على مدار بضع وستين عاما قضاها الروائي المصري محمد جبريل في الكتابة الصحفية والفكرية و الرواية والقصة، سيطرت أجواء مدينته الإسكندرية وحي بحري الذي ولد فيه على عالمه، الذي انعكس في 81 عملا أدبيا ما بين رواية وقصص قصيرة وسيرة ذاتية ودراسات أدبية، أهلته لنيل جائزة الدولة التقديرية في الرواية وتؤهله لنيل جائزة نوبل باقتدار كما حدث مع نجيب محفوظ فكلاهما منحاز في أدبه فنجيب محفوظ عاش في القاهرة وبخاصة الحارة المصرية الفاطمية وانحاز لها في عمله الابداعي وكذلك محمد جبريل ولد بحي بحري بالاسكندرية وانحاز له في عمله الابداعي لتلك المنطقة ولذكريات التنشئة الاجتماعية فيها .
إجبار التكرار أو التكرار القهري هو ظاهرة نفسية يكرر فيها الشخص حدثاً معيناً أو ظروف ذلك الحدث مراراً وتكراراً. يتضمن ذلك إعادة تنشيط الحدث أو وضع نفسه في المواقف التي من المحتمل أن يحدث فيها الحدث مرة أخرى. يمكن لظاهرة «إعادة العيش» تلك أن تكون على شكل الأحلام التي تتكرر فيها ذكريات ومشاعر ما حدث، وحتى تتلاشى. يمكن أيضاً استخدام التكرار القهري لتغطية تكرار السلوك أو أنماط الحياة على نطاق أوسع. و كان هناك "تكرار للأحداث الصادمة لغرض تحقيق إتقان متأخر، تمت رؤيته أولاً وبشكل أكثر وضوحًا في ألعاب الأطفال، على الرغم من أن "نفس النمط يحدث في الأحلام المتكررة وأعراض الصدمة في علم الأعصاب وفي العديد من الأفعال الصغيرة المماثلة للأشخاص الطبيعيين الذين يكررون ذات التجارب المزعجة عدة مرات قبل إتقان هذه التجارب. يمكن أن تظهر مثل هذه التكرارات المؤلمة في أشكال نشطة أو سلبية. في صورة سلبية، يختار المرء تجاربه الأكثر دراية باستمرار كوسيلة للتعامل مع مشاكل الماضي بدلاً من مواجهتها، معتقدين أن التجارب الجديدة ستكون أكثر إيلامًا من وضعهم الحالي أو جديدة جدًا وغير مجربة على التخيل. في الشكل النشط والتشاركي، يشارك الشخص بنشاط في السلوك الذي يحاكي ضغوطًا سابقة، إما عن قصد أو بغير وعي، بحيث تصبح الأحداث المرعبة في مرحلة الطفولة، في أحداث معينة، مصدر جذب في مرحلة البلوغ. على سبيل المثال، يمكن للشخص الذي تعرض للضرب في طفولته دمج هذا في ممارساته الجنسية في مرحلة بلوغه؛ أو ضحية الاعتداء الجنسي قد يحاول إغواء شخص آخر ذي سلطة في حياته (مثل رئيسه أو معالجه): محاولة لإتقان مشاعرهم وتجربتهم، بمعنى أنهم يرغبون في المرور بتجربة نفس الوضع بدون وعي بحيث لا يكون هناك نتائج سلبية كما كان في الماضي عندما عاشوا الوضع لأوَل مرة. من ناحية أخرى، كان هناك "تكرار بسبب ميل المكبوتين إلى إيجاد منفذ". هنا دفع الدافع أو الحافز المكبوت لإيجاد الرضا بتجديد الدفاع الأصلي: "يتم تعبئة القلق الذي أثار القمع لأول مرة، مرةً أخرى ويخلق، مع تكرار الدافع، تكرارًا للمضادة للغرائز ". اعتبر فينيخيل أن "التكرارات العصبية من هذا النوع لا تحتوي على أي عنصر ميتا فيزيائي"، و "حتى تكرار الفشل الأكثر إيلامًا لمجمع أوديب في الانتقال خلال علاج نفساني ليس" أبعد من مبدأ اللذة". يرى يونج أنّ تجسيد الإجبار يشير قبل كل شيء إلى الأب، ليس فقط إلى الأب الحقيقي، ولكن إلى "الصورة الأبوية" التي تحمل آثار الأنظمة المنظمة وتعود إلى ملايين السنين من التطور؛ لذلك يبدو مفهوم يونغ أوسع، حيث