تقديـــــــــــــــــــم
قبل حوالي عشر سنوات (05/01/2013) قدمت أولى قراءاتي لشعر بوعلام دخيسي، من خلال مجموعته الشعرية الأولى "هديل السحر" ، وكانت لي قراءة أخرى لمجموعته الثانية (الحرف الثامن) بتاريخ 29 يونيو 2014، ومنذئذ إلى الآن أتابع تجربته الشعرية بتمعن، ومراقبة للتحولات الشعرية التي تميز مسيرته. وقد أصدر الشاعر لحد الآن ست مجموعات شعرية، وتأتي مقاربة المجموعة الأخيرة (الصدى والنون) ضمن هذا السياق.
وقبل تقديم بعض الخصوصيات التي تميز هذه التجربة الشعرية الرصينة، لا بد من الوقوف عند بعض الملاحظات العامة.
1- مسيـرة شاعـر: ملاحظـات عامـة
قبل الشروع في مقاربة نصوص المجموعة الشعرية (الصدى والنون)، نسجل بعض النقط التي تميز مسيرة الشاعر بوعلام دخيسي، على مدى عشر سنوات كاملة من النشر والمشاركات الشعرية في لقاءات مختلفة:
فيما يتعلق بالإصدار، نشير إلى كون الشاعر ملتزمًا بتوزيع عملية النشر، إذ يخص عملا شعريا كلَّ سنتين، مع الحفاظ على المطبعة ذاتها (مطبعة الجسور وجدة).
التنويع في لوْحات الأغلفة، فالشاعر يختار في كل مجموعة شعرية فنانا تشكيليا (محمد سعود، عبد النبي كتوي، يحيى دخيسي (مرّتين)، حسن سعيدي، عبد الحميد الغرباوي)، واختيار المبدع رشيد أمديون لتصميم ثلاثة أعمال شعرية.
اختيار التعامل مع مؤسسة ديهيا، ليكون العمل الأخير ضمن منشوراتها.
الاستغناء عن عتبة المقدمة، بدءًا من المجموعة الثالثة، إذ قدَّم الشاعر والباحث الطيب هلو المجموعة الأولى (هديل السحر)، فيما تكلف الأستاذ الشاعر محمد علي الرباوي بتقديم المجموعة الثانية (الحرف الثامن)، وهذه إشارة ضمنية إلى كون بوعلام دخيسي اختار المقدمة في بداية تجربته الشعرية، لكسبها المكانة العلمية والإبداعية، وترويج المجموعة بإشهار وشهادة من نوع خاص. وقد كان لخطاب التقديم البعدي، أو كلمة الغلاف "الصفحة الرابعة" الدورُ في تمحيص الفكرة، والمصادقة على صدق التجربة وعُنفُوانِها. فقد خصَّ الشاعر بوعلام دخيسي مجموعتين شعريتين بهذه الخاصية، فكانت (عطفا على خصر الكمان) موثقةً بكلمات شعراء مغاربة معاصرين، وهم: أحمد بلحاج أية وارهام، ومصطفى الشليح والزبير خياط، ثم (وحده قلبُكِ في المرآة) ، بإعطاء الفرصة للشعراء أمينة المريني وسامح درويش ومالكة العاصمي، وهذا دليل على كون الشاعر يعرض شعره على جل المهتمين من شعراء وباحثين قبل نشره، والإنصات لملاحظاتهم وتجاربهم.
توجيه إهداء نصوص شعرية إلى أشخاص جمعتهم والشاعرَ رابطة إبداع أو بحث، ونخص بالذكر هنا مجموعته (الحرف الثامن)، حيث جعل ست قصائد محورا لهذه الـمَــهمة؛
تخصيص حفلات توقيع لكل الأعمال الشعرية، بأكثر من مرة لكل مجموعة شعرية، وهذا أيضا دليل على اهتمام القارئ بأعماله الشعرية، وتنويع المؤسسات التي تخصه بالاحتفاء، لذلك يلجأ الشاعر بوعلام دخيسي إلى التنويع في الأسماء التي تقدم قراءاتها لشعره، حتى يتجمع لديه أكبر عدد من المشاركين في التقديم والتحليل والنقد، ولو عدنا إلى سجل الأشهر القليلة الماضية، لوقفنا عند توقيعه مجموعته الشعرية (الصدى والنون) مرتين: الأولى بمؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم بوجدة في 22 ماي 2022، وبعدها بشهر احتفاء جمعية نرجس للتنمية الاجتماعية والثقافية والرياضية بالمجموعة، في الرباط بتاريخ 25 يونيو 2022، ليُتِمَّ هذا اللقاء دورتَه الثالثة.
عدم الإشارة إلى تاريخ كتابة النصوص الشعرية، أو مكان الكتابة، وهي سمة عامة لكل القصائد التي نشرها في المجموعات الشعرية الست، ولعل في ذلك توسيع لأفق القراءة، وجعل النص مفتوحا على الزمان والمكان.
الاهتمام بالجانب الشكلي، من حيث اختيار الخطوط المناسبة للقصائد، وهي في الغالب خطوط ذات طابع تشكيلي، غير أن الشاعر بوعلام دخيسي لا يهتم بالتشكيل من حيث استدراج القارئ إلى فك الرموز، أو الأشكال الهندسية التي يلجأ إليها بعض الشعراء لتوزيع الكلمات داخل فضاء النص (إلا في كلمتين: الأولى في مجموعته الثالثة (كي أشبه ظلي) حيث قسم كلمة (القصيدهْ) في قصيدته "القصيدة"، والثانية في مجموعته الشعرية (الصدى والنون)، حيث قسم كلمة (شظِيَّة) في قصيدته "ساحة حب")، أو داخل فضاء الصفحة.
بعد هذه الإشارات السريعة، نُعَرِّج نحو تقديم قراءة في التجربة الشعرية للشاعر بوعلام دخيسي، انطلاقا من ديوانه الأول، ووصولا إلى آخر مجموعة شعرية، التي تجد لها مكانا خصبا الآن، من حيث التقديم والتوقيع والقراءة.
2- خصوصيـات التجربــة الشعريـة لبوعـلام دخيسـي:
قبل الحديث عن خصوصيات التجربة الشعرية لدى الشاعر بوعلام دخيسي، نوثق أولا صلتنا بالمنجز الشعري المغربي المعاصر، وقد أفرز هذا الاهتمام رؤية متميزة، واستنتاج أهم التحولات التي تطبع التطور الزمني للشاعر. فلا شك، إذًا، أن نجد شاعرنا يقتفي أثر التحول، ويحاول أن يبصم تجربته بنوع من الخصوصية، للتميز والتمييز. فمن حيث التميز، نجد أن كل مبدع أو باحث يبحث عن صفة التألق، لتكون أعماله مثار الاهتمام والدراسة والبحث، أما التمييز، فهو خصوصية تطبع أي شخص أو مبدع يحقق ذاته، ويكوّن شخصية فردية تجعله متميزا عن غيره، سواء أكان التمييز إيجابيا أم سلبيا.
بالعودة إلى تجربة بوعلام دخيسي، نقف عند ثلاث خصوصيات، سنعقد الاتفاق الضمني على تتبعها، من خلال ما سبق من الأعمال المنشورة، أو ما سيلحقها إن شاء الله. وهنا نسجل استمرار الشاعر في النشر الإلكتروني، وهو خط رابط بين الحاضر والماضي. ولن نقف عند هذه التحولات، حتى ننتظر ما سيؤول إليه نشرها ورقيا لاحقا.
2-1- التحـول الدلالـي، والاقتـراب من الذات:
إذا أردنا تتبع تجربة الشاعر بوعلام دخيسي، فلا بأس من العودة قليلا إلى الوراء فحين نشر الشاعر ديوانه الأول (هديل السحر)، اجتمعت الذات والموضوع / الواقع بصفة متوازية؛ فكان الالتزام بالقضية أساسَ بناء الدلالة في قصائده. ولا نقصد بالالتزام هنا ما جاء به الوجوديون (جون بول سارتر...) وغيرهم ممن تبنوا فكرة الالتزام. ونذكر على سبيل المثال ما أكده بعض النقاد حيث: "أصبح من المُسَلَّم به لدى هذا الجيل من الشعراء وربما بتأثير الالتزام الوجودي أكثر من النظرية الماركسية في الفن أن الفنان سلاح في المعركة..." ، وهو ما رفضته نازك الملائكة حين دعت إلى الابتعاد عن الالتزام الكلي عن القضايا الاجتماعية، حتى لا تكون "فضيلة فنية متميزة" ؛ وإنما القصد أعم وأشمل، لأن الشاعر حينها يغدو مسؤولا عن قوله وفعله أمام الله والإنسان والذات، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى تحويل المقصد من الالتزام لضيقه، إلى المسؤولية العامة. فقد عرف نجيب الكيلاني المسؤولية الإبداعية كونها نابعة من صميم الإبداع الحق، دون "السقوط في براثن تيه الفلسفات التي تعد بالمئات" ، وقد خص الشاعر محمد علي الرباوي، استنادا إلى باحثين في هذا المجال، الشعرَ بالمسؤولية من خلال مقال له بعنوان "الأدب الإسلامي أدب غير ملتزم"، لأن الالتزام: «لا يحقق ما نريد، لهذا نرى أن نستبدل به مصطلح "المسؤولية"» .
نعود إلى الشاعر بوعلام دخيسي، لنقول: إن مجموعته الشعرية الأولى (هديل السحر) جلها قصائد يعبر فيها الشاعر عن مسؤوليته قولا وفعلًا؛ لذلك، يضع نفسه في موقف المدافع عن القضايا ذات البعد السياسي والاجتماعي، وينحو منحى المسؤول عن خيبات الأمة، وما آلت إليه الوضعية الاجتماعية والسياسية والدينية...
يقول في مقطع شعري، وهو - طبعا - نموذج وعينة لغيره (المتقارب):
قطَعْنا مع الشّيبِ كلَّ اعْتِمادٍ
وجئنا نُوَقَّعُ ما مُقتضاهْ:
سأكبُرُ حتّى أكونَ جنينًا
ويصْغُرَ في الشّمسِ أعتى الطّغاهْ
خرجتُ فلنْ أرْجِعَ اليومَ إلّا
بوَعْدٍ مِنَ اللّيْلِ يُخْفي دُجاهْ
هو العُمْرُ ما اختَرْتُ كيفَ ابتدَا
فدَعْني أقرِّرْ أخي مُنْتَهاهْ
ولئن عبَّر الشاعر في أغلب شعر مجموعته الشعرية الأولى، عن موقفه الجمعي الدال على كونه فردا داخل المجتمع، مَهمَّته الأولى أن يكون منافحا عن قضاياه ومبادئه، فقد سخر بعض شعر مجموعته الشعرية الثانية لهذا القصد، مع بداية التحول صوب القضايا الذاتية، أو التحول نحو ذات الذات، وذات الآخر.
