بهاء المري - ازدواجية الإيمان...

وقف المُشيعون ألوفًا أمام المقبرة، يُحيطون بالنعش في انتظار قرار النيابة العامة. لم يكن المتوفِّي مقتولا، بل كانت الأزمة في رفض أصحاب المقبرة دفنه فيها.
كانوا قد سمحوا بذلك حين كان ميتهم فقيرا مُعدمًا، أما الآن... فقد أصبح ميسور الحال، وبنى أولاده مقابر خاصة. ورغم ذلك أصرَّ ابنه الأكبر على دفنه في مقبرة هؤلاء القوم، لا لحاجة، بل لإثبات "حق معنوي في أرض الموتى.
ما أثار دهشتي أن هذا الابن نفسه كان إمامًا، يصلي بالناس ويُستفتَى في دقائق الحلال والحرام!
صورة لن تُمحَى من ذاكرتي، أعادت إلى ذهني مئات المشاهد اليومية: تَدين مُفرط في مظاهره، حرص صارم على أداء الصلاة، أناقة مُلفتة في الزي الديني، كلمات تفيض ورعًا تُقال في المجالس وتُنشر على وسائل التواصل، حتى لتدمع منها العيون... لكنها تتهاوى حين يُختبر الإنسان في سلوكه الفعلي.
كم رأينا من يَغش ويظلم ويتحايل، لكنه لا يُفوِّت فرضا، ومن يغتاب ويقسو على الضعفاء، لكنه لا ينسى ترديد الأذكار.
أفأصبح الدين رداء يُرتدى في العلن، ويُخلع في أول خلوة مع الضمير؟
إن أخطر ما نواجهه هو أن يتحول الدين إلى قناع يُلبس للعرض، ويُزال حين يُختبر المبدأ. إنها ازدواجية تهز الثقة، وتحدث شرخا عميقا، خصوصا لدى الشباب الباحثين عن قدوة.
فالدين في جوهره ليس طقوسا تُؤدى أمام الناس، بل صدق يُترجم إلى رحمة، وأمانة، وعدل. وما يهدد صورة الدين في المجتمع، أن يتصدر المشهد من يجيد المظهر، ويخالفه في الجوهر.
نحن بحاجة إلى تربية تُعيد الاعتبار للجوهر، وتُرسخ أن الإيمان الحقيقي لا يقاس بكم ما نُظهر، بل بما نُخفي من خير، ونمارس من صدق.
الدين، في حقيقته، سلوك يُمارس لا مظهر يُتعرض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...