من أكثر المشاهد التي تجذب نظري – حين أكون في الشارع أو في وسائل النقل العامة - وأظل أتأملها إلى أن تنقلني إلى عالم آخر ، مشهد الصغير الذي لا يعرف من كل ما حوله إلا وجه أمه ورائحتها وحضنها ، فيستسلم للنوم مطمئنًا ، أو يجول بعين لا تدرك شيئًا في كل اتجاه . أو صغير يمسك يدها ، لا يعرف إلى أين يمضي معها لكنه يمضي ، لا يفهم شيئًا ولا يخشى شيئًا رغم الزحام والأصوات ، مادام في صحبة أمه. أتأمل الاثنين معًا ؛ أتأمل الأم بوصفها الراعي الحصري لهذا الصغير ، والمنوط به – بحكم فطرة الله التي فطر الأم عليها- رعايته وحمايته ، وأتأمل الصغير الذي ما كان يمكنه الاطمئنان في هذا العالم الواسع الصاخب المفزع لولا يد أمه.
أستدعي هذه المشاهد حين أسمع عن حالات الخطف أو ضياع الصغير أو تعرضه لحادث اعتداء هنا أو هناك . وأتساءل حينئذٍ : مالذي يجعل الأم تتهاون فتفلت يدها من يده ؟
هل لأنه كبر قليلًا واستطاع أن يمشي وحده تفلت يده ؟! هل يستطيع الصغير مصارعة الأمواج وهو لم تنبت لديه بعد إمكانات السباحة؟ ! هل يقوى أن يدفع عن نفسه شرور الناس و أذى الطريق ؟!
(1)
إن أكبر جريمة يمكن أن ترتكبها الأم هي الإهمال والتقصير في رعاية أولادها وتوفير الحماية لهم ، إنها ليست مسؤولية فحسب ، إنها أمانة في عنقها ، تُحاسب عليها ؛ لأن الصغير لا يستطيع حماية نفسه .
أُدرك ذلك تمام الإدراك ، وأومن به تمام الإيمان ، إلى درجة كانت تثير الدهشة والتعجب وربما السخرية والتندر . فيرى المحيطون بي أنني أبالغ في هذا غاية المبالغة ، وأتشدد فيه غاية التشدد . كنت حين أسافر إلى بيت عائلتي في إجازة الصيف - ورغم وجودنا في شقة محكمة الغلق – أتحرى الأولاد من وقت إلى آخر للاطمئنان على وجودهم وسلامتهم ، والتأكد من أن أحدهم لم يذهب هنا أو هناك أو يختفي على نحو أو آخر ، وبخاصة أن المكان كان يضم عددًا كبيرًا ؛ إخوة وأولادًا وأحفادًا وغير ذلك .كنت أحصيهم بالاسم حسب ترتيبهم، فأنادي : فلان .
فيأتي الرد : نعم يا ماما .
ثم أنادي على الذي يليه ، وهكذا حتى أصل إلى آخرهم ، وسط ضحكات غير قانعة بما أفعل . حتى جاء يوم كنت في الحمام حيث الاستمتاع بالمياه الباردة المنعشة في عصر يوم من أيام الصيف. فلم يشغلني هذا عن قيامي بهوايتي المفضلة بالإجراء المعروف ، فرحت أنادي عليهم واحدًا واحدًا وهم يستجيبون كالعادة ، ثم توقفت عند مناداة خامسهم وآخر العنقود ، لتذكري أنه صعد منذ قليل إلى شقة أخي بالدور الذي يلينا ، ونحن نشرف على عملية طلوعه ونزوله ، نسلمه ونتسلمه ، لزوم عملية تأمين أي صغير يصعد إليهم. حينئذٍ قلت بصوت مسموع للجميع : أعلم أن فلانًا في شقة خاله ، لكن إذا سمحتم ليصعد أحدكم للاطمئنان عليه زيادة في الحيطة.
ففعلوا هذا لكنهم عادوا ليخبرونا أن الصغير قد غادر منذ دقائق ونزل ، هكذا دون عملية تأمين وتسليم كما اعتدنا . على الفور طلبت أن تنزل مجموعة للبحث في الشوارع ، وفي نفس الوقت وجهت آخرين إلى النظر من شرفة الشقة لكشف حركة الصغير ، كل هذا وأنا لا أزال في الحمام . وبالفعل رأوه من الشرفة وهو يسير إلى آخر الشارع ثم يختفي ناحية اليمين . ومن ثم تم اللحاق به بفضل الله . وقتها سألتهم : ماذا كان سيحدث لو أنني لم أبالغ في الاطمئنان على الصغير ؟! عندئذٍ سلموا بمبالغتي ، ولم تعد – بعد - تثير السخرية أو العجب .
