د. أحمد الحطاب - كنا نظن أن الجامعةَ المغربيةَ هي الحِصن الحصين المُحصَّن ضد الفساد

فعلا، لم تعد الجامعة ذلك الحصن الحصين المحصَّن ضد الفساد، لما أصبحت فيها، هي الأخرى، المعرفةُ والعلمُ والنجاح والحصول على الشواهد (الدبلومات) سِلَعاً تُباع وتُشترى، مثلُها مثل أية سلعةٍ استلاكية. ومَن يبيع ويشتري هذه السِّلع؟ يبيعها شخصُ ليس في حاجة مُلحَّة لهذه المبالغ المالية الضخمة أو شخصٌ مشكوكٌ في نزاهته أو شخصٌ منعدم الضمير والأخلاق، أو شخصٌ، من المفروض أن يكون مٌحصَّتاً ضد الفساد بعلمه وضميره والمكانة التي يضعه فبها المجتمعُ المغربي. ويشتريها شخصٌ أو أسخاصٌ، هم الآخرون، من منعدمي الضمير الأنانيين الذين لا تهمٌّهم سمعةُ الجامعة وسر وجودِها.

يبيعها أستاذ جامعي الذي، من المفروض، أن يكونَ رمزاً ومِثالاً للقيم والأخلاق السامية. يبيعُها أستاذٌ جامعي الذي، من المفروض، أن يكون قدوةً يُحتدى بها بالنسبة للأجيال الصاعدة من الطلبة. أستاذٌ جامعي عَمِيَ ضميرُه وتدنَّت أخلاقُه إلى الدَّرك الأسفل. بل طغت عليه أنانيتُه واستسلم لبريق المال والمادة.

إنه، في الحقيقة، أساء لسُمعة الجامعة ولهيئة التَّدريس والبحث. بل أساءَ للمجتمع المغربي، برمَّته، الذي كان، في الأمس القريب، يُصنِّف الجامعة من الحصون النادرة، الحصينة والمُحصَّنة ضد الفساد.

فعلاً، المجتمع المغربي الذي يعلم منذ زمان، إن لم نقل يرى بأم عَينَيْه أن الفسادَ la corruption، بجميع أشكاله، أصبح عاملا اجتماعيا بِنيوياً est devenu un facteur social structurel. بمعنى أن هذا الفساد تغلغل في المجتمع وأصبح يتحكَّم في مُجريأت الحياة اليومية للناس. بل إن الفسادَ تغلغل، كذلك، في دواليب الدولة، وخصوصا، في الإدارة العمومية l'administration publique وفي الصفقات الاقتصادية les transactions économiques.

فلماذا أقول "الفساد أصبح عاملا اجتماعياً بنيوياً؟ ولماذا أقول، كذلك، "الفساد أصبح يتحكَّم في مُجريات الحياة اليومية للناس"؟

أولاً، لأن الفسادَ كاد و يكاد يتحوَّل إلى ثقافةً اجتماعية جماعية se rransformer en culture sociale commune. ثانياً، لأن هؤلاء الناس إذا أرادوا أن يروا أغراضَهم اليومية تتحقَّق، فما عليهم إلا أن ينخرطوا في دوامة الفساد، أي أن يتَّبعوا طرقاً مُلتوِية وغير قانونية، ولو كانت هذه الأغراض حقا من حقوقهم المضمونة دستورياً. وأهم أوجه الفساد، الرشوة pot-de-vin التي تفتح جميع الأبواب ولو كانت مُحكمةَ الإغلاق.

المجتمع المغربي كان يظن أن الجامعة هي المكان الوحيد الذي بقي مٌحصَّنا ضد الفساد، بإستثناء بعض الخروقات التي تجدث هنا وهناك، أي كان هذا المجتمعُ يظن أن الجامعةَ تُشكِّل حِصنا حَصيناً يمنع الفساد من التَّسرُّب إليه، علماً أن الفساد تسرَّب منذ سنين لمراحل التَّعليم الأخرى من ابتدائي وثانوي إعدادي وثانوي تأهيلي، وخصوصا، بعد أن أصبحت الدروس الخصوصية ضرورية لنجاح فلدات أكباد المواطنين. فلماذا كان الناس يظنون أن الجامعةَ مُحصَّنة ضد الفساد؟

لأن الجامعةَ عبارةٌ عن حَرَمٍ un sanctuaire له مكانة عالية في المجتمع، بحُكم مساهماتها في تنوير العقول عن طريق نشر المعرفة وترسيخ القيم الإنسانية السامية في سلوك خِرِّيجيها. إضافةً إلى مساهمتِها في تطوُّر البلاد وازدهارها، عن طريق البحث العلمي وتحويل نتائجه إلى قيماتٍ مضافةٍ، من شأنِها أن تخلق الثروةَ ومناصبَ الشغل.