ومن اللافت للنظر في سير هذا التحول، أن بوعلام دخيسي يجاهر القول بنيله الشعر الواقعي، وحفظه له، وسبره أغواره ماضيا، وأن قوله الشعري الحالي يستجيب لأهواء الذات ومفاتنها.
يقول في نص بعنوان "خير الشعر عاجله" (الطويل):
تقولُ فقطْ لا تنتسِبْ لقصيدةٍ
وأنتَ لها يا ابْنَ القبيلةِ جاهلُ
وإنْ شئتَ عِشقي للثُّمالةِ فالتزِمْ
سِلاحَكَ إنَّ الصّدقَ نِعْمَ المقاتلُ
وكنْ أنتَ لا قيسًا ولا المُتَنَبِّ لا
نِزارًا ولا درويشَ حينَ يُناضِلُ
تكُنْ شاعري وحدي أعَطَّرُ رَوْحَهُ
وَتُرْجَئِذٍ للبوْحِ فينا المداخِلُ
سألتُكَ، فانظُرْ ما تريدُ وإنّني
على ثقةٍ أنّ المُتَيَّمَ فاعلُ
أراني على عينَيْكَ بعضَ قصيدةٍ
فقُلْها، فخيرُ الشِّعر كالبِرِّ عاجلُ
فكان، فعلا، مُحَوِّلا شعرَه إلى الذات، ملتزما / مسؤولا أمام الذات والآخر، لكن بقول عذب، لا يخالطه فحش ولا كفر ولا حشو. فحين ننتقل إلى المجاميع الشعرية الموالية، نصادف شاعرا ذاتيا، منفتحا على الكل، يَنظُم ويحرك دواليب شعره لفائدة كل الأطياف وبكل لغات التواصل الإبداعي.
ومن البدء، تبدأ حكاية التواصل الجماعي في مجموعته الشعرية (كي أشبه ظلي) ، بتقديم إهداء إلى الكل دون استثناء:
إلى من كان لهم فضل هذا النبض
إلى من تعرفهم الدموع...
كما أن اللافت للنظر، سواء في هذه المجموعة أو المجموعتين المواليتين، (عطفا على خصر الكمان) و(وحده قلبك في المرآة)، أن الشاعر يتخذ مسارا جديدا، يتنقل بشعره بين أطياف مختلفة، يحكي، ويسرُد، يخاطب ويحاور، ينسُج كلماته وَفق أهوائه الشخصية، وما يمكن أن ينسُجَ من خلالها خيوط التواصل، والتصالح، والتصافح.
لذا، نأخذ مثالا عن كل مجموعة (المتقارب(:
... قلتُ: وما زالَ شِعري صريعَ النّساءِ
قضيْتُ مِنَ البحْثِ عُمرًا طويلَا
ولكن كَأَنْتِ أرى المستحيلا
لئِنْ كنتِ صفحةَ عشقٍ
فأنتِ الحقيقهْ
إذ يقِرُّ بوعلام دخيسي ويعترف أنه يبحث عن الحقيقة، وقد وجدها في الشعر حين يحاور الآخر، ويناجي الحبيب بشتى الصور والمجازات، ومن ثمة فالبحث عن الحقيقة وجدها في إرضاء الآخر / الأنثى، وإتمام صفقة التواصل. ويقول مرة ثانية (الوافر):
لكُمْ في الشّعرِ شيءٌ فاقَ حجمَهْ
سأوصي بالّذي
لَمْ أُنـْهِ نَظمهْ
وأَمنحُ كلَّ منْ يتلوهُ بيتًا
وأَربِطُهُ بنورٍ بعدَ ظُلمهْ
أنا للحبِّ أدعوكمْ جميعًا
وأسألكمْ
- أنا الخطّاءَ -
رحـمهْ
فـمَنْ يملِكْ كهذا الحبِّ يُخطِئْ
وإنّي سائلٌ للحُبِّ عِصْمَهْ
لذلك، يتدارك ما جاء سابقا، من كونه وجد الحقيقة كلها في الآخر / الأنثى (القصيدة - الذات - المرأة)، فينفي ربطه الذات بالآخر، ويطلب العفو والمغفرة إن ارتكب خطأ في حق أحد لم يردْ اسمُه في القصيدة (الإهداء في بعض القصائد). وهذا ما جعله يحتار، ويختار أن يجعل المتلقي حكما وخصما، ويترك الفرصة أمامه للتعبير عن رضاه وموافقته له (الوافر):
أحارُ مثلَكَ...
لا تلُمني إذا أكثرتُ مِنْ قَلَقٍ وسينِ
وآثرْتُ القصيدةَ
لم أقلْ ما يُفيدُ مِنَ الكلامِ سوى الأنينِ
سأُنهي ما تقرَّرَ مِنْ حديثٍ
فقرِّرْ أنتَ فِعلَكَ
بَعْدَ حينِ.
فكما هو ملاحظ، أن الشاعر بوعلام دخيسي يتدرج في بناء المفهوم الخاص بالشعر، فيجعله مرادفا للحياة أولا، من حيث التعلق بالموضوع والتيمات الأساسية البانية للمواقف السياسية والإيديولوجية، ليحول النظر إلى الإبداع ثانيا، بوصفه رؤية ذاتية تتوق إلى إرضاء الآخر، ونحت القول المعادل الموضوعي للحياة الخاصة.
من هنا، سار الشاعر إلى التودد والمسامرة الشعرية بشتى أنواعها، فمن الغزل والتقرب إلى المراسلة والحديث اليومي المرتبط بالمناسبة، وصولا إلى الاعتراف أنه كاذب "والشعراء يتبعهم الغاوون"، ومقِرٌّ أنه يسعى إلى أن يلقى نورُه صدًى لدى القارئ بشتى أطيافه وأجناسه، فكانت مجموعته الشعرية (الصدى والنون) التي اختارها تساؤلا للتأكد من مدى وصول صداه إلى المتلقي، ومن ثمة تحقيق النور المرتجى، فكان البدء باصطفافه بين الجميع موازنا ومصالحا (المتدارك):
أنتِ يا أسطُري المائِلهْ
دَعْكِ مِنْ مِعْصَمي
واحرُسي نجمتي الآفِلَهْ
واسْهَري ها هُنا
حيثُ يجتمع الآفِلونَ
أنا واحدٌ منهمُ
جئتُ في مَطلع القافلهْ...
ليؤكد أن ما قاله من شعر لم يصل بعد درجة الإشباع، فما من قول إلا أول الكلام )المتدارك(:
القصيدةُ ما لمْ تقلهُ
وما لنْ تقولَهْ
القصيدةُ أوّلُ ما قالهُ الطّفل في مهدهِ
مِنْ كلام قليلٍ
خَفيفِ الصّدى
مُبهَمٍ
ليصل إلى القول )الخبب):
مَنْ يُخرِسُ هذا الصّمتَ،
يُفجِّرُ في نفسي صوتي المبحوحْ؟
الآنَ سأُفْصِحُ عنّي
وأبوحْ...
وسأكتبُ ما لم أكتُبْ يومًا،
شَجرٌ تَسكُنهُ الرّيحُ
تظنُّ القادمَ نَوْءًا
فإذا بالغيمةِ تُرسِلُ شِعرًا
لذلك، فالشاعر لا يجد بدا من الاستمرار في الكتابة، والإبداع الشعري، بعيدا عن كل ما قد يثبط العزائم، ويُنقص من فورة الإنسان الداخلية، فتجده ميالا حينا إلى اليأس، ومقتربا من التفاؤل المبني على انتظار الحياة الثانية حينا آخر )الخفيف):
... إنْ سُرِقَ العمرُ منكَ
جِئتَ بثانِ..
أنتَ للخُلدِ
لن تموتَ وتفنى
أنتَ بالحُبِّ سيّدُ الفرسانِ
أنتَ حقًّا معذَّبٌ
أنتَ أشقى
أنتَ أرقى
بهذه الأحزانِ.
كما أنه يتجه صوب الموت، يحاكيه، ويجامله في نص (قديم / جديد)، بعنوان "صديقي الموت" )المتدارك(:
... سنَقْبَلُ بالموتِ
لكنْ بشرطٍ:
سنمَضي إليكَ جميعًا...
سئمنا الرّحيل فُرادى.
حينها لن تعيبَ العيونَ الدّموعُ
ولن يَسأل الحزنُ مِنا السَّوادَا...
فبالنظر إلى آخر ما نشر الشاعر، وتلمسا للطريق الذي تتبعناه انطلاقا من التجارب الشعرية التي مثلتها المجاميع الشعرية الست، نخلص إلى أهم الاستنتاجات:
- أن الشاعر بوعلام دخيسي محافظ على نمو تجربته الشعرية انطلاقا من التدرج، لكن ليس من الخاص إلى العام، وإنما من العام (الموضوع / الواقع / الخصوصية الجماعية)، إلى الخاص الذات، لكن الذات بالنسبة إليه تشكلُّ فردا بصيغة الجمع، لأنه الإنسان المحافظ على كل العلاقات، القائم بدور الجمع بين كل الأطياف، المختزِنُ لكل السمات الدالة على التوافق والتصالح.
- أنه ميال إلى الذاتية المرتبطة بالآخر، إذ لا يتَنَزَّه عن العرفان والامتنان للآخر؛ كل حسب موقفه وموقعه، ويتطلع إلى كسب ثقة الكلمة (الصدى)، لتجد صدى ونورا لدى المتلقي.
- أن التيمات المغيَّبة في شعره، تبقى حاضرة بين السطور، فهو يعترف أنه يخفي الكثير مما لم يقله، لكن مجازاته تفضحه، فهو يعْبُرُ من القصيدة إلى الأنثى، ومن الأنثى إلى الذات، ومن الذات إلى القصيدة؛ إنه الثالوث الذي ميز سيرة تجربة الشاعر دخيسي، وينحو من خلاله إلى جعل الذات مقسمة إلى ثلاث تيمات فرعية: الذات / الأنا، الذات / الخالق، الذات / الآخر. وحسب لعبة تغيير المواقع يخلق الشاعر محور التماثل الذي يعكس وجهه في المرآة حتى يشبه ظله، فيعزف آخر ألحانه على إيقاع الحرف الثامن على آلة الكمان، ويستعذب القارئُ الصوتَ والهديل في السحر.