ولم يمنعني وجودنا في شقتنا أيضّا عن ممارسة هوايتي المفضلة ، لا سيما مع الصغار . ففي مرة كنا في حجرة واحدة دون الصغير الذي كان يلعب في الحجرة المجاورة ، فأرسلت أحدهم لتفقد حاله والاطمئنان عليه، فوجدناه يصرخ ويخبرنا أن الصغير انحشر في منضدة الكمبيوتر ولا يستطيع الخلاص ولا حتى إصدار صوت استغاثة ، وتم إنقاذه أيضًا بفضل الله .
تلك كانت طريقتي وقناعتي في رعاية الأولاد .
كم من مرة أصادف لا أقول حالة من حالات ضياع الابن أو خطفه ، لكن أقول حالة من حالات إهمال الأم وإجرامها في حق أولادها . حين أكون في السوق مثلًا أجد أمًا تصرخ لاختفاء ابنها من جانبها وهو في صحبتها ، وتنادي عليه بهستريا دون جدوى . فقد ضاع الصغير ، أو التقطه أحدهم وسحبه من أمه وهي لاهية غافلة عنه. وجدت إحداهن تصرخ فجأة على ابنها ، فقد ضاع منها إلى الأبد ، والله وحده يعلم الكوارث التي يتعرض لها الصغير حين يتم خطفه . فقد انشغلت عنه أمه وهي في محل لبيع (الشباشب)!!! ، أفلتت يدها من يده ، ثم اختفى في لحظة . ذكرني تصرف الأم هذا بما كنت أفعله وأنا في السعودية أبتاع بعض المصوغات الذهبية نهاية كل عام قبيل نزولي لقضاء الإجازة في مصر ، مصوغات ذهبية لا شباشب!!! كان لا يأخذني بريق الذهب وجمال المشغولات عن متابعة الأولاد ، فلا أسمح لأحدهم أن يغيب عن عيني لحظة ، رغم وجود والدهم معنا . كنت أضعهم أمام عيني – وعددهم بحول الله وقوته خمسة – فكان البائع وهو يضع أمامي أشكالًا وألوانًا من المشغولات الذهبية البديعة ، ومندمج معنا في عملية البيع ، يجدني فجأة أجري وأترك كل هذا ولا أهتم بشيء على الإطلاق إلا باللحاق بمن يحاول أن يفلت أو يتوارى قليلًا عن نظري . ورغم أن عملية الشراء كانت تتم وسط أجواء من القلق والارتباك في الركض خلف الصغار، فقد كان البائع يحتفظ بثباته الانفعالي ، بل وتكسو وجهه علامات الاستحسان والإعجاب - والدهشة أيضًا- بدرجة حرصي على الأولاد ورعايتهم .
إنهم أولادنا، فلذات أكبادنا ، أغلى وأهم شيء في حياتنا ، بل هم أمانة في عنقنا .
... وللكلام والحكايات بقية
ثناء محمود قاسم
أستاذ بكلية دار العلوم – جامعة الفيوم
أستدعي هذه المشاهد حين أسمع عن حالات الخطف أو ضياع الصغير أو تعرضه لحادث اعتداء هنا أو هناك . وأتساءل حينئذٍ : مالذي يجعل الأم تتهاون فتفلت يدها من يده ؟
هل لأنه كبر قليلًا واستطاع أن يمشي وحده تفلت يده ؟! هل يستطيع الصغير مصارعة الأمواج وهو لم تنبت لديه بعد إمكانات السباحة؟ ! هل يقوى أن يدفع عن نفسه شرور الناس و أذى الطريق ؟!
(1)
إن أكبر جريمة يمكن أن ترتكبها الأم هي الإهمال والتقصير في رعاية أولادها وتوفير الحماية لهم ، إنها ليست مسؤولية فحسب ، إنها أمانة في عنقها ، تُحاسب عليها ؛ لأن الصغير لا يستطيع حماية نفسه .
أُدرك ذلك تمام الإدراك ، وأومن به تمام الإيمان ، إلى درجة كانت تثير الدهشة والتعجب وربما السخرية والتندر . فيرى المحيطون بي أنني أبالغ في هذا غاية المبالغة ، وأتشدد فيه غاية التشدد . كنت حين أسافر إلى بيت عائلتي في إجازة الصيف - ورغم وجودنا في شقة محكمة الغلق – أتحرى الأولاد من وقت إلى آخر للاطمئنان على وجودهم وسلامتهم ، والتأكد من أن أحدهم لم يذهب هنا أو هناك أو يختفي على نحو أو آخر ، وبخاصة أن المكان كان يضم عددًا كبيرًا ؛ إخوة وأولادًا وأحفادًا وغير ذلك .كنت أحصيهم بالاسم حسب ترتيبهم، فأنادي : فلان .
فيأتي الرد : نعم يا ماما .
