محمد بشكار - رُدَّ لي بلادي..!

لمن لا يهمُّه الشِّعْرُ و يحسبُ نفسه أفلاطونا يطرد الشعراء من جمهوريته الوهمية دون أن يهمه في الفلسفة أيضا أمرٌ، أو يكون له من الدلو حبْلٌ في معين حكمتها التي تأسست على نُظمها العقلانية الدول و الحضارات ؛ أقول شكراً لأنك نبَّهْتني و لو مُتأخرا إلى العُمْر الذي ضيَّعْتُهُ شِعْراً طويلا في كتابة ما لا يُفيدني و يفيد المجتمع، و لأنك حذرتني و لو بعد فوات الفأس في الرأس من الشِّعْر الذي يعتبر بطبيعته الخارجة عن كل الطقوس، نبتة شيطانية تطرح ثمارا مُحرمة تطردُ من أكلها أو اقترفها بالكتابة من الجنَّة، رغم أن ديننا الإسلامي الحنيف، يضع في قرآنه الكريم شرْطَ "إلا الذين آمنوا" للشعراء و من تبعهم على درب القصيدة في كل وادٍ يهيمون..!
شكرا السيد رئيس الحكومة لأنك دعوتني إلى أن أعيد بقلبي النظر في الشِّعْر كي أشاطرك كراهيته، علماً أنه يكتنف في جوهره الإنساني قلباً منذورا للحب؛ شكرا لأنك جعلتني أفكر و أعيد التفكير دون أن أفهم كيف آل رأسي لِرِجْلَيْن، في طبيعة المجتمع الذي غدوتُ أنتمي لبلده أباً عن جد مع أني مواطنٌ من السكان الأقدمين؛ أجل جعلتني أفكر بعقل أو بدونه ما دُمْتَ قد ألغَيْتَ من الوجود أدمغةً في الآداب، هل أنا في بلدي المغرب و الأرض التي أنجبت من رحمها الخصبة أكبر الفلاسفة الذين ساهموا في تكوين العقل العربي و علمونا قِيم النقد الذاتي، و كانت منذ الأندلس و قبلها بعصور خَلَتْ، فيئاً وارفاً و رؤوماً لكبار الشعراء و ليتني كنتُ مُعجماً للأعلام كي أستظهر عن ظهر حب أسماءهم واحداً.. واحداً، تماماً كما لو أقرأ في القصيدة ذاكرتي، و أتذوَّق من طبق المختار السوسي ألذ ما جادت بعبقريته قرائح الأدب المغربي من إبداع أصيل في كتابه المعْسُول؛ فهل نحتاج اليوم أيضاً أن نستفزَّ عبد الله كنون في قبره لينهض معلنا القيامة بدافع الغيرة على أدبنا الذي لا ينتج في بلدنا إلا العاطلين، و يعيد كتابة النبوغ المغربي بصيغةٍ مَزيدةٍ و مُنقَّحة تقترب من بعض الأفهام التي لا تستطيع لفرط قِصَر مداركها أن تصل للأفكار الشاهقة في المعنى، عسى يعترف بنا بعضُ بني جِلْدتنا بدَل أن يسلخوا بالجَلْد شِعْرنا..!
شُكرا السيد رئيس الحكومة لأنك أتْبَعْتَنا في الإهانات السليطة نحن معشر المثقفين والأدباء و الشعراء و الفلاسفة و القضاة، بالأساتذة المتدربين الذين حُرموا من مستقبلهم في الشغل، و مازالوا يتلمَّظون بمرارة دماءهم التي سُفِكتْ علناً في الشارع أمام أنظار العالم، دون أن يستطيعوا للصَّدَع الذي حاق بكرامتهم رأْباً؛ و لن ننسى الأطباء الذين أيقنوا أن الحياة التي جاؤوا لإنقاذها لم تستقبلهم إلا بدروس في الموت، و أن سياسة التيئيس هيأت من لغة الخشب تابوتاً قاتلا يكاد يقول مسمار حاله؛ لو كان الخوخ دواءً لبدأ بمداواة نفسه؛ تُرى على من الدور ليتذوَّق سُم الإهانة في الموت القادم..؟!
شُكراً السيد رئيس الحكومة لأنك جعلتني أفكِّر مليّاً و جغرافيا أين أنا دون أن أ جد في التفكير فهماً يعيدني إلى بلدي؛ لعلَّ يداً أكبر من الكوارث الطبيعية أدارتْ الكرة الأرضية كما تُدار آلة الروليت التي تُقامر بنا جميعاً، و غيرت موقع المغرب في الخريطة من شمال إفريقيا إلى الشرق في العراق أو سوريا أو ربما اليمن، حيث ينتعش الجهل الشقي لداعش بذهنية التحريم لكل الأشكال الجمالية التي تُعبِّر بليغا عن إنسانيتا، ليسود القُبْح و يستأسد رغم أنه في الغابة لا يملك من الأنياب إلا ما تُفرزه الأفعى سُمّاً زعافاً يعاف الحياة؛ ألم أقل في ما سلف من كلامي إننا سُرقنا صُدْفةً، و لا نُريد سوى أن نستعيد بلدنا كما عهدناه جميلا منفتحاً على كل الآداب و الفنون و العلوم، و ليس مسْخاً غريبا لا نعرفه و لا يعرفنا، يسْتمرىء العيش مع أفكار ضيقة في الكهوف..!
لن أغنِّي مع فيروز رُدَّني إلى بلادي لأواسيها في غربتها، لأن الغربة الأفظع هي التي أشعر بحزنها و أنا في وطني، و تجعلني أمسك بعروقي لأحولها أوتارا جريحة كي أغني؛ رُدَّ لي بلادي..!
أعِدُكَ السيد رئيس الحكومة أن لا أكتب شِعْراً إذا كان في خَرَسي عن كتابته انصرافك عن ما يلبسُنا جلبابَ فقيهٍ بالمقلوب، علماً أنه الشعار الذي صار يُوحِّد بعقيرته كل المغاربة تنديداً بسياسة حكومتك التي ما فتئت تُلهبُ بسوط الأسعار ظهر شعبٍ مهيض كي تقف أنتَ و من معكَ بتوازن اقتصادي لا ينحرف قيْدَ فلْسٍ عن الكاميرا؛ أبدا لن أقول انصرف، لأنه ليس من أخلاقي التي اكتسبتُها أدباً، أن أطرد من أختلف معه في الرأي حتى لو كان في رأيهِ متطرِّفاً، بل إن الشاعر الذي يسكنني من رحابة القصيدة بحيث يجعلني أقول؛ ستجد حتى في انصرافك بيتاً من الشعر قد يتَّسِعُ غداً لك و لمنْ ضاق الناسُ سِجْناً بأفكاره السياسية التي صار لا يطبخُها إلا سَلَطَةً باللسان..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 7 أبريل 2016)




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...