2-2- الخطـاب الحـواري: سلسلــة الدرامـا المصغـرة فـي شعـر بوعـلام دخيسـي:
إن الحديث عن الحوارية في الشعر قضية تستأثر باهتمام كثيرٍ من الباحثين والنقاد، ولن نسترسل في تعريفها، أو تتبع مساراتها التاريخية، بقدر ما سنحاول أن نكشف عن وجودها في شعر بوعلام دخيسي، واستكناه دورها ووظيفتها مما يخدم الشعر ذاته، والشاعر في مرتبة ثانية.
فالمعلوم أن الحوار يتطلب عناصر أساسية، وهي الشخصية أو القوى الفاعلة في النص، إلى جانب الزمان والمكان، بوصفهما خاصيتين يحددهما الفضاء بمستوياته المادية والمعنوية، إلى جانب الحدث أو الأحداث، وسيرورات التحول في النص الحكائي. غير أن الشاعر إنِ انساق مع هذه العناصر، فسيسقط في تنميط النص الشعري، وجعله صيغة ثانية للسرد، أو النص المسرود بطريقة فنية تشكيلية عبر توزيع إيقاعي معين. وقد نقف حينها أمام عدم تجنيس النص، فيغيب التباين بين كونه شعرا أم نثرا.
هذا من جهة، من جهة ثانية، يمكن تفسير ظاهرة توظيف العناصر الحكائية في النص الشعري بالعودة إلى الوظيفة التعبيرية الانفعالية لدى المرسِل، أو الوظيفة التأثيرية والانتباهية وهي ما يخص القارئ أو المرسل إليه كما حددها رومان جاكبسون في تعريفه الشعرية من حيث وظائفها وسياقاتها: "التي تؤَوِّل أثر الشاعر من خلال موشور اللغة، وتُمسك بالوظيفة المهمة في الشعر، تمثل من حيث تعريفها، نقطةَ انطلاق لتفسير القصائد، أما فيما يخص قيمتَها الوثائقية والنفسية والتحليل - النفسية أو الاجتماعية، فإنها تبقى بطبيعة الحال مفتوحة على بحث المختصين الحقيقيين في هذه العلوم" . وقد ساق الناقد العربي القديم جملة من القضايا المرتبطة بالقارئ ومدى محاكاته لفعل الإبداع، وهي قضايا كما قلت سابقا ذات تفريعات مختلفة.
نعود إلى شعر بوعلام دخيسي، لنقف أولا عند التقسيم الزمني الضمني الذي سقناه في المحور الأول:
المرحلة الأولى: الشعر الجماعي، وسلطة الفكر في المجموعة الأولى وجزء من الثانية؛
المرحلة الثانية: المجاميع الشعرية (3 - 4 - 5)، حيث الانطلاق صوب الذات (الآخر بمختلف أبعاده).
المرحلة الثالثة: المجموعة الشعرية (الصدى والنون)، بوصفها الموجز الذي يختبر فيه الشاعر مدى تفوقه في تجربته.
وانطلاقا من هذه التحولات، يوفر الشاعر بوعلام دخيسي لألفاظه ودلالاته وتراكيبه وإيقاعاته فضاء زمانيا ومكانيا محددين في: النص الشعري وخطابه. لذلك نقول إن الشاعر اختار الحوار سبيلا للكشف عن رؤاه الفكرية، وعواطفه المخبوءة، وتوجهاته؛ لتحقيق الوظيفة التعبيرية والتأثيرية كما قلنا سابقا.
ومن المعلوم أن الحوار، يستوجب ثنائية الخطاب، والتفاعل اللفظي، الذي يتقاسمه شخصان، وشخصيتان مختلفتان؛ سواء من حيث الجنس أو الوضع أو التوجه. وطبعا هنا، ألغينا الحوار الداخلي ــــ أو المناجاة ــــ الذي قد يكون أيضا حاضرا، وذا مستوى تعبيري جاد ومسؤول.
وقد قسمنا الحوار في شعر بوعلام دخيسي إلى مستويات ثلاثة: المستوى الأفقي، والمستوى العمودي، والمستوى الخفي.
المستـوى الأول:
ينهج فيه الشاعر سبيل الحوار الثنائي مع شخص حقيقي أو مفترض، يدعو من خلاله إلى توظيف حدث معين، ومناقشته، أو التفاوض في شأنه. وهذا أمر واضح وجلي قد يتناوله أي شاعر بالقول والفعل معا.
يقول الشاعر في نموذج أول )الكامل(:
أوصيتُها
قلتُ:
ٱصبري
لا تذْرِفي بَعدي الدّموعْ
)...(
قالتْ سأفعلُ وارتمتْ في ليلها
وكما سبقت الإشارة، فتكاد الأشعار الأولى تخلو من هذه السمة، لأن الشاعر كان تواقا إلى بسط الفكرة، وتحليلها، وترك توقيعها لدى القارئ، دون اللجوء إلى الحوار أو السرد القائم على بناء الحدث وتجلياته. غير أنه في الدواوين اللاحقة حضرت الظاهرة أكثر، ووفر الشاعر فضاءات زمانية وشخصية (الشخصيات لتحقيق هذه الثنائية).
المستـوى الثانـي:
وقد أطلقنا عليه مفهوما أكثر ضيقا، لأنه يختار التعمق أكثر من الفيض الأفقي. وهنا، تحضر مجموعة من العناصر التي تؤكد فحوى الخطاب، ورمزية الحوار، نذكر منها: لفظ القول، وهي إشارة إلى تبادل أشكال الحوار بين الشخصيتين: قلتُ، أقولُ... قالَ، قالتْ، تقول وغيرها من الدالات التي تثبت دور الحوار في بناء المستوى الدرامي. وقد اعتبرناه عموديا لأنه في الغالب تكون هذه الشخصيات غير حقيقية: معنوية أو لا وجود لها.
نقرأ مثلا نصا في مجموعته الشعرية (كي أشبه ظلي) )الرجز):
حَدَّثَني جَدِّي وقالَ:
أيْ بُنَيْ
هُنا بَدَأنا أوّل المشوارِ
)...(
قلتَ لنا: لا تهِنوا...
هذي الجحافلُ الّتي ترَوْنَ
دونَ معنًى في قواميس السّلاحْ
إذًا،فالحوار افتراضي، غير حقيقي؛ قد يكون الجد واقعا، وقد ينتقل إلى صفة الماضي، ليحاور الشاعر كل ما يمت بصلة إلى الثوابت والتراث والمقدس في النسيج الاجتماعي والتاريخي. كما أنه يثبت أن المقولة اللفظية "قال، قلت" إنما هي سبيل إثبات السردي في النص الشعري، وخلق نوع من الدينامية التركيبية من حيث تنوع الخطاب وتحوله من صيغة المفرد / الشخصي، إلى صيغة الجمعي / الثنائي.
ويمكن أن نقدم نموذجا ثانيا، من المرحلة الشعرية ذاتها، حيث يقدم الشاعر بوعلام دخيسي وسيلة أكثر جدية وجِدَّةً في شعره، وهو حديث الانعكاس الضوئي، أو صورة المرآة. وربما مجموعته الشعرية (وحده قلبك في المرآة) تسير كاملة في هذا الاتجاه، لذلك أورد - فقط- مقطعا من قصيدة بعنوان "كان حلما" )الكامل(:
اِمنعْ خيالَك عن عيوني حين أغْفو أو أنامْ...
أو دُلَّني عن آيةٍ مِنْ وِرْدِ ليلكَ
قلتَ لي
لا طَيْفَ يَخْطُرُ حينَ تَقرأُ سورةَ العُتبى
وقُلْتَ بأنّ حُلمَكَ مِنْ حديدٍ بابُهُ
وجِدارُهُ صخرٌ مِنَ الصّمتِ العنيدِ
والكلام يطول في هذا المجال.
المستـوى الثالـث:
وما خفي كان أعظم، إن الشاعر بوعلام دخيسي، ينسج حواراته منذ فترة في إطار تحوير مبيَّت، ليقدم صورة عن موقف ما، أو يحرك وجدان ظاهرة ما، أو يقارب تيمة ما انطلاقا من عملية السحب والجذب والدفع؛ أي جعل التفاعل القائم على مبدإ النقاش وسيلة للكشف عن مضمر القول.
ولعل الحديث عن مكنونات الذات، أو ملفوظات لا مادية، غير مرئية، دليل على كون الشاعر بوعلام دخيسي يختار صيغة الحوار الخفي لتمرير جملة من القضايا التي يرى أن لها شأنا عظيما.
وهنا نركز على عنصر ثان (إلى جانب لفظ القول) وهو أسلوب النداء أو الخطاب المباشر. وقد أثار انتباهنا في المجموعة الشعرية الأخيرة (الصدى والنون) كون الشاعر بوعلام دخيسي ينهل من فيض الذات ما يجعل الآخر عنصرا ضروريا في تشكيل مادة الشعر وكينونته، فيحاوره في تعريف الشعر ووظيفته ومصادره وغير ذلك من القضايا النقدية ذات الأبعاد الاجتماعية والنفسية والإبداعية وغيرها.
فيتساءل الشاعر حينا حول الفضاء المكاني أو الزماني الذي يمكِّنه من لقاء الآخر والحديث معه )المتدارك(:
أينَ ألقاكِ هذا المساءْ؟
العساكِرُ في كلّ رُكنٍ
ولا ركنَ لي غير شِعري
فهل تقبلينَ الصّدى موعدًا للّقاءْ؟؟
فينتظر الرد، لكن الجواب يأتيه قبل ذلك، في نص سابق في المجموعة الشعرية ذاتها، بالنظر إلى الترتيب الذي وضعه الشاعر )الخبب(:
رشَّحْتُكَ للشّعرِ فقُمْ
واخطُبْ في الرّوحِ
ستأتي الرّيحُ بمنْ يهواكَ
وتَذكُرُ ما أنجزْتَ مِنَ الحبِّ جموعُ النّاسِ
ويُحفَظُ شِعرُك في الأمثالْ...
فالشاعر لا ينبس بكلمة القول، أو مرادفاتها، وإنما يجعل خطاب النداء وسيلة للتعبير عن الحوارية، أو التجاذب، ولعب الأدوار؛ حيث يقف الآخر هنا موقف المخاطِب والمجيب عن تساؤلات مضمرة للشاعر )الكامل(:
قالتْ لماذا اخترتَني دونَ القصائدِ...؟
قلتُ لمْ أخترْ ولكنّي كأنتِ مُسَيَّرُ
لا شأنَ لي بالحبّ إلا أنّني
جُندِيُّ حربٍ، للحِمى مستنفَرُ
ونقدم نموذجا أخيرا من سلطة الحوار الدرامي الخفي، أو المستوى الخفي كما ارتأينا تسميته، وقد اختار فيه الشاعر بوعلام دخيسي صفة غير مرئية، أو حقيقة مؤلمة لا يمكن البتة محاورتها؛ إنه الموت الذي جعله الشاعر محاوَرا خفيا، ومن خلاله يستبطن الذات، ليحقق المعادل الموضوعي للفناء، أو النهاية المحتومة، وقد جعل النص مناسبة لفقدان معين. ونشير هنا إلى سلطة المناسَبة في شعر بوعلام دخيسي، مما لم نُقبل على دراسته وتحليله، لأنه موضوع آخر أكثر حضورا، مما يستوجب الفضاء الأكثر اتساعا لعرضه.
