فتحي عثمان - الحدث وما وراءه كمنشور وخوارزمية.

هل يشبه الحدث الإنساني الحدث الرقمي في المظهر والبواعث المحركة؟

تقوم هذه المقاربة على تصور الحدث الإنساني التفاعلي كمنشور يعيش عمراً زمنياً مقارباً لعمر المنشور في وسائل التواصل الاجتماعي، ويحظى بالإعجاب والمشاركة (المشاركة الفعلية في الحدث) والمشاركة التواصلية (أي تقاسم الحدث ومكوناته).

يمكن لهذه المقاربة أن تعمل كتطوير لفكرة سطوة الصورة والتي قدمها المفكر السعودي عبد الله الغذامي عن الصورة التلفزيونية (أنظر المراجع).

في بداية كتابه يقدم الغذامي صورة للإجابة على سؤال: "ماذا لو أن مشاهداً يشاهد التلفزيون، ثم فجأة خرجت عليه الصورة عبر الشاشة الفضية وراحت تضربه على وجهه وتفتك به؟

ثم يقدم الإجابة على السؤال عبر (حدوث رمزي) وذلك باستشهاده بالكوميدي الشهير بيتر سيلرز في فيلم "أن تكون هناك، 1979). يؤدي هذا الممثل البريطاني دور جنائني يعمل في أحد القصور المملوكة لغني، ويعيش في عزلة تامة عن العالم لا يصحبه فيها سوى تلفزيونه وجهاز التحكم عن بعد. وعن طريق جهاز التحكم عن بعد (الريموت كونترول) يسيطر الجنائني على ما يريده وما لا يريده من صور؛ فإذا أزعجته صورة أو مشهد انتقل إلى صورة أو مشهد آخر. وصادف أن مات صاحب القصر وقام الورثة ببيع القصر وطرد الجنائني، والذي خرج من القصر ولم يحمل سوى جهاز التحكم عن بعد ليتحكم في وقائع ومشاهد العالم الخارجي الذي لا يعرفه. وفي أزقة مدينة نيويورك يتحرش به مجموعة من الصبية ويبدأون في ضربه والاستهزاء به، وبما أنه لم يعش أي تجربة مماثلة إلا من خلال الصورة يقوم بإخراج جهاز التحكم من جيبه ويصوبه نحو رؤوس الصبية حتى يغير الصورة ويزيد ذلك من سخرية الصبية وتهجمهم عليه.

يقدم الغذامي هذه القصة ليناقش عصر الصورة ومحمولاته. ومقاربتنا تشبه مقاربة الدكتور الغذامي ولكن تتجاوز الصورة لتتعامل مع المنشور، والذي يتضمن الكلمة المكتوبة والصورة معاً أو متفرقين. وافتراضنا هو أن الحدث الإنساني في سرعته وتحولاته وسطحيته وتفاعليته أصبح عبارة عن منشور في وسيلة تواصل اجتماعي معروضة في الحاسوب أو الهاتف المحمول أو الجهاز اللوحي.

عناصر التشابه تتمثل في أن الحدث يمر أو يتم تمريره بسرعة عبر السبابة، تماماً كما المنشور ويحظى بالإعجاب كتفاعل عاطفي ويتم تبادله كذلك عبر التمرير في وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاركته (عبر الدخول فيه) وقبل الانتقال إلى خوارزميات الحدث دعونا نعرض صورة مشابهة لصورة جنائني الغذامي.

يتوسط صورتنا شاب في العشرينات من العمر في السنة العاشرة من الألفية الثانية. ملابسه وتصفيفة شعره تشابهان ملابس وتصفيفات الملايين من أنداده من كوريا شرقاً حتى البرازيل غرباً، وكذلك نوع الهاتف الذكي الذي يحمله في جيب سرواله الخلفي.

وفي صورة ذاتية لهذا الشاب (سيلفي) لا يمكنك معرفة ما إذا كان هذا الشاب تونسياً أو تركياً، لكننا نعرفه لأنه يخرج إلى ساحة الاعتصام في أكبر ميدان في عاصمة بلاده ليشارك في الثورة العارمة التي تجتاح البلاد والتي تريد "إسقاط النظام". يعيش الشاب حدثين متوازيين: الحدث الأكبر هو مشاركته الفعلية في "الحراك العام" وأحداث أخرى تتم عبر تبادل المعلومات عبر هاتفه المحمول، المنشورات والصور والرسائل النصية هي توجه حدثه الأكبر والمتسارع، تماماً كما تمرر السبابة المنشورات واحدة تلو الأخرى.

