محمد بشكار - نفسي و بَعْدِي الخِرفان..!

كُلَّما حاولتُ أن أفكِّر في نفسي، إلا و عاتبتني و هي تُسدل الرمشَ على الرمْشِ في خفر أو غَزلٍ، و سرعان ما تنْعتقُ من رِبْقة الأنا و من كل ما لهُ جذْرٌ موصولٌ في معجم الزهور بالنرجس؛ و أحاولُ كَرَّةً ثانية أن أفكر في نفسي بحُجَّة أننا في زمن تَسُوده فلسفة الفردانية أو القِردانية حيث التهافت و الجشع و الإحتكار يصل في قفزه على الأكتاف الواهنة إلى أعلى ما قد تصله شجرة بالطاقية المثقوبة للمسكين المغربي في غابة المجتمع، جَنْياً لثمار لا تُؤكلُ إلا بعيداً عن الأنظار؛ أجل أحاول أن لا أفكر إلا في نفسي، و لكن كل تفكيري يفِرُّ من الذات ليستقر بقلقٍ يسكنني في الآخر الموضوع دائماً؛ لن أُخَوِّضَ كأني أضع الحناء على يدي في فلسفة تعقِّدُنا بمفاهيم لا يفهمها أحدٌ، و أقول إن هذا الإرتداد السلبي الذي جعلنا سُجَناء أنفسنا، أمْلتْهُ الرأسمالية المتوحشة التي أجبرت الإنسان على أن يتخذ من الفردانية نَمَطاً جديداً للعيش، فيسعى و كأنه يلحق بسراب خلف كل ربحٍ سريع، مُعتقداً أنه يربح معه نفسه بينما في الجوهر يخسرها حين يرافقه دائماً ذلك الشعور بالعزلة و الوحدة و الفراغ، ليصير موجوداً بالجسد فقط في خلية المجتمع التي تنتج بأمثال هؤلاء المُنْصَبِّين بكل التفكير في أنفسهم بَدَلَ العسل سُمّاً يجعلك بمرارة الحياة تتذوَّقُ الموت في أكثر من كأس قبل أن تنعم بقبر مريح.. !


كُلٌّ ماضٍ في الشارع إلى نفسه الماضيةِ بدورها و هي في الزمن المضارع إلى عصرٍ سحيق لا يمكن وصفهُ رغم أننا نحمل صورتهُ القبيحة في تعابير وجوهنا، إلا بالانحطاط الإنساني؛ لا أحد يفكر في أحدٍ إلا كما يُفكِّر المسمار كيف يجد في الخشب سواء كان كرسيا أو مائدة، موضعاً لِدَقِّ قدمه يجعله بقوة القانون المُكيَّفِ بالحشيشة التي تُعدِّلُ الأمزجة، في مأمنٍ من الملاقط التي تمشي على أفواهها، حتى يحتفظ بمكانته التي تعتبر في غالبية مساميرها ذات طبيعة سياسية، لا تتحدث في هدير نجارتها إلا بلغة الخشب، و حتى من قد يتوسَّم الناس فيه مِطْرقةً يصبح لهذه اللغة بفركة أوراق نتنة بالرشوة ميكروفوناً..!
لقد أكل الإنسان قلبه و تغوَّطهُ في الخلاء لتأكل فضلاته الكلاب، و لم يتبقَّ من الآدمية سوى تراب عديم الروح، وصرنا نعيش في كثافات سكانية أشبه بمقابر جماعية يحسب أناسها أنفسهم أحياء و هم أمواتٌ بعد أن انغلقت بين الجيران الأبواب وصارت الكاميرات تنوب عن أعيننا في النظر للوجه العزيز، و انتذب السكان كلب الحارس ليرُدَّ عِوَضَهُم التحية على الزائرين نُباحاً.. !
أفكّْر في نفسي دون سواها، هي كل ما أملك في الدنيا؛ هي وحدها نفسي تُبادلني الحب بأكثر من قلب، و لا تجعلني أكره نفسي؛ و حين أكون في خَصَاصَة من جيبي، لا أحد يهْرَعُ ليجبر فقري بفلسٍ أصفر، و لكن نفسي حفظها الله لي ، تكون أول من يترجم كل قِيَمِ الإيثار حين تمُدُّ يدها بسخاء إلى جيبي، لتلبي حاجياتي و تجعل يومي العسير ميسوراً؛ لا أحَد يُفكِّرُ فِيَّ سوى نفسي لذا أنا أيضاً أفكِّرُ في نفسي، فأذيقها من ميزانية الدولة التي تُعُولنا جميعاً، ملذَّات لا تخْطُرُ في حلاوة عيشها و بحبوحة رفاهيتها على ألف ليلة و ليلة، و رغم قلبي الرقيق الذي لا يحتمل أفلام الرعب، لا يمكن أن أضحِّي بسعادة نفسي التي لا تتحقَّقُ إلا بشقاء و بؤس الآخرين الذين أعلم أن حدود تفكيرهم لا يتجاوز في أقصى الطموح سقف الرغيف؛ أنا نفسي لم تعُد تقْبَلُ عليَّ الخبز، و صارت تشتهي أكلاً ناعماً يذوب قبل المضغ، و مع ذلك لا أعرف لماذا سمنْتُ و كلما اتسع الحزام حول خاصرتي، أحاول عبثاً أن أواكب حِمْية التقشف التي تفرضها الحكومة لتفقير الشعب، و لكن لا أستطيع أن أحرم نفسي من رَغَد العيش، و أفضل أن أنتفخ مع أرصدتي في الأبناك خارج و داخل البلاد و يبقى حزامي في خاصرتي، على أن يسقط حزامي بشظف العيش و يسقط معه سروالي للأرض..!
لقد أمر الله بالستر و أولى المبادىء التي تقي من الفضيحة، هو أن أبقى على العهد في حب نفسي التي ما كانت أبداً لتحتكر الثروات لو وجدت الناس يحبون الأموال و لا يؤيدون فكرة أن الفقر ليس عيبا، لكن نفسي لا تحب هذا الصِّنْف من المخدرات القوية التي تستبلد العقول؛ نفسي عزيزةٌ عليَّ، و أقيها من كل الأفكار الكيماوية التي لم تُصنع إلا لتُبيدَ البشر.. !

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 21 أبريل 2015)



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...