يقول بوعلام دخيسي في قصيدته "صديقي الموت..." )المتدارك(:
أيّها الموتُ
هلّا استمعتَ إليّ قليلًا
لماذا صديقي تريدُ المزيدَ؟
لماذا...؟
فماذا تبقى للشاعر مِن مُحاوِرٍ، أو من لم يلقَ من الشعر قولا ميسورا، يجعله قريب العقل والقلب؟
من يكون المحاوِرَ والمحاوَر غير الشاعر ذاته، في صيغ مختلفة مبنى ومعنى، يحافظ من خلالها الشاعر على مكانته وموقفه من الكل، دون إخلال أو إذلال.
3 ـ القصيـدة: الإيقـاع
من المعلوم أن الشاعر بوعلام دخيسي، شاعر بالفطرة إن سلمنا بذلك، لأن شعره كلَّه موزون مقفى، يجمع فيه بين القصيدة العمودية التقليدية كما في تجاربه الشعرية الأولى، والقصيدة التفعيلية اختيارا ثانيا، ليوافق التحولات الشعرية الحداثية. لذا فهو يحاول التنويع من الإيقاع في شعره، وينهج نهج المتقدمين والمحدثين، ويجمع بين التقليدي والحداثي.
لن نخوض في هذا المحور في تجربته الشعرية كاملة، بقدر ما سنركز على مجموعته الأخيرة (الصدى والنون)، لكن هذا لا يمنع من تأكيد الإشارة السابقة، فالشاعر في مجموعته الأولى كان وفيا للصيغة التقليدية العمودية، لكنه بدءًا من المجموعة الثانية إلى الخامسة، تأرجح بين العمودي والتفعيلي مع التنويع في البحور الصافية خصوصا، وجعلها مضمارا للإيقاع في جل قصائده. فهو يركز على الكامل والبسيط والرمل وغيرها، وهذه القضية تتطلب بحثا آخر، غير أن المجموعة الشعرية الأخيرة (الصدى والنون)، ومنها على جل القصائد التي ينشرها حاليا؛ سواء على شبكة مواقع التواصل، أو عبر النشر الورقي، تتسم بنوع من التركيز على بحر بعينه، وهو بحر المتدارك، أو بحر الخبب. وقد أوردت نازك الملائكة موقفها منه في كتابها "قضايا الشعر المعاصر"، حيث حاولت إثارة الانتباه إلى كون الفاصلة الكبرى ذات أثر سلبي في الشعر، إذا لم يتمكن الشاعر من تحقيق التوازن الموسيقي.
تقول نازك: "المعروف أن تفعيلة الخبب (فعِلن) ليست إلا زحافا يعتري تفعيلة المتدارك الأصلية (فاعلن). وبتكرار فعلن هذه ينشأ وزن الخبب أو (ركض الخيل) كما يسمونه أحيانا. والمعروف أيضا أن العرب لم يستعملوا هذا الوزن إلا نادرا. ولعل ذلك هو الذي جعل الخليل ينساه فلا يحصيه في بحوره الخمسة عشر، وإنما استدركه عنه الأخفش وسماه بذلك (المتدارك)" .
ومن المعلوم في علم العروض، أن هناك من يجعل المتدارَك قلبا للمتقارِب فعولن / لُن فعو (فاعلن)، وكلا البحرين ينتميان إلى دائرة المتفِق. يقول الخطيب التبريزي: "وهذه الدائرة الخامسة سميت دائرة المتفِق لاتفاق أجزائها، والخماسي يوافق الخماسي"، فسماه بالمحدث، وقد أجاز فيه الخبن فجاء على فعِلن بحركة العين، ثم "سكَّنوا العين فجاء على فعْلن وسموه الغريب والمُتَّسِق، وركض الخيل وقَطْرَ الميزاب..." .
إذًا، فالسؤال المطروح، هو لماذا اللجوء إلى هذا البحر، وقد استهجنه أغلبُ العروضيين؟
أقول، وهذا استنادا إلى بعض الباحثين المهتمين بعلم العروض، وأخص بالذكر الأستاذ محمد علي الرباوي، الذي أكد في إحدى محاضراته أن مردَّ اشتغال المغاربة خصوصا بهذا البحر، هو قربه من اللهجة المغربية التي تُكثِر من توظيف السكون، أو الساكن، لذا نجد أغلب الكلمات تبدأ بسكون وتنتهي بسكون، وقد تتوالى حركة السكون في الكلمة نفسها. غير أنه إذا فشل المبدع في التوفيق بين البحر والجانب الموسيقي في النص، سقط في النثر، وغلبت عليه شقوة التقرير والمباشرة. ويؤكد الرباوي الأمر نفسه في مقدمة المجموعة الشعرية (الحرف الثامن)، بقوله معقبا على الحضور المكرر لتفعيلة فَعِلُن في شعر بوعلام دخيسي خاصة: "وقد وفق بوعلام في أكثر نصوصه رغم هذا القرب ، لكنه حين تسللت إلى بعض الأبيات الفاصلة الخماسية أدركتْ أذنُ القارئ أن النثر قد حضر؛ لأن الشاعر لم ينتبه إلى ما قالته نازك الملائكة رحمها الله حين اشترطت أن ترِد بعد فاعلُ فعْلن، لا فعِلُن هروبا من هذه الفاصلة. وكانت رحمها الله محقةً في هذا" .
نعود إلى شعر بوعلام دخيسي، ونلاحظ أن أغلب النصوص المبثوثة في مجموعته الشعرية (الصدى والنون) جاءت على بحر الخبب، مع استثناءات قليلة جدا. والابتعاد عن الظاهرة التي وجهه إليها الأستاذ الرباوي. ونشير هنا إلى ظاهرة إيقاعية قد لا ينتبه إليها القارئ العادي، وهي التشكيل البصري المخادع، فقد نقرأ نصا على أنه قصيدة تفعيلية، لكنه في حقيقته عمودي.
يقول بوعلام دخيسي في قصيدته "نسيتُ شعري..." :
نسيتُ شِعرًا دعيتُ اليومَ أقرأهُ
فقُلْتُ:
مَنْ فاطرٌ هذا ومبرِئُهُ؟
ونكتب البيت على الشكل الآتي (البسيط):
نسيتُ شِعرًا دعيتُ اليوم أقرأهُ
فقلتُ: مَنْ فاطِرٌ هذا ومبرِئُهُ؟
متَفْعِلن فاعِلن مستفعلن فعِلن
متَفعِلن فاعِلن مستفعلن فعِلُن
ونرجع للتأكيد على هذه الظاهرة إلى قصيدة "العربة" التي كتبها محمد علي الرباوي على الشكل الآتي:
عربةٌ واحدةٌ تُقِلُّنا
أنا وأنتَ
فاحْتمِلْني يا رفيقي
لحظةً أو لحْظتينْ
ويمكن أن نعيد رسمها عموديا (الرجز) كالآتي:
عربةٌ واحدةٌ تُقِلُّنا أنا وأنْــ
ــتَ فاحْتمِلْني يا رفيقي لحظةً أو لحْظتينْ
وقد نسج صديقه وخليله الشاعر حسن الأمراني نصا على الشكل نفسه في مجموعته الشعرية (نبض الخافقيْن) ، فكتبه:
حمَّلتُ شِعري
بعضَ ما ناء الفؤادُ بسِتْرهِ
وسألتُهُ
أنْ يَنْقُلَ الشّوقَ القديمَ بثغرهِ
وهو من مجزوء الكامل على الشكل الآتي:
حمَّلتُ شِعري بعضَ ما
ناءَ الفؤادُ بسِتْرِهِ
وسألتُهُ أنْ يَنْقُلَ الـــ
ـشَّوْقَ القديمَ بثَغرِهِ
كما نسجل ظاهرة إيقاعية أخرى، وهي اختلاس الحركة، في قصيدته "أنا كاذب"
أنا كاذبٌ في كلّ ما أحكي لكمْ
فلْتمْنعوني أنْ أبالِغَ في الكلامْ...
أنا لا أحبُّ
وإنّما أدعو لحربٍ
ضِدَّ مَنْ سرقوا السّلامْ...
فلا يمكن أن نقرأ المد في ضمير المتكلم (أنا)، وإلا اختل الوزن؛ فتكون القراءة الشعرية مبنيةً على اختلاس المد وقراءته: "أنَكاذبٌ، أنَلا أحبُّ..." ليكون البحر كاملا.
صدر البيت الأول: متفاعلن متْفاعلن متْفاعلن (مستفعلن).
لذا، يمكن أن نخلص إلى كون الشاعر بوعلام دخيسي تواقا إلى التنوع في كل قضية من قضايا الشعر: دلالية، وتركيبية وإيقاعية، وهو في ذلك ينسخ خيوط لعبة التواصل الفاعل والفعال، وربط الخيط الأبيض مع كل الأطياف في أفق بناء توقع انتظار كافٍ شافٍ.
وهو أيضا، يقرِّبُ المتلقي في مجموعته الشعرية الجديدة (الصدى والنون) مِن كيفية تلقي النص الشعري، وذلك بقراءة ما بين السطور، لأن الشاعر لا يمكنه أن يقول كل ما يقال، فالمجاز والاستعارة والانزياح وكل المحسنات هي طريقة للتعبير والتأثير وحسن التخلص سبيلا لكسب الشعر رؤيا واقعية بعيدة عن التخيل السردي بعيد المنال. فكان شعره بذلك واضحا من حيث الألفاظ والمباني اللغوية، لكنه في الوقت نفسه يحمل بين طياته الكثير من الكلام والمعاني.
لذلك نختم هذا المقال بقول الشاعر بوعلام دخيسي )المتدارك(:
القصيدةُ ما لم تقُلْهُ
وما لن تقولَهْ
القصيدةُ أوّلُ ما قاله الطّفل في مهدهِ
مِنْ كلامٍ قليلٍ
خفيفِ الصّدى
مُبهمٍ
ثمّ جاء الكلامُ الكثيرُ...
والكلام كثير حول هذه التجربة الشعرية، وهو ما لا يسعفنا فيه الوقت والفضاء والمناسبة. والمناسبة شرط كما يقال.