تبدو مكونات الحدث الأكبر متتابعة ومتسارعة: التجمع في الميدان، المسير التضامني مع الآخرين، توزيع الماء والطعام والشعارات بين الخيم المنصوبة، والتدخل العنيف لأجهزة الأمن والشرطة (أو الجيش لا فرق)، ثم تبادل التهاني بالانتصار بسقوط النظام وتشييع القتلى والدخول في طقوس التأبين في مشاهد/منشورات متتابعة عبر وسائل التواصل الجماعي.

ثم تحدث الردة وتمسك بالحكم حكومة مضادة لفكرة تغيير النظام ويظهر حاكم جديد/قديم في صدارة المشهد كحدث انساني يتسم بالبطء الشديد الباعث على الملل، ويكون هذا التباطؤ مشابهاً لبطء الصورة في الهاتف بسبب ضعف إشارة خدمة الانترنت أو تذبذبها أو انقطاعها، فهنا لا تتحرك صورة الحاكم لا إلى الأعلى أو الأسفل أو الأطراف وتكون هناك دائرة في منتصف الصورة لا تكف عن الدوران، هنا يجمد الحدث/المنشور.

الحدث الحقيقي أو الإنساني يقع في زمان ومكان محددين وضمن تشابك للمصالح (اتفاقاً أو اختلافاً) حول السلطتين: سلطة التواصل أو سلطة التفاصل. فعند الخروج إلى ساحة الاعتصام (المشاركة الفعلية) تتفاعل بواعث لتسيير الأحداث منها الدولي والإعلامي. وفي حالتنا هذه تعمل كل البواعث كخوارزميات تعتمد على جدلية العلاقة بين الخوارزمية والمحتوي والتي تقوم على مبدأ مكافأة الخوارزمية للمحتوى الذي يحقق التفاعل السريع، بينما يكافئ المحتوى القدرة الوظيفية للخوارزمية بما يضمن بقاءها أولاً وترقيتها ثانياً. فسمة المنشور/الحدث هي السرعة والسطحية والإثارة العاطفية والسعي نحو الانتشار (عبر المشاركة التواصلية والفعلية) وعبر قابلية التفاعل ذاتها (انتراكتفيتي).

أما الخوارزمية تعرض ما يعجب أو يثير المتابع عبر الانتقاء، ثم تحاول تخصيص تجربة المتابع (بإشعاره بأنها يملكها بشكل حصري) وذلك اعتماداً على التحديث المستمر بحيث تكون مرنة في استجابتها السريعة للسلوك، وأنها تمارس التحفيز الحقيقي عبر إثارة العاطفة أو الجدل. وتتسم الخوارزمية فوق كل ذلك بالغموض، حيث تظل آلية عملها مجهولة ومحجوبة عن متابع المنشور، تماماً كما تبدو بواعث الحدث الحقيقي خفية على إدراك المشارك نفسه، إلا ما يقع في حيزه وتفاعله المباشر. في هذه الحالة يشبه أداء الخوارزمية نظرية المؤامرة وهي تشبه الخيوط المحلية والدولية وراء الأحداث الفعلية.

فالحدث يشترك مع المنشور في أنه سطحي وعابر في الزمان والمكان وتسببه عوامل مثيرة للعواطف وتقع في الغالب خارج معرفة المشارك فيه، وتقوم سبابة الخوارزميات الخفية بتحريك الأحداث وتتيح بعض الإمكانات للمشارك الظن بأنه صانع كلي للحدث بإشعاره بأنه مسيطر على مجرياته، ولكن تحولات الأحداث اللاحقة تكشف خطأ ذلك التصور وعدم الإدراك للخلفيات المحركة للحدث ذاته.

بهذا التواشج الظاهري للحدث وآلية عمل الخوارزمية المحركة والسمات المحددة للمحتوى/المنشور يتشابه سياق ومسار الحدث الإنساني مع المحتوى الرقمي في السمات والبواعث.



المراجع:

دكتور، الغذامي، عبد الله، الثقافة التلفزيونية: سقوط النخبة وبروز الشعبي، الطبعة الثانية، 2005، المركز الثقافي العربي، الرباط.

Bucher, T. (2018) If … Then Algorithmic Power and Politics.

Oxford University Press.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...