يتضمن في نشأة الظاهرة كل من البصمة الأبوية، وكذلك البنية الجينية الفطرية. بالمقارنة مع الصدمة، يتمّ التعبير عن الإجبار على التكرار أيضًا في الأحلام المتكررة، أي تلك الأحلام التي تكرر نفسها لأشهر أو حتى سنوات؛ لأنّ الألم الناجم عن تجربة مؤلمة يكون شديدًا وضخمًا بحيث لا يمكن تهدئته بحلم واحد أو كابوس واحد. يشرح فرويد الأحلام البائسة لمرضى "العصاب القهري" على أنّها تكرارٌ مستمرٌ للموقف المأساوي "كما لو كان هذا قبلهم كمهمة حالية لم يتم التغلب عليها". في هذا الصدد، يعتقد فرينزي أنّه في النوم "هناك احتمال أكبر لعودة الانطباعات الحسية التي لم يتم حلها، والمخبأة في الأعماق، والعنيفة للغاية.. التي تتوق إلى حل". في الواقع، فإنّ الحلم الذي تتكرر فيه الأحداث المؤلمة يؤدي إلى "وظيفة الصدمة" في مهمته المتمثلة في استعادة الآثار الحسية والذكريات المحتجزة في الجسد، من خلال التجارب الحسية والجسدية.
يحدثنا جبريل عن حي بحري ليقول : تفتح وعيي على الإسكندرية. وهي المكان الذي تخلقت فيه - حتى الآن - غالبية أعمالي، وبالذات: هذه المنطقة ما بين المنشية وسراي رأس التين، فيها مارس أبطال قصصي حيواتهم، سكنوا البيوت، وتنقلوا في الميادين والشوارع والأزقة، جلسوا على شاطئ الكورنيش، قضوا الأمسيات في حدائق رأس التين، عاشوا اللحظات الهانئة، والقاسية، اصطادوا بالصنارة والجرافة والطرّاحة، واصطادوا المياس ساعات العصاري، ترقبوا النوات وعانوا تأثيراتها، بدءاً باختطاف الرجـال في البحر، إلى الكساد الذي يعشش في ملازمة البيوت، أو شغل الوقت بالجلوس في المقاهي.
ثم يكمل : ذلك كله هو الذي دفعني للكتابة عن بحري، الحي الذي ولدت فيه، ووعيت على المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد التي تسمه بخصائص مغايرة، فمنطقة بحري، أصل الإسكندرية، كيلومتر مربع، من اليمين المينا الشرقية، ومن اليسار المينا الغربية، وفي المواجهة خليج الأنفوشي، لسان أرضي، شبه جزيرة في شبه جزيرة الإسكندرية. سمي الخليج ربما لوصله بين الميناء الشرقي والميناء الغربي. أذكر وقفتي على الشاطئ، بالقرب من قصر رأس التين، الصخرة - التي صارت بطلاً أعتز بها - في مدى النظر. أذكرك بروايتي «صخرة في الأنفوشي».
ويستطرد قائلا : ولا أتصور الإسكندرية من دون البحر، يحيط بها، تمضي شوارعها إليه، تعيش على المهن المتصلة به، فغالبية الشخصيات يتنقلون في مهنة الصيد، وحلقة السمك، وورش المراكب، والمهن المتصلة بالميناء، وفي الأجواء الروحانية المتمثلة في الجوامع والزوايا وأضرحة الأولياء ومقاماتهم، وما يتصل بذلك من موالد وأذكار وطرق صوفية. فقد - اعتادت - في طفولتي - قراءة لافتات الدكاكين وأفيشات السينما، وكل ما يحض على القراءة، فقد تشكل وعيي بالتعرف إلى الملامح والقسمات، والشوارع والأزقة والأبواب والنوافذ، كما تعرفت إلى ميادين وشوارع وحواري ومعالم حياة، في الموازيني وأبو العباس والبوصيري والسيالة وحلقة السمك والمسافرخانة والمغاوري والحلوجي والعدوي وقبو الملاح والتمرازية والكورنيش وسراي رأس التين. هذا هو بحري الذي أعرفه، داخلته ظواهر جديدة، لكن ناس بحري الأصليين، أهل الحي القديم، فرضوا عاداتهم وتقاليدهم وسلوكيات حياتهم اليومية على السكان القادمين من أحياء ومدن أخرى.