قبل حوالي عشر سنوات (05/01/2013) قدمت أولى قراءاتي لشعر بوعلام دخيسي، من خلال مجموعته الشعرية الأولى "هديل السحر" ، وكانت لي قراءة أخرى لمجموعته الثانية (الحرف الثامن) بتاريخ 29 يونيو 2014، ومنذئذ إلى الآن أتابع تجربته الشعرية بتمعن، ومراقبة للتحولات الشعرية التي تميز مسيرته. وقد أصدر الشاعر لحد الآن ست مجموعات شعرية، وتأتي مقاربة المجموعة الأخيرة (الصدى والنون) ضمن هذا السياق.
وقبل تقديم بعض الخصوصيات التي تميز هذه التجربة الشعرية الرصينة، لا بد من الوقوف عند بعض الملاحظات العامة.
1- مسيـرة شاعـر: ملاحظـات عامـة
قبل الشروع في مقاربة نصوص المجموعة الشعرية (الصدى والنون)، نسجل بعض النقط التي تميز مسيرة الشاعر بوعلام دخيسي، على مدى عشر سنوات كاملة من النشر والمشاركات الشعرية في لقاءات مختلفة:
فيما يتعلق بالإصدار، نشير إلى كون الشاعر ملتزمًا بتوزيع عملية النشر، إذ يخص عملا شعريا كلَّ سنتين، مع الحفاظ على المطبعة ذاتها (مطبعة الجسور وجدة).
التنويع في لوْحات الأغلفة، فالشاعر يختار في كل مجموعة شعرية فنانا تشكيليا (محمد سعود، عبد النبي كتوي، يحيى دخيسي (مرّتين)، حسن سعيدي، عبد الحميد الغرباوي)، واختيار المبدع رشيد أمديون لتصميم ثلاثة أعمال شعرية.
اختيار التعامل مع مؤسسة ديهيا، ليكون العمل الأخير ضمن منشوراتها.
الاستغناء عن عتبة المقدمة، بدءًا من المجموعة الثالثة، إذ قدَّم الشاعر والباحث الطيب هلو المجموعة الأولى (هديل السحر)، فيما تكلف الأستاذ الشاعر محمد علي الرباوي بتقديم المجموعة الثانية (الحرف الثامن)، وهذه إشارة ضمنية إلى كون بوعلام دخيسي اختار المقدمة في بداية تجربته الشعرية، لكسبها المكانة العلمية والإبداعية، وترويج المجموعة بإشهار وشهادة من نوع خاص. وقد كان لخطاب التقديم البعدي، أو كلمة الغلاف "الصفحة الرابعة" الدورُ في تمحيص الفكرة، والمصادقة على صدق التجربة وعُنفُوانِها. فقد خصَّ الشاعر بوعلام دخيسي مجموعتين شعريتين بهذه الخاصية، فكانت (عطفا على خصر الكمان) موثقةً بكلمات شعراء مغاربة معاصرين، وهم: أحمد بلحاج أية وارهام، ومصطفى الشليح والزبير خياط، ثم (وحده قلبُكِ في المرآة) ، بإعطاء الفرصة للشعراء أمينة المريني وسامح درويش ومالكة العاصمي، وهذا دليل على كون الشاعر يعرض شعره على جل المهتمين من شعراء وباحثين قبل نشره، والإنصات لملاحظاتهم وتجاربهم.
توجيه إهداء نصوص شعرية إلى أشخاص جمعتهم والشاعرَ رابطة إبداع أو بحث، ونخص بالذكر هنا مجموعته (الحرف الثامن)، حيث جعل ست قصائد محورا لهذه الـمَــهمة؛
تخصيص حفلات توقيع لكل الأعمال الشعرية، بأكثر من مرة لكل مجموعة شعرية، وهذا أيضا دليل على اهتمام القارئ بأعماله الشعرية، وتنويع المؤسسات التي تخصه بالاحتفاء، لذلك يلجأ الشاعر بوعلام دخيسي إلى التنويع في الأسماء التي تقدم قراءاتها لشعره، حتى يتجمع لديه أكبر عدد من المشاركين في التقديم والتحليل والنقد، ولو عدنا إلى سجل الأشهر القليلة الماضية، لوقفنا عند توقيعه مجموعته الشعرية (الصدى والنون) مرتين: الأولى بمؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم بوجدة في 22 ماي 2022، وبعدها بشهر احتفاء جمعية نرجس للتنمية الاجتماعية والثقافية والرياضية بالمجموعة، في الرباط بتاريخ 25 يونيو 2022، ليُتِمَّ هذا اللقاء دورتَه الثالثة.
عدم الإشارة إلى تاريخ كتابة النصوص الشعرية، أو مكان الكتابة، وهي سمة عامة لكل القصائد التي نشرها في المجموعات الشعرية الست، ولعل في ذلك توسيع لأفق القراءة، وجعل النص مفتوحا على الزمان والمكان.
الاهتمام بالجانب الشكلي، من حيث اختيار الخطوط المناسبة للقصائد، وهي في الغالب خطوط ذات طابع تشكيلي، غير أن الشاعر بوعلام دخيسي لا يهتم بالتشكيل من حيث استدراج القارئ إلى فك الرموز، أو الأشكال الهندسية التي يلجأ إليها بعض الشعراء لتوزيع الكلمات داخل فضاء النص (إلا في كلمتين: الأولى في مجموعته الثالثة (كي أشبه ظلي) حيث قسم كلمة (القصيدهْ) في قصيدته "القصيدة"، والثانية في مجموعته الشعرية (الصدى والنون)، حيث قسم كلمة (شظِيَّة) في قصيدته "ساحة حب")، أو داخل فضاء الصفحة.
بعد هذه الإشارات السريعة، نُعَرِّج نحو تقديم قراءة في التجربة الشعرية للشاعر بوعلام دخيسي، انطلاقا من ديوانه الأول، ووصولا إلى آخر مجموعة شعرية، التي تجد لها مكانا خصبا الآن، من حيث التقديم والتوقيع والقراءة.
2- خصوصيـات التجربــة الشعريـة لبوعـلام دخيسـي:
قبل الحديث عن خصوصيات التجربة الشعرية لدى الشاعر بوعلام دخيسي، نوثق أولا صلتنا بالمنجز الشعري المغربي المعاصر، وقد أفرز هذا الاهتمام رؤية متميزة، واستنتاج أهم التحولات التي تطبع التطور الزمني للشاعر. فلا شك، إذًا، أن نجد شاعرنا يقتفي أثر التحول، ويحاول أن يبصم تجربته بنوع من الخصوصية، للتميز والتمييز. فمن حيث التميز، نجد أن كل مبدع أو باحث يبحث عن صفة التألق، لتكون أعماله مثار الاهتمام والدراسة والبحث، أما التمييز، فهو خصوصية تطبع أي شخص أو مبدع يحقق ذاته، ويكوّن شخصية فردية تجعله متميزا عن غيره، سواء أكان التمييز إيجابيا أم سلبيا.
بالعودة إلى تجربة بوعلام دخيسي، نقف عند ثلاث خصوصيات، سنعقد الاتفاق الضمني على تتبعها، من خلال ما سبق من الأعمال المنشورة، أو ما سيلحقها إن شاء الله. وهنا نسجل استمرار الشاعر في النشر الإلكتروني، وهو خط رابط بين الحاضر والماضي. ولن نقف عند هذه التحولات، حتى ننتظر ما سيؤول إليه نشرها ورقيا لاحقا.
2-1- التحـول الدلالـي، والاقتـراب من الذات:
إذا أردنا تتبع تجربة الشاعر بوعلام دخيسي، فلا بأس من العودة قليلا إلى الوراء فحين نشر الشاعر ديوانه الأول (هديل السحر)، اجتمعت الذات والموضوع / الواقع بصفة متوازية؛ فكان الالتزام بالقضية أساسَ بناء الدلالة في قصائده. ولا نقصد بالالتزام هنا ما جاء به الوجوديون (جون بول سارتر...) وغيرهم ممن تبنوا فكرة الالتزام. ونذكر على سبيل المثال ما أكده بعض النقاد حيث: "أصبح من المُسَلَّم به لدى هذا الجيل من الشعراء وربما بتأثير الالتزام الوجودي أكثر من النظرية الماركسية في الفن أن الفنان سلاح في المعركة..." ، وهو ما رفضته نازك الملائكة حين دعت إلى الابتعاد عن الالتزام الكلي عن القضايا الاجتماعية، حتى لا تكون "فضيلة فنية متميزة" ؛ وإنما القصد أعم وأشمل، لأن الشاعر حينها يغدو مسؤولا عن قوله وفعله أمام الله والإنسان والذات، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى تحويل المقصد من الالتزام لضيقه، إلى المسؤولية العامة. فقد عرف نجيب الكيلاني المسؤولية الإبداعية كونها نابعة من صميم الإبداع الحق، دون "السقوط في براثن تيه الفلسفات التي تعد بالمئات" ، وقد خص الشاعر محمد علي الرباوي، استنادا إلى باحثين في هذا المجال، الشعرَ بالمسؤولية من خلال مقال له بعنوان "الأدب الإسلامي أدب غير ملتزم"، لأن الالتزام: «لا يحقق ما نريد، لهذا نرى أن نستبدل به مصطلح "المسؤولية"» .
نعود إلى الشاعر بوعلام دخيسي، لنقول: إن مجموعته الشعرية الأولى (هديل السحر) جلها قصائد يعبر فيها الشاعر عن مسؤوليته قولا وفعلًا؛ لذلك، يضع نفسه في موقف المدافع عن القضايا ذات البعد السياسي والاجتماعي، وينحو منحى المسؤول عن خيبات الأمة، وما آلت إليه الوضعية الاجتماعية والسياسية والدينية...
يقول في مقطع شعري، وهو - طبعا - نموذج وعينة لغيره (المتقارب):
قطَعْنا مع الشّيبِ كلَّ اعْتِمادٍ
وجئنا نُوَقَّعُ ما مُقتضاهْ:
سأكبُرُ حتّى أكونَ جنينًا
ويصْغُرَ في الشّمسِ أعتى الطّغاهْ
خرجتُ فلنْ أرْجِعَ اليومَ إلّا
بوَعْدٍ مِنَ اللّيْلِ يُخْفي دُجاهْ
هو العُمْرُ ما اختَرْتُ كيفَ ابتدَا
فدَعْني أقرِّرْ أخي مُنْتَهاهْ
ولئن عبَّر الشاعر في أغلب شعر مجموعته الشعرية الأولى، عن موقفه الجمعي الدال على كونه فردا داخل المجتمع، مَهمَّته الأولى أن يكون منافحا عن قضاياه ومبادئه، فقد سخر بعض شعر مجموعته الشعرية الثانية لهذا القصد، مع بداية التحول صوب القضايا الذاتية، أو التحول نحو ذات الذات، وذات الآخر.
