ليلئ كو - قراءة في قصيدة “سَتـَائِـرُ الاخْتِنـَاقِ” للشاعر السوري مصطفى الحاج حسين

عودة الأديب الشاعر مصطفى الحاج حسين إلى رحاب المجلة هي بمثابة إشراقة ضوء في سماء ملبدة بالسحب، يحمل بين سطوره صدى الروح المتأملة التي تغوص في أعماق الألم والوجود، حيث لا ينفصل الحزن عن الأمل، ولا ينقضي الألم إلا بالسكينة والاعتراف بفناء الذات في فضاء اللامحدود.
قصيدته “سَتـَائِـرُ الاخْتِنـَاقِ” ليست مجرد كلمات تنسج الحزن، بل هي رحلة فلسفية متجسدة في صورة الصمت الذي يبتلع القهر، والحب الذي يكسو الوجع حجابًا، والرحيل الذي يحمل في طياته استسلامًا وحكمةً عميقة. هو يكتب عن الخيبات والانتظار والخيانة، لكنه في الوقت ذاته يعلن عن انتفاضته الداخلية بالسكوت والانسحاب المدروس، كمن يختار السلام مع ذاته قبل أي وداع.
عودة مصطفى تذكرنا بأن الشعر ليس مجرد تعبير عابر، بل هو مرآة الروح التي تصقل نفسها من معاناة الواقع، لتنسج منه أسمى معاني الصمود والصدق والإنسانية. حضورك بيننا يا استاذ مصطفى هو تذكير دائم بأن النابغين لا يغيبون إلا ليعودوا أكثر إشراقًا وتأملًا.
سلامتك ومرحبًا بعودتك إلى ديارك الشعرية، حيث يلتقي الفكر بالجمال، وتنتصر الكلمات على صمت الوجود.
أستاذي الشاعر القدير مصطفى الحاج حسين،
نصُّك “ستائرُ الاختناق” ليس مجرّد قصيدة، بل هو انفجار وجودي نازف، تسير فيه الكلمات على شفا الهاوية، ممسكةً بخيوط الحرف حتى لا تهوي بك إلى أعماق الانطفاء.
أنت هنا لا تكتب، بل تنقش مراثي الذات على جدران الروح.
هذا الحزن الصاعد من قلب الجراح لا يشبه انكسارًا عاديًّا، بل هو خيانة كونية تتآمر فيها الدروب، والانتظار، والفضاءات التي وهبتها الأمان… فأجابتك بالصمت والخذلان.
“سأحمل معي خيبتي المتفجّرة
وآلام أحلامي
ودمع صوتي الرميم”
هذا ليس توصيفًا شعريًّا فحسب، بل هو بكاء الصمت الذي أنهكه البوح، والتعبير الذي يجعل للوجع صوتًا لا يُنسى.
وفي هذا البيت:
“وأنا أُسدِلُ ستارةَ حُبّي
على وجعٍ كافرٍ لقيتُهُ من وطني”
تبلغ القصيدة ذروتها، حين يتحوّل الوطن من حضنٍ إلى رماد، ومن ذاكرةٍ إلى لعنة. إنها الخيبة القصوى التي لا يُلام فيها الشاعر، بل يُبكى عليه.
قصيدتك معلّقة على حائط هذا العصر، شاهدة على نزيف الغربة ومرارة الخيانة، وصرخة شرفٍ تقول: “أنا هنا، ولو بصمتي.”
دمتَ مبدعًا، شاهقًا كآلامك، عميقًا كجراحك.
أنت من الشعراء الذين يُقرأ لهم بالإحساس قبل الحواس.
ليلئ كو..
* سَتـَائِـرُ الاخْتِنـَاقِ ..
أحاسيس: مصطفى الحاج حسين .
يَنْتَظِرُنِي النِّسْيـَانُ
لِيَأُخُذَنِي إلى عَتَمـَاتِ النِّهَايـَةِ
سَأَحْمِلُ مَعِي خَيْبَتِي المُتَفَجِّرةَ
وآلامَ أَحْلامِي
وَدَمْعَ صَوْتِيَ الرَّمِيْمِ
وَ سـَأَتـرُكُ على الأرضِ
شَهْقَـةَ دَمِي
وآهـاتِ خُطايَ
ورمـادَ ابْتَسَامَتِي المَاطِرَةِ
غَدَرَتْ بيَ الـدُّرُوْبُ
وَضَلَّلَنِـيَ الانْتِظـَارُ
وَخـَانَتْنِـيَ الأَيَـادِي
الَّتِي أَطْعَمْـتُهَا فَضـَائِي
إِنِّي أَسـتوْدِعُ جِرَاحِي
في لَمَسـَاتِ النَّدى
وَأَتْـرُكُ شُرُفـَاتِ قَصـَائِدِي
لِحُضْنِ المَـوْجِ
وَأَنَا أُغـَادِرُ فِتْنَةَ الجَحِيْمِ
لن أطِلَّ على خرابِ البياضِ
لَنْ أُوَدِّعَ سُقُوْطَ الرُّؤى
وَلَنْ أَحْكِيَ لِلْعـَدَمِ
عَنْ مـَآثِـرِ وجُـودِي
بينَ عَـتْمَتِكُم
سَأَبْتَلِعُ قَهـْرِي بِصَمـْتٍ
وأنا أُسْـدِلُ سِـتـَارَةَ حُبِّي
على وجَـعٍ كافرٍ
لَـقِيْتـُـهُ مِنْ وَطَنِي *

مصطفى الحاج حسين .
إسطنبول

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...