ومن هنا كانت قصة كرامات شيخ البحر المنشورة بأهرام الجمعة 8/2/2024
د. خالد محمد عبدالغني
إجبار التكرار أو التكرار القهري هو ظاهرة نفسية يكرر فيها الشخص حدثاً معيناً أو ظروف ذلك الحدث مراراً وتكراراً. يتضمن ذلك إعادة تنشيط الحدث أو وضع نفسه في المواقف التي من المحتمل أن يحدث فيها الحدث مرة أخرى. يمكن لظاهرة «إعادة العيش» تلك أن تكون على شكل الأحلام التي تتكرر فيها ذكريات ومشاعر ما حدث، وحتى تتلاشى. يمكن أيضاً استخدام التكرار القهري لتغطية تكرار السلوك أو أنماط الحياة على نطاق أوسع. و كان هناك "تكرار للأحداث الصادمة لغرض تحقيق إتقان متأخر، تمت رؤيته أولاً وبشكل أكثر وضوحًا في ألعاب الأطفال، على الرغم من أن "نفس النمط يحدث في الأحلام المتكررة وأعراض الصدمة في علم الأعصاب وفي العديد من الأفعال الصغيرة المماثلة للأشخاص الطبيعيين الذين يكررون ذات التجارب المزعجة عدة مرات قبل إتقان هذه التجارب. يمكن أن تظهر مثل هذه التكرارات المؤلمة في أشكال نشطة أو سلبية. في صورة سلبية، يختار المرء تجاربه الأكثر دراية باستمرار كوسيلة للتعامل مع مشاكل الماضي بدلاً من مواجهتها، معتقدين أن التجارب الجديدة ستكون أكثر إيلامًا من وضعهم الحالي أو جديدة جدًا وغير مجربة على التخيل. في الشكل النشط والتشاركي، يشارك الشخص بنشاط في السلوك الذي يحاكي ضغوطًا سابقة، إما عن قصد أو بغير وعي، بحيث تصبح الأحداث المرعبة في مرحلة الطفولة، في أحداث معينة، مصدر جذب في مرحلة البلوغ. على سبيل المثال، يمكن للشخص الذي تعرض للضرب في طفولته دمج هذا في ممارساته الجنسية في مرحلة بلوغه؛ أو ضحية الاعتداء الجنسي قد يحاول إغواء شخص آخر ذي سلطة في حياته (مثل رئيسه أو معالجه): محاولة لإتقان مشاعرهم وتجربتهم، بمعنى أنهم يرغبون في المرور بتجربة نفس الوضع بدون وعي بحيث لا يكون هناك نتائج سلبية كما كان في الماضي عندما عاشوا الوضع لأوَل مرة. من ناحية أخرى، كان هناك "تكرار بسبب ميل المكبوتين إلى إيجاد منفذ". هنا دفع الدافع أو الحافز المكبوت لإيجاد الرضا بتجديد الدفاع الأصلي: "يتم تعبئة القلق الذي أثار القمع لأول مرة، مرةً أخرى ويخلق، مع تكرار الدافع، تكرارًا للمضادة للغرائز ". اعتبر فينيخيل أن "التكرارات العصبية من هذا النوع لا تحتوي على أي عنصر ميتا فيزيائي"، و "حتى تكرار الفشل الأكثر إيلامًا لمجمع أوديب في الانتقال خلال علاج نفساني ليس" أبعد من مبدأ اللذة". يرى يونج أنّ تجسيد الإجبار يشير قبل كل شيء إلى الأب، ليس فقط إلى الأب الحقيقي، ولكن إلى "الصورة الأبوية" التي تحمل آثار الأنظمة المنظمة وتعود إلى ملايين السنين من التطور؛ لذلك يبدو مفهوم يونغ أوسع، حيث يتضمن في نشأة الظاهرة كل من البصمة الأبوية، وكذلك البنية الجينية الفطرية. بالمقارنة مع الصدمة، يتمّ التعبير عن الإجبار على التكرار أيضًا في الأحلام المتكررة، أي تلك الأحلام التي تكرر نفسها لأشهر أو حتى سنوات؛ لأنّ الألم الناجم عن تجربة مؤلمة يكون شديدًا وضخمًا بحيث لا يمكن تهدئته بحلم واحد أو كابوس واحد. يشرح فرويد الأحلام البائسة لمرضى "العصاب القهري" على أنّها تكرارٌ مستمرٌ للموقف المأساوي "كما لو كان هذا قبلهم كمهمة حالية لم يتم التغلب عليها". في هذا الصدد، يعتقد فرينزي أنّه في النوم "هناك احتمال أكبر لعودة الانطباعات الحسية التي لم يتم حلها، والمخبأة في الأعماق، والعنيفة للغاية.. التي تتوق إلى حل". في الواقع، فإنّ الحلم الذي تتكرر فيه الأحداث المؤلمة يؤدي إلى "وظيفة الصدمة" في مهمته المتمثلة في استعادة الآثار الحسية والذكريات المحتجزة في الجسد، من خلال التجارب الحسية والجسدية.
