ومن ظنّ أن غَيرته على الدين ‏تُخوّله لقتل إنسان، فقد جعل من نفسه إلهًا يُنزل العقاب كما يرى، وكأن الله غافل أو عاجز‎.‎
الدين لا يحتاج إلى متعصّب يحرِق من يخالفه، بل إلى إنسان عاقل يواجه الإساءة ‏بالحكمة، ويُجسّد الرحمة لا الانتقام. إننا لا نُهان حين يُسبّ ديننا، بل نُهان حين نَرد على السبّة ‏بما هو أشنع منها، ونحرق الصورة التي جئنا لنُدافع عنها‎.‎
في لحظة واحدة، انكشفت الحقيقة: أن القاتل لم يكن غيورًا على دينه، بل كان غائبًا ‏عنه. وأن النار التي أشعلها في جسد غيره، كانت تسكن قلبه منذ زمن، تنتظر لحظة ‏انفجارها... لا باسم الدين، بل باسمه هو، وحده‎.‎
وفي النهاية، لا تُغلق الأبواب إلا على الجريمة... أما العدالة، فبابها مفتوح، لا يغلقه ‏قاتل، ولا يحجبه دخان‎

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...