حسين عبروس - أدب الطفل والترجمة... الواقع والتّحديات والآفاق .

تشكّل الترجمة جسرًا ثقافيًا ومعرفي اقويّا يربط بين جميع الشعوب، وحلقة أساسية في إثراء أدب الطفل وتعزيز تنوّعه. غير أن ترجمة أدب الطفل في الجزائر ما تزال تراوح مكانها، متأرجحة بين الجهود الفردية المحدودة وغياب الاستراتيجيات المؤسسية، ما يحرم الطفل الجزائري من تفاعل عميق مع ذلك التراث الإنساني المشترك والمتجدد، عبرمرورالأزمنة.
- واقع ترجمة أدب الطفل في الجزائر:
- تشهد الساحة الأدبية الجزائرية محاولات في عالم الترجمة لبعض الأعمال من الفرنسية والإنجليزية إلى العربية، لكنّها تظلّ في أغلبها محاولات غير ممنهجة. وتُعدّ الفرنسية اللّغة المصدر الأكثر حضورًا، نتيجة ذلك الظرف الإستعماري الطويل الذي عاشته الجزائر،وتليها بعض الأعمال من الإنجليزية. أمّا الترجمة العكسية من العربية إلى اللغات الأخرى ، فتكاد تكون معدومة، نتيجة ضعف التّرويج لأدب الطفل الجزائري ،وعدم توفر ترجمات بجودة أدبية وفنية عالية قادرة على المنافسة في الساحة العالمية،وما يُلاحظ بوضوح هو غياب سياسة ثقافية واضحة تتبنّى ترجمة أدب الطفل ضمن مشروع وطني متكامل تشارك فيه وزارة الثقافة، وزارة التربية، ودور النشر. وبذلك تبقى التّرجمة رهينة مبادرات فردية، دون مراجعة تربوية أو نقدية ممنهجة.
- تحديات ترجمة النّصوص الموجّهة للطفل شعرا ونثرا:
- تتجلى أبرز العقبات في:
- ندرة المترجمين المتخصصين في أدب الطفل، إذ أن أغلب من يتولون التّرجمة لا يمتلكون الخلفية التربوية والنفسية اللازمة للخوض في تجربة أدب وثقافة الطفل واليافعين..
- الفجوة الثقافية بين المجتمعات المنتجة للنّصوص والمجتمع الجزائري، ما يجعل التّرجمة المباشرة غير صالحة للأطفال دون تكييف الثقافي والمعرفي والتربوي المدروس.
- صعوبة نقل الأساليب الفنّية والخيالية بلغة تلائم المراحل العمرية للطفل، دون إفراغ النّص من مضمونه الجمالي والتربوي والمعرفي .
- ضعف التكوين الأكاديمي للمترجمين في مجال الطفولة، وغياب البحث الجامعي المتخصّص في هذا الفرع الدقيق من الترجمة الأدبية.
- انعدام لجان المراجعة المتخصّصة في دورالنشر، التي تضمن تطابق النّص المترجم مع القيّم التربوية والوطنية، ومع المعايير الجمالية اللّازمة لطفل العربي عامة، والجزائري خاصة.وهنا نتساءل من هو المترجم الكفء لأدب الطفل؟
- إن المترجم المؤهل لترجمة أدب الطفل لا يكفيه إتقان اللّغتين، بل عليه أن يكون يتوفّرعلى الشروط الأساسية التالية :
- أن ملمًا بخصائص النّمو النّفسي واللغوي للطفل واليافعين في الفئة من 6 إلى 12 سنة.
- أن قادرًا على التّبسيط دون تسطيح النّص، وعلى الشرح دون ابتذال.
- أن واعيًا بالقيّم الثقافية والدينية المحلية، ومتمكنًا من تكييف تلك النّصوص دون تشويهها.
- أن يكون ذا حسّ فنّي أدبي، يدرك جماليات اللّغة والصورة والرّمز والإيقاع، لا سيما في النصوص القصصية والروائية والشعر والمسرحيات الموجهة للأطفال ولليافعين .ويأتي سؤال آخرمن يترجم؟ وكيف نحسّن الأداء في العمل المترجم ؟
- يتولى الترجمة في الجزائر عادةً أساتذة جامعيون ،أو مترجمون مستقلون يعملون مع دور نشر. وأحيانًا يقوم أدباء بهذه المهمة بدافع ثقافي، غير أن قلّة قليلة منهم يجمعون بين الأدب، والترجمة، وفهم الطفولة. والنّتيجة في معظم الحالات: ترجمات حرفية، تفتقر إلى الرّوح الإبداعية للنص الموجّه للطفل، حيث تبقى تلك النصوص تعاني من خلل جمالي وفنّي،ولذلك،
تبرز الحاجة إلى:
- تكوين مترجمين أدبيين متخصّصين في أدب الطفل،وأدب اليافعين
- إنشاء لجان تحرير مشتركة تضمّ تربويين، أدباء، ومراجعين لغويين.
- توفير دعم مؤسساتي لمشاريع التّرجمة، ضمن رؤية وطنية طويلة المدى.
- تشجيع الإنتاج المحلي المترجم إلى لغات أخرى، بما يعزّز حضور الطفل الجزائري والعربي في السّردية العالمية.
- خاتمة:
-إنّ ترجمة أدب الطفل ليست نقلاً لغويًا فحسب، بل هي فعلٌ ثقافيٌ وإنسانيٌ بامتياز، وهي في الجزائروفي الوطن العربي، تحتاج إلى رؤية استراتيجية،في التكوين، والتمويل، حتى تمنح الطفل واليافع نافذة مشرعة على العالم، دون أن تشوّه ملامح هويته الثقافية، أو تطفئ جذوة الخيال عنده في الأعماق.


بقلم: [الأديب: حسين عبروس_ الجزائر]


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...