يحدثنا جبريل عن حي بحري ليقول : تفتح وعيي على الإسكندرية. وهي المكان الذي تخلقت فيه - حتى الآن - غالبية أعمالي، وبالذات: هذه المنطقة ما بين المنشية وسراي رأس التين، فيها مارس أبطال قصصي حيواتهم، سكنوا البيوت، وتنقلوا في الميادين والشوارع والأزقة، جلسوا على شاطئ الكورنيش، قضوا الأمسيات في حدائق رأس التين، عاشوا اللحظات الهانئة، والقاسية، اصطادوا بالصنارة والجرافة والطرّاحة، واصطادوا المياس ساعات العصاري، ترقبوا النوات وعانوا تأثيراتها، بدءاً باختطاف الرجـال في البحر، إلى الكساد الذي يعشش في ملازمة البيوت، أو شغل الوقت بالجلوس في المقاهي.
ثم يكمل : ذلك كله هو الذي دفعني للكتابة عن بحري، الحي الذي ولدت فيه، ووعيت على المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد التي تسمه بخصائص مغايرة، فمنطقة بحري، أصل الإسكندرية، كيلومتر مربع، من اليمين المينا الشرقية، ومن اليسار المينا الغربية، وفي المواجهة خليج الأنفوشي، لسان أرضي، شبه جزيرة في شبه جزيرة الإسكندرية. سمي الخليج ربما لوصله بين الميناء الشرقي والميناء الغربي. أذكر وقفتي على الشاطئ، بالقرب من قصر رأس التين، الصخرة - التي صارت بطلاً أعتز بها - في مدى النظر. أذكرك بروايتي «صخرة في الأنفوشي».
ويستطرد قائلا : ولا أتصور الإسكندرية من دون البحر، يحيط بها، تمضي شوارعها إليه، تعيش على المهن المتصلة به، فغالبية الشخصيات يتنقلون في مهنة الصيد، وحلقة السمك، وورش المراكب، والمهن المتصلة بالميناء، وفي الأجواء الروحانية المتمثلة في الجوامع والزوايا وأضرحة الأولياء ومقاماتهم، وما يتصل بذلك من موالد وأذكار وطرق صوفية. فقد - اعتادت - في طفولتي - قراءة لافتات الدكاكين وأفيشات السينما، وكل ما يحض على القراءة، فقد تشكل وعيي بالتعرف إلى الملامح والقسمات، والشوارع والأزقة والأبواب والنوافذ، كما تعرفت إلى ميادين وشوارع وحواري ومعالم حياة، في الموازيني وأبو العباس والبوصيري والسيالة وحلقة السمك والمسافرخانة والمغاوري والحلوجي والعدوي وقبو الملاح والتمرازية والكورنيش وسراي رأس التين. هذا هو بحري الذي أعرفه، داخلته ظواهر جديدة، لكن ناس بحري الأصليين، أهل الحي القديم، فرضوا عاداتهم وتقاليدهم وسلوكيات حياتهم اليومية على السكان القادمين من أحياء ومدن أخرى.
ومن هنا كانت قصة كرامات شيخ البحر المنشورة بأهرام الجمعة 8/2/2024
د. خالد محمد عبدالغني