ولا داعيَ للقول أن الجامعةَ تضمُّ بين أحضانِها أساتذة باحثين بلغوا درجةً عاليةً من النُّضج الفكري المُتمثِّل في التّحليل الجيِّد للأمور وإدراك معانيها والحكم عليها بفكرٍ نقدي بنَّاء. وإذا كان هناك مكانٌ، من الواجب أن يتحلَّى فيه الأساتذةُ الباحثون والطلبة بأخلاقٍ عاليةٍ، فهو الجامعة. لماذا؟

لأن الأساتذة يحملون مسؤوليةً كبيرةً إزاء المجتمع، تتمثَّل في تكوين الطلبة فكرياً وعلمياً، كما هو الشأنُ بانسبة لجميع جامعات العالم. الجامعة هي التي تُكوِّن للمجتمع القاضي والمحامي والطبيب والصيدلي والفيلسوف وعالِم الاجتماع وخبراء الاقتصاد والمالية وعلماء الفن بجميع أشكاله والمُخترعون وأرباب المقاولات والوزراء…

والتكوين فكرياً يتحقَّق ببثِّ في شخصية الطلبة، على الخصوص، روحَ الفكرَ النقدي، وذلك بتعويدهم على تشغيل مَلكاتهم الفكرية faire fonctionner leurs facultés intellectuelles من تحليل وتركيبٍ ومقارنة واستنتاج واستقراء…

أما االتَّكوين علمياً، فإنه يتحقَّق، أولا، ببثِّ في أنفس الطلبة الروحَ العلميةَ l'esprit scientifique، أي كل ما من شأنه أن يُعوِّدَهم على الإنتاج العقلاني للمعارف، عن طريق البحث، بشتى أنواعِها. ثانياً، بتبليغ لهم المعارف العلمية التي، من شأنها أن تنفعهم في حياتِهم اليومية، الاجتماعية والعملية.

فتَبّاً لمَن أساء لسُمعة الجامعة ومهَّدَ الطريقَ لتسرُّب الفساد إليها وأدخلها في دوامة الفساد الذي كان المجتمع يظنُّ أنها مُحصنةٌ ضده.

والكارثة العُظمى أن الطلبة الذين اشتروا الشواهد سيتزاحمون في سوق الشغل مع طلبة آخرين بدلوا جُهدا كبيرا وانهكوا قواهم العقلية والبدنية للحصول على نفس الشواهد. بل سيدخل للمجتمعِ، في آنٍ واحدٍ طلبةٌ من منعدمي الضمائر وآخرون شرفاء. والطامَّة الكبرى أنهم سينالون حقوقا لا يستحقُّونها وسيتكافئون من حيث الفرص الممنوحة للجميع دستورياً.

بهذه الصَّنيعة الخبيثة المُقترَفة من طرَف أستاذٍ جامعي، تنضم الجامعةُ إلى مواطن الفساد الذي لم يترك رُكنا من أركان المجتمع وحياة الناس اليومية والإدارة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلِّية إلا واستعمرها وبثَّ فيها سمومَه التي تُعرقِل تنميةَ البلاد وتقدُّمَها وتطوُّرَها وازدهارَها!

وفي الختام، العيبُ، كل العيبِ، يكمن في إخفاق السياسات العمومية، وعلى رأسها، السياسات التربوية، في "بناء الإنسان المغربي"، الحامل للقيم الإنسانية السامية، وعلى الخصوص، القيم التي تُحصِّنه ضد كل ما يسيء لتقدُّم وتطور بلادِه وجعلها تحتل مراكز مرموقة في التَّصنيفات العالمية.

أما طامَّة الطامات، فالبائع والمشترون سيكونون، إن عاجلاً أو آجلا، عناصرَ جُدُداً من عناصر بثِّ الفساد في المجتمع!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...