ومن اللافت للنظر في سير هذا التحول، أن بوعلام دخيسي يجاهر القول بنيله الشعر الواقعي، وحفظه له، وسبره أغواره ماضيا، وأن قوله الشعري الحالي يستجيب لأهواء الذات ومفاتنها.
يقول في نص بعنوان "خير الشعر عاجله" (الطويل):
تقولُ فقطْ لا تنتسِبْ لقصيدةٍ
وأنتَ لها يا ابْنَ القبيلةِ جاهلُ
وإنْ شئتَ عِشقي للثُّمالةِ فالتزِمْ
سِلاحَكَ إنَّ الصّدقَ نِعْمَ المقاتلُ
وكنْ أنتَ لا قيسًا ولا المُتَنَبِّ لا
نِزارًا ولا درويشَ حينَ يُناضِلُ
تكُنْ شاعري وحدي أعَطَّرُ رَوْحَهُ
وَتُرْجَئِذٍ للبوْحِ فينا المداخِلُ
سألتُكَ، فانظُرْ ما تريدُ وإنّني
على ثقةٍ أنّ المُتَيَّمَ فاعلُ
أراني على عينَيْكَ بعضَ قصيدةٍ
فقُلْها، فخيرُ الشِّعر كالبِرِّ عاجلُ
فكان، فعلا، مُحَوِّلا شعرَه إلى الذات، ملتزما / مسؤولا أمام الذات والآخر، لكن بقول عذب، لا يخالطه فحش ولا كفر ولا حشو. فحين ننتقل إلى المجاميع الشعرية الموالية، نصادف شاعرا ذاتيا، منفتحا على الكل، يَنظُم ويحرك دواليب شعره لفائدة كل الأطياف وبكل لغات التواصل الإبداعي.
ومن البدء، تبدأ حكاية التواصل الجماعي في مجموعته الشعرية (كي أشبه ظلي) ، بتقديم إهداء إلى الكل دون استثناء:
إلى من كان لهم فضل هذا النبض
إلى من تعرفهم الدموع...
كما أن اللافت للنظر، سواء في هذه المجموعة أو المجموعتين المواليتين، (عطفا على خصر الكمان) و(وحده قلبك في المرآة)، أن الشاعر يتخذ مسارا جديدا، يتنقل بشعره بين أطياف مختلفة، يحكي، ويسرُد، يخاطب ويحاور، ينسُج كلماته وَفق أهوائه الشخصية، وما يمكن أن ينسُجَ من خلالها خيوط التواصل، والتصالح، والتصافح.
لذا، نأخذ مثالا عن كل مجموعة (المتقارب(:
... قلتُ: وما زالَ شِعري صريعَ النّساءِ
قضيْتُ مِنَ البحْثِ عُمرًا طويلَا
ولكن كَأَنْتِ أرى المستحيلا
لئِنْ كنتِ صفحةَ عشقٍ
فأنتِ الحقيقهْ
إذ يقِرُّ بوعلام دخيسي ويعترف أنه يبحث عن الحقيقة، وقد وجدها في الشعر حين يحاور الآخر، ويناجي الحبيب بشتى الصور والمجازات، ومن ثمة فالبحث عن الحقيقة وجدها في إرضاء الآخر / الأنثى، وإتمام صفقة التواصل. ويقول مرة ثانية (الوافر):
لكُمْ في الشّعرِ شيءٌ فاقَ حجمَهْ
سأوصي بالّذي
لَمْ أُنـْهِ نَظمهْ
وأَمنحُ كلَّ منْ يتلوهُ بيتًا
وأَربِطُهُ بنورٍ بعدَ ظُلمهْ
أنا للحبِّ أدعوكمْ جميعًا
وأسألكمْ
- أنا الخطّاءَ -
رحـمهْ
فـمَنْ يملِكْ كهذا الحبِّ يُخطِئْ
وإنّي سائلٌ للحُبِّ عِصْمَهْ
لذلك، يتدارك ما جاء سابقا، من كونه وجد الحقيقة كلها في الآخر / الأنثى (القصيدة - الذات - المرأة)، فينفي ربطه الذات بالآخر، ويطلب العفو والمغفرة إن ارتكب خطأ في حق أحد لم يردْ اسمُه في القصيدة (الإهداء في بعض القصائد). وهذا ما جعله يحتار، ويختار أن يجعل المتلقي حكما وخصما، ويترك الفرصة أمامه للتعبير عن رضاه وموافقته له (الوافر):
أحارُ مثلَكَ...
لا تلُمني إذا أكثرتُ مِنْ قَلَقٍ وسينِ
وآثرْتُ القصيدةَ
لم أقلْ ما يُفيدُ مِنَ الكلامِ سوى الأنينِ
سأُنهي ما تقرَّرَ مِنْ حديثٍ
فقرِّرْ أنتَ فِعلَكَ
بَعْدَ حينِ.
فكما هو ملاحظ، أن الشاعر بوعلام دخيسي يتدرج في بناء المفهوم الخاص بالشعر، فيجعله مرادفا للحياة أولا، من حيث التعلق بالموضوع والتيمات الأساسية البانية للمواقف السياسية والإيديولوجية، ليحول النظر إلى الإبداع ثانيا، بوصفه رؤية ذاتية تتوق إلى إرضاء الآخر، ونحت القول المعادل الموضوعي للحياة الخاصة.
من هنا، سار الشاعر إلى التودد والمسامرة الشعرية بشتى أنواعها، فمن الغزل والتقرب إلى المراسلة والحديث اليومي المرتبط بالمناسبة، وصولا إلى الاعتراف أنه كاذب "والشعراء يتبعهم الغاوون"، ومقِرٌّ أنه يسعى إلى أن يلقى نورُه صدًى لدى القارئ بشتى أطيافه وأجناسه، فكانت مجموعته الشعرية (الصدى والنون) التي اختارها تساؤلا للتأكد من مدى وصول صداه إلى المتلقي، ومن ثمة تحقيق النور المرتجى، فكان البدء باصطفافه بين الجميع موازنا ومصالحا (المتدارك):
أنتِ يا أسطُري المائِلهْ
دَعْكِ مِنْ مِعْصَمي
واحرُسي نجمتي الآفِلَهْ
واسْهَري ها هُنا
حيثُ يجتمع الآفِلونَ
أنا واحدٌ منهمُ
جئتُ في مَطلع القافلهْ...
ليؤكد أن ما قاله من شعر لم يصل بعد درجة الإشباع، فما من قول إلا أول الكلام )المتدارك(:
القصيدةُ ما لمْ تقلهُ
وما لنْ تقولَهْ
القصيدةُ أوّلُ ما قالهُ الطّفل في مهدهِ
مِنْ كلام قليلٍ
خَفيفِ الصّدى
مُبهَمٍ
ليصل إلى القول )الخبب):
مَنْ يُخرِسُ هذا الصّمتَ،
يُفجِّرُ في نفسي صوتي المبحوحْ؟
الآنَ سأُفْصِحُ عنّي
وأبوحْ...
وسأكتبُ ما لم أكتُبْ يومًا،
شَجرٌ تَسكُنهُ الرّيحُ
تظنُّ القادمَ نَوْءًا
فإذا بالغيمةِ تُرسِلُ شِعرًا
لذلك، فالشاعر لا يجد بدا من الاستمرار في الكتابة، والإبداع الشعري، بعيدا عن كل ما قد يثبط العزائم، ويُنقص من فورة الإنسان الداخلية، فتجده ميالا حينا إلى اليأس، ومقتربا من التفاؤل المبني على انتظار الحياة الثانية حينا آخر )الخفيف):
... إنْ سُرِقَ العمرُ منكَ
جِئتَ بثانِ..
أنتَ للخُلدِ
لن تموتَ وتفنى
أنتَ بالحُبِّ سيّدُ الفرسانِ
أنتَ حقًّا معذَّبٌ
أنتَ أشقى
أنتَ أرقى
بهذه الأحزانِ.
كما أنه يتجه صوب الموت، يحاكيه، ويجامله في نص (قديم / جديد)، بعنوان "صديقي الموت" )المتدارك(:
... سنَقْبَلُ بالموتِ
لكنْ بشرطٍ:
سنمَضي إليكَ جميعًا...
سئمنا الرّحيل فُرادى.
حينها لن تعيبَ العيونَ الدّموعُ
ولن يَسأل الحزنُ مِنا السَّوادَا...
فبالنظر إلى آخر ما نشر الشاعر، وتلمسا للطريق الذي تتبعناه انطلاقا من التجارب الشعرية التي مثلتها المجاميع الشعرية الست، نخلص إلى أهم الاستنتاجات:
- أن الشاعر بوعلام دخيسي محافظ على نمو تجربته الشعرية انطلاقا من التدرج، لكن ليس من الخاص إلى العام، وإنما من العام (الموضوع / الواقع / الخصوصية الجماعية)، إلى الخاص الذات، لكن الذات بالنسبة إليه تشكلُّ فردا بصيغة الجمع، لأنه الإنسان المحافظ على كل العلاقات، القائم بدور الجمع بين كل الأطياف، المختزِنُ لكل السمات الدالة على التوافق والتصالح.
- أنه ميال إلى الذاتية المرتبطة بالآخر، إذ لا يتَنَزَّه عن العرفان والامتنان للآخر؛ كل حسب موقفه وموقعه، ويتطلع إلى كسب ثقة الكلمة (الصدى)، لتجد صدى ونورا لدى المتلقي.
- أن التيمات المغيَّبة في شعره، تبقى حاضرة بين السطور، فهو يعترف أنه يخفي الكثير مما لم يقله، لكن مجازاته تفضحه، فهو يعْبُرُ من القصيدة إلى الأنثى، ومن الأنثى إلى الذات، ومن الذات إلى القصيدة؛ إنه الثالوث الذي ميز سيرة تجربة الشاعر دخيسي، وينحو من خلاله إلى جعل الذات مقسمة إلى ثلاث تيمات فرعية: الذات / الأنا، الذات / الخالق، الذات / الآخر. وحسب لعبة تغيير المواقع يخلق الشاعر محور التماثل الذي يعكس وجهه في المرآة حتى يشبه ظله، فيعزف آخر ألحانه على إيقاع الحرف الثامن على آلة الكمان، ويستعذب القارئُ الصوتَ والهديل في السحر.