ثم أنادي على الذي يليه ، وهكذا حتى أصل إلى آخرهم ، وسط ضحكات غير قانعة بما أفعل . حتى جاء يوم كنت في الحمام حيث الاستمتاع بالمياه الباردة المنعشة في عصر يوم من أيام الصيف. فلم يشغلني هذا عن قيامي بهوايتي المفضلة بالإجراء المعروف ، فرحت أنادي عليهم واحدًا واحدًا وهم يستجيبون كالعادة ، ثم توقفت عند مناداة خامسهم وآخر العنقود ، لتذكري أنه صعد منذ قليل إلى شقة أخي بالدور الذي يلينا ، ونحن نشرف على عملية طلوعه ونزوله ، نسلمه ونتسلمه ، لزوم عملية تأمين أي صغير يصعد إليهم. حينئذٍ قلت بصوت مسموع للجميع : أعلم أن فلانًا في شقة خاله ، لكن إذا سمحتم ليصعد أحدكم للاطمئنان عليه زيادة في الحيطة.
ففعلوا هذا لكنهم عادوا ليخبرونا أن الصغير قد غادر منذ دقائق ونزل ، هكذا دون عملية تأمين وتسليم كما اعتدنا . على الفور طلبت أن تنزل مجموعة للبحث في الشوارع ، وفي نفس الوقت وجهت آخرين إلى النظر من شرفة الشقة لكشف حركة الصغير ، كل هذا وأنا لا أزال في الحمام . وبالفعل رأوه من الشرفة وهو يسير إلى آخر الشارع ثم يختفي ناحية اليمين . ومن ثم تم اللحاق به بفضل الله . وقتها سألتهم : ماذا كان سيحدث لو أنني لم أبالغ في الاطمئنان على الصغير ؟! عندئذٍ سلموا بمبالغتي ، ولم تعد – بعد - تثير السخرية أو العجب .
ولم يمنعني وجودنا في شقتنا أيضّا عن ممارسة هوايتي المفضلة ، لا سيما مع الصغار . ففي مرة كنا في حجرة واحدة دون الصغير الذي كان يلعب في الحجرة المجاورة ، فأرسلت أحدهم لتفقد حاله والاطمئنان عليه، فوجدناه يصرخ ويخبرنا أن الصغير انحشر في منضدة الكمبيوتر ولا يستطيع الخلاص ولا حتى إصدار صوت استغاثة ، وتم إنقاذه أيضًا بفضل الله .
تلك كانت طريقتي وقناعتي في رعاية الأولاد .
كم من مرة أصادف لا أقول حالة من حالات ضياع الابن أو خطفه ، لكن أقول حالة من حالات إهمال الأم وإجرامها في حق أولادها . حين أكون في السوق مثلًا أجد أمًا تصرخ لاختفاء ابنها من جانبها وهو في صحبتها ، وتنادي عليه بهستريا دون جدوى . فقد ضاع الصغير ، أو التقطه أحدهم وسحبه من أمه وهي لاهية غافلة عنه. وجدت إحداهن تصرخ فجأة على ابنها ، فقد ضاع منها إلى الأبد ، والله وحده يعلم الكوارث التي يتعرض لها الصغير حين يتم خطفه . فقد انشغلت عنه أمه وهي في محل لبيع (الشباشب)!!! ، أفلتت يدها من يده ، ثم اختفى في لحظة . ذكرني تصرف الأم هذا بما كنت أفعله وأنا في السعودية أبتاع بعض المصوغات الذهبية نهاية كل عام قبيل نزولي لقضاء الإجازة في مصر ، مصوغات ذهبية لا شباشب!!! كان لا يأخذني بريق الذهب وجمال المشغولات عن متابعة الأولاد ، فلا أسمح لأحدهم أن يغيب عن عيني لحظة ، رغم وجود والدهم معنا . كنت أضعهم أمام عيني – وعددهم بحول الله وقوته خمسة – فكان البائع وهو يضع أمامي أشكالًا وألوانًا من المشغولات الذهبية البديعة ، ومندمج معنا في عملية البيع ، يجدني فجأة أجري وأترك كل هذا ولا أهتم بشيء على الإطلاق إلا باللحاق بمن يحاول أن يفلت أو يتوارى قليلًا عن نظري . ورغم أن عملية الشراء كانت تتم وسط أجواء من القلق والارتباك في الركض خلف الصغار، فقد كان البائع يحتفظ بثباته الانفعالي ، بل وتكسو وجهه علامات الاستحسان والإعجاب - والدهشة أيضًا- بدرجة حرصي على الأولاد ورعايتهم .
إنهم أولادنا، فلذات أكبادنا ، أغلى وأهم شيء في حياتنا ، بل هم أمانة في عنقنا .
... وللكلام والحكايات بقية
ثناء محمود قاسم
أستاذ بكلية دار العلوم – جامعة الفيوم