2-2- الخطـاب الحـواري: سلسلــة الدرامـا المصغـرة فـي شعـر بوعـلام دخيسـي:
إن الحديث عن الحوارية في الشعر قضية تستأثر باهتمام كثيرٍ من الباحثين والنقاد، ولن نسترسل في تعريفها، أو تتبع مساراتها التاريخية، بقدر ما سنحاول أن نكشف عن وجودها في شعر بوعلام دخيسي، واستكناه دورها ووظيفتها مما يخدم الشعر ذاته، والشاعر في مرتبة ثانية.
فالمعلوم أن الحوار يتطلب عناصر أساسية، وهي الشخصية أو القوى الفاعلة في النص، إلى جانب الزمان والمكان، بوصفهما خاصيتين يحددهما الفضاء بمستوياته المادية والمعنوية، إلى جانب الحدث أو الأحداث، وسيرورات التحول في النص الحكائي. غير أن الشاعر إنِ انساق مع هذه العناصر، فسيسقط في تنميط النص الشعري، وجعله صيغة ثانية للسرد، أو النص المسرود بطريقة فنية تشكيلية عبر توزيع إيقاعي معين. وقد نقف حينها أمام عدم تجنيس النص، فيغيب التباين بين كونه شعرا أم نثرا.
هذا من جهة، من جهة ثانية، يمكن تفسير ظاهرة توظيف العناصر الحكائية في النص الشعري بالعودة إلى الوظيفة التعبيرية الانفعالية لدى المرسِل، أو الوظيفة التأثيرية والانتباهية وهي ما يخص القارئ أو المرسل إليه كما حددها رومان جاكبسون في تعريفه الشعرية من حيث وظائفها وسياقاتها: "التي تؤَوِّل أثر الشاعر من خلال موشور اللغة، وتُمسك بالوظيفة المهمة في الشعر، تمثل من حيث تعريفها، نقطةَ انطلاق لتفسير القصائد، أما فيما يخص قيمتَها الوثائقية والنفسية والتحليل - النفسية أو الاجتماعية، فإنها تبقى بطبيعة الحال مفتوحة على بحث المختصين الحقيقيين في هذه العلوم" . وقد ساق الناقد العربي القديم جملة من القضايا المرتبطة بالقارئ ومدى محاكاته لفعل الإبداع، وهي قضايا كما قلت سابقا ذات تفريعات مختلفة.
نعود إلى شعر بوعلام دخيسي، لنقف أولا عند التقسيم الزمني الضمني الذي سقناه في المحور الأول:
المرحلة الأولى: الشعر الجماعي، وسلطة الفكر في المجموعة الأولى وجزء من الثانية؛
المرحلة الثانية: المجاميع الشعرية (3 - 4 - 5)، حيث الانطلاق صوب الذات (الآخر بمختلف أبعاده).
المرحلة الثالثة: المجموعة الشعرية (الصدى والنون)، بوصفها الموجز الذي يختبر فيه الشاعر مدى تفوقه في تجربته.
وانطلاقا من هذه التحولات، يوفر الشاعر بوعلام دخيسي لألفاظه ودلالاته وتراكيبه وإيقاعاته فضاء زمانيا ومكانيا محددين في: النص الشعري وخطابه. لذلك نقول إن الشاعر اختار الحوار سبيلا للكشف عن رؤاه الفكرية، وعواطفه المخبوءة، وتوجهاته؛ لتحقيق الوظيفة التعبيرية والتأثيرية كما قلنا سابقا.
ومن المعلوم أن الحوار، يستوجب ثنائية الخطاب، والتفاعل اللفظي، الذي يتقاسمه شخصان، وشخصيتان مختلفتان؛ سواء من حيث الجنس أو الوضع أو التوجه. وطبعا هنا، ألغينا الحوار الداخلي ــــ أو المناجاة ــــ الذي قد يكون أيضا حاضرا، وذا مستوى تعبيري جاد ومسؤول.
وقد قسمنا الحوار في شعر بوعلام دخيسي إلى مستويات ثلاثة: المستوى الأفقي، والمستوى العمودي، والمستوى الخفي.
المستـوى الأول:
ينهج فيه الشاعر سبيل الحوار الثنائي مع شخص حقيقي أو مفترض، يدعو من خلاله إلى توظيف حدث معين، ومناقشته، أو التفاوض في شأنه. وهذا أمر واضح وجلي قد يتناوله أي شاعر بالقول والفعل معا.
يقول الشاعر في نموذج أول )الكامل(:
أوصيتُها
قلتُ:
ٱصبري
لا تذْرِفي بَعدي الدّموعْ
)...(
قالتْ سأفعلُ وارتمتْ في ليلها
وكما سبقت الإشارة، فتكاد الأشعار الأولى تخلو من هذه السمة، لأن الشاعر كان تواقا إلى بسط الفكرة، وتحليلها، وترك توقيعها لدى القارئ، دون اللجوء إلى الحوار أو السرد القائم على بناء الحدث وتجلياته. غير أنه في الدواوين اللاحقة حضرت الظاهرة أكثر، ووفر الشاعر فضاءات زمانية وشخصية (الشخصيات لتحقيق هذه الثنائية).
المستـوى الثانـي:
وقد أطلقنا عليه مفهوما أكثر ضيقا، لأنه يختار التعمق أكثر من الفيض الأفقي. وهنا، تحضر مجموعة من العناصر التي تؤكد فحوى الخطاب، ورمزية الحوار، نذكر منها: لفظ القول، وهي إشارة إلى تبادل أشكال الحوار بين الشخصيتين: قلتُ، أقولُ... قالَ، قالتْ، تقول وغيرها من الدالات التي تثبت دور الحوار في بناء المستوى الدرامي. وقد اعتبرناه عموديا لأنه في الغالب تكون هذه الشخصيات غير حقيقية: معنوية أو لا وجود لها.
نقرأ مثلا نصا في مجموعته الشعرية (كي أشبه ظلي) )الرجز):
حَدَّثَني جَدِّي وقالَ:
أيْ بُنَيْ
هُنا بَدَأنا أوّل المشوارِ
)...(
قلتَ لنا: لا تهِنوا...
هذي الجحافلُ الّتي ترَوْنَ
دونَ معنًى في قواميس السّلاحْ
إذًا،فالحوار افتراضي، غير حقيقي؛ قد يكون الجد واقعا، وقد ينتقل إلى صفة الماضي، ليحاور الشاعر كل ما يمت بصلة إلى الثوابت والتراث والمقدس في النسيج الاجتماعي والتاريخي. كما أنه يثبت أن المقولة اللفظية "قال، قلت" إنما هي سبيل إثبات السردي في النص الشعري، وخلق نوع من الدينامية التركيبية من حيث تنوع الخطاب وتحوله من صيغة المفرد / الشخصي، إلى صيغة الجمعي / الثنائي.
ويمكن أن نقدم نموذجا ثانيا، من المرحلة الشعرية ذاتها، حيث يقدم الشاعر بوعلام دخيسي وسيلة أكثر جدية وجِدَّةً في شعره، وهو حديث الانعكاس الضوئي، أو صورة المرآة. وربما مجموعته الشعرية (وحده قلبك في المرآة) تسير كاملة في هذا الاتجاه، لذلك أورد - فقط- مقطعا من قصيدة بعنوان "كان حلما" )الكامل(:
اِمنعْ خيالَك عن عيوني حين أغْفو أو أنامْ...
أو دُلَّني عن آيةٍ مِنْ وِرْدِ ليلكَ
قلتَ لي
لا طَيْفَ يَخْطُرُ حينَ تَقرأُ سورةَ العُتبى
وقُلْتَ بأنّ حُلمَكَ مِنْ حديدٍ بابُهُ
وجِدارُهُ صخرٌ مِنَ الصّمتِ العنيدِ
والكلام يطول في هذا المجال.
المستـوى الثالـث:
وما خفي كان أعظم، إن الشاعر بوعلام دخيسي، ينسج حواراته منذ فترة في إطار تحوير مبيَّت، ليقدم صورة عن موقف ما، أو يحرك وجدان ظاهرة ما، أو يقارب تيمة ما انطلاقا من عملية السحب والجذب والدفع؛ أي جعل التفاعل القائم على مبدإ النقاش وسيلة للكشف عن مضمر القول.
ولعل الحديث عن مكنونات الذات، أو ملفوظات لا مادية، غير مرئية، دليل على كون الشاعر بوعلام دخيسي يختار صيغة الحوار الخفي لتمرير جملة من القضايا التي يرى أن لها شأنا عظيما.
وهنا نركز على عنصر ثان (إلى جانب لفظ القول) وهو أسلوب النداء أو الخطاب المباشر. وقد أثار انتباهنا في المجموعة الشعرية الأخيرة (الصدى والنون) كون الشاعر بوعلام دخيسي ينهل من فيض الذات ما يجعل الآخر عنصرا ضروريا في تشكيل مادة الشعر وكينونته، فيحاوره في تعريف الشعر ووظيفته ومصادره وغير ذلك من القضايا النقدية ذات الأبعاد الاجتماعية والنفسية والإبداعية وغيرها.
فيتساءل الشاعر حينا حول الفضاء المكاني أو الزماني الذي يمكِّنه من لقاء الآخر والحديث معه )المتدارك(:
أينَ ألقاكِ هذا المساءْ؟
العساكِرُ في كلّ رُكنٍ
ولا ركنَ لي غير شِعري
فهل تقبلينَ الصّدى موعدًا للّقاءْ؟؟
فينتظر الرد، لكن الجواب يأتيه قبل ذلك، في نص سابق في المجموعة الشعرية ذاتها، بالنظر إلى الترتيب الذي وضعه الشاعر )الخبب(:
رشَّحْتُكَ للشّعرِ فقُمْ
واخطُبْ في الرّوحِ
ستأتي الرّيحُ بمنْ يهواكَ
وتَذكُرُ ما أنجزْتَ مِنَ الحبِّ جموعُ النّاسِ
ويُحفَظُ شِعرُك في الأمثالْ...
فالشاعر لا ينبس بكلمة القول، أو مرادفاتها، وإنما يجعل خطاب النداء وسيلة للتعبير عن الحوارية، أو التجاذب، ولعب الأدوار؛ حيث يقف الآخر هنا موقف المخاطِب والمجيب عن تساؤلات مضمرة للشاعر )الكامل(:
قالتْ لماذا اخترتَني دونَ القصائدِ...؟
قلتُ لمْ أخترْ ولكنّي كأنتِ مُسَيَّرُ
لا شأنَ لي بالحبّ إلا أنّني
جُندِيُّ حربٍ، للحِمى مستنفَرُ
ونقدم نموذجا أخيرا من سلطة الحوار الدرامي الخفي، أو المستوى الخفي كما ارتأينا تسميته، وقد اختار فيه الشاعر بوعلام دخيسي صفة غير مرئية، أو حقيقة مؤلمة لا يمكن البتة محاورتها؛ إنه الموت الذي جعله الشاعر محاوَرا خفيا، ومن خلاله يستبطن الذات، ليحقق المعادل الموضوعي للفناء، أو النهاية المحتومة، وقد جعل النص مناسبة لفقدان معين. ونشير هنا إلى سلطة المناسَبة في شعر بوعلام دخيسي، مما لم نُقبل على دراسته وتحليله، لأنه موضوع آخر أكثر حضورا، مما يستوجب الفضاء الأكثر اتساعا لعرضه.
يقول بوعلام دخيسي في قصيدته "صديقي الموت..." )المتدارك(:
أيّها الموتُ
هلّا استمعتَ إليّ قليلًا
لماذا صديقي تريدُ المزيدَ؟
لماذا...؟
فماذا تبقى للشاعر مِن مُحاوِرٍ، أو من لم يلقَ من الشعر قولا ميسورا، يجعله قريب العقل والقلب؟
من يكون المحاوِرَ والمحاوَر غير الشاعر ذاته، في صيغ مختلفة مبنى ومعنى، يحافظ من خلالها الشاعر على مكانته وموقفه من الكل، دون إخلال أو إذلال.
3 ـ القصيـدة: الإيقـاع
من المعلوم أن الشاعر بوعلام دخيسي، شاعر بالفطرة إن سلمنا بذلك، لأن شعره كلَّه موزون مقفى، يجمع فيه بين القصيدة العمودية التقليدية كما في تجاربه الشعرية الأولى، والقصيدة التفعيلية اختيارا ثانيا، ليوافق التحولات الشعرية الحداثية. لذا فهو يحاول التنويع من الإيقاع في شعره، وينهج نهج المتقدمين والمحدثين، ويجمع بين التقليدي والحداثي.
لن نخوض في هذا المحور في تجربته الشعرية كاملة، بقدر ما سنركز على مجموعته الأخيرة (الصدى والنون)، لكن هذا لا يمنع من تأكيد الإشارة السابقة، فالشاعر في مجموعته الأولى كان وفيا للصيغة التقليدية العمودية، لكنه بدءًا من المجموعة الثانية إلى الخامسة، تأرجح بين العمودي والتفعيلي مع التنويع في البحور الصافية خصوصا، وجعلها مضمارا للإيقاع في جل قصائده. فهو يركز على الكامل والبسيط والرمل وغيرها، وهذه القضية تتطلب بحثا آخر، غير أن المجموعة الشعرية الأخيرة (الصدى والنون)، ومنها على جل القصائد التي ينشرها حاليا؛ سواء على شبكة مواقع التواصل، أو عبر النشر الورقي، تتسم بنوع من التركيز على بحر بعينه، وهو بحر المتدارك، أو بحر الخبب. وقد أوردت نازك الملائكة موقفها منه في كتابها "قضايا الشعر المعاصر"، حيث حاولت إثارة الانتباه إلى كون الفاصلة الكبرى ذات أثر سلبي في الشعر، إذا لم يتمكن الشاعر من تحقيق التوازن الموسيقي.
تقول نازك: "المعروف أن تفعيلة الخبب (فعِلن) ليست إلا زحافا يعتري تفعيلة المتدارك الأصلية (فاعلن). وبتكرار فعلن هذه ينشأ وزن الخبب أو (ركض الخيل) كما يسمونه أحيانا. والمعروف أيضا أن العرب لم يستعملوا هذا الوزن إلا نادرا. ولعل ذلك هو الذي جعل الخليل ينساه فلا يحصيه في بحوره الخمسة عشر، وإنما استدركه عنه الأخفش وسماه بذلك (المتدارك)" .
ومن المعلوم في علم العروض، أن هناك من يجعل المتدارَك قلبا للمتقارِب فعولن / لُن فعو (فاعلن)، وكلا البحرين ينتميان إلى دائرة المتفِق. يقول الخطيب التبريزي: "وهذه الدائرة الخامسة سميت دائرة المتفِق لاتفاق أجزائها، والخماسي يوافق الخماسي"، فسماه بالمحدث، وقد أجاز فيه الخبن فجاء على فعِلن بحركة العين، ثم "سكَّنوا العين فجاء على فعْلن وسموه الغريب والمُتَّسِق، وركض الخيل وقَطْرَ الميزاب..." .
إذًا، فالسؤال المطروح، هو لماذا اللجوء إلى هذا البحر، وقد استهجنه أغلبُ العروضيين؟
أقول، وهذا استنادا إلى بعض الباحثين المهتمين بعلم العروض، وأخص بالذكر الأستاذ محمد علي الرباوي، الذي أكد في إحدى محاضراته أن مردَّ اشتغال المغاربة خصوصا بهذا البحر، هو قربه من اللهجة المغربية التي تُكثِر من توظيف السكون، أو الساكن، لذا نجد أغلب الكلمات تبدأ بسكون وتنتهي بسكون، وقد تتوالى حركة السكون في الكلمة نفسها. غير أنه إذا فشل المبدع في التوفيق بين البحر والجانب الموسيقي في النص، سقط في النثر، وغلبت عليه شقوة التقرير والمباشرة. ويؤكد الرباوي الأمر نفسه في مقدمة المجموعة الشعرية (الحرف الثامن)، بقوله معقبا على الحضور المكرر لتفعيلة فَعِلُن في شعر بوعلام دخيسي خاصة: "وقد وفق بوعلام في أكثر نصوصه رغم هذا القرب ، لكنه حين تسللت إلى بعض الأبيات الفاصلة الخماسية أدركتْ أذنُ القارئ أن النثر قد حضر؛ لأن الشاعر لم ينتبه إلى ما قالته نازك الملائكة رحمها الله حين اشترطت أن ترِد بعد فاعلُ فعْلن، لا فعِلُن هروبا من هذه الفاصلة. وكانت رحمها الله محقةً في هذا" .
نعود إلى شعر بوعلام دخيسي، ونلاحظ أن أغلب النصوص المبثوثة في مجموعته الشعرية (الصدى والنون) جاءت على بحر الخبب، مع استثناءات قليلة جدا. والابتعاد عن الظاهرة التي وجهه إليها الأستاذ الرباوي. ونشير هنا إلى ظاهرة إيقاعية قد لا ينتبه إليها القارئ العادي، وهي التشكيل البصري المخادع، فقد نقرأ نصا على أنه قصيدة تفعيلية، لكنه في حقيقته عمودي.
يقول بوعلام دخيسي في قصيدته "نسيتُ شعري..." :
نسيتُ شِعرًا دعيتُ اليومَ أقرأهُ
فقُلْتُ:
مَنْ فاطرٌ هذا ومبرِئُهُ؟
ونكتب البيت على الشكل الآتي (البسيط):
نسيتُ شِعرًا دعيتُ اليوم أقرأهُ
فقلتُ: مَنْ فاطِرٌ هذا ومبرِئُهُ؟
متَفْعِلن فاعِلن مستفعلن فعِلن
متَفعِلن فاعِلن مستفعلن فعِلُن
ونرجع للتأكيد على هذه الظاهرة إلى قصيدة "العربة" التي كتبها محمد علي الرباوي على الشكل الآتي:
عربةٌ واحدةٌ تُقِلُّنا
أنا وأنتَ
فاحْتمِلْني يا رفيقي
لحظةً أو لحْظتينْ
ويمكن أن نعيد رسمها عموديا (الرجز) كالآتي:
عربةٌ واحدةٌ تُقِلُّنا أنا وأنْــ
ــتَ فاحْتمِلْني يا رفيقي لحظةً أو لحْظتينْ
وقد نسج صديقه وخليله الشاعر حسن الأمراني نصا على الشكل نفسه في مجموعته الشعرية (نبض الخافقيْن) ، فكتبه:
حمَّلتُ شِعري
بعضَ ما ناء الفؤادُ بسِتْرهِ
وسألتُهُ
أنْ يَنْقُلَ الشّوقَ القديمَ بثغرهِ
وهو من مجزوء الكامل على الشكل الآتي:
حمَّلتُ شِعري بعضَ ما
ناءَ الفؤادُ بسِتْرِهِ
وسألتُهُ أنْ يَنْقُلَ الـــ
ـشَّوْقَ القديمَ بثَغرِهِ
كما نسجل ظاهرة إيقاعية أخرى، وهي اختلاس الحركة، في قصيدته "أنا كاذب"
أنا كاذبٌ في كلّ ما أحكي لكمْ
فلْتمْنعوني أنْ أبالِغَ في الكلامْ...
أنا لا أحبُّ
وإنّما أدعو لحربٍ
ضِدَّ مَنْ سرقوا السّلامْ...
فلا يمكن أن نقرأ المد في ضمير المتكلم (أنا)، وإلا اختل الوزن؛ فتكون القراءة الشعرية مبنيةً على اختلاس المد وقراءته: "أنَكاذبٌ، أنَلا أحبُّ..." ليكون البحر كاملا.
صدر البيت الأول: متفاعلن متْفاعلن متْفاعلن (مستفعلن).
لذا، يمكن أن نخلص إلى كون الشاعر بوعلام دخيسي تواقا إلى التنوع في كل قضية من قضايا الشعر: دلالية، وتركيبية وإيقاعية، وهو في ذلك ينسخ خيوط لعبة التواصل الفاعل والفعال، وربط الخيط الأبيض مع كل الأطياف في أفق بناء توقع انتظار كافٍ شافٍ.
وهو أيضا، يقرِّبُ المتلقي في مجموعته الشعرية الجديدة (الصدى والنون) مِن كيفية تلقي النص الشعري، وذلك بقراءة ما بين السطور، لأن الشاعر لا يمكنه أن يقول كل ما يقال، فالمجاز والاستعارة والانزياح وكل المحسنات هي طريقة للتعبير والتأثير وحسن التخلص سبيلا لكسب الشعر رؤيا واقعية بعيدة عن التخيل السردي بعيد المنال. فكان شعره بذلك واضحا من حيث الألفاظ والمباني اللغوية، لكنه في الوقت نفسه يحمل بين طياته الكثير من الكلام والمعاني.
لذلك نختم هذا المقال بقول الشاعر بوعلام دخيسي )المتدارك(:
القصيدةُ ما لم تقُلْهُ
وما لن تقولَهْ
القصيدةُ أوّلُ ما قاله الطّفل في مهدهِ
مِنْ كلامٍ قليلٍ
خفيفِ الصّدى
مُبهمٍ
ثمّ جاء الكلامُ الكثيرُ...
والكلام كثير حول هذه التجربة الشعرية، وهو ما لا يسعفنا فيه الوقت والفضاء والمناسبة. والمناسبة شرط كما يقال.